بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي

عن الكتاب
وقوله تعالى :﴿الجحيم يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ﴾ وذلك أن النبي ﷺ لما قدم المدينة وصالح بني قريظة وبني النضير، وهما قبيلتان بقرب المدينة، وأخذ منهم الميثاق بأن لا يكون بينهم القتال، وأن يتعاونوا فيما بينهم على الديات، فدخل مستأمنان على رسول الله ﷺ فخرجا من عنده فقتلهما «عمرو بن أمية الضمري »، ولم يعلم بأنهما مستأمنان، فوداهما رسول الله ﷺ بدية حُرَّين مسلمين، فخرج رسول الله ﷺ مع أبي بكر وعمر وعلي إلى بني النضير ليستعين بهم في ديتهما، فقالوا : مرحباً حتى نستأذن إخواننا من بني قريظة. وقال في رواية الكلبي : خرج إلى بني قريظة فقالوا : حتى نستأذن إخواننا من بني النضير، وأدخلوهم داراً وأجلسوهم في صفّة، وجعلوا يجمعون السلاح، وهموا بقتل رسول الله ﷺ وأصحابه، وكانوا ينتظرون كعب بن الأشرف وكان غائباً، فنزل جبريل وأخبر النبي ﷺ بالقصة وخرج، فلما أبطأ الرجوع قام أبو بكر فخرج، ثم خرج عمر، ثم خرج علي رضي الله عنهم فنزلت هذه الآية :﴿الجحيم يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ﴾ ﴿إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ يقول : أرادوا وتمنوا أن يمدوا أيديهم إليكم بالقتل ﴿فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ﴾ بالمنع.
قال الفقيه أبو الليث : حدّثنا أبو جعفر، قال : حدّثنا علي بن أحمد، قال : حدّثنا نصير بن يحيى، قال : حدّثنا أبو سليمان، عن محمد بن الحسن، عن محمد بن عبد الله، عن الزهري، عن عبد الله بن كعب بن مالك أن رسول الله ﷺ خرج إلى بني النضير ليستعين بهم في دية الكافرَيْن اللذيْن قتلهما «عمرو بن أمية الضمري »، فهمّ بنو النضير بقتل النبي ﷺ، فبلغ النبي ﷺ فسار إليهم فحاصرهم، وأمر بقطع النخيل وحاصرهم حتى قالوا : أتؤمننا على دمائنا وذرارينا وعلى ما حملت الإبل إلا الحلقة يعني السلاح ؟ قال :«نعم » ففتحوا الحصون، وأجلاهم إلى الشام. فهذا الخبر موافق رواية مقاتل أنه خرج إلى بني النضير. وقال الضحاك : كان سبب نزول هذه الآية أن النبي ﷺ خرج ذات ليلة إلى البقيع إلى قبور الشهداء وحده، فأتاه رجل من اليهود شديد محارب، فقال : إن كنت نبياً كما تزعم فأعطني سيفك هذا، فإن الأنبياء لا يبخلون، فأعطاه سيفه فشهر اليهودي السيف وهزه ليضربه به. فلم يجترىء للرعب الذي قذفه الله تعالى في قلبه، ثم ردّ عليه السيف فنزل :﴿الجحيم يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ﴾ ثم قال :﴿واتقوا الله وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون﴾ ففي الآية مضمر، فكأنه قال : فاتقوا الله وتوكلوا على الله، ﴿وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون﴾ يعني على المؤمنين أن يتوكلوا على الله ويثقوا بالنصر لهم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى