البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة

عن الكتاب
ثم دعا أهل الكتابين إلى الإيمان برسوله صلى الله عليه وسلم، فقال :
﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُمْ مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾
يقول الحقّ جلّ جلاله :﴿يا أهل الكتاب﴾ اليهود والنصارى ﴿قد جاءكم رسولنا﴾ محمد صلى الله عليه وسلم ﴿يُبين لكم كثيرًا مما كنتم تُخفون من الكتاب﴾ كصفة محمد صلى الله عليه وسلم، وآية الرجم التي في التوراة، وكبشارة عيسى بأحمد التي في الإنجيل، ﴿ويعفو عن كثير﴾ مما تخفونه وتحرفونه، فلم يخبر به، ولم يفضحكم، حيث لم يؤمر به، أو عن كثير منكم، فلا يؤاخذه بجرمه وسوء أدبه معه.
﴿قد جاءكم﴾ يا أهل الكتاب ﴿من الله نور وكتاب مبين﴾، عطف تفسير، فالنور هو الكتاب المبين، أو النور : محمد عليه الصلاة والسلام والكتاب المبين : القرآن ؛ لأنه الكاشف لظلمات الشك والضلال، والواضح الإعجاز والبيان.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : قد أطْلَع الله علماء الباطن على مقامات علماء الظاهر وأحوالهم وجل مساوئهم، ولا سيما من كان عالمًا بالظاهر ثم انتقل إلى علم الباطن، كالغزالي وابن عباد وغيرهما. فقد تكلم الغزالي في صدر الإحياء مع علماء الظاهر، ففضح كثيرًا من مساوئهم. وكذلك ابن عباد في شرح الحكم، وعفوًا عن كثير ـ فهم على قدم رسول الله صلى عليه وسلم وخواص ورثته، لأنهم حازوا الوراثة كلها، كما في المباحث :
تَبِعَةُ العَالِم في الأقوَالوالعَابِد الزَّاهِد في الأفعَال
وفِيهما الصُّوفِيُّ في السباقلكنَّه قّد زَادَ بالأخلاَق
فالولي نور من نور الله، وسر من أسراره، يُخرج به من سبقت له العناية من ظلمات الحجاب إلى نور الشهود، ويهدي به من اصطفاه لحضرته تعالى طريق الوصول إليه. وبالله التوفيق.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى