جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيّنُ لَكُمْ كَثِيراً مّمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ قَدْ جَآءَكُمْ مّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مّبِينٌ﴾. .
يقول عزّ ذكره لجماعة أهل الكتاب من اليهود والنصارى الذين كانوا في عصر رسول الله ﷺ : يا أهل الكتاب من اليهود والنصارى، قد جاءكم رسولنا، يعني محمدا ﷺ. ، كما :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : يا أهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا وهو محمد ﷺ.
وقوله : يُبَيّنُ لَكُمْ كَثِيرا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتابِ يقول : يبين لكم محمد رسولنا كثيرا مما كنتم تكتمونه الناس ولا تبينونه لهم مما في كتابكم. وكان مما يخفونه من كتابهم فبينه رسول الله ﷺ للناس : رجم الزانين المحصنين. وقيل : إن هذه الآية نزلت في تبيين رسول الله ﷺ للناس من إخفائهم ذلك من كتابهم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يحيى بن واضح، قال : حدثنا الحسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال : من كفر بالرجم فقد كفر بالقرآن من حيث لا يحتسب، قوله : يا أهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيّنُ لَكُمْ كَثِيرا مِمّا تُخْفُونَ مِنَ الكِتابِ فكان الرجم مما أخَفَوْا.
حدثنا عبد الله بن أحمد بن شَبّويَهْ، أخبرنا عليّ بن الحسين، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا يزيد، عن عكرمة، عن ابن عباس، مثله.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الوهاب الثقفي، عن خالد الحذّاء، عن عكرمة في قوله : يا أهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَينُ لَكُمْ. . . إلى قوله : صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ قال : إن نبيّ الله أتاه اليهود يسألونه عن الرجم، واجتمعوا في بيت، قال :«أيّكم أَعْلَمُ ؟ » فأشاروا إلى ابن صُورِيا، فقال :«أنْتَ أعْلَمُهُمْ ؟ » قال : سل عما شئت، قال :«أنْتَ أعْلَمُهُمْ ؟ » قال : إنهم ليزعمون ذلك. قال : فناشده بالذي أنزل التوراة على موسى، والذي رفع الطور، وناشده بالمواثيق التي أُخذت عليهم، حتى أخذه أَفْكَل، فقال : إن نساءنا نساء حسان، فكثر فينا القتل، فاختصرنا أُخْصُورة، فجلدنا مِئة، وحلقنا الرءوس، وخالفنا بين الرءوس إلى الدّوابّ أحسبه قال : الإبل قال : فحُكِم عليهم بالرجْم، فأنزل الله فيهم : يا أهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يبيّن لَكُمْ. . . الاَية، وهذه الاَية : وَإذَا خَلا بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ قالُوا أُتَحدّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحاجّوكُمُ بِهِ عِنْدَ رَبّكُمْ.
قوله : وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ يعني بقوله ويعفو : ويترك أخذكم بكثير مما كنتم تخفون من كتابكم الذي أنزله الله إليكم، وهو التوراة، فلا تعملون به حتى يأمره الله بأخذكم به.
القول في تأويل قوله تعالى : قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللْهِ نُورٌ وكِتابٌ مُبِينٌ.
يقول جلّ ثناؤه لهؤلاء الذين خاطبهم من أهل الكتاب : قد جاءكم يا أهل التوراة والإنجيل من الله نور، يعني بالنور محمدا ﷺ، الذي أنار الله به الحقّ، وأظهر به الإسلام، ومحق به الشرك فهو نور لمن استنار به يبين الحقّ، ومن إنارته الحقّ تبيينه لليهود كثيرا مما كانوا يخفون من الكتاب. وقوله : وكِتابٌ مُبِينٌ يقول جلّ ثناؤه : قد جاءكم من الله تعالى النور الذي أنار لكم به معالم الحقّ. وكِتَابٌ مُبِينٌ يعني : كتابا فيه بيان ما اختلفوا فيه بينهم من توحيد الله وحلاله وحرامه وشرائع دينه، وهو القرآن الذي أنزله على نبينا محمد ﷺ، يبين للناس جميع ما بهم الحاجة إليه من أمر دينهم ويوضحه لهم، حتى يعرفوا حقه من باطله.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
* * *
وقوله:"ويعفو عن كثير" يعني بقوله:"ويعفو"، ويترك أخذكم بكثير مما كنتم تخفون من كتابكم الذي أنزله الله إليكم، وهو التوراة، فلا تعملون به حتى يأمره الله بأخذكم به. (٢).
* * *
القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾
قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه لهؤلاء الذين خاطبهم من أهل الكتاب:"قد جاءكم"، يا أهل التوراة والإنجيل="من الله نور"، يعني بالنور، محمدًا ﷺ الذي أنار الله به الحقَّ، وأظهر به الإسلام، ومحق به الشرك، فهو نور لمن استنار به يبيِّن الحق. ومن إنارته الحق، تبيينُه لليهود كثيرًا مما كانوا يخفون من الكتاب. (٣)
* * *
وقوله:"وكتاب مبين"، يقول: جل ثناؤه: قد جاءكم من الله تعالى النور الذي أنار لكم به معالم الحقِّ،="وكتاب مبين"، يعني كتابًا فيه بيان ما اختلفوا فيه بينهم: من توحيد الله، وحلاله وحرامه، وشرائع دينه، وهو القرآن الذي أنزله
(٢) انظر تفسير"العفو" فيما سلف من فهارس اللغة.
(٣) انظر تفسير"نور" فيما سلف ٩: ٤٢٨.