محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ١٤ من سورة المائدة في ١١٦ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و١٨ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ١٤ من سورة المائدة

١١٦ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿وَمِنَ الّذِينَ قَالُواْ إِنّا نَصَارَىَ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظّاً مّمّا ذُكِرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ إِلَىَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبّئُهُمُ اللّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾. .
يقول عزّ ذكره : وأخذنا من النصارى الميثاق على طاعتي وأداء فرائضي واتباع رسلي والتصديق بهم، فسلكوا في ميثاقي الذي أخذته عليهم منهاج الأمة الضالة من اليهود، فبدّلوا كذلك دينهم ونقضوا نقضهم وتركوا حظهم من ميثاقي الذي أخذته عليهم بالوفاء بعهدي وضيعوا أمري. كما :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : وَمِنَ الّذِينَ قالُوا إنّا نَصَارَى أخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظّا مِمّا ذُكّرُوا بِهِ : نسوا كتاب الله بين أظهرهم، وعهد الله الذي عهده إليه، وأمر الله الذي أمرهم به.
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن مفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، قال : قالت النصارى مثل ما قالت اليهود، ونسوا حظّا مما ذكّروا به.

القول في تأويل قوله تعالى : فَأغْرَيْنا بَيْنَهُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.


يعني تعالى ذكره بقوله : فَأغْرَيْنا بَيْنَهُمْ : حرشنا بينهم وألقينا، كما نُغزي الشيءَ بالشيء. يقول جلّ ثناؤه : لما ترك هؤلاء النصارى الذين أخذت ميثاقهم بالوفاء بعهدي حظهم، مما عهدت إليهم من أمري ونهيي، أغريت بينهم العداوة والبغضاء.
ثم اختلف أهل التأويل في صفة إغراء الله بينهم العداوة والبغضاء، فقال بعضهم : كان إغراؤه بينهم بالأهواء التي حدثت بينهم. ذكر من قال ذلك :
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا العوّام بن حوشب، عن إبراهيم النخعي في قوله : فَأغْرَيْنا بَيْنَهُمُ العَدَاوَةَ والبَغْضَاءَ قال : هذه الأهواء المختلفة، والتباغض فهو الإغراء.
حدثنا سفيان بن وكيع، قال : حدثنا يزيد بن هارون، عن العوّام بن حوشب، قال : سمعت النخعي يقول : فَأغْرَيْنا بَيْنَهُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ قال : أغرى بعضهم ببعض بخصومات بالجدال في الدين.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني هشيم، قال : أخبرنا العوّام بن حوشب، عن إبراهيم النخعي والتيمي، قوله : فَأغْرَيْنا بَيْنَهُمْ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ قال : ما أرى الإغراء في هذه الآية إلا الأهواء المختلفة. وقال معاوية بن قرة : الخصومات في الدين تحبط الأعمال.
وقال آخرون : بل ذلك هو العداوة التي بينهم والبغضاء. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : فَأغْرَيْنا بَيْنَهُمْ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. . . الاَية. إن القوم لما تركوا كتاب الله، وعَصَوا رسله، وضيعوا فرائضه، وعطلوا حدوده، ألقى بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة بأعمالهم أعمال السوء، ولو أخذ القوم كتاب الله وأمره، ما افترقوا ولا تباغضوا.
وأولى التأويلين في ذلك عندنا بالحقّ، تأويل من قال : أغرى بينهم بالأهواء التي حدثت بينهم، كما قال إبراهيم النخعي لأن عداوة النصارى بينهم، إنما هي باختلافهم في قولهم في المسيح، وذلك أهواء لا وحي من الله.
واختلف أهل التأويل في المعنىّ بالهاء والميم اللتين في قوله : فَأغْرَيْنا بَيْنَهُمُ فقال بعضهم : عني بذلك : اليهود والنصارى. فمعنى الكلام على قولهم وتأويلهم : فأغرينا بين اليهود والنصارى، لنسيانهم حظّا مما ذكّروا به. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن مفضل، وقال : حدثنا أسباط، عن السديّ : قال في النصارى أيضا : فنسوا حظّا مما ذكّروا به، فلما فعلوا ذلك أغرى الله عزّ وجلّ بينهم وبين اليهود العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله : فَأغْرَيْنا بَيْنَهُمُ العَدَاوَةَ والبَغْضَاءَ إلى يَوْمه القيامَةِ قال : هم اليهود والنصارى. قال ابن زيد : كما تغري بين اثنين من البهائم.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، ال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله : فَأغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ قال : اليهود والنصارى.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثني القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة، قال : هم اليهود والنصارى، أغرى الله بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة.
وقال آخرون : بل عنى الله بذلك : النصارى وحدها. وقالوا : معنى ذلك : فأغرينا بين النصارى عقوبة لها بنيسانها حظا مما ذكرت به. قالوا : وعليها عادت الهاء والميم في بينهم دون اليهود. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى بن إبراهيم، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قال : إن الله عزّ ذكره تقدّم إلى بني إسرائيل أن لا تشتروا بآيات الله ثمنا قليلاً، وعلّموا الحكمة ولا تأخذوا عليها أجرا. فلم يفعل ذلك إلا قليل منهم، فأخذوا الرشوة في الحكم وجاوزوا الحدود، فقال في اليهود حيث حكموا بغير ما أمر الله : وألْقَيْنا بَيْنَهُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ إلى يَوْمه القِيامَةِ وقال في النصارى : فَنَسُوا حَظّا مِمّا ذُكّرُوا بِهِ فأغْرَيْنا بَيْنَهُمْ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ إلى يَوْمَ القِيامةِ.
وأولى التأويلين بالآية عندي ما قاله الربيع بن أنس، وهو أن المعنىّ بالإغراء بينهم : النصارى في هذه الاَية خاصة، وأن الهاء والميم عائدتان على النصارى دون اليهود، لأن ذكر الإغراء في خبر الله عن النصارى بعد تقضي خبره عن اليهود، وبعد ابتدائه خبره عن النصارى، فأن لا يكون ذلك معنيا به إلا النصارى خاصة أولى من أن يكون معنيا به الحزبان جميعا لما ذكرنا.
فإن قال قائل : وما العداوة التي بين النصارى، فتكون مخصوصة بمعنى ذلك ؟ قيل : ذلك عداوة النّسطورية واليعقوبية والملكية النسطورية واليعقوبية، وليس الذي قاله من قال معنى بذلك : إغراء الله بين اليهود والنصارى ببعيد، غير أن هذا أقرب عندي وأشبه بتأويل الاَية لما ذكرنا.

القول في تأويل قوله تعالى : وَسَوْفَ يُنَبّئُهُمُ اللّهُ بِمعا كانُوا يَصْنَعُونَ.


يقول جلّ ثناؤه لنبيه محمد ﷺ : اعف عن هؤلاء الذين هموا ببسط أيديهم إليك وإلى أصحابك، واصفح فإن الله من وراء الانتقام منهم، وسينبئهم الله عند ورودهم الله عليه في معادهم بما كانوا في الدنيا يصنعون من نقضهم ميثاقه، ونكثهم عهده، وتبديلهم كتابه، وتحريفهم أمره ونهيه، فيعاقبهم على ذلك حسب استحقاقهم.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب

القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾


قال أبو جعفر: يقول عز ذكره: وأخذنا من النصارى الميثاقَ على طاعتي وأداء فرائضي، واتباع رسلي والتصديق بهم، فسلكوا في ميثاقي الذي أخذتُه عليهم منهاج الأمة الضالة من اليهود، فبدلوا كذلك دينَهم، ونقضوه نقضَهم، (١) وتركوا حظّهم من ميثاقي الذي أخذته عليهم بالوفاء بعهدي، وضيَّعوا أمري، (٢) كما:-
١١٥٩٦ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"ومن الذين قالوا إنّا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظًّا مما ذكروا به"، نسوا كتاب الله بين أظهرهم، وعهدَ الله الذي عهده إليهم، وأمرَ الله الذي أمرهم به.
١١٥٩٧ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: قالت النصارى مثل ما قالت اليهود، ونسوا حظًّا مما ذكروا به.
* * *
(١) في المطبوعة: "ونقضوا"، وأثبت ما في المخطوطة.
(٢) انظر تفسير"أخذ الميثاق" فيما سلف ص: ١١٠، تعليق: ١، والمراجع هناك= وتفسير"النسيان" و"الحظ" فيما سلف ص: ١٢٩، تعليق: ٣، ٤، والمراجع هناك= وتفسير"التذكير" فيما سلف ص: ١٣٠، تعليق: ٢، والمراجع هناك.

القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾


قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"فأغرينا بينهم" حرّشنا بينهم وألقينا، كما تغري الشيء بالشيء.
يقول جل ثناؤه: لما ترك هؤلاء النصارى، الذين أخذتُ ميثاقهم بالوفاء بعهدي، حظَّهم مما عهدتُ إليهم من أمري ونهيي، أغريتُ بينهم العداوة والبغضاء.
* * *
ثم اختلف أهل التأويل في صفة"إغراء الله عز ذكره بينهم العداوة، والبغضاء". (١)
(١) انظر تفسير"البغضاء" فيما سلف ٧: ١٤٦.
فقال بعضهم: كان إغراؤه بينهم بالأهواء التي حَدَثت بينهم.
ذكر من قال ذلك:
١١٥٩٨ - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال: أخبرنا العوام بن حوشب، عن إبراهيم النخعي في قوله:"فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء"، قال: هذه الأهواء المختلفة والتباغُض، فهو الإغراء.
١١٥٩٩ - حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا يزيد بن هارون، عن العوام بن حوشب قال: سمعت النخعي يقول:"فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء"، قال: أغرى بعضهم ببعض بخصُومات بالجدال في الدين.
١١٦٠٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني هشيم قال، أخبرنا العوام بن حوشب، عن إبراهيم النخعي والتّيمي، قوله:"فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء"، قال: ما أرى"الإغراء" في هذه الآية إلا الأهواء المختلفة= وقال معاوية بن قرة: الخصومات في الدين تُحْبِط الأعمال.
* * *
وقال آخرون: بل ذلك هو العداوة التي بينهم والبغضاء.
ذكر من قال ذلك:
١١٦٠١ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة" الآية، إنّ القوم لما تركوا كتابَ الله، وعصَوْا رسله، وضَيّعوا فرائضه، وعطّلوا حدُوده، ألقى بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة، بأعْمالهم أعمالِ السوء، ولو أخذ القوم كتاب الله وأمرَه، ما افترقوا ولا تباغَضُوا.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى التأولين في ذلك عندنا بالحق، تأويلُ من قال:"أغرى بينهم بالأهواء التي حدثت بينهم"، كما قال إبراهيم النخعي، لأن عداوة النصارى
بينَهم، إنما هي باختلافهم في قولهم في المسيح، وذلك أهواءٌ، لا وحيٌ من الله.
* * *
واختلف أهل التأويل في المعنيِّ بـ"الهاء والميم" اللتين في قوله:"فأغرينا بينهم".
فقال بعضهم: عني بذلك اليهود والنصارى. فمعنى الكلام على قولِهم وتأويلهم: فأغرينا بين اليهود والنصارى، لنسيانهم حظًّا مما ذكّروا به.
ذكر من قال ذلك:
١١٦٠٢ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: وقال في النصارى أيضا:"فنسوا حظًّا مما ذكروا به"، فلما فعلوا ذلك، أغرى الله عز وجل بينَهم وبين اليهود العداوةَ والبغضاءَ إلى يوم القيامة.
١١٦٠٣ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة"، قال: هم اليهود والنصارى. قال ابن زيد: كما تُغْري بين اثنين من البهائم.
١١٦٠٤ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله:"فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء"، قال: اليهود والنصارى.
١١٦٠٥ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١١٦٠٦ - حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة قال: هم اليهود والنصارى، أغرى الله بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة.
* * *
وقال آخرون: بل عنى الله بذلك النصارَى وحدَها. وقالوا: معنى ذلك: فأغرينا بين النصارى، عقوبةً لها بنسيانها حظًّا مما ذكرت به. قالوا: وعليها عادت
"الهاء والميم" في"بينهم"، دون اليهود.
ذكر من قال ذلك:
١١٦٠٧ - حدثني المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، (١) عن أبيه، عن الربيع قال: إن الله عز ذكره تقدَّم إلى بني إسرائيل: أن لا تشتروا بآيات الله ثمنًا قليلا وعلموا الحكمة ولا تأخذوا عليها أجرًا، فلم يفعل ذلك إلا قليل منهم، فأخذُوا الرّشوة في الحكم، وجاوزوا الحدود، فقال في اليهود حيث حكموا بغير ما أمر الله: (وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) [سورة المائدة: ٦٤]، وقال في النصارى:"فنسوا حظًّا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة".
* * *
قال أبو جعفر: وأولى التأولين بالآية عندي ما قاله الربيع بن أنس، وهو أنّ المعنيّ بالإغراء بينهم، النصارى، في هذه الآية خاصة= وأنّ"الهاء والميم" عائدتان على النصارى دون اليهود، لأن ذكر"الإغراء" في خبر الله عن النصارى، بعد تقضِّي خبره عن اليهود، وبعد ابتدائه خبَره عن النصارى، فلأنْ يكون ذلك معنيًّا به النصارى خاصًّة، (٢) أولى من أن يكون معنيًّا به الحزبان جميعًا، لما ذكرنا.
* * *
فإن قال قائل: وما العداوة التي بين النصارى، فتكون مخصوصة بمعنى ذلك؟
(١) في المطبوعة والمخطوطة: "عبيد الله بن أبي جعفر"، والصواب"عبد الله" كما أثبته، وهو"عبد الله بن أبي جعفر الرازي"، مضى مئات من المرات في الأسانيد السالفة.
(٢) في المطبوعة: "فأن لا يكون ذلك معنيا به إلا النصارى خاصة"، وهو كلام بريء من العربية. وفي المخطوطة: "فلا يكون ذلك معنيا به إلا النصارى خاصة"، وهو مثله، ولكنه سهو من الناسخ وغفلة، أخطأ فكتب"فلأن يكون""فلا يكون"، ثم زاد"إلا". وهذا كله فساد، صوابه ما أثبت.
قيل: ذلك عداوة النسطوريةِ واليعقوبيةِ، والملكيةَ= والملكيةِ النسطوريةَ واليعقوبيةَ. (١) وليس الذي قاله من قال:"معنيٌّ بذلك: إغراء الله بين اليهود والنصارى" ببعيد، غير أن هذا أقرب عندي، وأشبهُ بتأويل الآية، لما ذكرنا.
* * *

القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾


قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه لنبيه محمَّد صلى الله عليه وسلم: اعفُ عن هؤلاء الذين همُّوا ببسط أيديهم إليك وإلى أصحابك واصفح، فإن الله عز وجل من وراء الانتقام منهم، وسينبئهم الله عند ورودهم عليه في معادهم، بما كانوا في الدنيا يصنعون، من نقضهم ميثاقه، ونكثهم عهده، وتبديلهم كتابه، وتحريفهم أمره ونهيه، فيعاقبهم على ذلك حسب استحقاقهم.
* * *
القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾
قال أبو جعفر: يقول عز ذكره لجماعة أهل الكتاب من اليهود والنصارى الذين كانوا في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يا أهل الكتاب" من اليهود والنصارى="قد جاءكم رسولنا"، يعني محمّدا صلى الله عليه وسلم، كما:-
(١) في المطبوعة: "ذلك عداوة النسطورية واليعقوبية والملكية النسطورية واليعقوبية". وهو كلام خال من المعنى، صوابه من المخطوطة. يعني عداوة هؤلاء لهؤلاء= وعداوة هؤلاء لهؤلاء.
١١٦٠٨ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا"، وهو محمد صلى الله عليه وسلم.
* * *
وقوله:"يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب"، يقول: يبين لكم محمّد رسولنا، كثيرًا مما كنتم تكتمونه الناسَ ولا تُبينونه لهم ممّا في كتابكم. وكان مما يخفونه من كتابهم فبيَّنه رسولُ الله ﷺ للناس: رَجْمُ الزَّانيين المحصنين.
* * *
وقيل: إن هذه الآية نزلت في تبيين رسول الله ﷺ ذلك للناس، من إخفائهم ذلك من كتابهم.
ذكر من قال ذلك:
١١٦٠٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا الحسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال، من كفر بالرجم، فقد كفر بالقرآن من حيث لا يحتسب. قوله:"يا أهل الكتاب قد جاءكم رسوُلنا يبين لكم كثيرًا مما كنتم تخفون من الكتاب"، فكان الرجمُ مما أخفوا. (١).
١١٦١٠ - حدثنا عبد الله بن أحمد بن شبَّويه، أخبرنا علي بن الحسن قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا يزيد، عن عكرمة، عن ابن عباس، مثله. (٢).
(١) الأثر: ١١٦٠٩-"يحيى بن واضح"، أبو تميلة، مضى مرارا، منها: ٣٩٢.
و"الحسين بن واقد المروزي"، ثقة. مضى برقم: ٤٨١، ٦٣١١.
و"يزيد النحوي"، هو"يزيد بن أبي سعيد النحوي المروزي"، ثقة، مضى برقم: ٦٣١١. وهذا إسناد صحيح، وسيأتي تخريجه في الأثر التالي.
(٢) الأثر: ١١٦١٠-"عبد الله بن أحمد بن شبويه الخزاعي"، ثقة مضى برقم: ١٩٠٩، ٤٦١٢، ٤٩٢٣.
و"علي بن الحسن بن شقيق بن دينار"، ثقة، من شيوخ أحمد، مضى برقم: ١٥٩١، ١٩٠٩، ٩٩٥١، وكان في المخطوطة والمطبوعة هنا: "علي بن الحسين"، وهو خطأ محض.
وهذا إسناد صحيح أيضا، مكرر الذي قبله. وهذا الخبر أخرجه الحاكم في المستدرك ٤: ٣٥٩ من طريق علي بن الحسن بن شقيق، بمثله، وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي.
وخرجه السيوطي في الدر المنثور ٢: ٢٦٩، وزاد نسبته إلى ابن الضريس، والنسائي، وابن أبي حاتم.
فائدة: راجع أحاديث الرجم فيما سيأتي برقم ١١٩٢١-١١٩٢٤.
١١٦١١ - حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الوهاب الثقفي، عن خالد الحذاء، عن عكرمة في قوله:"يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم"، إلى قوله:"صراط مستقيم"، قال: إنّ نبيّ الله أتاه اليهود يسألونه عن الرجم، واجتمعوا في بيتٍ، قال: أيُّكم أعلم؟ فأشاروا إلى ابن صُوريا، فقال: أنت أعلمهم؟ قال، سل عما شئت، قال،"أنت أعلمهم؟ " قال: إنهم ليزعمون ذلك! قال: فناشده بالذي أنزل التوراة على موسى، والذي رفع الطُّور، وناشده بالمواثيق التي أُخذت عليهم، حتى أخذه أفْكَل، (١) فقال: إن نساءنا نساء حسان، فكثر فينا القتل، فاختصرنا أُخصورةً، (٢) فجلدنا مئة، وحلقنا الرءوس، وخالفنا بين الرءوس إلى الدواب (٣) = أحسبه قال: الإبل= قال: فحكم عليهم بالرجم، فأنزل الله فيهم:"يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبيّن لكم"، الآية= وهذه الآية: (وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ
(١) "أفكل" (علي وزن أفعل) : رعدة تعلو الإنسان من برد أو خوف أو غيرهما، وليس له فعل، وأنشد ابن بري:
بِعَيْشِكِ هَاتِي فَغَنِّي لَنَافَإِنَّ نَدَامَاكِ لَمْ يَنْهَلُوا
فَبَاتَتْ تُغَنِّي بِغِرْبَالِهَاغِنَاء رُوَيْدًا لَهُ أفْكَلُ
(٢) قوله: "فاختصرنا أخصورة"، هكذا جاءت في المخطوطة أيضا. وفي تفسير أبي حيان ٣: ٤٤٧"فاختصرنا فجلدنا مئة مئة"، وحذف"أخصورة". ولم أجد لها في اللغة ذكرًا، بمعنى: شيئًا من الاختصار. والذي في الكتب"الخصيري" (بضم الخاء وفتح الصاد وسكون الياء بعدها راء مفتوحة)، وهي: حذف الفضول من كل شيء، مثل"الاختصار". فلعل صواب العبارة: "فاختصرنا خصيري"، أي اختصارا من حكم الرجم. وتركت ما في المطبوعة والمخطوطة، مخافة أن يكون في الكلمة تحريف لم أهتد إليه.
(٣) في تفسير أبي حيان"وخالفنا بين الرءوس على الدبرات"، وكأنه خطأ.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
وقوله :﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ﴾ أي : ومن الذين ادعوا لأنفسهم أنهم نصارى يتابعون المسيح ابن مريم عليه السلام، وليسوا كذلك، أخذنا عليهم العهود والمواثيق على متابعة الرسول ومناصرته ومؤازرته واقتفاء آثاره، والإيمان بكل نبي يرسله الله إلى أهل الأرض، أي : ففعلوا كما فعل اليهود، خالفوا المواثيق ونقضوا العهود ؛ ولهذا قال :﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ أي : فألقينا بينهم العداوة والتباغض لبعضهم بعضا، ولا يزالون كذلك إلى(١) قيام الساعة. وكذلك طوائف النصارى على اختلاف أجناسهم لا يزالون متباغضين متعادين، يكفر بعضهم بعضا، ويلعن بعضهم بعضا ؛ فكل فرقة تُحَرم الأخرى ولا تدعها تَلجُ معبدها، فالملكية تكفر اليعقوبية، وكذلك الآخرون، وكذلك النسطورية والآريوسية، كل طائفة تكفر(٢) الأخرى في هذه الدنيا ويوم يقوم الأشهاد.
ثم قال تعالى :﴿وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ وهذا تهديد ووعيد أكيد للنصارى على ما ارتكبوه من الكذب على الله وعلى رسوله، وما نسبوه إلى الرب، عز وجل، وتعالى وتقدس عن قولهم علوًا كبيرًا، من جعلهم له صاحبة وولدا، تعالى الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كُفوًا أحد.
١ في أ: "إلى يوم القيامة وهو"..
٢ في أ: "تلعن"..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١٤)﴾
لَمَّا أَمَرَ [اللَّهُ] (١) تَعَالَى عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالْوَفَاءِ بِعَهْدِهِ وَمِيثَاقِهِ، الَّذِي أَخَذَهُ عَلَيْهِمْ عَلَى لِسَانِ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَمَرَهُمْ بِالْقِيَامِ بِالْحَقِّ وَالشَّهَادَةِ بِالْعَدْلِ، وَذَكَّرَهُمْ نعَمَه عَلَيْهِمُ الظَّاهِرَةَ وَالْبَاطِنَةَ، فِيمَا هَدَاهُمْ لَهُ مِنَ الْحَقِّ وَالْهُدَى، شَرْعٌ يُبَيِّنُ لَهُمْ كَيْفَ أَخَذَ الْعُهُودَ وَالْمَوَاثِيقَ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ: الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَلَمَّا نَقَضُوا عُهُودَهُ وَمَوَاثِيقَهُ أَعْقَبَهُمْ ذَلِكَ لَعْنًا مِنْهُ لَهُمْ، وَطَرْدًا عَنْ بَابِهِ وَجَنَابِهِ، وَحِجَابًا لِقُلُوبِهِمْ (٢) عَنِ الْوُصُولِ إِلَى الْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ، وَهُوَ الْعِلْمُ النَّافِعُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ يَعْنِي: عُرَفاء عَلَى قَبَائِلِهِمْ بِالْمُبَايَعَةِ وَالسَّمْعِ، وَالطَّاعَةِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِكِتَابِهِ.
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّ هَذَا كَانَ لَمَّا تَوَجَّهَ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لِقِتَالِ الْجَبَابِرَةِ، فَأُمِرَ بِأَنْ يُقِيمَ النُّقَبَاءَ، مِنْ كُلِّ سِبْطٍ نَقِيبٌ -قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: فَكَانَ مِنْ سِبْطِ رُوبَيْلَ: "شَامُونُ بْنُ زَكَورَ (٣)، وَمِنْ سِبْطِ شَمْعُونَ: "شَافَاطُ بْنُ حُرّي"، وَمِنْ سِبْطِ يَهُوذَا: "كَالِبُ بْنُ يُوفِنَا"، وَمِنْ سِبْطِ أَبِينَ: "فِيخَائِيلُ بْنُ يُوسُفَ"، وَمِنْ سِبْطِ يُوسُفَ، وَهُوَ سَبْطُ أَفْرَايْمَ: "يُوشَعُ بْنُ نُونٍ"، وَمِنْ سِبْطِ بِنْيَامِينَ: "فَلَطْمَى بْنُ رَفَوْنَ"، وَمِنْ سِبْطِ زَبْلُونَ (٤) جَدِّي بْنِ سَوْدَى"، وَمِنْ سِبْطِ يُوسُفَ وَهُوَ مَنْشَا بْنُ يُوسُفَ: "جَدِيُّ بْنُ سَوْسَى"، وَمِنْ سِبْطِ دَانٍ: "حَمْلَائِيلُ بْنُ جُمَلٍ"، وَمِنْ سِبْطِ أَسِيرٍ: "سَاطُورُ بْنُ مُلْكِيلَ"، وَمِنْ سِبْطِ نَفْتَالِي (٥) نَحَّى بْنُ وَفْسَى"، وَمِنْ سِبْطِ جَادٍ: "جَوْلَايِلُ بْنُ مَيْكِي". (٦)
(١) زيادة من أ.
(٢) في ر": "لعيوبهم".
(٣) في ر: "زكون".
(٤) في ر: "زايكون"، وفي أ: "زيالون".
(٥) في ر: "ثقال".
(٦) في ر: "مليدن".
وَقَدْ رَأَيْتُ فِي السِّفْرِ الرَّابِعِ مِنَ التَّوْرَاةِ تَعْدَادَ النُّقَبَاءِ عَلَى أَسْبَاطِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَسْمَاءً مُخَالِفَةً لِمَا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، قَالَ فِيهَا: فَعَلَى بَنِي رُوبِيلَ: "الصَّوْنِيُّ بْنُ سَادُونَ"، وَعَلَى بَنِي شَمْعُونَ: "شَمْوَالُ بْنُ صَورْشكي"، وعلى بني يهوذا: "يحشون بن عمبيا ذاب (١) وَعَلَى بَنِي يسَاخرَ: "شَالُ بْنُ صَاعُونَ"، وَعَلَى بَنِي زبلونَ: "اليابُ بْنُ حالوبَ (٢)، وَعَلَى بَنِي يُوسُفَ إِفْرَايِمُ: "منشا (٣) بْنُ عمنهودَ"، وَعَلَى بَنِي مَنَشا: "حمليائيلُ بْنُ يرصونَ"، وَعَلَى بَنِي بِنْيَامِينَ: "أبيدنُ بْنُ جَدْعُونَ"، وَعَلَى بَنِي دَانٍ: "جَعَيْذَرُ بْنُ عميشذي"، وَعَلَى بَنِي أَسِيرٍ: "نَحَايِلُ بْنُ عَجْرَانَ"، وَعَلَى بَنِي حَازَ: "السَّيْفُ بْنُ دَعْوَايِيلَ"، وَعَلَى بَنِي نَفْتَالِي: "أَجْزَعُ بْنُ عَمْينَانَ".
وَهَكَذَا لَمَّا بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَنْصَارَ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ، كَانَ فِيهِمُ اثْنَا عَشَرَ نَقِيبًا، ثَلَاثَةٌ مِنَ الْأَوْسِ وَهُمْ: أُسَيْدُ بْنُ الحُضَيْر، وَسَعْدُ بْنُ خَيْثَمَة، وَرِفَاعَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُنْذِرِ -وَيُقَالُ بَدَلُهُ: أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَتِسْعَةٌ مِنَ الْخَزْرَجِ، وَهُمْ: أَبُو أُمَامَةَ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارة، وَسَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، وَرَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ العَجْلان (٤) وَالْبَرَاءُ بْنُ مَعْرور، وَعِبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، وَسَعْدُ بْنُ عُبَادة، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرو بْنِ حَرَامٍ، وَالْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرو بْنِ خُنَيس، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. وَقَدْ ذَكَرَهُمْ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ فِي شِعْرٍ لَهُ، كَمَا أَوْرَدَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ، رَحِمَهُ اللَّهُ. (٥)
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ هَؤُلَاءِ كَانُوا عَرْفَاءَ عَلَى قَوْمِهِمْ لَيْلَتَئِذٍ عَنْ أَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمْ بِذَلِكَ، وَهُمُ الَّذِينَ وُلُّوا الْمُبَايَعَةَ وَالْمُعَاقَدَةَ عَنْ قَوْمِهِمْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ مُجالد، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَهُوَ يُقْرِئُنَا الْقُرْآنَ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، هَلْ سَأَلْتُمْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَمْ يَمْلِكُ هَذِهِ الْأُمَّةَ مِنْ خَلِيفَةٍ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: مَا سَأَلَنِي عَنْهَا أَحَدٌ مُنْذُ قدمتُ الْعِرَاقَ قَبْلَكَ، ثُمَّ قَالَ: نَعَمْ وَلَقَدْ سَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: "اثْنَا عَشَرَ كَعِدَّةِ نُقَبَاءَ بَنِي إِسْرَائِيلَ".
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ (٦) وَأَصْلُ هَذَا الْحَدِيثِ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ (٧) حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرة قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "لَا يَزَالُ أَمْرُ النَّاسِ مَاضِيًا مَا وَلِيَهُمُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا". ثُمَّ تَكَلَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَلِمَةٍ خَفِيَتْ عَلَيّ، فَسَأَلْتُ أَبِي: مَاذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: "كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ".
وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ (٨) وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ الْبِشَارَةُ بِوُجُودِ اثْنَيْ عَشَرَ خَلِيفَةً صَالِحًا (٩) يُقِيمُ الْحَقَّ وَيَعْدِلُ فِيهِمْ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا تَوَالِيهِمْ (١٠) وَتَتَابُعُ أَيَّامِهِمْ، بَلْ قَدْ وُجِدَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ عَلَى نَسَق، وَهُمُ الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ: أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَمِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِلَا شَكٍّ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ، وَبَعْضُ بَنِي الْعَبَّاسِ. وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تكون ولايتهم لا محالة، والظاهر أن
(١) في ر: "عمينا ذاب".
(٢) في ر: "جالوت".
(٣) في ر: "ومنشا".
(٤) في أ: "عجلان".
(٥) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (١/٤٤٣).
(٦) المسند (١/٣٩٨) وقال الهيثمي في المجمع (٥/١٩٠) :"فيه مجالد بن سعيد وثقه النسائي وضعفه الجمهور، وبقية رجاله ثقات".
(٧) في أ: "عن".
(٨) صحيح مسلم برقم (١٨٢٢).
(٩) في ر: "صالح".
(١٠) في ر: "تتاليهم".
مِنْهُمُ الْمَهْدِيُّ الْمُبَشَّرُ بِهِ فِي الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ بِذِكْرِهِ: أَنَّهُ يُواطئُ اسمُه اسْمَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاسْمُ أَبِيهِ اسْمَ أَبِيهِ، فَيَمْلَأُ الْأَرْضَ عدْلا وقِسْطًا، كَمَا مُلِئَتْ جَوْرا وظُلْمًا، وَلَيْسَ هَذَا بِالْمُنْتَظَرِ الَّذِي يَتَوَهَّمُ الرَّافِضَةُ وُجُودَهُ ثُمَّ ظُهُورَهُ مِنْ سِرْدَابِ "سَامرّاء". فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لَهُ حَقِيقَةٌ وَلَا وُجُودٌ بِالْكُلِّيَّةِ، بَلْ هُوَ مِنْ هَوَسِ الْعُقُولِ السَّخِيفَةِ، وَتَوَهُّم الْخَيَالَاتِ الضَّعِيفَةِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَؤُلَاءِ الْخُلَفَاءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ الْأَئِمَّةَ [الِاثْنَيْ عَشَرَ] (١) الَّذِينَ يَعْتَقِدُ فِيهِمُ الِاثْنَا عَشْرِيَّةَ مِنَ الرَّوَافِضِ، لِجَهْلِهِمْ وَقِلَّةِ عَقْلِهِمْ. وَفِي التَّوْرَاةِ الْبِشَارَةُ بِإِسْمَاعِيلَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَنَّ اللَّهَ يُقِيمُ مِنْ صُلْبِه اثْنَيْ عَشَرَ عَظِيمًا، وَهُمْ هَؤُلَاءِ الْخُلَفَاءُ الِاثْنَا عَشَرَ الْمَذْكُورُونَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَجَابِرِ بْنِ سَمُرة، وَبَعْضِ الْجَهَلَةِ مِمَّنْ أَسْلَمَ (٢) مِنَ الْيَهُودِ إِذَا اقْتَرَنَ بِهِمْ بَعْضُ الشِّيعَةِ يُوهِمُونَهُمْ أَنَّهُمُ الْأَئِمَّةُ الِاثْنَا عَشَرَ، فَيَتَشَيَّعُ كَثِيرٌ مِنْهُمْ جَهْلًا وسَفَها، لِقِلَّةِ عِلْمِهِمْ وَعِلْمِ مَنْ لَقَّنَهُمْ ذَلِكَ بِالسُّنَنِ الثَّابِتَةِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ﴾ أَيْ: بِحِفْظِي وكَلاءتي وَنَصْرِي ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي﴾ أَيْ: صَدَقْتُمُوهُمْ فِيمَا يَجِيئُونَكُمْ بِهِ مِنَ الْوَحْيِ ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ أَيْ: نَصَرْتُمُوهُمْ وَآزَرْتُمُوهُمْ عَلَى الْحَقِّ ﴿وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ وَهُوَ: الْإِنْفَاقُ فِي سَبِيلِهِ وَابْتِغَاءِ مَرْضَاتِهِ ﴿لأكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ أَيْ: ذُنُوبَكُمْ أَمْحُوهَا وَأَسْتُرُهَا، وَلَا أُؤَاخِذُكُمْ بِهَا ﴿وَلأدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ﴾ أَيْ: أَدْفَعُ عَنْكُمُ الْمَحْذُورَ، وَأُحَصِّلُ لَكُمُ الْمَقْصُودَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ أَيْ: فَمَنْ خَالَفَ هَذَا الْمِيثَاقَ بَعْدَ عَقْده وَتَوْكِيدِهِ وشدَه، وَجَحَدَهُ وَعَامَلَهُ مُعَامَلَةَ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ، فَقَدْ أَخْطَأَ الطَّرِيقَ الْحَقَّ، وَعَدَلَ عَنِ الْهُدَى إِلَى الضَّلَالِ.
ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَمَّا أَحَلَّ بِهِمْ مِنَ الْعُقُوبَةِ عِنْدَ مُخَالَفَتِهِمْ مِيثَاقَهُ وَنَقْضِهِمْ عَهْدَهُ، فَقَالَ: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ﴾ أَيْ: فَبِسَبَبِ نَقْضِهِمُ الميثاقَ الَّذِي أُخِذَ عَلَيْهِمْ لَعَنَّاهُمْ، أَيْ أَبْعَدْنَاهُمْ عَنِ الْحَقِّ وَطَرَدْنَاهُمْ عَنِ الْهُدَى، ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ أَيْ: فَلَا يَتَّعِظُونَ (٣) بِمَوْعِظَةٍ لِغِلَظِهَا وَقَسَاوَتِهَا، ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ أَيْ: فَسَدَتْ (٤) فُهومهم، وَسَاءَ تَصَرُّفُهُمْ فِي آيَاتِ اللَّهِ، وَتَأَوَّلُوا كِتَابَهُ عَلَى غَيْرِ مَا أَنْزَلَهُ، وَحَمَلُوهُ عَلَى غَيْرِ مُرَادِهِ، وَقَالُوا عَلَيْهِ مَا لَمْ يَقُلْ، عِيَاذًا بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ، ﴿وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ أَيْ: وَتَرَكُوا الْعَمَلَ بِهِ رَغْبَةً عَنْهُ.
قَالَ الْحَسَنُ: تَرَكُوا عُرَى دِينِهِمْ وَوَظَائِفَ اللَّهِ الَّتِي لَا يَقْبَلُ الْعَمَلَ إِلَّا بِهَا. وَقَالَ غَيْرُهُ: تَرَكُوا الْعَمَلَ فَصَارُوا إِلَى حَالَةٍ رَدِيئَةٍ، فَلَا قُلُوبَ سَلِيمَةٌ، وَلَا فِطَرَ مُسْتَقِيمَةٌ، وَلَا أَعْمَالَ قَوِيمَةٌ.
﴿وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾ يَعْنِي: مَكْرُهُمْ وغَدْرهم لَكَ وَلِأَصْحَابِكَ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ: يَعْنِي بِذَلِكَ تَمَالُؤَهُمْ عَلَى الْفَتْكِ بِالنَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ وَهَذَا هُوَ عَيْنُ النَّصْرِ وَالظَّفَرِ، كَمَا قَالَ بَعْضُ السلف: ما عاملت من
(١) زيادة من ر، أ.
(٢) في ر: "يسلم".
(٣) في أ: "فلا تنتفع".
(٤) في ر: "وفسدت".

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
{ ١٤ ْ } ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ْ﴾
أي : وكما أخذنا على اليهود العهد والميثاق، فكذلك أخذنا على ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ْ﴾ لعيسى ابن مريم، وزكوا أنفسهم بالإيمان بالله ورسله وما جاءوا به، فنقضوا العهد، ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ْ﴾ نسيانا علميا، ونسيانا عمليا. ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ْ﴾ أي : سلطنا بعضهم على بعض، وصار بينهم من الشرور والإحن ما يقتضي بغض بعضهم بعضا ومعاداة بعضهم بعضا إلى يوم القيامة، وهذا أمر مشاهد، فإن النصارى لم يزالوا ولا يزالون في بغض وعداوة وشقاق. ﴿وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ْ﴾ فيعاقبهم عليه.
﴿١٥، ١٦ ْ﴾ ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ْ﴾
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{١٤} ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾.
أي: وكما أخذنا على اليهود العهد والميثاق، فكذلك أخذنا على ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ لعيسى ابن مريم، وزكوا أنفسهم بالإيمان بالله ورسله وما جاءوا به، فنقضوا العهد، ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ نسيانا علميا، ونسيانا عمليا. ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ أي: سلطنا بعضهم على بعض، وصار بينهم من الشرور والإحن ما يقتضي بغض بعضهم بعضا ومعاداة بعضهم بعضا إلى يوم القيامة، وهذا أمر مشاهد، فإن النصارى لم يزالوا ولا يزالون في بغض وعداوة وشقاق. ﴿وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ فيعاقبهم عليه.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١١٦ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مجاهد — مجاهد بن جبر غريب القرآن — زيد بن علي تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان معاني القرآن للفراء — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى مجاز القرآن — أبو عبيدة تفسير القرآن — الصنعاني معاني القرآن — الأخفش غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي أحكام القرآن — الجصاص بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي جهود ابن عبد البر في التفسير — ابن عبد البر تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني تفسير الراغب الأصفهاني — الراغب الأصفهاني معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تفسير ابن عرفة — ابن عرفة التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن — زكريا الأنصاري فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — محمد رشيد رضا تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المختصر في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كتاب نزهة القلوب — أبى بكر السجستاني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
فَأَغْرَيْنَا
هَيَّجْنَا، وَأَلْقَيْنَا.

إعراب الآية ١٤ من سورة المائدة

من كتاب: إعراب القرآن

أخذه عليهم. وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً نصب ببعثنا وعلامة النصب الياء وأعربت اثنا عشر من بين أخواتها لأن المثنى لا يبنى. وَقالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ كسرت «إن» لأنها مبتدأة، ومعكم منصوب لأنه ظرف. لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ لام توكيد ومعناها القسم، وكذا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ وكذا وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ.

[سورة المائدة (٥) : آية ١٣]

فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣)
فَبِما نَقْضِهِمْ «ما» زائدة للتوكيد ونَقْضِهِمْ مخفوض بالباء، ويجوز رفعه في غير القرآن أي فالذي هو نقضهم. يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ «١» أي يتأوّلونه على تأويله، ويُحَرِّفُونَ في موضع نصب أي جعلنا قلوبهم قاسية محرفين، قيل: معنى جعلنا قلوبهم قاسية وصفناهم بهذا، ومثله كثير قد حكاه سيبويه وغيره وقد ذكرناه.
وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا استثناء من الهاء والميم اللتين في خائنة منهم قال قتادة: خائنة خيانة. فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ أمر وفي معناه قولان: أحدهما فاعف عنهم واصفح ما دام بينك وبينهم عهد وهم أهل الذمة، والقول الآخر أنه منسوخ بقوله تعالى: وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ [الأنفال: ٥٨].

[سورة المائدة (٥) : آية ١٤]

وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (١٤)
وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ قال سعيد الأخفش هذا كما تقول: من زيد أخذت درهمه. قال أبو جعفر: ولا يجيز النحويون أخذنا ميثاقهم من الذين قالوا إنا نصارى ولا ألينها لبست من الثياب لئلا يتقدّم مضمر على مظهر.
فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ أي تركوا حظّا من الكتاب الذي وعظوا به وذكّروا به، وجعلوا ذلك الترك والتحريف سببا للكفر بمحمد صلّى الله عليه وسلّم. وجمع حظ حظوظ، وسمع عن العرب: أحظ بإسكان الحاء، والأصل: أحظظ فابدل من الضاد ياء، وسمع منهم أحاظ. فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ قيل: يراد به النصارى، وقيل:
اليهود والنصارى لأنه قد تقدّم ذكرهما. والأولى أن يكون للنصارى لأنهم أقرب.
وأحسن ما قيل في معنى فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ أن الله تعالى أمر بعداوة
(١) (الكلم) : وهي قراءة الجمهور وفيها قراءات، فقد قرأها أبو عبد الرّحمن والنخعي (الكلام)، وقرأ أبو رجاء (الكلم). انظر البحر المحيط ٣/ ٤٦١.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

القراءات في الآية ١٤ من سورة المائدة

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

وَالْبَغْضَآءَ إِلَى

تحقيق الهمزة الثانية ومد المتصل 3 حركات

روح عن يعقوب

تحقيق الهمزة الثانية ومد المتصل 4 أو 5 حركات

شعبة عن عاصم حفص عن عاصم

تحقيق الهمزة الثانية ومد المتصل 4 حركات

إدريس عن خلف إسحاق عن خلف الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي هشام عن ابن عامر ابن ذكوان عن ابن عامر

تحقيق الهمزة الثانية ومد المتصل 6 حركات

خلف عن حمزة خلاد عن حمزة

تسهيل الهمزة الثانية ومد المتصل 3 حركات

قالون عن نافع السوسي عن أبي عمرو الدوري عن أبي عمرو ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر رويس عن يعقوب قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير

تسهيل الهمزة الثانية ومد المتصل 6 حركات

ورش عن نافع
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ١٤ من سورة المائدة

١٠ موضوعات تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

١٨ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

١٨ قولًا
١
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة﴾، قال: إنّ القوم لَمّا تركوا كتاب الله، وعَصَوا رُسُلَه، وضيَّعوا فرائضه، وعطَّلوا حدوده؛ ألقى بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة بأعمالهم أعمال السوء، ولو أخذ القوم كتاب الله وأمره ما افترقوا، ولا تباغضوا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٢٥٨.
٢
قال معاوية بن قُرَّة -من طريق العوام بن حَوْشَب-: الخصومات في الدين تُحْبِط الأعمال١
التخريج
  1. ١أخرجه سعيد بن منصور في سننه (ت: سعد آل حميد) ٤‏/‏١٤٤٩ (٧٢٣)، وابن جرير ٨‏/‏٢٥٨.
٣
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- قال: قال في النصارى أيضًا: ﴿فنسوا حظا مما ذكروا به﴾. فلمّا فعلوا ذلك أغرى الله عز وجل بينهم وبين اليهود العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٢٥٩.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذكر ابنُ جرير (٨/٢٥٩) اختلاف المفسرين في صفة الإغراء على قولين: الأول: أن الإغراء بينهم كان بالأهواء التي حدثت بينهم. وهو قول النخعي، ومعاوية بن قرة. الثاني: أن الإغراء هو العداوة والبغضاء التي بينهم. وهو قول قتادة، والسدي. ثم رجَّح (٨/٢٥٩) مستندًا إلى دلالة التاريخ، والواقع القول الأول، وقال: «لأنّ عداوة النصارى بينهم إنما هي باختلافهم في قولهم في المسيح، وذلك أهواءٌ لا وحيٌ مِن الله».
٤
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- قال: إنّ الله تقدَّم إلى بني إسرائيل ألا يشتروا بآيات الله ثمنًا قليلًا، ويُعَلِّموا الحكمة، ولا يأخذوا عليها أجرًا، فلم يفعل ذلك إلا قليل منهم، فأخذوا الرشوة في الحكم، وجاوزوا الحدود، فقال في اليهود حيث حكموا بغير ما أمر الله: ﴿وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة﴾. وقال في النصارى: ﴿فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة﴾١٢
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن جرير ٨‏/‏٢٦٠.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذكر ابنُ جرير (٨/٢٦٠) اختلاف المفسرين في مرجع الهاء والميم في قوله تعالى: ﴿فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ﴾ على قولين: الأول: أنها تعود على اليهود والنصارى. وهو قول مجاهد من طريق ابن أبي نجيح، والسدي، وقتادة، وابن زيد. والثاني: على النصارى دون اليهود، وهو قول الربيع. ورجَّح (٨/٢٦١) مستندًا إلى السياق القول الثاني، ثم قال: «لأن ذِكْرَ الإغراء في خبر الله عن النصارى بعد تَقَضِّي خبره عن اليهود، وبعد ابتدائِه خبرَه عن النصارى، فإن لا يكون ذلك معنيًّا به إلا النصارى خاصة، أوْلى مِن أن يكون معنيًّا به الحزبان جميعًا؛ لما ذكرنا». وعلَّق على أصحاب القول الأول، فقال: «وليس الذي قاله مَن قال: معنيٌّ بذلك إغراءُ الله بَيْن اليهود والنصارى، ببعيد، غير أن هذا أقرب عندي وأشْبَه بتأويل الآية؛ لما ذكرنا».
٥
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ﴾ يعني: بين النصارى ﴿العَداوَةَ والبَغْضاءَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ النُّسْطُورِيَّة، والماريَعقوبية، وعبادةُ الملك؛ فهم أعداء بعضهم لبعض إلى يوم القيامة، ﴿وسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ الله﴾ في الآخرة ﴿بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ يعني: بما يقولون من الجحود والتكذيب. وذلك أنّ النُّسْطُورِيَّة قالوا: إنّ عيسى ابن الله. وقالت: الماريعقوبية: إن الله هُوَ المسيح ابْن مريم. وقالت عبادةُ الملك: إنّ الله عز وجل ثالث ثلاثة؛ هو إله، وعيسى إله، ومريم إله. افتراءً على الله تبارك وتعالى، وإنما الله إله واحد، وعيسى عبد الله ونبيه ﷺ، كما وصف الله سبحانه نفسه: ﴿أحد﴾، ﴿الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٤٦٢-٤٦٣.
٦
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة﴾، قال: هم اليهود والنصارى. قال ابن زيد: كما تُغرِي بين اثنين من البهائم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٢٥٩.
٧
عن قتادة بن دعامة -من طريق مَعْمَر- في قوله: ﴿ومن الذين قالوا إنا نصارى﴾، قال: تَسَمَّوْا بقرية يُقال لها: ناصرة، كان عيسى ابن مريم ينزلها١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرازق ١‏/‏١٨٧. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٨
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿ومن الذين قالوا إنا نصارى﴾، قال: كانوا بقرية يُقال لها: ناصرة، نزلها عيسى، وهو اسم تَسَمَّوا به، ولم يُؤْمَروا به١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣٤.
٩
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ومِنَ الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى﴾ إنّما سُمُّوا: نصارى؛ لأنهم كانوا من قرية يقال لها: ناصرة، كان نزلها عيسى ابن مريم ﷺ، ﴿أخَذْنا مِيثاقَهُمْ﴾ وذلك أنّ الله كان أخذ عليهم الميثاق في الإنجيل بالإيمان بمحمد ﷺ، كما أخذ على أهل التوراة أن يؤمنوا بمحمد ﷺ ويتَّبعوه ويُصَدِّقوه، وهو مكتوب عندهم فِي الإنجيل، يقول الله تعالى: ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٤٦٢.
١٠
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به﴾، قال: نسوا كتاب الله بين أظهرهم، وعهد الله الذي عهد إليهم، وأمر الله الذي أمرهم به، وضيَّعوا فرائضه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٢٥٦.
١١
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط-: قالت النصارى مثل ما قالت اليهود، ونسوا حظًّا مما ذُكِّروا به١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٢٥٧.
١٢
عن الربيع بن أنس: هم النصارى وحدها١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٤‏/‏٣٩.
١٣
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾، يعنى: فتركوا حظًّا مما أُمِروا به من إيمان بمحمد ﷺ، والتصديق به، ولو آمنوا لكان خيرًا لهم، وكان لهم حَظًّا١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٤٦٢.
١٤
عن إبراهيم التيمي -من طريق العَوّام بن حَوْشَب- في الآية، قال: ما أرى الإغراء في هذه الآية إلا الأهواء المختلفة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٢٥٨ وعنده: إبراهيم النخعي أو التيمي. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
١٥
عن إبراهيم النخعي -من طريق العوام بن حَوْشَب- في قوله: ﴿فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة﴾، قال: أغرى بعضهم ببعض بالخصومات، والجدال في الدين١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٢٥٨. وعزاه السيوطي إلى أبي عبيد، وابن المنذر.
١٦
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قول الله: ﴿فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء﴾، قال: ألقينا بينهم العداوة والبغضاء، يعني: اليهود، والنصارى١
التخريج
  1. ١تفسير مجاهد ص٣٠٤، وأخرجه ابن جرير ٨‏/‏٢٥٩ مختصرًا.
١٧
قال الحسن البصري: يعني به: عامتهم١
التخريج
  1. ١ذكره يحيى ين سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ٢‏/‏١٧-.
١٨
عن قتادة بن دِعامة -من طريق مَعْمَر- قال: هم اليهود والنصارى، أغرى الله بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٢٦٠.
التفسير بالمأثور لسورة المائدة كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ١٤ من سورة المائدة

١٦ وقفةً في هذه الآية

  • ‏﴿ فنسوا حظاً مما ذُكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء ﴾ قال قتادة : والله ما نسي قوم ذكر الله عز وجل إلا باروا وفسدوا .

    — قتادة

  • " نسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء " نصبح حاقدين بقدر ما نترك من الشريعة.

    — عبدالله بلقاسم

  • ( فَنَسُوا حَظًا ممَّا ذُكِّرُوا به فَأغرينا بينَهُمُ العَداوَة حين تتوتر علاقتك بمن تُحب ، تفقد ما نسيته من أوامر الرب.

    — عايض المطيري

  • ﴿.. فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء .﴾ إذا عاديت أحدا ففتِّش عن ذنبك، فمنه سُلِّط عليك ! [ عبد اللطيف الغامدي]

    — محاسن التاويل

  • «فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة» ترك حظ يسير من الشرع قد يكون سببا لحصول العداوة ونزع المحبة

    — محاسن التاويل

  • (فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ) حين تتوتر علاقاتنا بمن نحب علينا أن نفتش أي حظ من الشريعة ضاع منا!

    — عبدالله بلقاسم

  • وقفات مع آيات سورة المائدة آية 14

    — محمد بن عبدالعزيز الخضيري

  • ما السر في قوله (ومن الذين قالوا إنا نصارى)؟ ولم يقل ومن النصارى من أخذنا ميثاقهم..؟ هذا موضع تدبر!! جواب السؤال جاء في مفاتيح الغيب للرازي: وإنما قال : ( ومن الذين قالوا إنا نصارى ) ولم يقل : ومن النصارى ؛ وذلك لأنهم إنما سموا أنفسهم بهذا الاسم ادعاء لنصرة الله تعالى ، وهم الذين قالوا لعيسى : ( نحن أنصار الله ) فكان هذا الاسم في الحقيقة اسم مدح ، فبين الله تعالى أنهم يدعون هذه الصفة ، ولكنهم ليسوا موصوفين بها عند الله تعالى...

    — مجالس التدبر

  • فيما نقله عنه الجصاص 4/42 ـ : "إنما قال (إنا نصارى) ولم يقل : من النصارى ؛ ليدل على أنهم ابتدعوا النصرانية ، وتسموا بها ، وأنهم ليسوا على منهاج الذين اتبعوا المسيح في زمانه من الحواريين ، وهم الذين كانوا نصارى في الحقيقة " انتهى المقصود منه ..

    — الحسن البصرى

  • {فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ ...} سورة المائدة حين تتوتر علاقاتنا بمن نحب، علينا أن نفتش أي حظ من الشريعة ضاع منا

    — عبدالله بلقاسم

  • آية (١٤) : (وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) * (وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى) فالله لم يقل عنهم إنهم نصارى وفي هذا التعبير تقريع ولوم على هذا الضعف من القوم الذين يدعون بالقول واللسان انتسابهم إلى عيسى عليه السلام وفعلهم يخالف قولهم ومعتقدهم. * (فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء) : - الإغراء هو الحث على فعل ما وتحسينه في نظر الذي يراد إغراؤه حتى لا يتأخر ولا يتكاسل عن تحصيله بأي وجه. وقد استخدم الله هذا الفعل مع كلمتي العداوة والبغضاء ليدلنا على عظم العداوة بينهم ورغبتهم في إثارتها بين الحين والآخر.- - أو أن أصل الكلمة نجدها مأخوذة من الغراء الذي هو نوع من الصمغ اللاصق. فأغرينا معناها ألقينا بينهم العداوة وألصقناها بهم فهي لاصقة بهم. * الفرق بين (فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء) و(وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ) في الآية (٦٤) : الإغراء أشد من الإلقاء ففيه صفة الالتصاق الشديد، كلمة أغرينا استعملت مع النصارى وكلمة ألقينا استعملت مع اليهود: - أهل الكتاب حينما جاءت التوراة أحدثوا فيها تغييراً بعد مدة قصيرة، وحينما جاء الإنجيل بعد مدة قصيرة أحدثوا فيه تغييراً ونقضوا ميثاقهم (وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ) مما أدى بهم إلى أن يتفرقوا ويختلفوا ودخلت أيدي البشر في الكتاب المقدس المنزل من عند الله سبحانه وتعالى، فتفرقت أمة اليهود في وجهات نظرهم فيما أدخلوه، وتفرقت أمة النصارى تفرقاً مضاعفاً لأنهم اعتمدوا التوراة المحرفة (ما يسمونه العهد القديم) وحرّفوا ما عندهم (يسمونه العهد الجديد) فيستحقون أن تكون عقوبتهم مضاعفة لذا استعملت معهم كلمة (فَأَغْرَيْنَا)، وعقوبة الاختلاف هذه نحن نلمسها حيث نجد اليهود متفقين في الظاهر لخوفهم من العدو المحيط بهم لأن خلافهم في الغالب في القضايا الدنيوية ولا تجد بينهم من الحروب ما وقع بين النصارى الذين يختلفون أيضًا في طبيعة نبيّهم عليه السلام، أي في عقيدتهم فاستحقوا أن يعاقبوا فصاروا فرقاً بينهم من الخلافات ماهو أشد وأدهى مما بين اليهود.

    — مختصر لمسات بيانية

  • آية (14): * ما الفرق بين ألقينا وأغرينا بينهم العداوة والبغضاء (وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (14) المائدة) وألقينا بينهم العداوة والبغضاء (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64) المائدة)؟(د.حسام النعيمي) هما آيتان إحداهما تقول (فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) والأخرى تقول (وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ). فإذن عندنا كلمتان: كلمة أغرينا وكلمة ألقينا. ننظر فيمن استعملت هذه الكلمة وفيمن استُعملت هذه الكلمة؟ نجد أن كلمة أغرينا استعملت مع النصارى (وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى) وكلمة ألقينا استعملت مع اليهود (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ). نحن نبحث هذا الموضوع في ضوء قوله تعالى (إن الله لا يظلم مثقال ذرة) وفي ضوء قوله (وألا تزر وازرة وزر أخرى). هؤلاء الناس حينما تنزلت أوجاءت التوراة بعد مدة قصيرة أحدثوا فيها تغييراً، وحينما جاء الإنجيل بعد مدة قصيرة أحدثوا فيه تغييراً، هذه عقيدتهم. هذا التغيير أدى بهم إلى أن يتفرقوا ويختلفوا هم أنفسهم. هم أنفسهم عندما بدأوا يغيّرون اختلفوا وتفرقوا وصار عندنا الكتاب المقدس المنزل من عند الله سبحانه وتعالى دخلت فيه أيدي البشر. دخول أيدي البشر هذا جعل هذه الأمة: أمة اليهود تتفرق في وجهات نظرهم وفي آرائهم بما أدخلوه وجعل أمة النصارى يتفرقون تفرقاً مضاعفاً. لماذا تفرقاً مضاعفاً؟ لأنهم اعتمدوا التوراة المحرفة وضمّوها إلى الكتاب المقدس بحيث صار عندنا في الكتاب المقدس للمسيحيين: العهد القديم الذي هو توراة اليهود بكل تحريفاتها والعهد الجديد الذي هو أناجيل المسيحيين بما دخلها من تحريف. فهذا التحريف أدّى إلى هذه الفُرقة العظيمة بين هؤلاء وهؤلاء. هنا قد يرد سؤال وقد أُثير قديماً : أنتم أيها المسلمون تقولون التوراة من عند الله تعالى وتقولون الإنجيل من عند الله تعالى ثم تقولون حُرّفت التوراة وحُرّف الإنجيل، وتقولون القرآن من عند الله تعالى فالنتيجة النهائية أنه كما حُرّف أخواه يُحرّف، فإذن هو محرّف أيضاً؟ نقول هذا يقوله من لا علم له بتاريخ القرآن. نحن لا نستطيع أن نستدل بقوله تعالى (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) لأنهم يقولون هذا محرّف أو هذه الكلمة مزيدة أنتم زدتموها. لكن لما ننظر في تاريخ القرآن وتاريخ تلك الكتب نجد الفارق. الفارق أن القرآن الكريم حفظته أمة في صدورها وحفظته كتابة في وقت تنزّله بينما التوراة والإنجيل لم تحفظ هذا الحفظ بحيث صار فيها هذا التغيير بحيث عندنا صوراً مختلفة. وهذا الحفظ سرى على ملايين الناس في حفظ القرآن الكريم الذي هو صورة مميزة من الصور الأخرى يتميز عنها ويختلف. قد يقول قائل إذا آمن بالآية الكريمة (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) لماذا الأمم الأخرى استحفظت على كتبها بينما القرآن تعهد الله تعالى وتكفل بحفظه؟ الفارق أن تلك الكتب سبق في علم الله عز وجل أنها ستُنسخ، ستذهب، فتركها لهم. يُفترض أن اليهود عندما جاء المسيح  يتركون ما في التوراة ويتحولون إلى الإنجيل. فالله سبحانه وتعالى يقول (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) كلٌ له شرعته ومنهاجه. فاليهود لهم شرعتهم ومنهاجهم والنصارى لهم شرعتهم ومنهاجهم في زمن تنزّل كتبهم فكان ينبغي أن يتحولوا إلى المسيحية. والمسيحيون ومن معهم ممن دخل في دينهم كان ينبغي أن يتحولوا إلى الدين الخاتم. لأنه خاتم الأديان تعهد الله سبحانه وتعالى بحفظ هذا الكتاب الذي يمثل خاتم ديانات الله سبحانه وتعالى على الأرض. هذا الخاتم وجاء في أمة حافظة دخلت في تمرين قبل ذلك. التمرين الذي دخلت فيه هو حفظها للشعر العربي فكانوا يحفظونه: يسمع الشخص القصيدة مرة أو مرتين يحفظها. أمة حافظة فجاء القرآن الكريم بعد تدريب للناس على الحفظ فصار محفوظاً في الصدور. فضلاً عن ذلك أنه كان يدوّن في وقتها وكان أكثر من 12 رجلاً من الصحابة يكتبون الوحي فهو إذن صورة مباينة مغايرة لما تقدّم. معنى ذلك أن القرآن الكريم هو الكتاب السماوي الوحيد الآن الذي حُفِظ حفظاً علمياً حتى إذا جئنا إلى تحقيق النصوص هو محقق تحقيقاً علمياً. نعود للأيتين: نحن استقر عندنا أن اليهود حرّفوا التوراة وبسبب التحريف الذي في التوراة دخلوا في مشكلات بسبب التحريف لأنهم صاروا يجتهدون فيما هو خلاف كلام الله عز وجل ولذلك صار بينهم عداوة وهذه العداوة لا تنفصل إلى يوم القيامة. لكن هناك فارق بين عداوة اليهود فيما بينهم وعداوة النصارى فيما بينهم. عداوة اليهود فيما جرّه عليهم تحريفهم للتوراة فهي عداوة محددة بتحريف التوراة. أما عداوة المسيحيين فيما جرّه عليهم الإيمان بتحريفات اليهود فصاروا كاليهود في استحقاقهم العقوبة، أضافوا إلى ذلك تحريفهم الإنجيل فزادوا على اليهود في نزول العقوبة عليهم لأنهم أخذوا بالمحرّف وحرّفوا ما عندهم فيستحقون العقاب الأولى. هذه العقوبة الأَوْلى نحن نلمسها: نجد اليهود مختلفون لكن قد يتفقون في الظاهر لأن خلافهم في الغالب في قضايا الحياة الدنيا، في الماديات، في المصالح، أما النصارى فيختلفون في المصالح كاليهود يضاف إلى ذلك أنهم اختلفوا في طبيعة نبيّهم، أي في أصل من الأصول: هل المسيح  إنسان حلّت فيه روح الله؟ هل هو ابن الله؟ صاروا فرقاً وصاروا في هذا يعتمدون الرهبان والكُهّان بل أكثر من ذلك صار الكاهن مما هو مدوّن في التوراة يملك الغفران. ولذلك في التوراة يقول إذا فعل إنسان ذنباً يأتي إلى الكاهن فيُقدّم قرباناً فيغفر له الكاهن. ولا يقولون فيغفر له الله، وهذا نص من التوراة. وقلنا نص التوراة يؤمن به اليهودي والمسيحي على حد سواء. فلما وصلوا إلى هذا الحد عند ذلك استحقوا أن يعاقبوا. هذا الجرم من التحريف ومن التزام التحريف جاء فيه العقوبة. قلنا إن النصارى ينبغي أن تكون عقوبتهم مضاعفة لذا استعملت معهم كلمة (فأغرينا). هم يقولون أغرينا بمعنى هيّجنا لكن لو رجعت إلى أصل الكلمة نجدها مأخوذة من الغراء الذي هو نوع من الصمغ اللاصق. فأغرينا معناها ألقينا بينهم العداوة وألصقناها بهم فهي لاصقة بهم. (فأغرينا) للنصارى و(ألقينا) لليهود. وهذا التاريخ يشهد فأنت لا تجد بين اليهود من الحروب ما وقع بين النصارى. فالحرب العالمية الأولى والثانية كانتا بين النصارى والآن ما يجري في إقليم الباسك وإيرلندا الشمالية وغيرها خلافاتهم اعتقادية فهناك الكاثوليك والبروتستانت والأرثوذوكس والأرمن وكلٌ له اعتقاده في ذات المسيح عليه السلام. خلافهم في ذات المسيح عليه السلام. الإنجليكان الكنيسة البريطانية تؤمن بأن المسيح عليه السلام رجل من الناس لكنهم يخالفوننا أنهم يعتقدون أنه جاء من زواج شرعي بين مريم وأحد رجال يهود بني إسرائيل وولد المسيح عليه السلام. الحروب والخلافات بين المسيحيين أشد وأدهى مما هو بين اليهود لأن جرمهم صار أعظم أنهم أخذوا تحريفين. تبنّي التوراة في الوقت الذي نجد في الإنجيل أموراً فيها نسخ للتوراة (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) هذه شرعتكم غير شرعة اليهود لكن وُضع فيها من الكلام ما يقول: ما جئت لأنقض الناموس، جئت لأتمم الناموس يعني التوراة. بينما فيه قيل لكم كذا وكذا وأنا أقول لكم يذكر كلاماً مخالفاً لما في التوراة. معناه هناك نسخ. الإغراء إذن أشد من الإلقاء (فأغرينا) قد يتساهلون في حين من الأحيان لكن تبقى النيران تتأجج بين زعماء هذه الكتلة وهذه الكتلة لأن اعتقاداتهم مختلفة يصعب الجمع بينها. الإغراء فيه صفة الالتصاق الشديد وألقينا يمكن أن تكون كما يقال "هدنة على دَخَن وجماعة على أقذاء" هذه من أمثلتهم: هدنة على دّخَن أي هدنة حرب لكن هناك شيئ تحت الرمال لا يلبث أن تنبثق فجأة، وجماعة على أقذاء تعني هم مجتمعون لكن كل يرى الآخر كأنه قذى في عينه يريد أن يخرجه في الإشارة إلى أن الهدوء هو هدوء مؤقت (تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى)، الآن تراهم كأنهم متفقون في إقامة دولة لأنهم يخشون العدو المحيط بهم لكن في الحقيقة هم غير متفقين ولذلك هم فئات وطوائف وأحزاب منهم اليمين واليسار وأقصى اليمين وأقصى اليسار وقد تنفجر الخلافات فيما بينهم في أي وقت من الأوقات وتؤدي إلى مذابح ومقاتل وما يوحّدهم الآن خوفهم من العدو المحيط بهم. هم نبتة في غير بيئتها فيحاولون أن يشغلوا الآخرين بأنفسهم وقد نجحوا في هذا. ويحاولون أن يتآلفوا لكن مع هذا الخطر المحدق بهم نجدهم فرق وطوائف. نجد الآية الكريمة (وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) ميثاقهم: هم خالفوا (فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ). الآية الأخرى (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) الكلام على اليهود. هم أهل مادة يقولون يد الله مغلولة أي بخيل حاشاه فيرد الله سبحانه وتعالى عليهم (غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ) ودعاء عليهم (وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ). هذا الخير الذي في الدنيا كله من رحمة الله سبحانه وتعالى. لاحظ جرأة اليهود على الله سبحانه وتعالى وحِلم الله عز وجل على اليهود حِلمٌ يعجب له اللسان وهو سبحانه لا يُسأل عما يفعل. هو حليم عن هؤلاء حلماً عجيباً من خروجهم من مصر بمعجزة ورأوا الماء على شكل جبلين ومشوا في وسط الماء كأنه زجاج يحفظ الماء وبمجرد أن خرجوا مروا على قوم يعكفون على أصنام لهم فقالوا لموسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة. قلنا الإغراء هو شيء فوق الإلقاء وهذا كان نوعاً من العقوبة من الله سبحانه وتعالى لهؤلاء الذين ما زالوا مصرين إلى يومنا هذا على الأخذ بالتحريفين. إلى الآن لما تحاور راهباً أو شخصاً متضلعاً بالإنجيل يقول التوراة هي كتابنا المقدس القديم والإنجيل هو الكتاب المقدس الجديد فهما جزءان ضمن مجلد واحد. وما زالوا يقولون هذا لكن نلاحظ شيئاً أن الله سبحانه وتعالى عندما ذكر النصارى بيّن أن هذه العداوة فيما بينهم وأنها باقية وسوف ينبئهم بما كانون يصنعون، بما كان يصنع بعضهم ببعض. أما لما تكلم على اليهود فقد ذكر شيئاً آخر غير إساءة الأدب مع الله سبحانه وتعالى لكن ذكرهم بوصفهم مثيرين للفتن والحروب (كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) لم يذكر هاتان الصفتان للنصارى وإنما خص بهما اليهود . قد يسأل سائل الآن مشكلتنا ليست مع اليهود وإنما مع النصارى. القرآن الكريم لم يُشِر فيما يتعلق بالنصارى أنهم يوقدون نار الحرب ويسعون في الأرض فساداً وإنما أشار إلى خلاف فيما بينهم يؤدي إلى أذى شديد يؤذي بعضهم بعضاً وهذا الذي وقع في التاريخ. قد يسأل سائل أن جيوش دول ليست يهودية تعتدي على دول إسلامية وتحدث حروباً وهذا واقع لا نستطيع أن ننكره نقول لو فتشت عمن وراء هذه الأمور فستجد هؤلاء أحفاد القردة والخنازير وراءهم على وجه اليقين. وكلما حدثت مشكلات لما تبحث فيها البحث العلمي الدقيق تجد هؤلاء وراءها ونحن لا نريد أن ندخل في تفصيلات. هذا الذي يقع في القطب الواحد هناك منظمات معينة بحيث رؤساء القطب الواحد وهي منظمات معلنة أنها يهودية يتملقونهم وهناك الصحافة والإعلان والإعلام جملة وتفصيلاً وهناك الإرهاب فما عندهم مانع أن رئيس أكبر دولة إذا فكّر في يوم من الأيام أن ينصف الفلسطينيين بقدر يرتّبون له فضيحة ويسقطونه ويأتون بنائبه وهذا مصداق لقوله تعالى (وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4) الإسراء) لكن نحن نأمل بإذن الله تعالى أنه يأتيهم من جاءهم في الماضي ويتبّر ما علوا تتبيرا (وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (7)). في الآية الكريمة لما ذكر النصارى ذكر أن مشكلاتهم فيما بينهم لكن لما ذكر اليهود ذكر أنهم يوقدون الحروب والله تعالى يطفئها ويسعون في الأرض فساداً والله لا يحب المفسدين. (فألقينا بينهم) الخلاف فيما بينهم ليس كالخلاف فيما بين المسيحيين. خلافهم أهون من الخلاف الشديد بين المسيحيين لأن اليهود خلافهم مادي في القضايا الدنيوية مع أن خطرهم أعظم فهم مختلفون. هي نوع من العقوبة لهم لأن هؤلاء حرّفوا فعوقبوا بالعداوة فيما بينهم. أولئك حرّفوا فعوقبوا بالعداوة فيما بينهم لكن أخذوا تحريف السابقين أيضاً واختلفوا ليس في القضايا المادية وإنما اختلفوا في شخص نبيّهم يعني في الاعتقاد فصار من الصعب أن تفك الخلاف. اليهود قد يسكتون على الخلافات المادية (ربحي أكثر ، أقل) لكن هناك الخلاف لصيق لأنه في الإعتقاد.

    — حسام النعيمي

و٤ وقفات أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.

ترجمات معاني الآية ١٤ من سورة المائدة

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(14) And from those who say, "We are Christians" We took their covenant; but they forgot a portion of that of which they were reminded.[249] So We caused among them[250] animosity and hatred until the Day of Resurrection. And Allāh is going to inform them about what they used to do.
[249]- In the Gospel concerning the coming of Prophet Muḥammad (ﷺ).
[250]- i.e., among their various denominations or sects.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال