تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
ثم قال تعالى رادًّا على اليهود والنصارى في كذبهم وافترائهم :﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ أي : نحن منتسبون إلى أنبيائه وهم بنوه وله بهم عناية، وهو يحبنا. ونقلوا عن كتابهم أن الله [ تعالى ](١) قال لعبده إسرائيل :" أنت ابني بكري ". فحملوا هذا على غير تأويله، وحَرّفوه. وقد رد عليهم غير واحد ممن أسلم من عقلائهم، وقالوا : هذا يطلق عندهم على التشريف والإكرام، كما نقل النصارى عن كتابهم أن عيسى قال لهم : إني ذاهب إلى أبي وأبيكم، يعني : ربي وربكم. ومعلوم أنهم لم يدعوا لأنفسهم من البنوة ما ادعوها في عيسى، عليه السلام، وإنما أرادوا بذلك(٢) معزتهم لديه وحظْوتهم عنده، ولهذا قالوا : نحن أبناء الله وأحباؤه.
قال الله تعالى(٣) رادا عليهم :﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ أي : لو كنتم كما تدعون أبناءه وأحباءه، فلم أعَد(٤) لكم نار جهنم على كفركم وكذبكم وافترائكم ؟. وقد قال بعض شيوخ الصوفية لبعض الفقهاء : أين تجد في القرآن أن الحبيب لا يعذب حبيبه ؟ فلم يرد عليه، فتلا الصوفي هذه الآية :﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾
وهذا الذي قاله حسن، وله شاهد في المسند للإمام أحمد حيث قال : حدثنا ابن أبي عَدِيٍّ، عن حُمَيْد، عن أنس قال : مر النبي ﷺ في نفر من أصحابه، وصبي في الطريق، فلما رأت أمه القوم خشيت على ولدها أن يُوْطَأ، فأقبلت تسعى وتقول : ابني ابني ! وسعت فأخذته، فقال القوم : يا رسول الله، ما كانت هذه لتلقي ابنها في النار. قال : فَخفَّضَهُم النبي ﷺ فقال :" لا والله ما يلقي حبيبه في النار ". تفرد به. (٥)
[ وقوله ](٦) ﴿بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ أي : لكم أسوة أمثالكم من بني آدم، وهو تعالى هو الحاكم في جميع عباده ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي : هو فعال لما يريد، لا مُعَقِّب لحكمه وهو سريع الحساب. ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ أي : الجميع ملكه وتحت قهره وسلطانه، ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ أي : المرجع والمآب إليه، فيحكم في عباده بما يشاء، وهو العادل الذي لا يجور.
[ و ](٧) قال محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عِكْرِمَة، أو سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس قال : وأتى رسول الله ﷺ نعمان بن أضاء(٨) وبحري بن عمرو، وشاس بن عدي، فكلموه وكلمهم(٩) رسول الله ﷺ ودعاهم إلى الله وحذرهم نقمته، فقالوا : ما تخوفنا يا محمد ! نحن والله أبناء الله وأحباؤه، كقول النصارى، فأنزل [ الله ](١٠) فيهم :﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ إلى آخر الآية. رواه ابن أبي حاتم وابن جرير.
ورويا أيضا من طريق أسباط عن السدي في قول الله [ تعالى ](١١) ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ أما قولهم :﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ فإنهم قالوا : إن الله أوحى إلى إسرائيل أن ولدك(١٢) - بكرك من الولد - فيدخلهم النار(١٣) فيكونون فيها أربعين ليلة حتى تطهرهم وتأكل خطاياهم، ثم يناد مناد(١٤) أن أخرجوا كل مختون من ولد إسرائيل. فأخرجوهم(١٥) فذلك قولهم :﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [آل عمران: ٢٤]
١ زيادة من أ..
٢ في ر، أ: "من ذلك"..
٣ في أ: "عز وجل"..
٤ في أ: أعددت"..
٥ المسند (٣/١٠٤)..
٦ زيادة من أ..
٧ زيادة من أ..
٨ في أ: "عتمان بن صا"..
٩ في أ: "فكلمهم.".
١٠ زيادة من أ..
١١ زيادة من أ.
.

١٢ في أ: "ولدي"..
١٣ كذا في جميع النسخ، ونص الطبري: "أن ولدا من ولدك أدخلهم النار" (٦/١٠٦)..
١٤ في أ: "منادي"..
١٥ في ر: "فأخرجهم"..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى