بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي

عن الكتاب
قوله تعالى :
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أبْنَاءُ الله وأَحِبَّاؤُه﴾ يعني : نحن من الله تعالى بمنزلة الأبناء من الآباء في المنزلة والكرامة، والوالد إذا سخط على ولده في وقت يرضى عنه في وقت آخر. ويقال : معناه نحن أبناء الله وأحباؤه. قال الله تعالى لمحمد ﷺ :﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذّبُكُم بِذُنُوبِكُم﴾ يعني يحرقكم لأنهم كانوا مقرِّين بأنه يحرقهم أربعين يوماً أياماً معدودة، قل لهم فهل رأيتم والداً يحرق ولده أو يحرق مُحِبَّه ؟ ففي الآية دليل أن الله تعالى إذا أحب عبده يغفر ذنوبه، ولا يعذبه بذنوبه، لأنه احتج عليهم فقال :﴿فَلِمَ يُعَذّبُكُم﴾ إن كنتم أحباء الله تعالى، وقال في آية أخرى :﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ المحيض قُلْ هُوَ أَذًى فاعتزلوا النساء فِي المحيض وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حتى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله إِنَّ الله يُحِبُّ التوابين وَيُحِبُّ المتطهرين﴾ [البقرة: ٢٢٢] ففيه دليل على أنه لا يعذب التوابين بذنوبهم، ولا المجاهدين الذين يجاهدون لقوله تعالى :﴿إِنَّ الله يُحِبُّ الذين يقاتلون في سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بنيان مَّرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤] ثم قال :﴿بَلْ أَنتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ يعني أنتم لستم بأبناء الله ولا أحبائه، ولكن أنتم خلق كسائر خلق الله تعالى. ثم قال :﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء﴾ أي يتجاوز عمن يشاء فيهديه لدينه ﴿وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء﴾ فيهينه ويتركه على الكفر ﴿وَللَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ من الخلق ﴿وَإِلَيْهِ المصير﴾ يعني إليه المرجع، فيجزيهم بأعمالهم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى