اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله :" يبيّنُ لكم " فيه وجهان :
أحدهما : إن المبين هو الدِّين والشَّرائع، وإنما حَسُن حَذْفُهُ ؛ لأنَّ كل أحد يَعْلَم أنَّ الرَّسُول إنَّما أُرْسِل لبيان الشَّرَائع ؛ لدلالة اللَّفْظِ عليه.
الثاني : أن يكون التَّقْدِير : يُبَيِّن(١) لكم البَيَان، وحَذْفُ المَفْعُول أكمل ؛ لأنَّهُ يصير أعمَّ فائدة، وتقدَّمَ الكلام في " يُبَيِّن " (٢).
قوله :" عَلَى فَتْرَة " فيه ثلاثةُ أوجه :
أظهرها : أنَّهُ متعلِّق [ ب " جاءكم " ](٣) أي : جاءكم على حين فُتور(٤) من إرسَالِ الرَّسُل، وانْقطِاع من الوَحْي ذكره الزَّمَخْشَرِيُّ.
والثاني : أنَّه حال من فاعل " يُبَيِّن " أي يُبَيِّن في حَالِ كَوْنِهِ على فَتْرَة.
والثالث : أنَّهُ حال من الضَّمير المَجْرُور في " لَكُمْ "، فيتعلَّق على هَذَيْن الوجْهَيْن بمحذوف، و " مِنَ الرُّسُل " صِفَة ل " فَتْرة "، على أن معنى " مِنْ " : ابتداءُ الغاية، أي : فَتْرَة صادرة من إرْسَالِ الرُّسُلِ.
قال ابنُ عبَّاسٍ : يريد على انْقِطَاعٍ من الأنْبِيَاء(٥)، يقال : فَتَر الشَّيءْ يَفْتُر فُتُوراً إذا سَكَنَتْ حَرَكَتُه، فَصَارَ أقَلَّ ما كان عليه، وسمِّيَت المدَّة بين الأنْبِيَاء فَتْرة ؛ لفُتُور الدَّوَاعي في العمل بِتَرْك الشَّرَائع.
واخْتَلَفُوا في مُدَّة الفَتْرَة بين عِيسَى ومُحَمَّد - عليهما الصلاة والسلام - قال أبُو عُثْمان النهدي(٦) : ستمائة سَنَة، وقال قتادَة : خمسمائة سنة وسِتُّون(٧) سنة، وقال مَعْمَرُ والكَلْبِيُّ : خمسمائة سَنة وأرْبعُون سنة(٨).
وعن الكَلْبِيِّ بين مُوسى وعيسى ألْفٌ وسبعمائة سنة وألفا نبيّ، وبَين عيسى ومحمد أربعةٌ من الأنبياء ؛ ثلاثةٌ من بني إسرائيل، وواحدٌ من العرب وهو خالد بن سِنَان العَبْسي(٩).
والفائدة في بَعْثَة مُحَمَّدٍ - عليه الصلاة والسلام - على فَتْرَةٍ من الرُّسُلِ ؛ لأنَّ التَّحْريف والتَّغْيِير قد تَطَرَّق إلى الشَّرَائِع المُتقدِّمة، لتقَادُم عَهْدِهَا وطول أزْمَانِها، ولهذا السَّبَب اخْتَلط(١٠) الحقُّ بالبَاطِل، والصِّدق بالكَذِبِ، فصار عذْراً للخَلْقِ في إعْرَاضِهِم عن العِبَادَات.
وسُمِّيت فَتْرة ؛ لأنَّ الرُّسل كانت تَتْرَى(١١) بعد مُوسى - عليه السلام - من غير انْقِطَاع إلى عيسى، ولم يَكُنْ بعد عيسى سِوى رسُول الله ﷺ إلا ما تقدَّم عن الكَلْبِي.
قوله :" أنْ تَقُولُوا " مَفْعُولٌ من أجْلِهِ، فَقَدَّره الزَّمَخْشَرِي(١٢) " كَراهَة أن تَقُولُوا ".
وأبُو البقاء(١٣) " مخَافَة أن تَقُولُوا "، والأوَّل أوْلَى وقوله :" يُبَيِّن " يجوز ألاَّ يُرادَ له مفعولُ ألْبَتَّة، والمعنى : يبذل لكم البيان، ويجُوز أن يكُون مَحْذُوفاً إمَّا لدلالة اللَّفظ عليه، وهو ما تقدَّم من قوله :﴿يُبَيِّن لَكُم كَثِيراً﴾ وإمَّا لدلالة الحَالِ أي : يُبَيِّن لكم ما كُنْتم تَخْتَلِفُون فيه.
و " مِنْ بَشيرٍ " فاعل زيدَت فيه " مِنْ " لوجود الشَّرْطين، و " لا نَذِيرٍ " عطف على لفظه، ولو قُرِئ برفعه(١٤) مُراعَاةً لوضْعِه جَازَ.
وقوله :" فَقَدْ جَاءَكُمْ " عطف على جُمْلَةٍ مُقَدَّرة، أي : لا تعتذروا فقد جَاءَكُم، وما بعد هذا من الجُمَلِ واضِحُ الإعْرَاب لما تقدَّم من نَظَائِرِهِ.
ثم قال :﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، والمعنى :[ أنَّ ](١٥) حصول الفَتْرَة يوجِبُ احْتِياجَ الخَلْقِ إلى بَعْثَة الرُّسُلِ عليهم السلام، والله قَادِرٌ على البَعْثَة ؛ لأنَّهُ رحيمٌ كريمٌ قادرٌ على البَعْثَة، فوجَبَ(١٦) في رَحْمَتِه وكَرَمه أن يَبْعَثَ إليهم الرُّسُل.
أحدهما : إن المبين هو الدِّين والشَّرائع، وإنما حَسُن حَذْفُهُ ؛ لأنَّ كل أحد يَعْلَم أنَّ الرَّسُول إنَّما أُرْسِل لبيان الشَّرَائع ؛ لدلالة اللَّفْظِ عليه.
الثاني : أن يكون التَّقْدِير : يُبَيِّن(١) لكم البَيَان، وحَذْفُ المَفْعُول أكمل ؛ لأنَّهُ يصير أعمَّ فائدة، وتقدَّمَ الكلام في " يُبَيِّن " (٢).
قوله :" عَلَى فَتْرَة " فيه ثلاثةُ أوجه :
أظهرها : أنَّهُ متعلِّق [ ب " جاءكم " ](٣) أي : جاءكم على حين فُتور(٤) من إرسَالِ الرَّسُل، وانْقطِاع من الوَحْي ذكره الزَّمَخْشَرِيُّ.
والثاني : أنَّه حال من فاعل " يُبَيِّن " أي يُبَيِّن في حَالِ كَوْنِهِ على فَتْرَة.
والثالث : أنَّهُ حال من الضَّمير المَجْرُور في " لَكُمْ "، فيتعلَّق على هَذَيْن الوجْهَيْن بمحذوف، و " مِنَ الرُّسُل " صِفَة ل " فَتْرة "، على أن معنى " مِنْ " : ابتداءُ الغاية، أي : فَتْرَة صادرة من إرْسَالِ الرُّسُلِ.
فصل
قال ابنُ عبَّاسٍ : يريد على انْقِطَاعٍ من الأنْبِيَاء(٥)، يقال : فَتَر الشَّيءْ يَفْتُر فُتُوراً إذا سَكَنَتْ حَرَكَتُه، فَصَارَ أقَلَّ ما كان عليه، وسمِّيَت المدَّة بين الأنْبِيَاء فَتْرة ؛ لفُتُور الدَّوَاعي في العمل بِتَرْك الشَّرَائع.
واخْتَلَفُوا في مُدَّة الفَتْرَة بين عِيسَى ومُحَمَّد - عليهما الصلاة والسلام - قال أبُو عُثْمان النهدي(٦) : ستمائة سَنَة، وقال قتادَة : خمسمائة سنة وسِتُّون(٧) سنة، وقال مَعْمَرُ والكَلْبِيُّ : خمسمائة سَنة وأرْبعُون سنة(٨).
وعن الكَلْبِيِّ بين مُوسى وعيسى ألْفٌ وسبعمائة سنة وألفا نبيّ، وبَين عيسى ومحمد أربعةٌ من الأنبياء ؛ ثلاثةٌ من بني إسرائيل، وواحدٌ من العرب وهو خالد بن سِنَان العَبْسي(٩).
والفائدة في بَعْثَة مُحَمَّدٍ - عليه الصلاة والسلام - على فَتْرَةٍ من الرُّسُلِ ؛ لأنَّ التَّحْريف والتَّغْيِير قد تَطَرَّق إلى الشَّرَائِع المُتقدِّمة، لتقَادُم عَهْدِهَا وطول أزْمَانِها، ولهذا السَّبَب اخْتَلط(١٠) الحقُّ بالبَاطِل، والصِّدق بالكَذِبِ، فصار عذْراً للخَلْقِ في إعْرَاضِهِم عن العِبَادَات.
وسُمِّيت فَتْرة ؛ لأنَّ الرُّسل كانت تَتْرَى(١١) بعد مُوسى - عليه السلام - من غير انْقِطَاع إلى عيسى، ولم يَكُنْ بعد عيسى سِوى رسُول الله ﷺ إلا ما تقدَّم عن الكَلْبِي.
قوله :" أنْ تَقُولُوا " مَفْعُولٌ من أجْلِهِ، فَقَدَّره الزَّمَخْشَرِي(١٢) " كَراهَة أن تَقُولُوا ".
وأبُو البقاء(١٣) " مخَافَة أن تَقُولُوا "، والأوَّل أوْلَى وقوله :" يُبَيِّن " يجوز ألاَّ يُرادَ له مفعولُ ألْبَتَّة، والمعنى : يبذل لكم البيان، ويجُوز أن يكُون مَحْذُوفاً إمَّا لدلالة اللَّفظ عليه، وهو ما تقدَّم من قوله :﴿يُبَيِّن لَكُم كَثِيراً﴾ وإمَّا لدلالة الحَالِ أي : يُبَيِّن لكم ما كُنْتم تَخْتَلِفُون فيه.
و " مِنْ بَشيرٍ " فاعل زيدَت فيه " مِنْ " لوجود الشَّرْطين، و " لا نَذِيرٍ " عطف على لفظه، ولو قُرِئ برفعه(١٤) مُراعَاةً لوضْعِه جَازَ.
وقوله :" فَقَدْ جَاءَكُمْ " عطف على جُمْلَةٍ مُقَدَّرة، أي : لا تعتذروا فقد جَاءَكُم، وما بعد هذا من الجُمَلِ واضِحُ الإعْرَاب لما تقدَّم من نَظَائِرِهِ.
ثم قال :﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، والمعنى :[ أنَّ ](١٥) حصول الفَتْرَة يوجِبُ احْتِياجَ الخَلْقِ إلى بَعْثَة الرُّسُلِ عليهم السلام، والله قَادِرٌ على البَعْثَة ؛ لأنَّهُ رحيمٌ كريمٌ قادرٌ على البَعْثَة، فوجَبَ(١٦) في رَحْمَتِه وكَرَمه أن يَبْعَثَ إليهم الرُّسُل.
١ في أ: يبذل..
٢ في الآية ١٥ من المائدة..
٣ في أ: بحكم..
٤ في أ: فقدر..
٥ ذكره الفخر الرازي في "التفسير الكبير" (١١/١٥٢) عن ابن عباس..
٦ في ب: المهدوي..
٧ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٤/٥٠٨) وذكره السيوطي في "الدر المنثور"(٢/٤٧٧) وزاد نسبته لعبد الرزاق وعبد بن حميد من طريق معمر عن قتادة..
٨ ذكره السيوطي في "الدر المنثور"(٢/٤٤٧) قال: قال معمر: قال الكلبي. فذكره..
٩ ذكره الفخر الرازي في "التفسير الكبير"(١١/١٥٤) عن الكلبي..
١٠ في أ: يختلط..
١١ في أ: ترسل..
١٢ ينظر: الكشاف ١/٦١٩..
١٣ ينظر: الإملاء ١/٢١٢..
١٤ في أ: برفقة..
١٥ سقط في أ..
١٦ في ب: يوجب..
٢ في الآية ١٥ من المائدة..
٣ في أ: بحكم..
٤ في أ: فقدر..
٥ ذكره الفخر الرازي في "التفسير الكبير" (١١/١٥٢) عن ابن عباس..
٦ في ب: المهدوي..
٧ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٤/٥٠٨) وذكره السيوطي في "الدر المنثور"(٢/٤٧٧) وزاد نسبته لعبد الرزاق وعبد بن حميد من طريق معمر عن قتادة..
٨ ذكره السيوطي في "الدر المنثور"(٢/٤٤٧) قال: قال معمر: قال الكلبي. فذكره..
٩ ذكره الفخر الرازي في "التفسير الكبير"(١١/١٥٤) عن الكلبي..
١٠ في أ: يختلط..
١١ في أ: ترسل..
١٢ ينظر: الكشاف ١/٦١٩..
١٣ ينظر: الإملاء ١/٢١٢..
١٤ في أ: برفقة..
١٥ سقط في أ..
١٦ في ب: يوجب..