جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتابالقول في تأويل قوله تعالى :
﴿يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلّواْ شَعَآئِرَ اللّهِ وَلاَ الشّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلآئِدَ وَلآ آمّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مّن رّبّهِمْ وَرِضْوَاناً وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ وَلاَ يَجْرِمَنّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرّ وَالتّقْوَىَ وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتّقُواْ اللّهَ إِنّ اللّهَ شَدِيدُ آلْعِقَابِ﴾. .
اختلف أهل التأويل في معنى قول الله : لا تُحِلّوا شَعائِرَ اللّهِ فقال بعضهم : معناه : لا تحلوا حُرُمات الله، ولا تتعدّوا حدوده. كأنهم وجهوا الشعائر إلى المعالم، وتأوّلوا لا تحلوا شعائر الله : معالم حدود الله، وأمره، ونهيه، وفرائضه. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا عبد الوهاب الثقفي، قال : حدثنا حبيب المعلم، عن عطاء أنه سئل عن شعائر الله، فقال : حرمات الله : اجتناب سخط الله، واتباع طاعته، فذلك شعائر الله.
وقال آخرون : معنى قوله : لا تُحِلّوا حَرَمَ الله. فكأنهم وجهوا معنى قوله : شَعائِرَ اللّهِ : أي معالم حَرَم الله من البلاد. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلّوا شَعائِرَ اللّهِ قال : أما شعائر الله : فحُرَم الله.
وقال آخرون : معنى ذلك : لا تحلوا مناسك الحجّ فتضيعوها. وكأنهم وجهوا تأويل ذلك إلى : لا تحلوا معالم حدود الله التي حدّها لكم في حجكم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، قال : قال ابن جريج، قال ابن عباس : لا تُحِلّوا شَعائِرَ اللّهِ قال : مناسك الحجّ.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو صالح، قال : حدثنا معاوية، عن عليّ ابن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلّوا شَعائِرَ اللّهِ قال : كان المشركون يحجون البيت الحرام، ويهُدون الهدايا، ويعظمون حرمة المشاعر، ويتجرون في حجهم، فأراد المسلمون أن يُغيروا عليهم، فقال الله عزّ وجلّ : لا تُحِلّوا شَعائِرَ اللّهِ.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله : شَعائِرَ اللّهِ : الصفا والمروة، والهدي، والبدن، كل هذا من شعائر الله.
حدثني المثنى، قال : ثني أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
وقال آخرون : معنى ذلك : لا تحلوا ما حرّم الله عليكم في حال إحرامكم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : لا تُحِلّوا شَعائِرَ اللّهِ قال : شعائر الله : ما نهى الله عنه أن تصيبه وأنت محرم.
وكأنّ الذين قالوا هذه المقالة، وجهوا تأويل ذلك إلى : لا تحلوا معالم حدود الله التي حرّمها عليكم في إحرامكم.
وأولى التأويلات بقوله : لا تُحِلّوا شَعائِرَ اللّهِ قول عطاء الذي ذكرناه من توجيهه معنى ذلك إلى : لا تحلوا حُرُمات الله، ولا تضيعوا فرائضه، لأن الشعائر جمع شعيرة، والشعيرة : فعيلة من قول القائل : قد شعر فلان بهذا الأمر : إذا علم به، فالشعائر : المعالم من ذلك. وإذا كان ذلك كذلك، كان معنى الكلام : لا تستحلوا أيها الذين آمنوا معالم الله، فيدخل في ذلك معالم الله كلها في مناسك الحجّ، من تحريم ما حرم الله إصابته فيها على المحرم، وتضييع ما نهى عن تضييعه فيها، وفيما حرم من استحلال حرمات حرمه، وغير ذلك من حدوده وفرائضه وحلاله وحرامه، لأن كل ذلك من معالمه وشعائره التي جعلها أمارات بين الحقّ والباطل، يُعلم بها حلاله وحرامه وأمره ونهيه.
وإنما قلنا ذلك القول أولى بتأويل قوله تعالى : لا تُحِلّوا شَعائِرَ اللّهِ لأن الله نهى عن استحلال شعائره ومعالم حدوده، وإحلالها نهيا عامّا من غير اختصاص شيء من ذلك دون شيء، فلم يجز لأحد أن يوجه معنى ذلك إلى الخصوص إلا بحجة يجب التسليم لها، ولا حجة بذلك كذلك.
القول في تأويل قوله تعالى : وَلا الشّهْرَ الحَرَامَ.
يعني جلّ ثناؤه بقوله : وَلا الشّهْرَ الحَرَامَ : ولا تستحلوا الشهر الحرام بقتالكم به أعداءكم من المشركين، وهو كقوله : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشّهْرِ الحَرَامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال ابن عباس وغيره. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : وَلا الشّهْرَ الحَرَامَ يعني : لا تستحلوا قتالاً فيه.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، قال : كان المشرك يومئذ لا يُصَدّ عن البيت، فأمروا أن لا يقاتَلوا في الشهر الحرام ولا عند البيت.
وأما الشهر الحرام الذي عناه الله بقوله : وَلا الشّهْرَ الحَرَامَ فرجب مضر، وهو شهر كانت مضر تحرّم فيه القتال. وقد قيل : هو في هذا الموضع ذو القَعدة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة، قال : هو ذو القعدة.
وقد بينا الدلالة على صحة ما قلنا في ذلك فيما مضى، وذلك في تأويل قوله : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشّهْرِ الحَرَامِ قِتالٍ فِيهِ.
القول في تأويل قوله تعالى : وَلا الهَدْيَ وَلا القَلائِدَ.
أما الهدي : فهو ما أهداه المرء من بعير أو بقرة أو شاة أو غير ذلك إلى بيت الله، تقرّبا به إلى الله وطلب ثوابه. يقول الله عزّ وجلّ : فلا تستحلوا ذلك فتغضِبوا أهله عليه، ولا تحولوا بينهم وبين ما أهدوا من ذلك أن يبلغوا به المحلّ الذي جعله الله مَحِله من كعبته. وقد رُوي عن ابن عباس أن الهدي إنما يكون هديا ما لم يقلّد.
حدثني بذلك محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : وَلا الهَدْيَ قال : الهدي ما لم يقلد، وقد جعل على نفسه أن يهديه ويقلده.
وأما قوله : وَلا القَلائِدَ فإنه يعني : ولا تحلوا أيضا القلائد.
ثم اختلف أهل التأويل في القلائد التي نهى الله عزّ وجلّ عن إحلالها، فقال بعضهم : عنى بالقلائد : قلائد الهدي وقالوا : إنما أراد الله بقوله : وَلا الهَدْيَ وَلا القَلائِدَ : ولا تحلوا الهدايا المقلدات منها وغير المقلدات فقوله : وَلا الهَدْيَ ما لم يقلد من الهدايا، وَلا القَلائِدَ المقلد منها. قالوا : ودلّ بقوله : وَلا القَلائِدَ على معنى ما أراد من النهي عن استحلال الهدايا المقلدة. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله : وَلا القَلائِدَ القلائد : مقلدات الهدي، وإذا قلد الرجل هديه فقد أحرم، فإن فعل ذلك وعليه قميصه فليخلعه.
وقال آخرون : يعني ذلك : القلائد التي كان المشركون يتقلدونهاا إذا أرادوا الحجّ مقبلين إلى مكة من لحاء السّمُر، وإذا خرجوا منها إلى منازلهم منصرفين منها، من الشّعر. ذكر من قال ذلك :
حدثني الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة : لا تُحِلّوا شَعائِرَ اللّهِ وَلا الشّهْرَ الحَرَامَ قال : كان الرجل في الجاهلية إذا خرج من بيته يريد الحجّ تقلد من السّمُر فلم يعرض له أحد، فإذا رجع تقلد قلادة شعر فلم يعرض له أحد.
وقال آخرون : بل كان الرجل منهم يتقلد إذا أراد الخروج من الحرم أو خرج من لحاء شجر الحرم فيأمن بذلك من سائر قبائل العرب أن يعرضوا له بسوء. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن مالك بن مغول، عن عطاء : وَلا القَلائِدَ قال : كانوا يتقلدون من لحاء شجر الحرم، يأمنون بذلك إذا خرجوا من الحرم، فنزلت : لا تُحِلّوا شَعائِرَ اللّهِ. . . الآية، وَلا الهَدْيَ وَلا القَلائِدَ.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : وَلا القَلائِدَ قال : القلائد : اللحاء في رقاب الناس والبهائم أمنٌ لهم.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، قوله : وَلا الهَدْيَ وَلا القَلائِدَ قال : إن العرب كانوا يتقلدون من لحاء شجر مكة، فيقيم الرجل بمكانه، حتى إذا انقضت الأشهر الحرم فأراد أن يرجع إلى أهله قلد نفسه وناقته من لحاء الشجر، فيأمن حتى يأتي أهله.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال ابن زيد في قوله : وَلا القَلائِدَ قال : القلائد : كان الرجل يأخذ لحاء شجرة من شجر الحرم فيتقلدها، ثم يذهب حيث شاء، فيأمن بذلك، فذلك القلائد.
وقال آخرون : إنما نهى الله المؤمنين بقوله : وَلا القَلائِدَ أن ينزعوا شيئا من شجر الحرم فيتقلّدوه كما كان المشركون يفعلون في جاهليتهم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن عبد الملك، عن عطاء في قوله : وَلا الهَدْيَ وَلا القَلائِدَ كان المشركون يأخذون من شجر مكة من لحاء السّمُر، فيتقلدونها، فيأمنون بها من الناس، فنهى الله أن يُنزع شجرها فيُتقلد.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا عبيد الله، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، قال : جلسنا إلى مطرف بن الشخير، وعنده رجل، فحدثهم في قوله : وَلا القَلائِدَ قال : كان المشركون يأخذون من شجر مكة من لحاء السّمُر فيتقلدون، فيأمنون بها في الناس، فنهى الله عزّ ذكره أن ينزل شجرها فيتقلد.
والذي هو أولى بتأويل قوله : وَلا القَلائِدَ إذ كانت معطوفة على أوّل الكلام، ولم يكن في الكلام ما يدلّ على انقطاعها عن أوله، ولا أنه عنى بها النهى عن التقلد أو اتخاذ القلائد من شيء أن يكون معناه : ولا تحلوا القلائد. فإذا كان ذلك بتأويله أولى، فمعلوم أنه نهي من الله جلّ ذكره عن استحلال حرمة المقلد هديا كان ذلك أو إنسانا، دون حرمة القلادة وأن الله عزّ ذكره إنما دلّ بتحريمه حرمة القلادة على ما ذكرنا من حرمة المقلد، فاجتزأ بذكره القلائد من ذكر المقلد، إذ كان مفهوما عند المخاطبين بذلك معنى ما أريد به.
فمعنى الاَية إذ كان الأمر على ما وصفنا : يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله، ولا الشهر الحرام، ولا الهدي، ولا المقلد بقسميه بقلائد الحرم.
وقد ذكر بعض الشعراء في شعره، ما ذكرنا عمن تأوّل القلائد أنها قلائد لحاء شجر الحرم الذي كان أهل الجاهلية يتقلدونه، فقال وهو يعيب رجلين قتلا رجلين كانا تقلدا ذلك :
| أَلمْ تَقْتُلا الحِرْجَيْنِ إذْ أعْوَرَاكما | يُمِرّانِ بالأيْدِي اللّحاءَ المُضَفّرَا |