جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتاببسم الله الرحمَن الرحيم
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ أُحِلّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنْعَامِ إِلاّ مَا يُتْلَىَ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلّي الصّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾. .
يعني جلّ ثناؤه بقوله : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا : يا أيها الذين أقرّوا بوحدانية الله وأذعنوا له بالعبودية، وسلموا له الألوهية، وصدّقوا رسوله محمدا ﷺ في نبوّته وفيما جاءهم به من عند ربهم من شرائع دينه، أوْفُوا بالعُقُودِ يعني : أوفوا بالعهود التي عاهدتموها ربكم والعقود التي عاقدتموها إياه، وأوجبتم بها على أنفسكم حقوقا وألزمتم أنفسكم بها لله فروضا، فأتموها بالوفاء والكمال والتمام منكم لله بما ألزمكم بها، ولمن عاقدتموه منكم بما أوجبتموه له بها على أنفسكم، ولا تنكثواها فتنقضوها بعد توكيدها.
واختلف أهل التأويل في العقود التي أمر الله جلّ ثناؤه بالوفاء بها بهذه الآية، بعد إجماع جميعهم على أن معنى العقود : العهود فقال بعضهم : هي العقول التي كان أهل الجاهلية عاقد بعضهم بعضا على النصرة والمؤازرة والمظاهرة على من حاول ظلمه أو بغاه سوءا، وذلك هو معنى الحلف الذي كانوا يتعاقدونه بينهم. ذكر من قال ذلك : معنى العقود العهود :
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية بن صالح، عن عليّ، عن ابن عباس قوله : أوْفُوا بالعُقُودِ يعني : بالعهود.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله جلّ وعزّ : أوْفُوا بالعُقُودِ قال : العهود.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثنا سفيان، قال : حدثنا أبي، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد مثله.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا عبيد الله، عن أبي جعفر الرازيّ، عن الربيع بن أنس، قال : جلسنا إلى مطرف بن الشّخّير وعنده رجل يحدثهم، فقال : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بالعُقُودِ قال : هي العهود.
حدثنا المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع : أوْفُوا بالعُقُودِ قال : العهود.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبو خالد الأحمر، عن جويبر، عن الضحاك : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بالعُقُودِ قال : هي العهود.
حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال : سمعت أبا معاذ، يقول : أخبرنا عبيد بن سليمان، قال : سمعت الضحاك يقول : أوْفُوا بالعُقُودِ بالعهود.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله : أوْفُوا بالعُقُودِ قال : بالعهود.
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : أوْفُوا بالعُقُودِ قال : هي العهود.
حدثني الحرث، قال : حدثنا عبد العزيز، قال : سمعت الثوري يقول : أوْفُوا بالعُقُودِ قال : بالعهود.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
قال أبو جعفر : والعقود : جمع عقد، وأصل العقد : عقد الشيء بغيره، وهو وصله به، كما تعقد الحبل بالحبل : إذا وُصِل به شدّا، يقال منه : عقد فلان بينه وبين فلان عقدا فهو يعقده، ومنه قول الحطيئة :
| قَوْمٌ إذَا عَقَدُوا عَقْدا لجارِهِمُ | شَدّوا العِناجَ وشَدّوا فوْقَهُ الكَرَبا |
ذكر من قال المعنى الذي ذكرنا عمن قاله في المراد من قوله : أوْفُوا بالعُقُودِ.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة في قوله : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بالعُقُودِ أي بعقد الجاهلية. ذكر لنا أن نبيّ الله ﷺ كان يقول :«أوْفُوا بعَقْدِ الجاهِلِيّةِ، وَلا تُحْدِثُوا عَقْدا في الإسْلامِ ». وذكر لنا أن فرات بن حيان العجليّ سأل رسول الله ﷺ عن حلف الجاهلية، فقال نبيّ الله ﷺ :«لعَلّكَ تَسألُ عَنْ حِلْفِ لْخَمٍ وَتْيمِ اللّهِ ؟ » فقال : نعم يا نبيّ الله، قال :«لا يَزِيدُهُ الإسْلامُ إلاّ شِدّةً ».
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : حدثنا معمر، عن قتادة : أوْفُوا بالعُقُودِ قال : عقود الجاهلية : الحلف.
وقال آخرون : بل هي الحلف التي أخذ الله على عباده بالإيمان به وطاعته فيما أحلّ لهم وحرم عليهم. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : أخبرنا عبد الله، قال : ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله : أوْفُوا بالعُقُودِ يعني : ما أُحِلّ، وما حرّم، وما فُرض، وما حدّ في القرآن كله، فلا تغدروا ولا تنكُثُو ثم شدّد ذلك فقال : وَالّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ. . . إلى قوله : سُوءُ الدّارِ.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : أوْفُوا بالعُقُودِ ما عقد الله على العباد مما أحلّ لهم وحرّم عليهم.
وقال آخرون : بل هي العقود التي يتعاقدها الناس بينهم ويعقدها المرء على نفسه. ذكر من قال ذلك :
حدثنا سفيان بن وكيع، قال : ثني أبي، عن موسى بن عبيدة، عن أخيه عبد الله بن عبيدة، قال : العقود خمس : عُقدة الإيمان، وعقدة النكاح، وعقدة العهد، وعقدة البيع، وعقدة الحِلف.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا وكيع. عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب القُرَظِيّ أو عن أخيه عبد الله بن عبيدة، نحوه.
حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بالعُقُودِ قال : عقد العهد وعقد اليمين، وعقد الحلف، وعقد الشركة، وعقد النكاح. قال : هذه العقود خمس.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عتبة بن سعيد الحمصي، قال : حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، قال : حدثنا أبي في قول الله جلّ وعزّ : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بالعُقُودِ قال : العقود خمس : عقدة النكاح، وعقد الشركة، وعقد اليمين، وعقدة العهد، وعقدة الحلف.
وقال آخرون : بل هذه الاَية أمر من الله تعالى لأهل الكتاب بالوفاء بما أخذ به ميثاقهم من العمل بما في التوراة والإنجيل في تصديق محمد ﷺ وما جاءهم به من عند الله. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج : أوْفُوا بالعُقُودِ قال : العهود التي أخذها الله على أهل الكتاب أن يعملوا بما جاءهم.
حدثنا المثنى، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني الليث، قال : ثني يونس، قال : قال محمد بن مسلم. قرأت كتاب رسول الله ﷺ الذي كتب لعمرو بن حزم حين بعثه إلى نجران، فكان الكتاب عند أبي بكر بن حزم، فيه : هذا بيان من الله ورسوله يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بالعُقُودِ. فكتب الآيات منها، حتى بلغ : إنّ اللّهَ سَرِيعُ الحِسابِ.
وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب ما قاله ابن عباس، وأن معناه : أوفوا يا أيها الذين آمنوا بعقود الله التي أوجبها عليكم وعقدها، فيما أحلّ لكم وحرّم عليكم، وألزمكم فرضه، وبين لكم حدوده.
وأنما قلنا ذلك أولى بالصواب من غيره من الأقوال، لأن الله جلّ وعزّ أتبع ذلك البيان عما أحلّ لعباده وحرّم عليهم وما أوجب عليهم من فرائضه، فكان معلوما بذلك أن قوله : أوْفُوا بالعُقُودِ أمر منه عباده بالعمل بما ألزمهم من فرائضه وعقوده عقيب ذلك، ونهي منه لهم عن نقض ما عقده عليهم منه، مع أن قوله : أوْفُوا بالعُقُودِ أمر منه بالوفاء بكلّ عقد أذن فيه، فغير جائز أن يخصّ منه شيء حتى تقوم حجة بخصوص شيء منه يجب التسليم لها. فإذ كان الأمر في ذلك كما وصفنا، فلا معنى لقول من وجّه ذلك إلى معنى الأمر بالوفاء ببعض العقود التي أمر الله بالوفاء بها دون بعض.
وأما قوله : أوْفُوا فإن للعرب فيه لغتين : إحداهما :«أوفوا » من قول القائل : أوفيت لفلان بعهده أو في له به والأخرى من قولهم : وَفَيْتُ له بعهده أفي. والإيفاء بالعهد : إتمامه على ما عُقد عليه من شروطه الجائزة.
القول في تأويل قوله تعالى : أُحِلّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنْعامِ.
اختلف أهل التأويل في بهيمة الأنعام التي ذكر الله عزّ ذكره في هذه الاَية أنه أحلها لنا، فقال بعضهم : هي الأنعام كلها. ذكر من قال ذلك :
حدثنا سفيان بن وكيع، قال : حدثنا عبد الأعلى، عن عوف، عن الحسن، قال : بهيمة الأنعام : هي الإبل والبقر والغنم.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله : أُحِلّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنْعامِ قال : الأنعام كلها.
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا ابن مفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : أُحِلّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنْعامِ قال : الأنعام كلها.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس في قوله : أُحِلّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنْعامِ قال : الأنعام كلها.
حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد بن سليمان، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : بَهِيمَةُ الأنْعامِ : هي الأنعام.
وقال آخرون : بل عني بقوله : أُحِلّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنْعامِ : أجنة الأنعام التي توجد في بطون أمهاتها إذا نُحِرت أو ذبحت ميتة. ذكر من قال ذلك :
حدثني الحرث بن محمد، قال : حدثنا عبد العزيز، قال : حدثنا عبد العزيز، قال : أخبرنا أبو عبد الرحمن الفزاري، عن عطية العوفيّ، عن ابن عمر في قوله : أُحِلّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنْعامِ قال : ما في بطونها. قال : قلت : إن خرج ميتا آكلُه ؟ قال : نعم.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا يحيى بن زكريا، عن إدريس الأودي، عن عطية، عن ابن عمر نحوه، وزاد فيه، قال : نعم، هو بمنزلة رِئتها وكبدها.
حدثنا ابن حميد وابن وكيع، قالا : حدثنا جرير، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس، قال : الجنين من بهيمة الأنعام فكلوه.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن مِسْعر وسفيان، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس : أن بقرة نُحِرت، فوجد في بطنها جنين، فأخذ ابن عباس بذَنَب الجنين، فقال : هذا من بهيمة الأنعام التي أحلت لكم.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا ابن يمان، عن سفيان، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس، قال : هو من بهيمة الأنعام.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا أبو عاصم ومؤمّل، قالا : حدثنا سفيان، عن قابوس، عن أبيه، قال : ذبحنا بقرة، فإذا في بطنها ج