تفسير الشعراوي — الشعراوي

عن الكتاب
ويختار الحق المناسبة الجميلة فيبدأ سبحانه وتعالى هذه السورة بقوله :
﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد( ١ )﴾.
البداية إذن عن ضرورة الوفاء بالعقود وتحليل تناول بهيمة الأنعام كطعام وسورة المائدة كما نعلم جاءت في الترتيب المصحفي بعد سورة النساء التي تتضمن الكثير من العقود الإيمانية فقد تضمنت سورة النساء عقود الإنكاح والصداق والوصية والدين والميراث، وكلها أحكام لعقود فكأن الحق سبحانه وتعالى من بعد سورة النساء يقول لنا : لقد عرفتم ما في سورة النساء من عقود، فحافظوا عليها وأوفوا بها.
ونلحظ أن سورة البقرة جاءت بعدها سورة آل عمران، وفي كلتيهما حديث عن الماديين من اليهود، وسورة النساء والمائدة تواجه أيضا المجتمع المدني بالمدينة بعد أن كان القرآن بمكة يواجه مسألة تربية وغرس العقيدة الإلهية الواحدة والنبوات وقد خدمت سورة البقرة وسورة آل عمران مسألة العقيدة المنهجية والأنبياء وسورة النساء تتضمن حسم العقيدة الحكمية.
وها نحن أولاء أمام سورة المائدة التي يقول فيها الحق : " يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود " والحق يخاطب المؤمنين بالاسم الموصول ولم يقل : يا أيها المؤمنون "، وهذا يدل على أن الإيمان ليس أمرا عابرا يمر بالإنسان فترة من الزمن ولكن الإيمان أمر يتجدد بتجدد الفعل حين ينفذ المؤمن الأحكام التي جاء بها العقد الإيماني وحين يتوجه الحق بخطابه للذين آمنوا، إنما يؤكد لنا أنه لا يقتحم على أحد حياته ليكلفه، وإن كان سبحانه كرب للعالمين قد خلق الخلق وأوجد الوجود وسخره للخلق.
الله سبحانه وتعالى لم يستخدم هذا الحق ليأمر البشر بالإيمان، بل دعا الناس جميعا أولا إلى الإيمان، فمن آمن ينزل إليه التشريف بالتكليف ويكون القول الحق : " يا أيها الذين آمنوا " أي يا من آمنتم بالله إلها والإله لا بد له من صفات تناسب الألوهية، كطلاقة القدرة والجاه والحكمة والقهر، وسبحانه لا يكلف من لم يؤمن به، بل يدعو من لم يؤمن إلى الإيمان، ولذلك نجد أن كل آيات الأحكام تبدأ بالقول الحق : " يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم "، لأن لكل إيمان تبعة.
" يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود " ونعرف أن اللغة بها أسرة ألفاظ ف " أوفوا "، على سبيل المثال فيها " وفي " والمضارع هو " يفي "، وفي أفعالها " أوفى " و " وفى "، حسب المراحل المختلفة قوة وضعفا وكثرة وقلة، مثال ذلك قوله الحق :
﴿وإبراهيم الذي وفى( ٣٧ )﴾ ( سورة النجم ). وقد قام سيدنا إبراهيم عليه السلام بالكثير من الإنجاز :﴿وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن﴾( من الآية١٢٤سورة البقرة ).
ولا بد أن يكون قوله الحق : " وإبراهيم الذي وفى " شرحا لما قام به إبراهيم من مواجهة الابتلاء فالوفية هي الإتمام والحق يقول : " يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود " أي عليكم يا من آمنتم بالله أن تتموا العقود والتمام إما أن ينطلق إلى الأفراد ويشملها فلا ينقص فرد وإما أن يلتفت إلى الكيفيات فلا تختل كيفية، هذا هو التمام وقد يأتي إنسان بكل فصول الكتاب ويقرأها فيكون قد وفى قراءة كل الأجزاء ولكن الحق يريد أن يتقن الإنسان تنفيذ كل جزئية في كتاب التكليف.
وسبحانه طلب منا أن نشهد أن لا اله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأن نقيم الصلاة وأن نؤتي الزكاة وأن نصوم رمضان وأن نحج البيت إن استطعنا إلى ذلك سبيلا وقد يؤدي شخص كل هذه الأعمال وبذلك يكون قد قام بأداء التكليف لكن هناك إنسان آخر يؤدي كل جزئية بتمامها فلا يختصر شيئا منها بل إنه يوفيها بلا تدليس.
والحق هنا يخاطب المؤمنين : " يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود " أي أننا أمام " إيمان " و " عقد " وشرحنا معنى الإيمان أما العقد فهو العلاقة الموثقة بين طرفين، وعلى كل طرف أن يلتزم بما عليه وأن يأخذ ما له، وسمي العقد عقدا لأن العقد هو ربط أي شيء لا ينحل من بعد ذلك ولذلك نسمي ما يستقر في مواجيد الناس ونفوسهم " عقيدة " لأنها الأمر المعقود وليس الأمر الطارئ الذي يأتي اليوم وينتهي غدا والشيء المعقود في نظر الفقه هو الأمر الذي لا يطفوا إلى العقل ليبحث من جديد، بل إنه مستقر وثابت في القلب ويأمر سبحانه بالوفاء بالعقود والعقود كما نعلم هي جمع ل " عقد " وبالإسلام عقود كثيرة تبدأ بالعقد الأول وهو عقد الذر :﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربك قالوا بلى﴾ ( من الآية١٧٢سورة الأعراف ).
ويريد سبحانه الوفاء بهذا العهد الأول فلا يأتي الإنسان ساعة التطبيق ويفر منها، ثم نأتي إلى عهد الاستخلاف في الأرض وبه استخلف فيها آدم وذريته من بعده، وإياك أن تظن أنك الأصيل في الكون حين تدوم لك الأسباب وتدين لك بعض الوقت لا تظن أن الأشياء قد دانت لك بمهارتك أنت فقط، وحين تبذر البذور في الأرض وتروي الأرض فاعلم أن الزرع ينبت بتسخير الله أرضه لك.
وإياك من الظن لحظة تركب المهر أنك الخيال الفارس الذي روض المهر، لا إنه تسخير الحق للفرس ونجد الفرس في بعض الأحايين يجمح ليقع الفارس من فوق ظهره، لعلنا ننتبه إلى الجزئية التي لا يصح أن تغيب عنا، فلو لم يذلل الله الخيل لنا لما استطعنا أن نركبها.
﴿أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون( ٧١ ) وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون٧٢ )﴾ ( سورة يس ).
وعلى المؤمن أن يتذكر أيضا أن الحق سبحانه ذلل الجمل لصاحبه وجعل الطفل الصغير يأمر الجمل فيرقد على الأرض، ليضع عليه الأحمال الثقيلة ويأمره فيقوم. أما إن واجه الثعبان أو الحية فهو لا يجرؤ على تذليلهما، وهذا لفت من الحق للخلق لقدرته المطلقة فقد ذلل لهم الكبير وأفزعهم أضعاف ذلك من الثعبان ذي الجسم الصغير.
﴿وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون( ٧٢ )﴾( سورة يس ).
ومن التذليل يأتي رضوخ بقية الكائنات للإنسان فالحمار عند الفلاح يحمل السماد للأرض من بقايا فضلات الإنسان والحيوان ولا ينطق الحمار معترضا، ويأتي الفلاح ليرتقي في حياته ويصير شيخا للخفر، فيأمر أن يستحم الحمار، ويشتري له السرج ليركبه وهو ذاهب للقاء المأمور في المركز ولم يعص الحمار في الحالتين، إنه التذليل.
إياك أن تظن أن مهارتك وحدها أيها الإنسان هي التي ذللت لك الكائنات، فلو اعتمد الأمر على المهارة وحدها، لذلل الإنسان البرغوث الصغير الذي يهاجمه في أي وقت، وقد يفزعك ذلك البرغوث الصغير طوال الليل، وقد تسهر أسرة بأكملها من أجل قتل برغوث واحد.
﴿ضعف الطالب والمطلوب﴾( من الآية٧٣سورة الحج ).
ولذلك أمرنا الحق أن نقول قبل البدء في أي عمل " بسم الله الرحمن الرحيم " وإياك أن تقبل على العمل بقوتك وحدها فالعمل إنما ينفعل لك لأنه سبحانه قد أخضعه لك وأنت تبدأ العمل باسم الله لأنه سبحانه الذي استخلفك وأخضع لك الكائنات المذللة.
ثم هناك ذلك العهد الذي قال فيه الحق لآدم :﴿فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى﴾ ( من الآية١٢٣سورة طه ).
والعهد الذي قال فيه الحق :﴿فمن اتبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ ( من الآية٣٨سورة البقرة ).
وهذا عهد لكل البشر والمسلمون عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في العقبة بأن ينصروه ويمنعوا عنه ما يمنعون عن أنفسهم وعاهدوا الرسول في الحديبية.
إن الحق سبحانه يأمر بالوفاء بكل العقود، وكل ما نتج عن قمة العقائد وهو الإيمان بالله، فما جاء من الله الذي آمنت به يعتبر عقدا أنت شريك فيه، لأن العقد يكون دائما بين طرفين ولم يرغم الله أحدا على الإيمان به، ولكن الإنسان يؤمن بالله اختيارا ومادام المؤمن قد آمن بالله من طوع اختياره فلا بد أن يتبع منهجه.
ومن آمن هو الذي يذهب إلى الحق قائلا : يا رب إن ما تأمر به سأفعله وهذا اعتراف بالعقد وكتابة أي عقد إيماني هو تنفيذ لهذا العقد والتوقيع مع الله، وبذلك يشترك العبد مع الله في هذا التعاقد لأن إيمان العبد بالله يجعله طرفا في العقد.
والإله يشرع له، وينفذ العبد التشريع ليتلقى الجزاء الأوفى.
العقد إذن قد يكون بين العبد وربه أو بين العبد وخلق الله المساوين له، أو بين العبد ونفسه، لكنهم أطلقوا على العقد الذي بين الإنسان ونفسه اسما هو " العهد " وهو النذر، كأن ينذر العبد الصيام أو الصلاة ويجب على العبد تنفيذ ما نذر به مادام عاهد الله على ذلك والعقد الذي بين العبد وغيره من البشر وكذلك العقد بينه وبين نفسه إنما ينبعان من العقد الأساسي وهو العقد الأول إنه الإيمان بالله.
إذن فقول الحق :" أوفوا بالعقود " أي نفذوا ما أمر الله به حلالا، وامتنعوا عن الشيء الذي جعله الحق حراما ولا داعي إذن للاختلاف في معنى " العقود " والتساؤل : هل هي العقود التي بين العبد وربه، أو بين العبد والناس، أو بين العبد ونفسه فكل ما نبع من العقد القمة هو عقد على المؤمن وإلزام عليه أن يوفي به. " يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعام " سبحانه يستهل السورة بالوفاء بالعقود، ثم إعلان تحليل بهيمة الأنعام ونعرف أن الإنسان قد طرأ على الكون، وأنه سبحانه قد خلق الكون أولا، ثم خلق الإنسان فيه، وهذا من رحمة الله بالإنسان فلم يخلق الإنسان أولا، بل خلق له الشمس وأعد الكون قبل أن يخلق الإنسان وحين طرأ الإنسان على الكون وجد فيه قوام الحياة من الجماد ومن النبات ومن الحيوان.
وقمة المسخرات للإنسان هي الحيوان، لأن الجماد والنبات يخدمان الحيوان، ويشترك الحيوان مع الإنسان في أن له حياة ودماء وجوارح، وجاء الحق هنا بالإعلان عن أعلى المنزلة في خدمة الإنسان وهو بهيمة الأنعام " أحلت لكم بهيمة الأنعام " ويأمرنا بأن نوفي بالعقود، وله سبحانه وتعالى كل الحق فقد قدم لنا الثمن بخلق الكون مسخرا لنا وقمة المخلوقات المسخرة هي الأنعام كأن " أحلت لكم بهيمة الأنعام " حيثية مقدمة من الحق، ونلحظ أنه جاء هنا بصيغة المبني للمجهول في " أحلت "، لأن الإيمان جعلنا طرفا في أن تكون بهيمة الأنعام حلا لنا.
ووقف العلماء عند " بهيمة الأنعام "، وفي اللغة العربية نجد صيغة " فعيل " التي تأتي بمعنى " فاعل " وتأتي بمعنى " مفعول "، مثلما نقول " الله رحيم " أي أنه راحم، هو " فاعل " ونقول " فلان قتيل " أي مقتول أي مفعول به، و " بهيمة الأنعام " هنا تأتي بأي معنى، أهي بمعنى فاعل أو بمعنى مفعول ؟ و " بهيمة " إن نظرنا إلى أنها مبهمة لأن أمورها مجهولة يصعب إدراكها علينا ولا نعرف حركتها أو إشاراتها أو لغاتها التي تتفاهم بها فتكون فعيلة بمعنى مفعولة وتصلح أن تكون فعيلة بمعنى فاعل لأنها لا تفهم ونحن المبهمون عليها ونقول : هي محكومة بالتسخير.
ولم يصنف الإنسان طعامها وهو العلف إلا بعد أن رآها وهي سائبة حرة تتجه إلى العلف لتأكله، إذن فهي التي علمت الإنسان صنف طعامها فلا يقولن إنسان : إنها بهيمة لا تفهم وليعرف أنها لم تخلق لتفهم مسائل الإنسان، لأنها مسخرة له وقد يتعلم هو منها.
ودليلنا أن الله امتن على بعض المصطفين من خلقه بأن علمهم منطق الطير، فقد حز في نفس الهدهد أن رأى ملكة سبأ وقومها يسجدون للشمس من دون الله، وهو الطائر فقد فهم أ

تفسير هذه الآية من كتب أخرى