جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
بسم الله الرحمَن الرحيم
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ أُحِلّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنْعَامِ إِلاّ مَا يُتْلَىَ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلّي الصّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾. .
يعني جلّ ثناؤه بقوله : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا : يا أيها الذين أقرّوا بوحدانية الله وأذعنوا له بالعبودية، وسلموا له الألوهية، وصدّقوا رسوله محمدا ﷺ في نبوّته وفيما جاءهم به من عند ربهم من شرائع دينه، أوْفُوا بالعُقُودِ يعني : أوفوا بالعهود التي عاهدتموها ربكم والعقود التي عاقدتموها إياه، وأوجبتم بها على أنفسكم حقوقا وألزمتم أنفسكم بها لله فروضا، فأتموها بالوفاء والكمال والتمام منكم لله بما ألزمكم بها، ولمن عاقدتموه منكم بما أوجبتموه له بها على أنفسكم، ولا تنكثواها فتنقضوها بعد توكيدها.
واختلف أهل التأويل في العقود التي أمر الله جلّ ثناؤه بالوفاء بها بهذه الآية، بعد إجماع جميعهم على أن معنى العقود : العهود فقال بعضهم : هي العقول التي كان أهل الجاهلية عاقد بعضهم بعضا على النصرة والمؤازرة والمظاهرة على من حاول ظلمه أو بغاه سوءا، وذلك هو معنى الحلف الذي كانوا يتعاقدونه بينهم. ذكر من قال ذلك : معنى العقود العهود :
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية بن صالح، عن عليّ، عن ابن عباس قوله : أوْفُوا بالعُقُودِ يعني : بالعهود.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله جلّ وعزّ : أوْفُوا بالعُقُودِ قال : العهود.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثنا سفيان، قال : حدثنا أبي، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد مثله.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا عبيد الله، عن أبي جعفر الرازيّ، عن الربيع بن أنس، قال : جلسنا إلى مطرف بن الشّخّير وعنده رجل يحدثهم، فقال : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بالعُقُودِ قال : هي العهود.
حدثنا المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع : أوْفُوا بالعُقُودِ قال : العهود.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبو خالد الأحمر، عن جويبر، عن الضحاك : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بالعُقُودِ قال : هي العهود.
حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال : سمعت أبا معاذ، يقول : أخبرنا عبيد بن سليمان، قال : سمعت الضحاك يقول : أوْفُوا بالعُقُودِ بالعهود.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله : أوْفُوا بالعُقُودِ قال : بالعهود.
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : أوْفُوا بالعُقُودِ قال : هي العهود.
حدثني الحرث، قال : حدثنا عبد العزيز، قال : سمعت الثوري يقول : أوْفُوا بالعُقُودِ قال : بالعهود.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
قال أبو جعفر : والعقود : جمع عقد، وأصل العقد : عقد الشيء بغيره، وهو وصله به، كما تعقد الحبل بالحبل : إذا وُصِل به شدّا، يقال منه : عقد فلان بينه وبين فلان عقدا فهو يعقده، ومنه قول الحطيئة :
| قَوْمٌ إذَا عَقَدُوا عَقْدا لجارِهِمُ | شَدّوا العِناجَ وشَدّوا فوْقَهُ الكَرَبا |
ذكر من قال المعنى الذي ذكرنا عمن قاله في المراد من قوله : أوْفُوا بالعُقُودِ.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة في قوله : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بالعُقُودِ أي بعقد الجاهلية. ذكر لنا أن نبيّ الله ﷺ كان يقول :«أوْفُوا بعَقْدِ الجاهِلِيّةِ، وَلا تُحْدِثُوا عَقْدا في الإسْلامِ ». وذكر لنا أن فرات بن حيان العجليّ سأل رسول الله ﷺ عن حلف الجاهلية، فقال نبيّ الله ﷺ :«لعَلّكَ تَسألُ عَنْ حِلْفِ لْخَمٍ وَتْيمِ اللّهِ ؟ » فقال : نعم يا نبيّ الله، قال :«لا يَزِيدُهُ الإسْلامُ إلاّ شِدّةً ».
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : حدثنا معمر، عن قتادة : أوْفُوا بالعُقُودِ قال : عقود الجاهلية : الحلف.
وقال آخرون : بل هي الحلف التي أخذ الله على عباده بالإيمان به وطاعته فيما أحلّ لهم وحرم عليهم. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : أخبرنا عبد الله، قال : ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله : أوْفُوا بالعُقُودِ يعني : ما أُحِلّ، وما حرّم، وما فُرض، وما حدّ في القرآن كله، فلا تغدروا ولا تنكُثُو ثم شدّد ذلك فقال : وَالّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ. . . إلى قوله : سُوءُ الدّارِ.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : أوْفُوا بالعُقُودِ ما عقد الله على العباد مما أحلّ لهم وحرّم عليهم.
وقال آخرون : بل هي العقود التي يتعاقدها الناس بينهم ويعقدها المرء على نفسه. ذكر من قال ذلك :
حدثنا سفيان بن وكيع، قال : ثني أبي، عن موسى بن عبيدة، عن أخيه عبد الله بن عبيدة، قال : العقود خمس : عُقدة الإيمان، وعقدة النكاح، وعقدة العهد، وعقدة البيع، وعقدة الحِلف.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا وكيع. عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب القُرَظِيّ أو عن أخيه عبد الله بن عبيدة، نحوه.
حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بالعُقُودِ قال : عقد العهد وعقد اليمين، وعقد الحلف، وعقد الشركة، وعقد النكاح. قال : هذه العقود خمس.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عتبة بن سعيد الحمصي، قال : حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، قال : حدثنا أبي في قول الله جلّ وعزّ : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بالعُقُودِ قال : العقود خمس : عقدة النكاح، وعقد الشركة، وعقد اليمين، وعقدة العهد، وعقدة الحلف.
وقال آخرون : بل هذه الاَية أمر من الله تعالى لأهل الكتاب بالوفاء بما أخذ به ميثاقهم من العمل بما في التوراة والإنجيل في تصديق محمد ﷺ وما جاءهم به من عند الله. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج : أوْفُوا بالعُقُودِ قال : العهود التي أخذها الله على أهل الكتاب أن يعملوا بما جاءهم.
حدثنا المثنى، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني الليث، قال : ثني يونس، قال : قال محمد بن مسلم. قرأت كتاب رسول الله ﷺ الذي كتب لعمرو بن حزم حين بعثه إلى نجران، فكان الكتاب عند أبي بكر بن حزم، فيه : هذا بيان من الله ورسوله يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بالعُقُودِ. فكتب الآيات منها، حتى بلغ : إنّ اللّهَ سَرِيعُ الحِسابِ.
وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب ما قاله ابن عباس، وأن معناه : أوفوا يا أيها الذين آمنوا بعقود الله التي أوجبها عليكم وعقدها، فيما أحلّ لكم وحرّم عليكم، وألزمكم فرضه، وبين لكم حدوده.
وأنما قلنا ذلك أولى بالصواب من غيره من الأقوال، لأن الله جلّ وعزّ أتبع ذلك البيان عما أحلّ لعباده وحرّم عليهم وما أوجب عليهم من فرائضه، فكان معلوما بذلك أن قوله : أوْفُوا بالعُقُودِ أمر منه عباده بالعمل بما ألزمهم من فرائضه وعقوده عقيب ذلك، ونهي منه لهم عن نقض ما عقده عليهم منه، مع أن قوله : أوْفُوا بالعُقُودِ أمر منه بالوفاء بكلّ عقد أذن فيه، فغير جائز أن يخصّ منه شيء حتى تقوم حجة بخصوص شيء منه يجب التسليم لها. فإذ كان الأمر في ذلك كما وصفنا، فلا معنى لقول من وجّه ذلك إلى معنى الأمر بالوفاء ببعض العقود التي أمر الله بالوفاء بها دون بعض.
وأما قوله : أوْفُوا فإن للعرب فيه لغتين : إحداهما :«أوفوا » من قول القائل : أوفيت لفلان بعهده أو في له به والأخرى من قولهم : وَفَيْتُ له بعهده أفي. والإيفاء بالعهد : إتمامه على ما عُقد عليه من شروطه الجائزة.
القول في تأويل قوله تعالى : أُحِلّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنْعامِ.
اختلف أهل التأويل في بهيمة الأنعام التي ذكر الله عزّ ذكره في هذه الاَية أنه أحلها لنا، فقال بعضهم : هي الأنعام كلها. ذكر من قال ذلك :
حدثنا سفيان بن وكيع، قال : حدثنا عبد الأعلى، عن عوف، عن الحسن، قال : بهيمة الأنعام : هي الإبل والبقر والغنم.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله : أُحِلّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنْعامِ قال : الأنعام كلها.
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا ابن مفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : أُحِلّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنْعامِ قال : الأنعام كلها.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس في قوله : أُحِلّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنْعامِ قال : الأنعام كلها.
حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد بن سليمان، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : بَهِيمَةُ الأنْعامِ : هي الأنعام.
وقال آخرون : بل عني بقوله : أُحِلّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنْعامِ : أجنة الأنعام التي توجد في بطون أمهاتها إذا نُحِرت أو ذبحت ميتة. ذكر من قال ذلك :
حدثني الحرث بن محمد، قال : حدثنا عبد العزيز، قال : حدثنا عبد العزيز، قال : أخبرنا أبو عبد الرحمن الفزاري، عن عطية العوفيّ، عن ابن عمر في قوله : أُحِلّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنْعامِ قال : ما في بطونها. قال : قلت : إن خرج ميتا آكلُه ؟ قال : نعم.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا يحيى بن زكريا، عن إدريس الأودي، عن عطية، عن ابن عمر نحوه، وزاد فيه، قال : نعم، هو بمنزلة رِئتها وكبدها.
حدثنا ابن حميد وابن وكيع، قالا : حدثنا جرير، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس، قال : الجنين من بهيمة الأنعام فكلوه.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن مِسْعر وسفيان، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس : أن بقرة نُحِرت، فوجد في بطنها جنين، فأخذ ابن عباس بذَنَب الجنين، فقال : هذا من بهيمة الأنعام التي أحلت لكم.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا ابن يمان، عن سفيان، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس، قال : هو من بهيمة الأنعام.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا أبو عاصم ومؤمّل، قالا : حدثنا سفيان، عن قابوس، عن أبيه، قال : ذبحنا بقرة، فإذا في بطنها ج
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
وبه نستعين
* * *
القول في تأويل قوله عز ذكره ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"يا أيها الذين آمنوا أوفوا"، يا أيها الذين أقرّوا بوحدانية الله، وأذعنوا له بالعبودية، وسلموا له الألوهة (١) وصدَّقوا رسوله محمدًا ﷺ في نبوته وفيما جاءهم به من عند ربهم من شرائع دينه ="أوفوا بالعقود"، يعني: أوفوا بالعهود التي عاهدتموها ربَّكم، والعقود التي عاقدتموها إياه، وأوجبتم بها على أنفسكم حقوقًا، وألزمتم أنفسكم بها لله فروضًا، فأتمُّوها بالوفاء والكمال والتمام منكم لله بما ألزمكم بها، ولمن عاقدتموه منكم، بما أوجبتموه له بها على أنفسكم، ولا تنكُثُوها فتنقضوها بعد توكيدها. (٢)
* * *
واختلف أهل التأويل في"العقود" التي أمر الله جل ثناؤه بالوفاء بها بهذه الآية، بعد إجماع جميعهم على أن معنى"العقود"، العهود.
فقال بعضهم: هي العقود التي كان أهل الجاهلية عاقد بعضهم بعضًا على النُّصرة والمؤازرة والمظاهرة على من حاول ظلمه أو بغاه سوءًا، وذلك هو معنى"الحلف" الذي كانوا يتعاقدونه بينهم.
ذكر من قال: معنى"العقود"، العهود.
١٠٨٩٣- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني
(٢) انظر تفسير"أوفى" فيما سلف ١: ٥٥٧/٣: ٣٤٨/٦: ٥٢٦.
١٠٨٩٤- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله جل وعز:"أوفوا بالعقود"، قال: العهود.
١٠٨٩٥- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٠٨٩٦- حدثنا سفيان قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد، مثله. (١)
١٠٨٩٧- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس قال: جلسنا إلى مطرّف بن الشخِّير وعنده رجل يحدثهم، فقال:"يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود"، قال: هي العهود. (٢)
١٠٨٩٨- حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع:"أوفوا بالعقود"، قال: العهود.
١٠٨٩٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن جويبر، عن الضحاك:"يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود"، قال: هي العهود.
١٠٩٠٠- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول:"أوفوا بالعقود"، بالعهود.
(٢) الأثر: ١٠٨٩٧-"عبيد الله"، هو"عبيد الله بن موسى بن أبي المختار العبسي""باذام"، مضت ترجمته برقم: ٢٠٩٢، ٢٢١٩، ٥٧٩٦، ٧٧٥٨. وكان في المطبوعة هنا: "عبيد الله عن ابن أبي جعفر الرازي"، وهو خطأ سيأتي على الصواب في الأسانيد التالية رقم: ١٠٩٣٥، ١٠٩٥٧، ١٠٩٦٣.
١٠٩٠٢- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"أوفوا بالعقود"، قال: هي العهود.
١٠٩٠٣- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، سمعت الثوري يقول:"أوفوا بالعقود"، قال: بالعهود.
١٠٩٠٤- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
* * *
قال أبو جعفر: و"العقود" جمع"عَقْدٍ"، وأصل"العقد"، عقد الشيء بغيره، وهو وصله به، كما يعقد الحبل بالحبلِ، إذا وصل به شدًّا. يقال منه:"عقد فلان بينه وبين فلان عقدًا، فهو يعقده"، ومنه قول الحطيئة:
| قَوْمٌ إذَا عَقَدُوا عَقْدًا لِجَارِهِمُ | شَدُّوا العِنَاجَ وَشَدُّوا فَوْقَهُ الْكَرَبَا (١) |
| قَوْمٌ هُمُ الأَنْفُ، وَالأَذْنَابُ غَيْرهُمُ، | وَمَنْ يُسَوِّي بِأَنْفِ النَّاقَةِ الذَّنَبَا! |
| قَوْمٌ يَبِيتُ قَرِيرَ العَيْنِ جَارُهُمُ | إذَا لَوَى بقُوَى أَطْنَابِهِمْ طُنُبَا |
هذا مثل ضربه يقول: إذا عقدوا للجار عقدًا وذمامًا، أحكموا على أنفسهم العقد، حتى يكون أقر عينًا بنصرتهم له، وحمايتهم لعرضه وماله. وضرب المثل بالدلو، التي يستقي بها وينتفع. و"العناج": خيط يشد في أسفل الدلو، ثم يشد في عروتها، أو في أحد آذانها، فإذا انقطع حبل الدلو، أمسك العناج الدلو أن تقع في البئر. و"الكرب" الحبل الذي يشد على الدلو بعد"المنين" وهو الحبل الأول، فإذا انقطع المنين بقي الكرب. فهذا هو المثل، استوثقوا له بالعهد، كما استوثقوا لدلوه بالحبل بعد الحبل حتى تكون بمأمن من القطع.
* * *
ذكر من قال المعنى الذي ذكرنا عمن قاله في المراد من قوله:"أوفوا بالعقود".
١٠٩٠٥- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة في قوله:"يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود"، أي: بعقد الجاهلية. ذُكر لنا أن نبيَّ الله ﷺ كان يقول: أوفوا بعقد الجاهلية، ولا تحدثوا عقدًا في الإسلام. وذكر لنا أن فرات بن حيَّان العِجلي، سأل رسول الله ﷺ عن حلف الجاهلية، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: لعلك تسأل عن حِلْف لخْمٍ وتَيْم الله؟ فقال: نعم، يا نبي الله! قال: لا يزيده الإسلام إلا شدة.
١٠٩٠٦- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، حدثنا معمر، عن قتادة:"أوفوا بالعقود"، قال: عقود الجاهلية: الحلف.
* * *
وقال آخرون: بل هي الحلف التي أخذ الله على عباده بالإيمان به وطاعته، فيما أحل لهم وحرم عليهم.
*ذكر من قال ذلك:
١٠٩٠٧- حدثني المثنى قال، أخبرنا عبد الله قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"أوفوا بالعقود"، يعني: ما أحل وما حرّم، وما فرض، وما حدَّ في القرآن كله، فلا تغدِروا ولا تنكُثوا. ثم شدَّد ذلك فقال: (وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ) إلى قوله: (سُوءُ الدَّارِ) [سورة الرعد: ٣٥].
١٠٩٠٨- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن
* * *
وقال آخرون: بل هي العقود التي يتعاقدها الناس بينهم، ويعقدها المرء على نفسه.
*ذكر من قال ذلك:
١٠٩٠٩- حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثني أبي، عن موسى بن عبيدة، عن أخيه عبد الله بن عبيدة قال: العقود خمس: عُقدة الأيمان، وعُقدة النكاح، وعقدة العَهد، وعقدة البيع، وعقدة الحِلْف.
١٠٩١٠- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا وكيع، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب القرظي = أو عن أخيه عبد الله بن عبيدة، نحوه.
١٠٩١١- حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود"، قال: عقد العهد، وعقد اليمين وعَقد الحِلْف، وعقد الشركة، وعقد النكاح. قال: هذه العقود، خمس.
١٠٩١٢- حدثني المثنى قال، حدثنا عتبة بن سعيد الحمصي قال، حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال، حدثنا أبي في قول الله جل وعز:"يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود"، قال: العقود خمس: عقدة النكاح، وعقدة الشركة، وعقد اليمين، وعقدة العهد، وعقدة الحلف. (١)
* * *
وقال آخرون: بل هذه الآية أمرٌ من الله تعالى لأهل الكتاب بالوفاء بما أخذ به ميثاقهم، من العمل بما في التوراة والإنجيل في تصديق محمد ﷺ وما جاءهم به من عند الله.
١٠٩١٣- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج:"أوفوا بالعقود"، قال: العهود التي أخذها الله على أهل الكتاب: أن يعملوا بما جاءهم.
١٠٩١٤- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني الليث قال، حدثني يونس قال، قال محمد بن مسلم: قرأت كتاب رسول الله ﷺ الذي كتب لعمرو بن حزم حين بعثه على نَجْران (١) فكان الكتاب عند أبي بكر بن حزم، فيه:"هذا بيان من الله ورسوله:"يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود"، فكتب الآيات منها حتى بلغ"إن الله سريع الحساب". (٢)
* * *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب، ما قاله ابن عباس، وأن معناه: أوفوا، يا أيها الذين آمنوا، بعقود الله التي أوجبَهَا عليكم، وعقدها فيما أحلَّ لكم وحرم عليكم، وألزمكم فرضه، وبيَّن لكم حدوده.
وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب من غيره من الأقوال، لأن الله جل وعز أتبع ذلك البيانَ عما أحل لعباده وحرم عليهم، وما أوجب عليهم من فرائضه. فكان معلومًا بذلك أن قوله:"أوفوا بالعقود"، أمرٌ منه عبادَه بالعمل بما ألزمهم من فرائضه وعقوده عقيب ذلك، ونَهْيٌ منه لهم عن نقض ما عقده عليهم منه، مع أن قوله:"أوفوا بالعقود"، أمرٌ منه بالوفاء بكل عقد أذن فيه، فغير جائز أن يخصَّ منه شيء حتى تقوم حجة بخصوص شيء منه يجب التسليم لها. فإذْ كان الأمر في ذلك كما وصفنا، فلا معنى لقول من وجَّه ذلك إلى معنى الأمر بالوفاء ببعض العقود التي أمرَ الله بالوفاء بها دون بعض.
* * *
(٢) الأثر: ١٠٩١٤- روى كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أبو جعفر في التاريخ ٣: ١٥٧، وهو في سيرة ابن هشام ٤: ٢٤١، وفتوح البلدان للبلاذري: ٧٧، وغيرها.
إحداهما:"أوفوا"، من قول القائل:"أوفيت لفلان بعهده، أوفي له به".
والأخرى من قولهم:"وفيت له بعهده أفي". (١)
و"الإيفاء بالعهد"، إتمامه على ما عقد عليه من شروطه الجائزة.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنْعَامِ﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في"بهيمة الأنعام" التي ذكر الله عز ذكره في هذه الآية أنه أحلها لنا.
فقال بعضهم: هي الأنعام كلها.
*ذكر من قال ذلك:
١٠٩١٥- حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا عبد الأعلى، عن عوف، عن الحسن قال: بهيمة الأنعام، هي الإبل والبقر والغنم.
١٠٩١٦- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"أحلت لكم بهيمة الأنعام"، قال: الأنعام كلها.
١٠٩١٧- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا ابن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"أحلت لكم بهيمة الأنعام"، قال: الأنعام كلها.
١٠٩١٨- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس في قوله:"أحلت لكم بهيمة الأنعام"، قال: الأنعام كلها. (٢)
١٠٩٢٠- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول،
(٢) سقط من الترقيم، رقم: ١٠٩١٩.
* * *
وقال آخرون: بل عنى بقوله:"أحلت لكم بهيمة الأنعام"، أجنة الأنعام التي توجد في بطون أمهاتها -إذا نحرت أو ذبحت- ميتةً.
*ذكر من قال ذلك:
١٠٩٢١- حدثني الحارث بن محمد قال، حدثنا عبد العزيز قال، أخبرنا أبو عبد الرحمن الفزاري، عن عطية العوفي، عن ابن عمر في قوله:"أحلت لكم بهيمة الأنعام". قال: ما في بطونها. قال قلت: إن خرج ميتًا أكله؟ قال: نعم.
١٠٩٢٢- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا يحيى بن زكريا، عن إدريس الأودي، عن عطية، عن ابن عمر نحوه = وزاد فيه قال: نعم، هو بمنزلة رئتها وكبدها.
١٠٩٢٣- حدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا حدثنا جرير، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: الجنين من بهيمة الأنعام، فكلوه.
١٠٩٢٤- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن مسعر = وسفيان، عن قابوس = عن أبيه، عن ابن عباس: أن بقرة نحرت فوُجد في بطنها جنين، فأخذ ابن عباس بذنَب الجنين فقال: هذا من بهيمة الأنعام التي أحلّت لكم.
١٠٩٢٥- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن يمان، عن سفيان، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: هو من بهيمة الأنعام.
١٠٩٢٦- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو عاصم ومؤمل قالا حدثنا سفيان، عن قابوس، عن أبيه قال: ذبحنا بقرة، فإذا في بطنها جنين، فسألنا ابن عباس فقال: هذه بهيمة الأنعام.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى القولين بالصواب في ذلك، قول من قال: عنى
* * *
وأما"النعم" فإنها عند العرب، اسم للإبل والبقر والغنم خاصة، كما قال جل ثناؤه: (وَالأنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ)، [سورة النحل: ٥]، ثم قال: (وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً) [سورة النحل: ٨]، ففصل جنس النعم من غيرها من أجناس الحيوان. (٢)
وأما"بهائمها"، فإنها أولادها. وإنما قلنا يلزم الكبار منها اسم"بهيمة"، كما يلزم الصغار، لأن معنى قول القائل:"بهيمة الأنعام"، نظير قوله:"ولد الأنعام". فلما كان لا يسقط معنى الولادة عنه بعد الكبر، فكذلك لا يسقط عنه اسم البهيمة بعد الكبر.
* * *
وقد قال قوم:"بهيمة الأنعام"، وحشيُّها، كالظباء وبقر الوحش والحُمُر. (٣)
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في الذي عناه الله بقوله:"إلا ما يتلى عليكم". فقال بعضهم: عنى الله بذلك: أحلت لكم أولاد الإبل والبقر والغنم، إلا ما بيَّن الله لكم فيما يتلى عليكم بقوله: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ)، الآية [سورة المائدة: ٣].
*ذكر من قال ذلك:
١٠٩٢٧- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا
(٢) انظر تفسير"الأنعام" فيما سلف ٦: ٢٥٤.
(٣) هي مقالة الفراء في معاني القرآن ١: ٢٩٨.
١٠٩٢٨- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم"، أي: من الميتة التي نهى الله عنها، وقدَّم فيها.
١٠٩٢٩- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة:"إلا ما يتلى عليكم"، قال: إلا الميتة وما لم يذكر اسم الله عليه.
١٠٩٣٠- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"إلا ما يتلى عليكم"، الميتة والدم ولحم الخنزير.
١٠٩٣١- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:"أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم"، الميتة ولحم الخنزير.
١٠٩٣٢- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:"أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم"، هي الميتة والدم ولحم الخنزير وما أُهِلَّ لغير الله به.
* * *
وقال آخرون: بل الذي استثنى الله بقوله:"إلا ما يتلى عليكم"، الخنزير.
ذكر من قال ذلك.
١٠٩٣٣- حدثني عبد الله بن داود قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس:"إلا ما يتلى عليكم"، قال: الخنزير.
١٠٩٣٤- حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:"إلا ما يتلى عليكم"، يعني: الخنزير.
* * *
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم: معنى ذلك:"يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود" ="غير محلي الصيد وأنتم حرم" ="أحلت لكم بهيمة الأنعام" فذلك، على قولهم، من المؤخر الذي معناه التقديم. فـ"غير" منصوب = على قول قائلي هذه المقالة = على الحال مما في قوله:"أوفوا" من ذكر"الذين آمنوا".
وتأويل الكلام على مذهبهم: أوفوا، أيها المؤمنون، بعقود الله التي عقدها عليكم في كتابه، لا محلّين الصيد وأنتم حرم.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: أحلت لكم بهيمة الأنعام الوحشية من الظباء والبقر والحمر ="غير محلي الصيد"، غير مستحلِّي اصطيادها، وأنتم حرم إلا
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: أحلت لكم بهيمة الأنعام كلها ="إلا ما يتلى عليكم"، إلا ما كان منها وحشيًّا، فإنه صيد، فلا يحل لكم وأنتم حرم. فكأن من قال ذلك، وجَّه الكلام إلى معنى: أحلت لكم بهيمة الأنعام كلها ="إلا ما يتلى عليكم"، إلا ما يبين لكم من وحشيها، غيرَ مستحلي اصطيادها في حال إحرامكم. فتكون"غير" منصوبة، على قولهم، على الحال من"الكاف والميم" في قوله:"إلا ما يتلى عليكم".
*ذكر من قال ذلك:
١٠٩٣٥- حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا عبيد الله، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس قال: جلسنا إلى مطرِّف بن الشخير، وعنده رجل، فحدّثهم فقال:"أحلت لكم بهيمة الأنعام" صيدًا ="غير محلي الصيد وأنتم حرم"، فهو عليكم حرام. يعني: بقر الوحش والظباءَ وأشباهه. (٢)
١٠٩٣٦- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس في قوله:"أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم"، قال: الأنعام كلها حِلٌّ، إلا ما كان منها وحشيًّا، فإنه صيد، فلا يحل إذا كان مُحْرِمًا.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب = على ما تظاهر به تأويل
(٢) انظر الإسناد السالف رقم: ١٠٨٩٧، وكان هناك عن"ابن أبي جعفر الرازي"، وهذا هو الإسناد الصحيح، صححت ذلك عليه. وسيأتي برقم: ١٠٩٥٧، ١٠٩٦٣.
وذلك أن قوله:"إلا ما يتلى عليكم"، لو كان معناه:"إلا الصيد"، لقيل:"إلا ما يتلى عليكم من الصيد غير محليه". وفي ترك الله وَصْلَ قوله:"إلا ما يتلى عليكم" بما ذكرت، وإظهار ذكر الصيد في قوله:"غير محلي الصيد"، أوضحُ الدليل على أن قوله:"إلا ما يتلى عليكم"، خَبَرٌ متناهية قصته، وأن معنى قوله:"غير محلي الصيد"، منفصل منه.
وكذلك لو كان قوله: (أحلت لكم بهيمة الأنعام)، مقصودًا به قصد الوحش، لم يكن أيضًا لإعادة ذكر الصيد في قوله:"غير محلي الصيد" وَجْهٌ، وقد مضى ذكره قبل، ولقيل:"أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلِّيه وأنتم حرم". وفي إظهاره ذكر الصيد في قوله:"غير محلي الصيد"، أبينُ الدلالة على صحة ما قلنا في معنى ذلك.
* * *
فإن قال قائل: فإن العرب ربما أظهرت ذكر الشيء باسمه وقد جرى ذكره باسمه؟ قيل: ذلك من فعلها ضرورة شعر، وليس ذلك بالفصيح المستعمل من كلامهم. وتوجيه كلام الله إلى الأفصح من لغات من نزل كلامه بلغته، أولى = ما وُجد إلى ذلك سبيل = من صرفه إلى غير ذلك.
* * *
قال أبو جعفر: فمعنى الكلام إذًا: يا أيها الذين آمنوا أوفوا بعقود الله التي عقد عليكم مما حرّم وأحلّ، لا محلين الصيد في حرمكم، ففيما أحلَّ لكم من بهيمة الأنعام المذكَّاة دون ميتتها، متَّسع لكم ومستغنًى عن الصيد في حال إحرامكم.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: إن الله يقضي في خلقه ما يشاء (١) من تحليل ما أراد تحليله، وتحريم ما أراد تحريمه، وإيجاب ما شاء إيجابه عليهم، وغير ذلك من أحكامه وقضاياه = فأوفوا، أيها المؤمنون، له بما عقدَ عليكم من تحليل ما أحل لكم وتحريم ما حرّم عليكم، وغير ذلك من عقوده، فلا تنكثوها ولا تنقضوها. كما:-
١٠٩٣٧- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"إن الله يحكم ما يريد"، إن الله يحكم ما أراد في خلقه، وبيّن لعباده، وفرض فرائضه، وحدَّ حدوده، وأمر بطاعته، ونهى عن معصيته.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في معنى قول الله:"لا تحلوا شعائر الله".
فقال بعضهم معناه: لا تحلوا حُرُمات الله، ولا تتعدَّوا حدوده = كأنهم وجهوا"الشعائر" إلى المعالم، وتأولوا"لا تحلوا شعائر الله"، معالم حدود الله، وأمرَه ونهيَه وفرائضَه.
[ذكر من قال ذلك] :(٢)
١٠٩٣٨- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الوهاب الثقفي قال، حدثنا حبيب المعلم، عن عطاء: أنه سئل عن"شعائر الله" فقال: حُرُمات الله، اجتناب سَخَطِ الله، واتباع طاعته، فذلك"شعائر الله".
* * *
(٢) ما بين القوسين زيادة ليست في المخطوطة ولا المطبوعة، وأثبتها على نهج أبي جعفر في تفسيره.
*ذكر من قال ذلك:
١٠٩٣٩- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله"، قال: أما"شعائر الله"، فحرَم الله.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: لا تحلّوا مناسك الحج فتضيعوها = وكأنهم وجَّهوا تأويل ذلك إلى: لا تحلوا معالم حدود الله التي حدَّها لكم في حجِّكم.
*ذكر من قال ذلك:
١٠٩٤٠- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، قال ابن عباس قوله:"لا تحلوا شعائر الله"، قال: مناسك الحج.
١٠٩٤١- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثنا معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله"، قال: كان المشركون يحجّون البيت الحرام، ويهدُون الهدايا، ويعظِّمون حرمة المشاعر، ويتَّجرون في حجهم، فأراد المسلمون أن يُغَيِّروا عليهم، فقال الله عز وجل:"لا تحلوا شعائر الله".
١٠٩٤٢- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله:"شعائر الله"، الصفا والمروة، والهَدْي، والبُدْن، كل هذا من"شعائر الله".
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: لا تحلوا ما حرَّم الله عليكم في حال إحرامكم.
*ذكر من قال ذلك:
١٠٩٤٤- حدثنا محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"لا تحلوا شعائر الله"، قال:"شعائر الله"، ما نهى الله عنه أن تصيبه وأنت محرِم.
* * *
= وكأن الذين قالوا هذه المقالة، وجَّهوا تأويل ذلك إلى: لا تحلوا معالم حدود الله التي حرّمها عليكم في إحرامكم.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى التأويلات بقوله:"لا تحلوا شعائر الله"، قول عطاء الذي ذكرناه (١) من توجيهه معنى ذلك إلى: لا تحلوا حرمات الله ولا تضيعوا فرائضه.
* * *
لأن"الشعائر" جمع"شعيرة"،"والشعيرة""فعيلة" من قول القائل:"قد شعر فلان بهذا الأمر"، إذا علم به. فـ"الشعائر"، المعالم، من ذلك. (٢)
* * *
وإذا كان ذلك كذلك، كان معنى الكلام: لا تستحلوا، أيها الذين آمنوا، معالم الله = فيدخل في ذلك معالم الله كلها في مناسك الحج: من تحريم ما حرَّم الله إصابته فيها على المحرم، وتضييع ما نهى عن تضييعه فيها، وفيما حرَّم من استحلال حُرمات حَرَمه، وغير ذلك من حدوده وفرائضه، وحلاله وحرامه، لأن
(٢) انظر تفسير"شعائر الله" فيما سلف ٣: ٢٢٦-٢٢٨.