فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
هذه الآية التي افتتح الله بها هذه السورة إلى قوله :﴿إِنَّ الله يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ فيها من البلاغة ما تتقاصر عنده القوى البشرية، مع شمولها لأحكام عدّة : منها الوفاء بالعقود، ومنها تحليل بهيمة الأنعام، ومنها استثناء ما سيتلى مما لا يحلّ، ومنها تحريم الصيد على المحرم، ومنها إباحة الصيد لمن ليس بمحرم. وقد حكى النقاش : أن أصحاب الفيلسوف الكندي قالوا له : أيها الحكيم اعمل لنا مثل هذا القرآن، فقال : نعم أعمل مثل بعضه، فاحتجب أياماً كثيرة ثم خرج فقال : والله ما أقدر، ولا يطيق هذا أحد، إني فتحت المصحف فخرجت سورة المائدة، فنظرت فإذا هو قد نطق بالوفاء، ونهى عن النكث، وحلل تحليلاً عاماً، ثم استثنى بعد استثناء، ثم أخبر عن قدرته وحكمته في سطرين، ولا يقدر أحد أن يأتي بهذا.
قوله :﴿أَوْفُواْ بالعقود﴾ يقال أوفى ووفى لغتان، وقد جمع بينهما الشاعر فقال :
والعقود : والعهود، وأصل العقود : الربوط، واحدها عقد، يقال عقدت الحبل والعهد، فهو يستعمل في الأجسام والمعاني، وإذا استعمل في المعاني كما هنا أفاد أنه شديد الإحكام، قويّ التوثيق ؛ قيل : المراد بالعقود هي : التي عقدها الله على عباده وألزمهم بها من الأحكام ؛ وقيل : هي العقود التي يعقدونها بينهم من عقود المعاملات، والأولى : شمول الآية للأمرين جميعاً، ولا وجه لتخصيص بعضها دون بعض. قال الزجاج : المعنى أوفوا بعقد الله عليكم، وبعقدكم بعضكم على بعض انتهى. والعقد الذي يجب الوفاء به ما وافق كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ، فإن خالفهما فهو ردّ لا يجب الوفاء به ولا يحلّ.
قوله :﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنعام﴾ الخطاب للذين آمنوا. والبهيمة : اسم لكل ذي أربع، سميت بذلك لإبهامها من جهة نقص نطقها وفهمها وعقلها، ومنه باب مبهم : أي مغلق، وليل بهيم، وبهمة للشجاع الذي لا يدري من أين يؤتى، وحلقة مبهمة : لا يدري أين طرفاها. والأنعام : اسم للإبل والبقر والغنم، سميت بذلك لما في مشيها من اللين. وقيل : بهيمة الأنعام : وحشيها، كالظباء وبقر الوحش والحمر الوحشية، وغير ذلك. حكاه ابن جرير الطبري عن قوم، وحكاه غيره عن السدّي والربيع وقتادة والضحاك. قال ابن عطية : وهذا قول حسن، وذلك أن الأنعام هي الثمانية الأزواج، وما انضاف إليها من سائر الحيوانات يقال له : أنعام، مجموعة معها، وكأن المفترس كالأسد، وكل ذي ناب خارج عن حدّ الأنعام، فبهيمة الأنعام : هي الراعي من ذوات الأربع. وقيل : بهيمة الأنعام : ما لم تكن صيداً، لأن الصيد يسمى وحشاً لا بهيمة. وقيل : بهيمة الأنعام : الأجنة التي تخرج عند الذبح من بطون الأنعام، فهي تؤكل من دون ذكاة، وعلى القول الأوّل، أعني تخصيص الأنعام بالإبل والبقر والغنم، تكون الإضافة بيانية، ويلحق بها ما يحلّ مما هو خارج عنها بالقياس، بل وبالنصوص التي في الكتاب والسنة كقوله تعالى :
﴿قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوحِىَ إِلَيَ مُحَرَّمًا على طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَن يَكُونَ مَيْتَةً﴾ الآية، وقوله ﷺ :«يحرم كل ذي ناب من السبع ومخلب من الطير »، فإنه يدل بمفهومه على أن ما عداه حلال، وكذلك سائر النصوص الخاصة بنوع كما في كتب السنة المطهرة.
قوله :﴿إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ﴾ استثناء من قوله :﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنعام﴾، أي إلا مدلول ما يتلى عليكم فإنه ليس بحلال، والمتلوّ : هو ما نصّ الله على تحريمه، نحو قوله تعالى :﴿حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة﴾ الآية، ويلحق به ما صرحت السنة بتحريمه، وهذا الاستثناء يحتمل أن يكون المراد به : إلا ما يتلى عليكم الآن، ويحتمل أن يكون المراد به : في مستقبل الزمان، فيدل على جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ويحتمل الأمرين جميعاً.
قوله :﴿غَيْرَ مُحِلّى الصيد﴾ ذهب البصريون إلى أن قوله :﴿إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ﴾ استثناء من بهيمة الأنعام، وقوله :﴿غَيْرَ مُحِلّى الصيد﴾ استثناء آخر منه أيضاً، فالاستثناءان جميعاً من بهيمة الأنعام، والتقدير : أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم إلا الصيد وأنتم محرمون. وقيل : الاستثناء الأوّل من بهيمة الأنعام، والاستثناء الثاني هو من الاستثناء الأوّل، وردّ بأن هذا يستلزم إباحة الصيد في حال الإحرام، لأنه مستثنى من المحظور فيكون مباحاً، وأجاز الفراء أن يكون ﴿إِلاَّ مَا يتلى﴾ في موضع رفع على البدل، ولا يجيزه البصريون إلا في النكرة وما قاربها من الأجناس. قال : وانتصاب ﴿غَيْرَ مُحِلّى الصيد﴾ على الحال من قوله :﴿أَوْفُواْ بالعقود﴾ وكذا قال الأخفش، وقال غيرهما : حال من الكاف والميم في ﴿لَكُمْ﴾ والتقدير : أحلت لكم بهيمة الأنعام غير محلي الصيد، أي الاصطياد في البرّ وأكل صيده. ومعنى عدم إحلالهم له تقرير حرمته عملاً واعتقاداً وهم حرم، أي محرمون، وجملة ﴿وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ في محل نصب على الحال من الضمير في ﴿مُحِلّى﴾، ومعنى هذا التقييد ظاهر عند من يخص بهيمة الأنعام بالحيوانات الوحشية البرية التي يحلّ أكلها كأنه قال : أحلّ لكم صيد البرّ إلا في حال الإحرام ؛ وأما على قول من يجعل الإضافة بيانية فالمعنى : أحلت لكم بهيمة هي الأنعام حال تحريم الصيد عليكم بدخولكم في الإحرام، لكونكم محتاجين إلى ذلك، فيكون المراد بهذا التقييد الامتنان عليهم بتحليل ما عدا ما هو محرّم عليهم في تلك الحال. والمراد بالحرم من هو محرم بالحجّ أو العمرة أو بهما، وسمي محرماً ؛ لكونه يحرم عليه الصيد والطيب والنساء، وهكذا وجه تسمية الحرم حرماً، والإحرام إحراماً.
وقرأ الحسن والنخعي ويحيى بن وثاب " حَرْمَ " بسكون الراء وهي لغة تميمية، يقولون في رُسُل : رُسْل، وفي كُتُب : كُتْب ونحو ذلك. قوله :﴿إِنَّ الله يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ من الأحكام المخالفة لما كانت العرب تعتاده، فهو مالك الكل يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، لا معقب لحكمه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس في قوله :﴿أَوْفُواْ بالعقود﴾ قال : ما أحل الله وما حرّم وما فرض، وما حدّ في القرآن كله لا تغدروا ولا تنكثوا. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة قال : هي عقود الجاهلية الحلف، وروى عنه ابن جرير أنه قال : ذكر لنا أن نبيّ الله ﷺ كان يقول :«وأوفوا بعقد الجاهلية ولا تحدثوا عقداً في الإسلام» وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن الحسن في قوله :﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنعام﴾ قال : الإبل والبقر والغنم. وأخرج ابن جرير عن ابن عمر في قوله :﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنعام﴾ قال : ما في بطونها، قلت : إن خرج ميتاً آكله ؟ قال : نعم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي، في شعب الإيمان، عن ابن عباس في قوله :﴿إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ﴾ قال : الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهلّ لغير الله به، إلى آخر الآية، فهذا ما حرّم الله من بهيمة الأنعام.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ الله﴾ قال : كان المشركون يحجون البيت الحرام، ويهدون الهدايا، ويعظمون حرمة المشاعر، وينحرون في حجهم، فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم، فقال الله :﴿لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ الله﴾. وفي قوله :﴿وَلاَ الشهر الحرام﴾ يعني : لا تستحلوا قتالاً فيه ﴿ولا آمِّينَ البيت الحرام﴾ يعني : من توجه قبل البيت الحرام، فكان المؤمنون والمشركون يحجون جميعاً، فنهى الله المؤمنين أن يمنعوا أحداً حجّ البيت أو يتعرضوا له من مؤمن أو كافر، ثم أنزل الله بعد هذه الآية :﴿إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ المسجد الحرام بَعْدَ عَامِهِمْ هذا﴾ وفي قوله :﴿يَبْتَغُونَ فَضْلاً﴾ يعني : أنهم يرضون الله بحجهم ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ يقول : لا يحملنكم ﴿شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ يقول : عداوة قوم. ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى البر والتقوى﴾ قال : البرّ ما أمرت به، والتقوى ما نهيت عنه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه في الآية قال : شعائر الله : ما نهى الله عنه أن تصيبه وأنت محرم، والهدي : ما لم يقلد، والقلائد : مقلدات الهدي. ﴿ولا آمِّينَ البيت الحرام﴾ يقول : من توجه حاجاً. وأخرج ابن جرير عنه في قوله :﴿لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ الله﴾ قال : مناسك الحج.
وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم قال : كان رسول الله ﷺ بالحديبية وأصحابه، حين صدهم المشركون عن البيت، وقد اشتدّ ذلك عليهم، فمر بهم أناس من المشركين، من أهل المشرق يريدون العمرة، فقال أصحاب رسول الله ﷺ : نصدّ هؤلاء كما صدّنا أصحابنا، فأنزل الله :﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ الآية. وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري في تاريخه عن وابصة أن النبي ﷺ قال له :«البرّ ما اطمأنّ إليه القلب واطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في القلب وتردّد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك» وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد، والبخاري، في الأدب، ومسلم والترمذي والحاكم والبيهقي، عن النواس ابن سمعان قال : سألت النبي ﷺ عن البرّ والإثم، فقال :«البرّ حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس» وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن حبان والطبراني، والحاكم وصححه، والبيهقي عن أبي أمامة، أن رجلاً سأل النبيّ ﷺ عن الإثم، فقال :«ما حاك في نفسك فدعه» قال فما الإيمان ؟ قال :«من ساءته سيئته، وسرّته حسنته، فهو مؤمن».
قوله :﴿أَوْفُواْ بالعقود﴾ يقال أوفى ووفى لغتان، وقد جمع بينهما الشاعر فقال :
| أما ابن طوقٍ فقد أوفى بذمته | كما وفى بقلاص النجم حاديها |
قوله :﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنعام﴾ الخطاب للذين آمنوا. والبهيمة : اسم لكل ذي أربع، سميت بذلك لإبهامها من جهة نقص نطقها وفهمها وعقلها، ومنه باب مبهم : أي مغلق، وليل بهيم، وبهمة للشجاع الذي لا يدري من أين يؤتى، وحلقة مبهمة : لا يدري أين طرفاها. والأنعام : اسم للإبل والبقر والغنم، سميت بذلك لما في مشيها من اللين. وقيل : بهيمة الأنعام : وحشيها، كالظباء وبقر الوحش والحمر الوحشية، وغير ذلك. حكاه ابن جرير الطبري عن قوم، وحكاه غيره عن السدّي والربيع وقتادة والضحاك. قال ابن عطية : وهذا قول حسن، وذلك أن الأنعام هي الثمانية الأزواج، وما انضاف إليها من سائر الحيوانات يقال له : أنعام، مجموعة معها، وكأن المفترس كالأسد، وكل ذي ناب خارج عن حدّ الأنعام، فبهيمة الأنعام : هي الراعي من ذوات الأربع. وقيل : بهيمة الأنعام : ما لم تكن صيداً، لأن الصيد يسمى وحشاً لا بهيمة. وقيل : بهيمة الأنعام : الأجنة التي تخرج عند الذبح من بطون الأنعام، فهي تؤكل من دون ذكاة، وعلى القول الأوّل، أعني تخصيص الأنعام بالإبل والبقر والغنم، تكون الإضافة بيانية، ويلحق بها ما يحلّ مما هو خارج عنها بالقياس، بل وبالنصوص التي في الكتاب والسنة كقوله تعالى :
﴿قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوحِىَ إِلَيَ مُحَرَّمًا على طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَن يَكُونَ مَيْتَةً﴾ الآية، وقوله ﷺ :«يحرم كل ذي ناب من السبع ومخلب من الطير »، فإنه يدل بمفهومه على أن ما عداه حلال، وكذلك سائر النصوص الخاصة بنوع كما في كتب السنة المطهرة.
قوله :﴿إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ﴾ استثناء من قوله :﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنعام﴾، أي إلا مدلول ما يتلى عليكم فإنه ليس بحلال، والمتلوّ : هو ما نصّ الله على تحريمه، نحو قوله تعالى :﴿حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة﴾ الآية، ويلحق به ما صرحت السنة بتحريمه، وهذا الاستثناء يحتمل أن يكون المراد به : إلا ما يتلى عليكم الآن، ويحتمل أن يكون المراد به : في مستقبل الزمان، فيدل على جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ويحتمل الأمرين جميعاً.
قوله :﴿غَيْرَ مُحِلّى الصيد﴾ ذهب البصريون إلى أن قوله :﴿إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ﴾ استثناء من بهيمة الأنعام، وقوله :﴿غَيْرَ مُحِلّى الصيد﴾ استثناء آخر منه أيضاً، فالاستثناءان جميعاً من بهيمة الأنعام، والتقدير : أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم إلا الصيد وأنتم محرمون. وقيل : الاستثناء الأوّل من بهيمة الأنعام، والاستثناء الثاني هو من الاستثناء الأوّل، وردّ بأن هذا يستلزم إباحة الصيد في حال الإحرام، لأنه مستثنى من المحظور فيكون مباحاً، وأجاز الفراء أن يكون ﴿إِلاَّ مَا يتلى﴾ في موضع رفع على البدل، ولا يجيزه البصريون إلا في النكرة وما قاربها من الأجناس. قال : وانتصاب ﴿غَيْرَ مُحِلّى الصيد﴾ على الحال من قوله :﴿أَوْفُواْ بالعقود﴾ وكذا قال الأخفش، وقال غيرهما : حال من الكاف والميم في ﴿لَكُمْ﴾ والتقدير : أحلت لكم بهيمة الأنعام غير محلي الصيد، أي الاصطياد في البرّ وأكل صيده. ومعنى عدم إحلالهم له تقرير حرمته عملاً واعتقاداً وهم حرم، أي محرمون، وجملة ﴿وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ في محل نصب على الحال من الضمير في ﴿مُحِلّى﴾، ومعنى هذا التقييد ظاهر عند من يخص بهيمة الأنعام بالحيوانات الوحشية البرية التي يحلّ أكلها كأنه قال : أحلّ لكم صيد البرّ إلا في حال الإحرام ؛ وأما على قول من يجعل الإضافة بيانية فالمعنى : أحلت لكم بهيمة هي الأنعام حال تحريم الصيد عليكم بدخولكم في الإحرام، لكونكم محتاجين إلى ذلك، فيكون المراد بهذا التقييد الامتنان عليهم بتحليل ما عدا ما هو محرّم عليهم في تلك الحال. والمراد بالحرم من هو محرم بالحجّ أو العمرة أو بهما، وسمي محرماً ؛ لكونه يحرم عليه الصيد والطيب والنساء، وهكذا وجه تسمية الحرم حرماً، والإحرام إحراماً.
وقرأ الحسن والنخعي ويحيى بن وثاب " حَرْمَ " بسكون الراء وهي لغة تميمية، يقولون في رُسُل : رُسْل، وفي كُتُب : كُتْب ونحو ذلك. قوله :﴿إِنَّ الله يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ من الأحكام المخالفة لما كانت العرب تعتاده، فهو مالك الكل يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، لا معقب لحكمه.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ الله﴾ قال : كان المشركون يحجون البيت الحرام، ويهدون الهدايا، ويعظمون حرمة المشاعر، وينحرون في حجهم، فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم، فقال الله :﴿لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ الله﴾. وفي قوله :﴿وَلاَ الشهر الحرام﴾ يعني : لا تستحلوا قتالاً فيه ﴿ولا آمِّينَ البيت الحرام﴾ يعني : من توجه قبل البيت الحرام، فكان المؤمنون والمشركون يحجون جميعاً، فنهى الله المؤمنين أن يمنعوا أحداً حجّ البيت أو يتعرضوا له من مؤمن أو كافر، ثم أنزل الله بعد هذه الآية :﴿إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ المسجد الحرام بَعْدَ عَامِهِمْ هذا﴾ وفي قوله :﴿يَبْتَغُونَ فَضْلاً﴾ يعني : أنهم يرضون الله بحجهم ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ يقول : لا يحملنكم ﴿شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ يقول : عداوة قوم. ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى البر والتقوى﴾ قال : البرّ ما أمرت به، والتقوى ما نهيت عنه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه في الآية قال : شعائر الله : ما نهى الله عنه أن تصيبه وأنت محرم، والهدي : ما لم يقلد، والقلائد : مقلدات الهدي. ﴿ولا آمِّينَ البيت الحرام﴾ يقول : من توجه حاجاً. وأخرج ابن جرير عنه في قوله :﴿لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ الله﴾ قال : مناسك الحج.
وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم قال : كان رسول الله ﷺ بالحديبية وأصحابه، حين صدهم المشركون عن البيت، وقد اشتدّ ذلك عليهم، فمر بهم أناس من المشركين، من أهل المشرق يريدون العمرة، فقال أصحاب رسول الله ﷺ : نصدّ هؤلاء كما صدّنا أصحابنا، فأنزل الله :﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ الآية. وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري في تاريخه عن وابصة أن النبي ﷺ قال له :«البرّ ما اطمأنّ إليه القلب واطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في القلب وتردّد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك» وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد، والبخاري، في الأدب، ومسلم والترمذي والحاكم والبيهقي، عن النواس ابن سمعان قال : سألت النبي ﷺ عن البرّ والإثم، فقال :«البرّ حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس» وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن حبان والطبراني، والحاكم وصححه، والبيهقي عن أبي أمامة، أن رجلاً سأل النبيّ ﷺ عن الإثم، فقال :«ما حاك في نفسك فدعه» قال فما الإيمان ؟ قال :«من ساءته سيئته، وسرّته حسنته، فهو مؤمن».