أحكام القرآن — الجصاص
عن الكتاب
مطلب : في عقود الجاهلية وعقود الإسلام
قوله تعالى :﴿يَا أَيُّها الّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ رُوي عن ابن عباس ومجاهد ومطرف والربيع والضحّاك والسدّي وابن جريج والثوري قالوا :" العقود في هذا الموضع أراد بها العهود ". وروى معمر عن قتادة قال :" هي عقود الجاهلية الحلف ". وروى جبير بن مطعم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :" لا حِلْفَ في الإِسْلامِ وأمّا حِلْفُ الجَاهِلِيَّةِ فلم يَزِدْهُ الإسْلامُ إلاّ شِدَّةً ". وروى ابن عيينة عن عاصم الأحول قال : سمعت أنس بن مالك يقول : حالف رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار في دارنا ؛ فقيل له : قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا حلف في الإسلامِ وما كان في الجاهلية فلم يَزِدْهُ الإسلامُ إلاّ شدَّةً " فقال : حالف رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار في دارنا. قال ابن عيينة :" إنما آخى بين المهاجرين والأنصار ".
قال أبو بكر : قال الله تعالى :﴿والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم﴾ [النساء: ٣٣] فلم يختلف المفسرون أنهم في أول الإسلام قد كانوا يتوارثون بالحلف دون النسب وهو معنى قوله :﴿والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم﴾ [النساء: ٣٣] إلى أن جعل الله ذوي الأرحام أوْلى من الحليف بقوله :﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين﴾ [الأنفال: ٧٥]، فقد كان حلف الإسلام على التناصر والتوارث ثابتاً صحيحاً. وأما قوله :" لا حلف في الإسلام " فإنه جائز أن يريد به الحِلْفَ على الوجوه التي كان عليه الحلف في الجاهلية، وكان هذا القول منه بعد نسخ التوارث بالحلف. وقد كان حِلْفُ الجاهلية على وجوه : منها الحلف في التناصر، فيقول أحدهما لصاحبه إذا حالفه :" دمي دمك وهدمي هدمك وترثني وأرثك " فيتعاقدان الحلفَ على أن ينصر كل واحد منهما صاحبه فيدفع عنه ويحميه بحق كان ذلك أو بباطل ؛ ومثله لا يجوز في الإسلام لأنه لا يجوز أن يتعاقدا الحلف على أن ينصره على الباطل ولا أن يزوي ميراثه عن ذي أرحامه ويجعله لحليفه ؛ فهذا أحد وجوه الحلف الذي لا يجوز مثله في الإسلام. وقد كانوا يتعاقدون الحلف للحماية والدفع، وكانوا يدفعون إلى ضرورة لأنهم كانوا نَشَراً لا سلطان عليهم ينصف المظلوم من الظالم ويمنع القوي عن الضعيف، فكانت الضرورة تؤديهم إلى التحالف فيمتنع به بعضهم من بعض، وكان ذلك معظم ما يراد الحلف من أجله، ومن أجل ذلك كانوا يحتاجون إلى الجوار وهو أن يُجِيرَ الرجل أو الجماعة أو العير على قبيلة ويؤمنهم فلا ينداه مكروه منهم ؛ فجائز أن يكون أراد بقوله :" لا حلف في الإسلام " هذا الضرب من الحلف. وقد كانوا يحتاجون إلى الحلف في أول الإسلام لكثرة أعدائهم من سائر المشركين ومن يهود المدينة ومن المنافقين، فلما أعزّ الله الإسلام وكثر أهله وامتنعوا بأنفسهم وظهروا على أعدائهم، أخبر النبي صلى الله عليه وسلم باستغنائهم عن التحالف لأنهم قد صاروا كلهم يداً واحدة على أعدائهم من الكفار بما أوجب الله عليهم من التناصر والموالاة بقوله تعالى :﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾ [التوبة: ٧١]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم :" المُؤْمِنُونَ يَدٌ على مَنْ سِوَاهُمْ "، وقال :" ثَلاثٌ لا يُغَلُّ عليهنَّ قَلْبُ مُؤْمِنٍ : إخْلاصُ العَمَلِ لله، والنَّصِيحَةُ لوُلاةِ الأمْرِ، ولُزُومُ جَمَاعَةِ المُسْلِمِينَ، فإنّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مَنْ وَرَاءَهُمْ ". فزال التناصر بالحلف وزال الجوار، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لعديّ بن حاتم :" ولَعَلَّكَ أَنْ تَعِيشَ حَتَّى تَرَى المَرْأَةَ تَخْرُجُ مِنَ القَادِسِيَّةِ إلى اليَمَنِ بِغَيْرِ جِوَارٍ "، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم :" لا حلف في الإسلام ". وأما قوله :" وما كان من حلف في الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا شدة " فإنما يعني به الوفاء بالعهد مما هو مجوّز في العقول مستحسن فيها، نحو الحلف الذي عقده الزبير بن عبدالمطلب، قال النبي صلى الله عليه وسلم :" ما أحِبُّ أَنّ لي بحِلْفٍ حَضَرْتُهُ حُمْرَ النَّعَمِ في دَارِ ابْنِ جُدْعَانَ وأني أغدر به : هَاشِمٌ وزُهْرَةُ وتَيْمٌ تَحَالَفُوا أَنْ يَكُونُوا مَعَ المَظْلُومِ مَا بَلَّ بَحْرٌ صُوفَةً، ولو دُعِيتُ إلى مِثْلِهِ في الإِسْلامِ لأَجَبْتُ وهو حِلْفُ الفُضُولِ ". وقيل إن الحلف كان على منع المظلوم وعلى التأسّي في المعاش، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه حضر هذا الحلف قبل النبوّة وأنه لو دُعي إلى مثله في الإسلام لأجاب ؛ لأن الله تعالى قد أمر المؤمنين بذلك، وهو شيءٌ مستحسنٌ في العقول، بل واجب فيها قبل ورود الشرع ؛ فعلمنا أن قوله :" لا حلف في الإسلام " إنما أراد به الذي لا تُجَوِّزُهُ العقول ولا تُبيحه الشريعة. وقد رُوي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال :" حَضَرْتُ حِلْفَ المُطَيّبِينَ وأنا غُلامٌ، وما أُحِبُّ أنْ أَنْكُثَهُ وأَنَّ لي حُمْرَ النَّعَمِ ". وقد كان حلف المطيبين بين قريش على أن يدفعوا عن الحرم من أراد انتهاك حرمته بالقتال فيه. وأما قوله :" وما كان في الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا شدّة " فهو نحو حلف المطيّبين وحلف الفضول، وكل ما يلزم الوفاء به من المعاقدة دون ما كان منه معصية لا تجوّزه الشريعة.
والعَقْدُ في اللغة هو الشَّدُّ، تقول : عقدتُ الحبل، إذا شَدَدْتَهُ. واليمينُ على المستقبل تسمى عَقْداً، قال الله تعالى :﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان﴾ [المائدة: ٨٩] ؛ والحلف يسمَّى عقداً، قال الله تعالى :﴿والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم﴾ [النساء: ٣٣]. وقال أبو عبيدة في قوله :﴿أوْفُوا بالعُقُودِ﴾ قال :" هي العهود والأيمان ". ورُوي عن جابر في قوله :﴿أوْفُوا بالعُقُودِ﴾ قال :" هي عقدة النكاح والبيع والحلف والعهد "، وزاد زيد بن أسلم من قِبَلِهِ :" وعقد الشركة وعقد اليمين ". وروى وَكِيعٌ عن موسى بن عبيدة عن أخيه عبدالله بن عبيدة قال :" العقود ستة : عقد الأيمان، وعقد النكاح، وعقدة العهد، وعقدة الشِّرَى والبيع، وعقدة الحلف ".
وقال أبو بكر : العَقْدُ ما يعقده العاقد على أمْرٍ يفعله هو أن يعقد على غيره فعله على وجه إلزامه إياه ؛ لأن العقد إذا كان في أصل اللغة الشدّ ثم نُقل إلى الأيمان والعقود عقود المبايعات ونحوها، فإنما أُريد به إلزامُ الوفاء بما ذكره وإيجابه عليه، وهذا إنما يتناول منه ما كان منتظراً مراعًى في المستقبل من الأوقات، فيسمَّى البيع والنكاح والإجارة وسائر عقود المعاوضات عقوداً لأن كل واحد منهما قد ألزم نفسه التمام عليه والوفاء به، وسُمّي اليمينُ على المستقبل عَقْداً لأن الحالف قد أَلْزَمَ نفسه الوفاء بما حلف عليه من فِعْلٍ أو تَرْكٍ، والشركةُ والمضاربةُ ونحوها تسمَّى أيضاً عقوداً لما وصفنا من اقتضائه الوفاء بما شَرَطَهُ على كل واحد من الربح والعمل لصاحبه وألزمه نفسه، وكذلك العهد والأمان لأن معطيها قد ألزم نفسه الوفاء بها، وكذلك كل شَرْطٍ شَرَطَهُ إنسانٌ على نفسه في شيء يفعله في المستقبل فهو عَقْدٌ، وكذلك النذور وإيجاب القرب وما جرى مجرى ذلك. وما لا تعلق له بمعنى في المستقبل يُنتظر وقوعه وإنما هو على شيء ماضٍ قد وقع فإنه لا يسمَّى عقداً، ألا ترى أن من طلّق امرأته فإنه لا يسمَّى طلاقُهُ عَقْداً ؟ ولو قال لها :" إذا دخلت الدار فأنت طالق " كان ذلك عقداً ليمين ؟ ولو قال :" والله لقد دخلت الدار أمس " لم يكن عاقداً لشيء ؟ ولو قال :" لأدخلنها غداً " كان عاقداً ؟ ويدلُّكَ على ذلك أنه لا يصح إيجابه في الماضي ويصحّ في المستقبل لو قال :" عليَّ أن أدخل الدار أمس " كان لغواً من الكلام مستحيلاً، ولو قال :" عليّ أن أدخلها غداً " كان إيجاباً مفعولاً.
فالعقد ما يلزم به حكم في المستقبل، واليمين على المستقبل إنما كانت عقداً لأن الحالف قد أكّد على نفسه أن يفعل ما حَلَفَ عليه بذلك، وذلك معدوم في الماضي ؛ ألا ترى أن من قال :" والله لأكلمنّ زيداً " فهو مؤكدٌ على نفسه بذلك كلامه ؟ وكذلك لو قال :" والله لا كلمتُ زيداً " كان مؤكداً به نفي كلامه ملزماً نفسه به ما حلف عليه من نَفْي أو إثبات ؛ فسُمّي من أجل التأكيد الذي في اللفظ عقداً تشبيهاً بعقد الحبل الذي هو بيده والاستيثاق به، ومن أجله كان النذر عقداً ويميناً لأن الناذر ملزم نفسه ما نذره ومؤكد على نفسه أن يفعله أو يتركه. ومتى صُرِفَ الخبر إلى الماضي لم يكن ذلك عقداً كما لا يكون ذلك إيجاباً وإلزاماً ونذراً، وهذا يبين معنى ما ذكرنا من العقد على وجه التأكيد والإلزام.
ومما يدل على أن العقد هو ما تعلق بمعنى مستقبل دون الماضي، أن ضد العقْد هو الحَلُّ، ومعلوم أن ما قد وقع لا يُتوهم له حَلٌّ عما وقع عليه بل يستحيل ذلك فيه ؛ فلما لم يكن الحَلُّ ضدّاً لما وقع في الماضي عُلم أنه ليس بعَقْدٍ لأنه لو كان عقداً لكان له ضدٌّ من الحلِّ يوصف به كالعقد على المستقبل.
مطلب : شرط انعقاد البرّ إمكان البرِّ إمكاناً عقليّاً
فإن قيل : قوله :" إن دخلت الدار فأنت طالق " و " أَنت طالق إذا جاء غد " هو عقد ولا يلحقه الانتقاض والفسخ. قيل له : جائز أن لا يقع ذلك بموتها قبل وجود الشرط فهو مما يوصف بضده من الحلّ، ولذلك قال أبو حنيفة فيمن قال :" إن لم أشرب الماء الذي في هذا الكوز فعبدي حرّ " وليس في الكوز ماء، إن يمينه لا تنعقد ولم يكن ذلك عقداً ؛ لأنه ليس له نقيض من الحل، ولو قال :" إن لم أصعد السماء فعبدي حرّ " حنث بعد انعقاد يمينه ؛ لأن لهذا العقد نقيضاً من الحلِّ، وإن كنا قد علمنا أنه لا يَبَرُّ فيه ؛ لأنه عقد اليمين على معنى متوهم معقول، إذ كان صعود السماء معنى متوهماً معقولاً، وكذلك تركه معقول جائز، وشربُ ما ليس بموجود مستحيل توهمه فلم يكن ذلك عقداً.
وقد اشتمل قوله تعالى :﴿يَا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بالعُقُودِ﴾ على إلزام الوفاء بالعهود والذمم التي نعقدها لأهل الحرب وأهل الذمة والخوارج وغيرهم من سائر الناس، وعلى إلزام الوفاء بالنذور والأيمان ؛ وهو نظير قوله تعالى :﴿وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها﴾ [النحل: ٩١] وقوله تعالى :﴿وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم﴾ [البقرة: ٤٠] وعهد الله تعالى أوامره ونواهيه. وقد رُوي عن ابن عباس في قوله تعالى :﴿أَوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ أي بعقود الله فيما حرم وحلل ؛ وعن الحسن قال :" يعني عقود الدين ". واقتضى أيضاً الوفاء بعقود البياعات والإجارات والنكاحات وجميع ما يتناوله اسم العقود، فمتى اختلفنا في جواز عقد أو فساده وفي صحة نذر ولزومه صحّ الاحتجاج بقوله تعالى :﴿أَوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ لاقتضاء عمومه جواز جميعها من الكفالات والإجارات والبيوع وغيرها. ويجوز الاحتجاج به في جواز الكفالة بالنفس وبالمال وجواز تعلقها على الأخطار ؛ لأن الآية لم تفرق بين شيء منها. وقوله صلى الله عليه وسلم :" والمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوط
قوله تعالى :﴿يَا أَيُّها الّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ رُوي عن ابن عباس ومجاهد ومطرف والربيع والضحّاك والسدّي وابن جريج والثوري قالوا :" العقود في هذا الموضع أراد بها العهود ". وروى معمر عن قتادة قال :" هي عقود الجاهلية الحلف ". وروى جبير بن مطعم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :" لا حِلْفَ في الإِسْلامِ وأمّا حِلْفُ الجَاهِلِيَّةِ فلم يَزِدْهُ الإسْلامُ إلاّ شِدَّةً ". وروى ابن عيينة عن عاصم الأحول قال : سمعت أنس بن مالك يقول : حالف رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار في دارنا ؛ فقيل له : قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا حلف في الإسلامِ وما كان في الجاهلية فلم يَزِدْهُ الإسلامُ إلاّ شدَّةً " فقال : حالف رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار في دارنا. قال ابن عيينة :" إنما آخى بين المهاجرين والأنصار ".
قال أبو بكر : قال الله تعالى :﴿والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم﴾ [النساء: ٣٣] فلم يختلف المفسرون أنهم في أول الإسلام قد كانوا يتوارثون بالحلف دون النسب وهو معنى قوله :﴿والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم﴾ [النساء: ٣٣] إلى أن جعل الله ذوي الأرحام أوْلى من الحليف بقوله :﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين﴾ [الأنفال: ٧٥]، فقد كان حلف الإسلام على التناصر والتوارث ثابتاً صحيحاً. وأما قوله :" لا حلف في الإسلام " فإنه جائز أن يريد به الحِلْفَ على الوجوه التي كان عليه الحلف في الجاهلية، وكان هذا القول منه بعد نسخ التوارث بالحلف. وقد كان حِلْفُ الجاهلية على وجوه : منها الحلف في التناصر، فيقول أحدهما لصاحبه إذا حالفه :" دمي دمك وهدمي هدمك وترثني وأرثك " فيتعاقدان الحلفَ على أن ينصر كل واحد منهما صاحبه فيدفع عنه ويحميه بحق كان ذلك أو بباطل ؛ ومثله لا يجوز في الإسلام لأنه لا يجوز أن يتعاقدا الحلف على أن ينصره على الباطل ولا أن يزوي ميراثه عن ذي أرحامه ويجعله لحليفه ؛ فهذا أحد وجوه الحلف الذي لا يجوز مثله في الإسلام. وقد كانوا يتعاقدون الحلف للحماية والدفع، وكانوا يدفعون إلى ضرورة لأنهم كانوا نَشَراً لا سلطان عليهم ينصف المظلوم من الظالم ويمنع القوي عن الضعيف، فكانت الضرورة تؤديهم إلى التحالف فيمتنع به بعضهم من بعض، وكان ذلك معظم ما يراد الحلف من أجله، ومن أجل ذلك كانوا يحتاجون إلى الجوار وهو أن يُجِيرَ الرجل أو الجماعة أو العير على قبيلة ويؤمنهم فلا ينداه مكروه منهم ؛ فجائز أن يكون أراد بقوله :" لا حلف في الإسلام " هذا الضرب من الحلف. وقد كانوا يحتاجون إلى الحلف في أول الإسلام لكثرة أعدائهم من سائر المشركين ومن يهود المدينة ومن المنافقين، فلما أعزّ الله الإسلام وكثر أهله وامتنعوا بأنفسهم وظهروا على أعدائهم، أخبر النبي صلى الله عليه وسلم باستغنائهم عن التحالف لأنهم قد صاروا كلهم يداً واحدة على أعدائهم من الكفار بما أوجب الله عليهم من التناصر والموالاة بقوله تعالى :﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾ [التوبة: ٧١]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم :" المُؤْمِنُونَ يَدٌ على مَنْ سِوَاهُمْ "، وقال :" ثَلاثٌ لا يُغَلُّ عليهنَّ قَلْبُ مُؤْمِنٍ : إخْلاصُ العَمَلِ لله، والنَّصِيحَةُ لوُلاةِ الأمْرِ، ولُزُومُ جَمَاعَةِ المُسْلِمِينَ، فإنّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مَنْ وَرَاءَهُمْ ". فزال التناصر بالحلف وزال الجوار، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لعديّ بن حاتم :" ولَعَلَّكَ أَنْ تَعِيشَ حَتَّى تَرَى المَرْأَةَ تَخْرُجُ مِنَ القَادِسِيَّةِ إلى اليَمَنِ بِغَيْرِ جِوَارٍ "، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم :" لا حلف في الإسلام ". وأما قوله :" وما كان من حلف في الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا شدة " فإنما يعني به الوفاء بالعهد مما هو مجوّز في العقول مستحسن فيها، نحو الحلف الذي عقده الزبير بن عبدالمطلب، قال النبي صلى الله عليه وسلم :" ما أحِبُّ أَنّ لي بحِلْفٍ حَضَرْتُهُ حُمْرَ النَّعَمِ في دَارِ ابْنِ جُدْعَانَ وأني أغدر به : هَاشِمٌ وزُهْرَةُ وتَيْمٌ تَحَالَفُوا أَنْ يَكُونُوا مَعَ المَظْلُومِ مَا بَلَّ بَحْرٌ صُوفَةً، ولو دُعِيتُ إلى مِثْلِهِ في الإِسْلامِ لأَجَبْتُ وهو حِلْفُ الفُضُولِ ". وقيل إن الحلف كان على منع المظلوم وعلى التأسّي في المعاش، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه حضر هذا الحلف قبل النبوّة وأنه لو دُعي إلى مثله في الإسلام لأجاب ؛ لأن الله تعالى قد أمر المؤمنين بذلك، وهو شيءٌ مستحسنٌ في العقول، بل واجب فيها قبل ورود الشرع ؛ فعلمنا أن قوله :" لا حلف في الإسلام " إنما أراد به الذي لا تُجَوِّزُهُ العقول ولا تُبيحه الشريعة. وقد رُوي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال :" حَضَرْتُ حِلْفَ المُطَيّبِينَ وأنا غُلامٌ، وما أُحِبُّ أنْ أَنْكُثَهُ وأَنَّ لي حُمْرَ النَّعَمِ ". وقد كان حلف المطيبين بين قريش على أن يدفعوا عن الحرم من أراد انتهاك حرمته بالقتال فيه. وأما قوله :" وما كان في الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا شدّة " فهو نحو حلف المطيّبين وحلف الفضول، وكل ما يلزم الوفاء به من المعاقدة دون ما كان منه معصية لا تجوّزه الشريعة.
والعَقْدُ في اللغة هو الشَّدُّ، تقول : عقدتُ الحبل، إذا شَدَدْتَهُ. واليمينُ على المستقبل تسمى عَقْداً، قال الله تعالى :﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان﴾ [المائدة: ٨٩] ؛ والحلف يسمَّى عقداً، قال الله تعالى :﴿والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم﴾ [النساء: ٣٣]. وقال أبو عبيدة في قوله :﴿أوْفُوا بالعُقُودِ﴾ قال :" هي العهود والأيمان ". ورُوي عن جابر في قوله :﴿أوْفُوا بالعُقُودِ﴾ قال :" هي عقدة النكاح والبيع والحلف والعهد "، وزاد زيد بن أسلم من قِبَلِهِ :" وعقد الشركة وعقد اليمين ". وروى وَكِيعٌ عن موسى بن عبيدة عن أخيه عبدالله بن عبيدة قال :" العقود ستة : عقد الأيمان، وعقد النكاح، وعقدة العهد، وعقدة الشِّرَى والبيع، وعقدة الحلف ".
وقال أبو بكر : العَقْدُ ما يعقده العاقد على أمْرٍ يفعله هو أن يعقد على غيره فعله على وجه إلزامه إياه ؛ لأن العقد إذا كان في أصل اللغة الشدّ ثم نُقل إلى الأيمان والعقود عقود المبايعات ونحوها، فإنما أُريد به إلزامُ الوفاء بما ذكره وإيجابه عليه، وهذا إنما يتناول منه ما كان منتظراً مراعًى في المستقبل من الأوقات، فيسمَّى البيع والنكاح والإجارة وسائر عقود المعاوضات عقوداً لأن كل واحد منهما قد ألزم نفسه التمام عليه والوفاء به، وسُمّي اليمينُ على المستقبل عَقْداً لأن الحالف قد أَلْزَمَ نفسه الوفاء بما حلف عليه من فِعْلٍ أو تَرْكٍ، والشركةُ والمضاربةُ ونحوها تسمَّى أيضاً عقوداً لما وصفنا من اقتضائه الوفاء بما شَرَطَهُ على كل واحد من الربح والعمل لصاحبه وألزمه نفسه، وكذلك العهد والأمان لأن معطيها قد ألزم نفسه الوفاء بها، وكذلك كل شَرْطٍ شَرَطَهُ إنسانٌ على نفسه في شيء يفعله في المستقبل فهو عَقْدٌ، وكذلك النذور وإيجاب القرب وما جرى مجرى ذلك. وما لا تعلق له بمعنى في المستقبل يُنتظر وقوعه وإنما هو على شيء ماضٍ قد وقع فإنه لا يسمَّى عقداً، ألا ترى أن من طلّق امرأته فإنه لا يسمَّى طلاقُهُ عَقْداً ؟ ولو قال لها :" إذا دخلت الدار فأنت طالق " كان ذلك عقداً ليمين ؟ ولو قال :" والله لقد دخلت الدار أمس " لم يكن عاقداً لشيء ؟ ولو قال :" لأدخلنها غداً " كان عاقداً ؟ ويدلُّكَ على ذلك أنه لا يصح إيجابه في الماضي ويصحّ في المستقبل لو قال :" عليَّ أن أدخل الدار أمس " كان لغواً من الكلام مستحيلاً، ولو قال :" عليّ أن أدخلها غداً " كان إيجاباً مفعولاً.
فالعقد ما يلزم به حكم في المستقبل، واليمين على المستقبل إنما كانت عقداً لأن الحالف قد أكّد على نفسه أن يفعل ما حَلَفَ عليه بذلك، وذلك معدوم في الماضي ؛ ألا ترى أن من قال :" والله لأكلمنّ زيداً " فهو مؤكدٌ على نفسه بذلك كلامه ؟ وكذلك لو قال :" والله لا كلمتُ زيداً " كان مؤكداً به نفي كلامه ملزماً نفسه به ما حلف عليه من نَفْي أو إثبات ؛ فسُمّي من أجل التأكيد الذي في اللفظ عقداً تشبيهاً بعقد الحبل الذي هو بيده والاستيثاق به، ومن أجله كان النذر عقداً ويميناً لأن الناذر ملزم نفسه ما نذره ومؤكد على نفسه أن يفعله أو يتركه. ومتى صُرِفَ الخبر إلى الماضي لم يكن ذلك عقداً كما لا يكون ذلك إيجاباً وإلزاماً ونذراً، وهذا يبين معنى ما ذكرنا من العقد على وجه التأكيد والإلزام.
ومما يدل على أن العقد هو ما تعلق بمعنى مستقبل دون الماضي، أن ضد العقْد هو الحَلُّ، ومعلوم أن ما قد وقع لا يُتوهم له حَلٌّ عما وقع عليه بل يستحيل ذلك فيه ؛ فلما لم يكن الحَلُّ ضدّاً لما وقع في الماضي عُلم أنه ليس بعَقْدٍ لأنه لو كان عقداً لكان له ضدٌّ من الحلِّ يوصف به كالعقد على المستقبل.
مطلب : شرط انعقاد البرّ إمكان البرِّ إمكاناً عقليّاً
فإن قيل : قوله :" إن دخلت الدار فأنت طالق " و " أَنت طالق إذا جاء غد " هو عقد ولا يلحقه الانتقاض والفسخ. قيل له : جائز أن لا يقع ذلك بموتها قبل وجود الشرط فهو مما يوصف بضده من الحلّ، ولذلك قال أبو حنيفة فيمن قال :" إن لم أشرب الماء الذي في هذا الكوز فعبدي حرّ " وليس في الكوز ماء، إن يمينه لا تنعقد ولم يكن ذلك عقداً ؛ لأنه ليس له نقيض من الحل، ولو قال :" إن لم أصعد السماء فعبدي حرّ " حنث بعد انعقاد يمينه ؛ لأن لهذا العقد نقيضاً من الحلِّ، وإن كنا قد علمنا أنه لا يَبَرُّ فيه ؛ لأنه عقد اليمين على معنى متوهم معقول، إذ كان صعود السماء معنى متوهماً معقولاً، وكذلك تركه معقول جائز، وشربُ ما ليس بموجود مستحيل توهمه فلم يكن ذلك عقداً.
وقد اشتمل قوله تعالى :﴿يَا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بالعُقُودِ﴾ على إلزام الوفاء بالعهود والذمم التي نعقدها لأهل الحرب وأهل الذمة والخوارج وغيرهم من سائر الناس، وعلى إلزام الوفاء بالنذور والأيمان ؛ وهو نظير قوله تعالى :﴿وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها﴾ [النحل: ٩١] وقوله تعالى :﴿وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم﴾ [البقرة: ٤٠] وعهد الله تعالى أوامره ونواهيه. وقد رُوي عن ابن عباس في قوله تعالى :﴿أَوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ أي بعقود الله فيما حرم وحلل ؛ وعن الحسن قال :" يعني عقود الدين ". واقتضى أيضاً الوفاء بعقود البياعات والإجارات والنكاحات وجميع ما يتناوله اسم العقود، فمتى اختلفنا في جواز عقد أو فساده وفي صحة نذر ولزومه صحّ الاحتجاج بقوله تعالى :﴿أَوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ لاقتضاء عمومه جواز جميعها من الكفالات والإجارات والبيوع وغيرها. ويجوز الاحتجاج به في جواز الكفالة بالنفس وبالمال وجواز تعلقها على الأخطار ؛ لأن الآية لم تفرق بين شيء منها. وقوله صلى الله عليه وسلم :" والمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوط