تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي

عن الكتاب
قال ابن أبي حاتم عن معن وعوف، أو أحدهما : أن رجلاً أتى عبد الله بن مسعود، فقال : اعهد إليّ، فقال : إذا سمعت الله يقول :﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ﴾ فأرعها سمعك، فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه. وعن خيثمة قال : كل شيء في القرآن ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ﴾ فهو في التوراة يا أيها المساكين. وكتب رسول الله ﷺ كتاباً لعمرو بن حزم، حين بعثه إلى اليمن يفقه أهلها ويعلمهم السنّة، ويأخذ صدقاتهم، فكتب له كتاباً وعهداً، وأمره فيه بأمره، فكتب :« بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من الله ورسوله ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ أَوْفُواْ بالعقود﴾ عهد من محمد رسول الله ﷺ لعمرو ابن حزم حين بعثه إلى اليمن، أمره بتقوى الله في أمره كله، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون » وقوله تعالى :﴿أَوْفُواْ بالعقود﴾، قال ابن عباس يعني بالعقود : العهود؛ قال : والعهود : ما كانوا يتعاقدون عليه من الحلف وغيره؛ وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس العهود : يعني ما أحل الله وما حرم، وما فرض وما حد في القرآن كله، ولا تغدروا ولا تنكثوا، ثم شدد في ذلك فقال تعالى :﴿والذين يَنقُضُونَ عَهْدَ الله مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ﴾ [الرعد: ٢٥]، إلى قوله :﴿سواء الدار﴾ [الرعد: ٢٥] وقال الضحاك :﴿أَوْفُواْ بالعقود﴾ قال : ما أحل الله وحرم، وما أخذ الله من الميثاق على من أقر بالإيمان بالنبي والكتاب أن يوفوا بما أخذ الله عليهم من الفرائض من الحلال والحرام، وقال زيد بن أسلم :﴿أَوْفُواْ بالعقود﴾ قال : هي ستة، عهد الله، وعقد الحلف، وعقد الشركة، وعقد البيع، وعقد النكاح، وعقد اليمين، وقد استدل بعض من ذهب إلى أنه لا خيار في مجلس البيع بهذه الآية ﴿أَوْفُواْ بالعقود﴾، قال : فهذا يدل على لزوم العقد وثبوته، ويقتضي نفي خيار المجلس، وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك، وخالفهما في ذلك الشافعي وأحمد والجمهور، والحجة في ذلك ما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر قال : قال رسول الله ﷺ :« البيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا »، وفي لفظ آخر للبخاري؛ « إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا »، وهذا صريح في إثبات خيار المجلس المتعقب لعقد البيع، وليس هذا منافياً للزوم العقد، بل هو من مقتضياته شرعاً، فالتزامه من تمام الوفاء بالعقود.
وقوله تعالى :﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنعام﴾ هي الإبل والبقر والغنم، قاله قتادة وغير واحد، قال ابن جرير : وكذلك هو عند العرب، وقد استدل ابن عمر وابن عباس وغير واحد بهذه الآية على إباحة الجنين إذا وجد ميتاً في بطن أمه إذا ذبحت، وقد ورد في ذلك حديث في السنن.
عن أبي سعيد قال :« قلنا يا رسول الله ننحر الناقة ونذبح البقرة أو الشاة، في بطنها الجنين، أنلقيه أم نأكله؟ فقال :» كلوه إن شئتم فإن ذكاته ذكاة أمه «، وقال أبو داود عن جابر بن عبد الله عن رسول الله ﷺ قال :» ذكاة الجنين ذكاة أمه « وقوله :﴿إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ﴾ قال ابن عباس : يعني بذلك الميتة والدم ولحم الخنزير، وقال قتادة : يعني بذلك الميتة وما لم يذكر اسم الله عليه، والظاهر - والله أعلم - أن المراد بذلك قوله :﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة والدم وَلَحْمُ الخنزير وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وَمَآ أَكَلَ السبع﴾ [المائدة: ٣]، فإن هذه وإن كانت من الأنعام، إلا أنها تحرم بهذه العوارض، ولهذا قال :﴿إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النصب﴾ [المائدة: ٣] يعني منها، فإنه حرام لا يمكن استدراكه وتلاحقه، ولهذا قال تعالى :﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنعام إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ﴾ أي إلا ما سيتلى عليكم من تحريم بعضها في بعض الأحوال، والمراد بالأنعام ما تعم الإنسي من الإبل والبقر والغنم، وما يعم الوحشي كالظباء والبقر والحمر، فاستثني من الإنسي ما تقدم، واستثنى من الوحشي الصيد في حال الإحرام : وقيل المراد، أحللنا لكم الأنعام إلا ما استثني منها لمن التزم تحريم الصيد وهو حرام، لقوله :﴿فَمَنِ اضطر غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٥]، أي أبحنا تناول الميتة للمضطر بشرط أن يكون غير باغ ولا متعد، وهكذا هنا، أي كما أحللنا الأنعام في جميع الأحوال، فحرموا الصيد في حال الإحرام، فإن الله قد حكم بهذا، وهو الحكيم في جميع ما يأمر به وينهى عنه، ولهذا قال الله تعالى :﴿إِنَّ الله يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾.
ثم قال تعالى :﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ الله﴾ قال ابن عباس : يعني بذلك مناسك الحج، وقال مجاهد : الصفا والمروة، والهدي والبدن من شعائر الله، وقيل : شعائر الله محارمه، أي لا تحلوا محارم الله التي حرمها الله تعالى، ولهذا قال تعالى :﴿وَلاَ الشهر الحرام﴾ يعني بذلك تحريمه والاعتراف بتعظيمه وترك ما نهى الله عن تعاطيه فيه من الابتداء بالقتال، وتأكيد اجتناب المحارم، كما قال تعالى :﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشهر الحرام قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧]، وقال تعالى :﴿إِنَّ عِدَّةَ الشهور عِندَ الله اثنا عَشَرَ شَهْراً﴾ [التوبة: ٣٦] الآية، وفي صحيح البخاري : عن أبي بكرة أن رسول الله ﷺ قال في حجة الوداع :» إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض. السنة اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم، ثلاث متواليات : ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان «
وهذا يدل على استمرار تحريمها إلى آخر وقت كما هو مذهب طائفة من السلف. وقال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى :﴿وَلاَ الشهر الحرام﴾ يعني لا تستحلوا القتال فيه، واختاره ابن جرير أيضاً، وذهب الجمهور إلى أن ذلك منسوخ وأنه يجوز ابتداء القتال في الأشهر الحرم، واحتجوا بقوله تعالى :﴿فَإِذَا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] قالوا : فلم يستثن شهراً حراماً من غيره، وقد حكى الإمام أبو جعفر الإجماع على أن الله قد أحل قتال أهل الشرك في الأشهر الحرم وغيرها من شهور السنة.
وقوله تعالى :﴿وَلاَ الهدي وَلاَ القلائد﴾ يعني لا تتركوا الإهداء إلى البيت الحرام، فإن فيه تعظيم شعائر الله ولا تتركوا تقليدها في أعناقها لتتميز به عما عداها من الأنعام، وليعلم أنها هدي إلى الكعبة فيجتنبها من يريدها بسوء، وتبعث من يراها على الإتيان بمثلها، فإن من دعا إلى هدي كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ولهذا لما حج رسول الله ﷺ بات بذي الحليفة وهو وادي العقيق، فلما أصبح طاف على نسائه وكن تسعاً، ثم اغتسل وتطيب وصلى ركعتين، ثم أشعر هديه وقلده، وأهلَّ للحج والعمرة، وكان هديه إبلاً كثيرة تنيف على الستين من أحسن الأشكال والألوان؛ كما قال تعالى :﴿ذلك وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ الله فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى القلوب﴾ [الحج: ٣٢]. وقال بعض السلف : إعظامها استحسانها واستسمانها، قال علي بن أبي طالب : أمرنا رسول الله ﷺ أن نستشرف العين والأذن. « رواه أهل السنن »، وقال مقاتل بن حيان قوله :﴿وَلاَ القلائد﴾ فلا تستحلوها، وكان أهل الجاهلية إذا خرجوا من أوطانهم في غير الأشهر الحرم قلدوا أنفسهم بالشعر والوبر، وتقلد مشركو الحرم من لحاء شجره فيأمنون به. وقوله تعالى :﴿ولا آمِّينَ البيت الحرام يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً﴾ أي ولا تستحلوا قتال القاصدين إلى بيت الله الحرام الذي من دخله كان آمناً، وكذا من قصده طالباً فضل الله، وراغباً في رضوانه فلا تصدوه ولا تمنعوه ولا تهيجوه، قال مجاهد وعطاء في قوله :﴿يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ﴾ يعني بذلك التجارة، وهذا كما تقدم في قوله :﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] وقوله :﴿وَرِضْوَاناً﴾ قال ابن عباس : يترضون الله بحجهم، وقد ذكر عكرمة والسدي وابن جرير أن هذه الآية نزلت في ( الحطيم بن هند البكري )، كان قد أغار على سرح المدينة، فلما كان من العام المقبل اعتمر إلى البيت، فأراد بعض الصحابة أن يعترضوا في طريقه إلى البيت، فأنزل الله :﴿ولا آمِّينَ البيت الحرام يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً﴾.
وقد حكى ابن جرير الإجماع على أن المشرك يجوز قتله إذا لم يكن له أمان، وإن أمَّ البيت الحرام أو بيت المقدس، وأن هذا الحكم منسوخ في حقهم، والله أعلم. فأما من قصده بالإلحاد فيه والشرك عنده والكفر به فهذا يمنع، قال تعالى :﴿ياأيها الذين آمنوا إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ المسجد الحرام بَعْدَ عَامِهِمْ هذا﴾ [التوبة: ٢٨]، ولهذا بعث رسول الله ﷺ عام تسع لما أمَّر الصديقُ على الحجيج علياً، وأمره أن ينادي على سبيل النيابة عن رسول الله ﷺ ببراءة، وأن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. وقال ابن عباس قوله :﴿ولا آمِّينَ البيت الحرام﴾ : يعني من توجه قِبَل البيت الحرام، فكان المؤمنون والمشركون يحجون، فنهى الله المؤمنين أن يمنعوا أحداً من مؤمن أو كافر، ثم أنزل الله بعدها :﴿إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ المسجد الحرام بَعْدَ عَامِهِمْ هذا﴾ [التوبة: ٢٨] الآية، وقال تعالى :﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله﴾ [التوبة: ١٧] وقال :﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ الله مَنْ آمَنَ بالله واليوم الآخر﴾ [التوبة: ١٨] فنفى المشركين من المسجد الحرام. وقال قتادة في قوله ﴿وَلاَ القلائد ولا آمِّينَ البيت الحرام﴾ قال : منسوخ. كان الرجل في الجاهلية إذا خرج من بيته يريد الحج تقلد من الشجر، فلم يعرض له أحد، فإذا رجع تقلد قلادة من شعر، فلم يعرض له أحد، وكان المشرك يومئذ لا يصد عن البيت، فأمروا أن لا يقاتلوا في الشهر الحرام ولا عند البيت، فنسخها قوله :﴿فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥].
وقوله تعالى :﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فاصطادوا﴾ أي إذا فرغتم من إحرامكم وأحللتم منه، فقد أبحنا لكم ما كان محرماً عليكم في حال الإحرام من الصيد، وهذا أمر بعد الحظر، وقوله :﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ المسجد الحرام أَن تَعْتَدُواْ﴾ أي لا يحملنكم بغض قوم قد كانوا صدوكم عن الوصول إلى المسجد الحرام، وذلك عام الحديبية على أن تعتدوا حكم الله فيهم فتقتصوا منهم ظلماً وعدواناً بل احكموا بما أمركم الله به من العدل في حق كل أحد، وهذه الآية كما سيأتي من قوله :﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ على أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ للتقوى﴾ [المائدة: ٨]، وقال بعض السلف : ما عاملت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه، والعدل به قامت السماوات والأرض. وقال ابن أبي حاتم، عن زيد بن أسلم قال : كان رسول الله ﷺ بالحديبية وأصحابه حين صدهم المشركون عن البيت، وقد اشتد ذلك عليهم، فمر بهم أناس من المشركين من أهل المشرق يريدون العمرة، فقال أصحاب النبي ﷺ : نصد هؤلاء كما صدنا أصحابهم، فأنزل الله هذه الآية. والشنآن : هو البغض، قاله ابن عباس وغيره، وهو مصدر من شنأته أشنؤه شنآناً بالتحريك، وقال ابن جرير : من العرب من يسقط التحريك في شنآن فيقول : شنان، ولم أعلم أحداً قرأ بها ومنه قول الشاعر :
وما العيش إلا ما تحب وتشتهيوإن لام فيه ذو الشنان وفنّدا
وقوله تعالى :﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى البر والتقوى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإثم والعدوان﴾ يأمر تعالى عباده المؤمنين بالمعاونة على فعل الخيرات وهو البر، وترك المنكرات وهو التقوى، وينهاهم عن التناصر على الباطل والتعاون على المآثم والمحارم، قال ابن جرير الإثم : ترك ما أمر الله بفعله، والعدوان مجاوزة ما حد الله في دينكم ومجاوزة ما فرض الله عليكم في أنفسكم وفي غيركم. وقد قال رسول الله ﷺ :« » انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً «، قيل : يا رسول الله هذا نصرته مظلوماً فكيف أنصره إذا كان ظالماً؟ قال :» تحجزه وتمنعه من الظلم فذاك نصره «، وقال أحمد عن يحيى بن وثاب - رجل من أصحاب النبي ﷺ - قال :» المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أعظم أجراً من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم « وقال رسول الله ﷺ :» الدال على الخير كفاعله « وفي الصحيح :» من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه إلى يوم القيامة لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه إلى يوم القيامة لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً «.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى