التفسير البسيط — الواحدي
عن الكتاببسم الله الرحمن الرحيم
ربّ اعصمني من الزلل (١)سورة المائدة
بسم الله الرحمن الرحيم
١ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾.العقد في اللغة معناه الجمع بين الشيئين بما يعسر انفصال أحدهما عن الآخر، كعقدة الحبل بالحبل، ثم يسمى العهد وما يؤكده الناس بينهم الأمانات والمواثيق عقدًا لإحكامه (٢).
قال أبو إسحاق: والعقود أوكد العهود، يقال: عقد فلان اليمين، إذا وَكّدها (٣).
واختلفوا في معنى العقود ههنا: فقال ابن عباس في رواية عطاء (٤)،
(١) الظاهر أن البسملة والدعاء هنا لابتداء هذا الجزء (نسخة ج) وقد صدر بـ: "الجزء الثالث من البسيط في التفسير -تأليف أبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي -رحمه الله- فيه: سورة المائدة والأنعام والأعراف سبعة أحزاب" في جامعة الإمام تحت رقم ٥١٠٥/ ف له صورة ميكروفيلم.
(٢) انظر: الطبري في "تفسيره" ٦/ ٤٦ - ٤٧، و"تهذيب اللغة" ١/ ٢٥١١، و"الصحاح" ٢/ ٥١٠ (عقد)، و"التعريفات" ص ١٥٣.
(٣) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ١٣٩.
(٤) ثبت ذلك من طريق علي بن أبي طلحة كما في "تفسير ابن عباس" ص ١٦٥، وأخرجه الطبري في "تفسيره" ٦/ ٤٧
(٢) انظر: الطبري في "تفسيره" ٦/ ٤٦ - ٤٧، و"تهذيب اللغة" ١/ ٢٥١١، و"الصحاح" ٢/ ٥١٠ (عقد)، و"التعريفات" ص ١٥٣.
(٣) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ١٣٩.
(٤) ثبت ذلك من طريق علي بن أبي طلحة كما في "تفسير ابن عباس" ص ١٦٥، وأخرجه الطبري في "تفسيره" ٦/ ٤٧
ومجاهد والربيع والضحاك والسدي: هي العهود (١).
قال ابن عباس: العقود: ما أحل الله، وما حرم الله، وما فرض الله، وما حدّ في القرآن كله (٢).
فعلى هذا العقود جمع العقد بمعنى المَعْقُود، وهو الذي أحكم، وما فرضه الله علينا فقد أحكم ذلك ولا سبيل إلى نَقْضِه بِحَال. وهذا رواية أبي الجوزاء (٣) عن ابن عباس (٤).
وقال الكلبي: يقول: أتموا الفرائض ما افترض الله على العباد مما أحل لهم وحرم عليهم، والعهود التي بينكم وبين الناس (٥).
والعهود تسمى عقودًا؛ لأنك تقول: عهدت إلى فلان كذا وكذا، تأويله ألزمته، كذا (٦) باستيثاق كما يعقد الشيء (٧).
والعقود التي بين الناس على ضربين: لازمة، وجائزة.
واللازمة كالنكاح والبيع والإجارة (٨)، فهذه يجب الوفاء بها على
قال ابن عباس: العقود: ما أحل الله، وما حرم الله، وما فرض الله، وما حدّ في القرآن كله (٢).
فعلى هذا العقود جمع العقد بمعنى المَعْقُود، وهو الذي أحكم، وما فرضه الله علينا فقد أحكم ذلك ولا سبيل إلى نَقْضِه بِحَال. وهذا رواية أبي الجوزاء (٣) عن ابن عباس (٤).
وقال الكلبي: يقول: أتموا الفرائض ما افترض الله على العباد مما أحل لهم وحرم عليهم، والعهود التي بينكم وبين الناس (٥).
والعهود تسمى عقودًا؛ لأنك تقول: عهدت إلى فلان كذا وكذا، تأويله ألزمته، كذا (٦) باستيثاق كما يعقد الشيء (٧).
والعقود التي بين الناس على ضربين: لازمة، وجائزة.
واللازمة كالنكاح والبيع والإجارة (٨)، فهذه يجب الوفاء بها على
(١) أخرج الآثار عنهم الطبري في "تفسيره" ٦/ ٤٧.
(٢) "تفسير ابن عباس" ص ١٦٥، وأخرجه الطبري في "تفسيره" ٦/ ٤٨.
(٣) هو أوْس بن عبد الله الربعي البصري، تابعي ثقة، يرسل كثيراً، وحديثه عند الجماعة، مات -رحمه الله- سنة ٨٣ هـ.
انظر: "ميزان الاعتدال" ١/ ٢٧٨، و"سير أعلام النبلاء" ٤/ ٣٧١، و"التقريب" ص ١١٦ رقم (٥٧٧).
(٤) ذكره المؤلف في "الوسيط" ٣/ ٧٨٦ دون نسبة ولم أقف عليه.
(٥) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ١٠٦.
(٦) في (ش): (ذلك).
(٧) انظر: "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٦٠٧ (عهد).
(٨) انظر: الطبري في "تفسيره" ٦/ ٤٨ - ٤٩.
(٢) "تفسير ابن عباس" ص ١٦٥، وأخرجه الطبري في "تفسيره" ٦/ ٤٨.
(٣) هو أوْس بن عبد الله الربعي البصري، تابعي ثقة، يرسل كثيراً، وحديثه عند الجماعة، مات -رحمه الله- سنة ٨٣ هـ.
انظر: "ميزان الاعتدال" ١/ ٢٧٨، و"سير أعلام النبلاء" ٤/ ٣٧١، و"التقريب" ص ١١٦ رقم (٥٧٧).
(٤) ذكره المؤلف في "الوسيط" ٣/ ٧٨٦ دون نسبة ولم أقف عليه.
(٥) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ١٠٦.
(٦) في (ش): (ذلك).
(٧) انظر: "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٦٠٧ (عهد).
(٨) انظر: الطبري في "تفسيره" ٦/ ٤٨ - ٤٩.
معنى القيام بمقتضاها.
وما كان جائزًا: فالعاقد مندوب إلى الوفاء به، ولا يجب، لقوله - ﷺ -: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه" (١).
فأباح له ترك ما حلف عليه بشرط التكفير إذا رأى غير ما حلف عليه خيرًا، ففي الذي له يحلف عليه أولى أن يَجُوز (٢) له تركه.
وقوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾.
الأكثرون على أن هذا ابتداء كلام آخر (٣).
وقال بعضهم: هذا متصل بالكلام الأول، على معنى: أوفوا بعقود من عاهدتم وتعففوا عن أموالهم بما أحل لكم من بهيمة الأنعام (٤).
والبهيمة اسم لكل ذي أربع من ذوات البَرّ والبَحر (٥).
قال ابن الأنباري: البهيمة معناها في اللغة: المُبهَمَة عن العقل والتمييز (٦).
وقال أبو إسحاق نحو هذا، فقال: كل حي لا يُمَيِّز فهو بهيمة، وإنما
وما كان جائزًا: فالعاقد مندوب إلى الوفاء به، ولا يجب، لقوله - ﷺ -: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه" (١).
فأباح له ترك ما حلف عليه بشرط التكفير إذا رأى غير ما حلف عليه خيرًا، ففي الذي له يحلف عليه أولى أن يَجُوز (٢) له تركه.
وقوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾.
الأكثرون على أن هذا ابتداء كلام آخر (٣).
وقال بعضهم: هذا متصل بالكلام الأول، على معنى: أوفوا بعقود من عاهدتم وتعففوا عن أموالهم بما أحل لكم من بهيمة الأنعام (٤).
والبهيمة اسم لكل ذي أربع من ذوات البَرّ والبَحر (٥).
قال ابن الأنباري: البهيمة معناها في اللغة: المُبهَمَة عن العقل والتمييز (٦).
وقال أبو إسحاق نحو هذا، فقال: كل حي لا يُمَيِّز فهو بهيمة، وإنما
(١) أخرجه البخاري بنحوه (٦٦٢٢) كتاب: الأيمان والنذور، باب: قول الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ ومسلم بلفظه (١٦٥٠) كتاب الأيمان، باب: ندب من حلف يمينًا فرأى غيرها خيرًا منها.
(٢) في (ش): (يكون)، والمعنى واحد.
(٣) انظر: "بحر العلوم" ١/ ٤١٢، و"الكشاف" ١/ ٣٢٠.
(٤) لم أقف عليه.
(٥) "تهذيب اللغة" ١/ ٤٠٩ (بهم)، وانظر: "الدر المصون" ٤/ ١٧٧، والقرطبي في "تفسيره" ٦/ ٣٤.
(٦) لم أقف عليه.
(٢) في (ش): (يكون)، والمعنى واحد.
(٣) انظر: "بحر العلوم" ١/ ٤١٢، و"الكشاف" ١/ ٣٢٠.
(٤) لم أقف عليه.
(٥) "تهذيب اللغة" ١/ ٤٠٩ (بهم)، وانظر: "الدر المصون" ٤/ ١٧٧، والقرطبي في "تفسيره" ٦/ ٣٤.
(٦) لم أقف عليه.
قيل له بهيمة لأنه أبهم عن أن يميز (١).
والأنعام جمع النَّعَم، وهي الإبل والبقر والغنم وأجناسها، في قول جميع أهل اللغة والتأويل (٢)، ولا يدخل فيها الحافر (٣)؛ لأنه (أخذ (٤) من نَعمة الوطء (٥).
واختلفوا في المَعْنِي بـ (بهيمة الأنعام)، فقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد الضأن والمعز والإبل والبقر (٦).
وهذا قول الحسن وقتادة والربيع والضحاك والسدي، قالوا: هي الأنعام كلها (٧).
وعلى هذا القول قال ابن الأنباري: إنما أضاف البهيمة إلى الأنعام على جهة التوكيد والإطناب في المعنى، ولو قال: أحلت لكم الأنعام لم يسقط بسقوط البهيمة إلا زيادة التوكيد، وهذا كما يقال: نفس الإنسان (٨).
والأنعام جمع النَّعَم، وهي الإبل والبقر والغنم وأجناسها، في قول جميع أهل اللغة والتأويل (٢)، ولا يدخل فيها الحافر (٣)؛ لأنه (أخذ (٤) من نَعمة الوطء (٥).
واختلفوا في المَعْنِي بـ (بهيمة الأنعام)، فقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد الضأن والمعز والإبل والبقر (٦).
وهذا قول الحسن وقتادة والربيع والضحاك والسدي، قالوا: هي الأنعام كلها (٧).
وعلى هذا القول قال ابن الأنباري: إنما أضاف البهيمة إلى الأنعام على جهة التوكيد والإطناب في المعنى، ولو قال: أحلت لكم الأنعام لم يسقط بسقوط البهيمة إلا زيادة التوكيد، وهذا كما يقال: نفس الإنسان (٨).
(١) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ١٤١.
(٢) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص ١٣٩، والطبري في "تفسيره" ٦/ ٥١، و"معاني القرآن" للنحاس ٢/ ٢٤٨، "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٦١٦ - ٣٦١٧ (نعم)، و"بحر العلوم" ١/ ٤١٢.
وابن قتيبة والسمرقندي زادا (الوحوش)، وهو غريب.
(٣) انظر: الطبري في "تفسيره" ٦/ ٥١.
(٤) زيادة في (ش).
(٥) نَعمة الوطء، بفتح النون، ولعل المراد تشبيه غير ذات الحافر بمن يمشي حافيا من قولهم: تنعم الرجل: إذا مشى حافيًا.
انظر: "اللسان" ٦/ ٤٤٨٤ (نعم).
(٦) لم أقف عليه.
(٧) انظر: "معاني القرآن" للنحاس ٢/ ٢٤٨، و"زاد المسير" ٢/ ٢٦٨، والقرطبي في "تفسيره" ٦/ ٣٤.
(٨) لم أقف عليه.
(٢) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص ١٣٩، والطبري في "تفسيره" ٦/ ٥١، و"معاني القرآن" للنحاس ٢/ ٢٤٨، "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٦١٦ - ٣٦١٧ (نعم)، و"بحر العلوم" ١/ ٤١٢.
وابن قتيبة والسمرقندي زادا (الوحوش)، وهو غريب.
(٣) انظر: الطبري في "تفسيره" ٦/ ٥١.
(٤) زيادة في (ش).
(٥) نَعمة الوطء، بفتح النون، ولعل المراد تشبيه غير ذات الحافر بمن يمشي حافيا من قولهم: تنعم الرجل: إذا مشى حافيًا.
انظر: "اللسان" ٦/ ٤٤٨٤ (نعم).
(٦) لم أقف عليه.
(٧) انظر: "معاني القرآن" للنحاس ٢/ ٢٤٨، و"زاد المسير" ٢/ ٢٦٨، والقرطبي في "تفسيره" ٦/ ٣٤.
(٨) لم أقف عليه.
وقال الكلبي: بهيمة الأنعام وحشيها (١) كالظِّباء وبقر الوحش وحمر الوحش (٢).
وهو اختيار الفراء (٣)، والزجاج (٤).
وعلى هذا القول قال أبو بكر: أضاف البهيمة إلى الأنعام؛ لأنه (٥) لو أفردها فقال: البهيمة، أو البهائم وقعت على الأنعام وعلى غيرها مما حظر وحرم، فأضافها إلى الأنعام ليعرف جنس البهيمة.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾.
أي: إلا ما يُقرأ عليكم في القرآن مما حرم عليكم، وهو قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣]. قاله ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة والسدي (٦).
وقوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾.
انتصب (غيرَ) على الحال من قوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ﴾ (٧) كما تقول: أحل لكم الطعام غير مفسدين فيه.
وهو اختيار الفراء (٣)، والزجاج (٤).
وعلى هذا القول قال أبو بكر: أضاف البهيمة إلى الأنعام؛ لأنه (٥) لو أفردها فقال: البهيمة، أو البهائم وقعت على الأنعام وعلى غيرها مما حظر وحرم، فأضافها إلى الأنعام ليعرف جنس البهيمة.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾.
أي: إلا ما يُقرأ عليكم في القرآن مما حرم عليكم، وهو قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣]. قاله ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة والسدي (٦).
وقوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾.
انتصب (غيرَ) على الحال من قوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ﴾ (٧) كما تقول: أحل لكم الطعام غير مفسدين فيه.
(١) في (ج): (وحشها) بدون ياء.
(٢) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ١٠٦.
(٣) "معاني القرآن" ١/ ٢٩٨.
(٤) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ١٤٠.
(٥) في (ج): (لأنها).
(٦) "تفسير ابن عباس" ص ١٦٦، وأخرج الآثار عن الجميع إلا الحسن والطبري في "تفسيره" ٩/ ٤٥٨.
وانظر: "تفسير الهواري" ١/ ٤٤٣ ن "زاد المسير" ٢/ ٢٦٩.
(٧) انظر: "مشكل إعراب القرآن" ١/ ٢١٧، و"الكشاف" ١/ ٣٢٠، و"الدر المصون" ٤/ ١٧٨.
(٢) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ١٠٦.
(٣) "معاني القرآن" ١/ ٢٩٨.
(٤) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ١٤٠.
(٥) في (ج): (لأنها).
(٦) "تفسير ابن عباس" ص ١٦٦، وأخرج الآثار عن الجميع إلا الحسن والطبري في "تفسيره" ٩/ ٤٥٨.
وانظر: "تفسير الهواري" ١/ ٤٤٣ ن "زاد المسير" ٢/ ٢٦٩.
(٧) انظر: "مشكل إعراب القرآن" ١/ ٢١٧، و"الكشاف" ١/ ٣٢٠، و"الدر المصون" ٤/ ١٧٨.