التفسير المظهري — المظهري
عن الكتاب
﴿يأيها الذين أمنوا أوفوا بالعقود﴾ العقد : العهد الموثق وأصله الجمع بين الشيئين بحيث يعسر الانفصال، قال الزجاج : هو أوكد العهود والوفاء والإيفاء القيام بمقتضى العهد وفي الإيفاء مبالغة ليس في الوفاء كذا قال التفتازاني، والحكم عام يشتمل العقود التي عقدها الله على عباده عامة من يوم الميثاق إلى يومنا هذا من التكاليف وتحليل حلاله وتحريم حرامه، وما أخد الله ميثاق الذين أتوا الكتب في الإيمان بمجمع صلى الله عليه وآله وسلم وبيان نعته وما يعد الناس بينهم من عقود الأمانات والمعاملات ونحوها مما يجب الوفاء به، وفد ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسلم من آيات المنافق ( إذا عاهد غدر )(١)متفق عليه من حديث عبد الله بن عمر، وكما كان مما عقد الله سبحانه تحليل حلاله وتحريم حرامه عقبه بقوله عز وجل ﴿أحلت لكم بهيمة الأنعام﴾ والبهيمة : كل حي لا يميز، والأنعام ذات القوائم الأربع، وقيل : البهيمة ذات أربع قوائم والأنعام الإبل والبقر والغنم والإضافة على التقديرين إضافة العام المطلق إلى الخاص، وهذه عند النحويين بمعنى اللام وإنما جعلوا الإضافة بمعنى من إذا كان المضاف إليه جنس المضاف وفسروا الجنس بما يكون بينه وبين المضاف عموم من وجه نحو خاتم فضة، وكلام البيضاوي والكشاف يشعر أن هذه الإضافة بمعنى من والله أعلم، ومقتضى هذين التأويلين أنه تعالى : أراد تحليل ما حرم أهل الجاهلية على أنفسهم من الأنعام كالبحيرة والسائبة، وقال الكلبي : بهيمة الأنعام وحشيتها كالظباء وبقر الوحش ونحوهما مما يماثل الأنعام في اجترار العلف من الكرش إلى الفم وعدم الأنياب والإضافة حينئذ إلى الأنعام لملابسة الشبه من قبيل لجين الماء، قال البغوي وروى أبو ظبيان عن ابن عباس قال : بهيمة الأنعام الأجنة ومثله عن الشعبي فالآية على هذا التأويل يدل على حل أكل الجنين إذا خرج ميتا بعد ذكاة أمه وقد تم خلقه وبه قال الشافعي وأحمد وأبو يوسف ومحمد وشرط مالك الإشعار، قال البغوي قال ابن عمر : ذكاة ما في بطنها في ذكاتها إذا تم خلقه ونبت شعره ومثله عن سعيد بن المسيب، وقال أبو حنيفة : لا يحل أكل الجنين من غير ذبح مستقل أشعر أولم أشعر. احتج الشافعي ومن معه بحديث أبي سعيد الخدري قال : قلنا يا رسول الله نخر الناقة ونذبح البقرة والشاة فنجد في بطنها الجنين أنلقه أم نأكله ؟ فقال ( كلوه إن شئتم فإن ذكاته ذكاة أمه )(٢)رواه أحمد وأبو داود وعن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( ذكاة الجنين ذكاة أباه )(٣)رواه أبو والدرامي، وروى الدارقطني عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال ( في الجنين ذكاة أمة أشعر أو لم يشعر ) قال الدارقطني : الصواب أنه من قول ابن عمر، وقال الشافعي ومن معه أن الجنين جزء من الأمر حقيقة لأنه متصل بها حتى يفصل بالمقراض وقد يتغذى بغدائها ويتنفس بنفسها، فإذا كان جزء منها فالجرح في الأمر ذكاة له عند العجز عن ذكاته كالصيد، وقال أبو حنيفة رحمه الله : الجنين مستقل في الحياة يتصور حياته بعد موتها وهو حيوان دموي وما هو المقصود من الذكاة وهو الميز بين الدم واللحم ولا يحصل بجرح الأم فيه إذ هو ليس بسبب لخروج الدم من الجنين أصلا، بخلاف الجرح في الصيد لأنه سبب لخروج الدم ناقصا فيقام مقام الكامل عند التعذر وإذا لم يحصل الميز فالجنين ميتة وقد ثبت حرمة الميتة بدليل قطعي من الكتاب فلا يثبت حله بحديث الآحاد وتأويل بهيمة الأنعام في هذه الآية بالجنين غير ظاهر ولا يلائمه الاستثناء بقوله تعالى ﴿إلا ما يتلى عليكم﴾ المراد بالموصول الميتة وما أهل لغير الله به وما ذبح على النصب والمنخنقة والموقودة والنطحية وما أكل السبع، وهذه الأشياء كانت داخلة في بهيمة الأنعام والتحريم لما عرض من الموت حتف أنف ونحو ذلك من العوارض فالإسثتناء متصل، وقيل المراد بهيمة الأنعام المذكورة والاستثناء منقطع، وإسناد التلاوة إلى الميتة وأخواتها مجازي أو بتقدير المضاف أي : يتلى عليكم آية تحريمه فالمجاز في الظرف، وجاز أن يراد بالموصول الآية ويقدر المضاف على الموصول يعني إلا محرم ما يتلى عليكم ﴿غير محلي الصيد﴾ الصيد يحتمل المصدر والمفعول، وغير حال من الضمير في لكم بهيمة الأنعام حال كونكم غير معتقدين حل الصيد في حالة الإحرام، ولما كان تقييد إحلال الأنعام بحال عدم اعتقال حل الصيد كأنه قال أحلت لكم بعض الأنعام في حال امتناعكم عن الصيد بل هي حلال في جميع الأحوال فهذا التقييد إنما يصح لو جعل بهيمة الأنعام ما يعم الوحشي والأهلي، وهو التأويل الأول أو يخص بالوحشي وهو التأويل الثالث فجعل حل الصيد مقيدا بحالة عدم الإحرام والتقدير أحلت لكم بهيمة الأنعام كلها وحشيا كان أو أهليا إلا ما يتلى عليكم من الميتة وأخواتها حال كونكم غير معتقدين حل الصيد في الإحرام، يعني ما أحلت لكم الصيد في الإحرام حتى تعتقدوا حلها، وجاز أن يكون فاعل غير محلي الصيد الشارع جل وعلا، الجمع للتعظيم كأنه قال : أحللنا لكم بهيمة الأنعام حال كوننا غير محلي الصيد لكم ﴿و أنتم حرم﴾ الحرام جمع حرام، والجملة حال من المستكن في محلي الصيد إن كان المستكن ضمير المخاطبين، وكذا إن كان المستكن فيه ضمير الشارع المتكلم ويكفي للجملة الحالية الواو، ولا يجب الضمير أو الضمير المحذوف أعنى لكم على تقدير كون المستكن ضمير الشارع فقط ﴿إن الله يحكم ما يريد﴾ في التحليل والتحريم وغير ذلك لاعتراض عليه،
١ أخرجه البخاري في كتابه الإيمان، باب: علامة المنافق(٣٤) وأخرجه مسلم في كتاب الإيمان: باب: بيان خصال المنافق (٥٨).
٢ أخرجه أبو ذاوذ في كتاب: الضحايا، باب: ما جاء في ذكاة الجنين(٢٨٢٤).
٣ أخرجه أبو داود في كتاب: الضحايا، باب: ماجاء في الذكاة الجنين (٢٨٢٥)
و أخرجه الترمذي في كتاب: الصيد، باب: ما جاء في ذكاة الجنين (١٤٧٨).
٢ أخرجه أبو ذاوذ في كتاب: الضحايا، باب: ما جاء في ذكاة الجنين(٢٨٢٤).
٣ أخرجه أبو داود في كتاب: الضحايا، باب: ماجاء في الذكاة الجنين (٢٨٢٥)
و أخرجه الترمذي في كتاب: الصيد، باب: ما جاء في ذكاة الجنين (١٤٧٨).