فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
هذه الآيات متضمنة للبيان من الله سبحانه، بأن أسلاف اليهود الموجودين في عصر محمد ﷺ تمرّدوا على موسى، وعصوه، كما تمرّد هؤلاء على نبينا ﷺ وعصوه، وفي ذلك تسلية له ﷺ. وروي عن عبد الله بن كثير أنه قرأ «يا قوم اذكروا » بضم الميم، وكذا قرأ فيما أشبهه، وتقديره : يا أيها القوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء : أي وقت هذا الجعل، وإيقاع الذكر على الوقت مع كون المقصود ما وقع فيه من الحوادث للمبالغة ؛ لأن الأمر بذكر الوقت أمر بذكر ما وقع فيه بطريق الأولى، وامتنّ عليهم سبحانه بجعل الأنبياء فيهم مع كونه قد جعل أنبياء من غيرهم، لكثرة من بعثه من الأنبياء منهم قوله :﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً﴾ أي : وجعل منكم ملوكاً، وإنما حذف حرف الجرّ لظهور أن معنى الكلام على تقديره، ويمكن أن يقال : إن منصب النبوّة لما كان لعظم قدره وجلالة خطره بحيث لا ينسب إلى غير من هو له قال فيه :﴿إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاء﴾ ولما كان منصب الملك مما يجوز نسبته إلى غير من قال به، كما تقول قرابة الملك : نحن الملوك، قال فيه ﴿وَجَعَلَكُمْ ملُوكاً﴾ وقيل المراد بالملك : أنهم ملكوا أمرهم بعد أن كانوا مملوكين لفرعون، فهم جميعاً ملوك بهذا المعنى. وقيل معناه : أنه جعلهم ذوي منازل لا يدخل عليهم غيرهم إلا بإذن ؛ وقيل غير ذلك. والظاهر أن المراد من الآية الملك الحقيقي، ولو كان بمعنى آخر لما كان للامتنان به كثير معنى. فإن قلت : قد جعل غيرهم ملوكاً كما جعلهم. قلت : قد كثر الملوك فيهم كما كثر الأنبياء، فهذا وجه الامتنان. قوله :﴿وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِن العالمين﴾ أي : من المنّ والسلوى، والحجر والغمام، وكثرة الأنبياء، وكثرة الملوك، وغير ذلك. والمراد عالمي زمانهم. وقيل إن الخطاب ها هنا لأمة محمد ﷺ، وهو عدول عن الظاهر لغير موجب، والصواب ما ذهب إليه جمهور المفسرين، من أنه من كلام موسى لقومه، وخاطبهم بهذا الخطاب توطئة وتمهيداً لما بعده من أمره لهم بدخول الأرض المقدّسة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة في قوله :﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً﴾ قال : ملكهم الخدم، وكانوا أوّل من ملك الخدم. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال : كان الرجل من بني إسرائيل، إذا كانت له الزوجة والخادم والدار سمي ملكاً. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير عنه في الآية قال : الزوجة والخادم والبيت. وأخرج الفريابي، وابن جرير وابن المنذر، والحاكم وصححه، والبيهقي في شعب الإيمان، عنه أيضاً في قوله :﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً﴾ قال : المرأة والخدم ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِن العالمين﴾ قال : الذين هم بين ظهرانيهم يومئذ. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ قال :«كان بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم خادم ودابة وامرأة كتب ملكاً» وأخرج ابن جرير، والزبير بن بكار في الموقفيات، عن زيد بن أسلم قال : قال رسول الله :«من كان له بيت وخادم فهو ملك» وأخرج أبو داود في مراسيله عن زيد بن أسلم في الآية قال : قال رسول الله ﷺ :«زوجة ومسكن وخادم» وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنه سأله رجل : ألسنا من فقراء المهاجرين ؟ قال :«ألك امرأة تأوي إليها ؟» قال نعم، قال :«ألك مسكن تسكنه ؟» قال نعم، قال :«فأنت من الأغنياء»، قال : إن لي خادماً، قال :«فأنت من الملوك» وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد في قوله :﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً﴾ قال : جعل لهم أزواجاً وخدماً وبيوتاً ﴿وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن العالمين﴾ قال : المنّ والسلوى، والحجر والغمام. وأخرج ابن جرير من طريق مجاهد عن ابن عباس في الآية قال : المن والسلوى والحجر والغمام، وقد ثبت في الحديث الصحيح :«من أصبح منكم معافى في جسده آمناً في سربه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها»
وأخرج ابن جرير عنه في قوله :﴿ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ﴾ قال : الطور وما حوله. وأخرج عنه أيضاً قال : هي أريحاء. وأخرج ابن عساكر عن معاذ بن جبل قال : هي ما بين العريش إلى الفرات. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد عن قتادة قال : هي الشام. وأخرج ابن جرير عن السدّي في قوله :﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قال : التي أمركم الله بها. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في الآية قال : أمر القوم بها كما أمرنا بالصلاة والزكاة والحجّ والعمرة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس : أمر موسى أن يدخل مدينة الجبارين، فسار بمن معه حتى نزل قريباً من المدينة وهي أريحاء، فبعث إليهم اثني عشر عيناً من كل سبط منهم عين، ليأتوه بخبر القوم، فدخلوا المدينة فرأوا أمرا عظيماً من هيئتهم وجسمهم وعظمهم، فدخلوا حائطاً لبعضهم فجاء صاحب الحائط ؛ ليجتني الثمار من حائطه، فجعل يجتني الثمار فنظر إلى آثارهم فتتبعهم، فكلما أصاب واحداً منهم أخذه فجعله في كمه مع الفاكهة، حتى التقط الإثني عشر كلهم فجعلهم في كمه مع الفاكهة، وذهب إلى ملكهم فنثرهم بين يديه فقال الملك : قد رأيتم شأننا وأمرنا اذهبوا فأخبروا صاحبكم، قال : فرجعوا إلى موسى فأخبروه بما عاينوا من أمرهم، فقال : اكتموا عنا، فجعل الرجل يخبر أباه وصديقه ويقول : اكتم عني، فأشيع ذلك في عسكرهم، ولم يكتم منهم إلا رجلان يوشع بن نون وكالب بن يوفنا، وهما اللذان أنزل الله فيهما ﴿قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الذين يَخَافُونَ﴾ وقد روي نحو هذا مما يتضمن المبالغة في وصف هؤلاء وعظم أجسامهم، ولا فائدة في بسط ذلك فغالبه من أكاذيب القصاص، كما قدّمنا. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله :﴿فافرق﴾ يقول : اقض. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عنه يقول : افصل بيننا وبينهم.
وأخرج ابن جرير، عن قتادة في قوله :﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَة عَلَيْهِمْ﴾ قال : أبداً، وفي قوله :﴿يَتِيهُونَ في الأرض﴾ قال : أربعين سنة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : تاهوا أربعين سنة، فهلك موسى وهارون في التيه، وكل من جاوز الأربعين سنة، فلما مضت الأربعون سنة ناهضهم يوشع ابن نون، وهو الذي قام بالأمر بعد موسى، وهو الذي افتتحها، وهو الذي قيل له اليوم يوم جمعة، فهموا بافتتاحها فدنت الشمس للغروب، فخشي إن دخلت ليلة السبت أن يسبتوا، فنادى الشمس إني مأمور وأنت مأمورة فوقفت حتى افتتحها، فوجد فيها من الأموال ما لم ير مثله قط، فقرّبوه إلى النار فلم تأت، فقال : فيكم الغلول، فدعا رؤوس الأسباط وهم اثنا عشر رجلاً، فبايعهم والتصقت يد رجل منهم بيده، فقال : الغلول عندك فأخرجه، فأخرج رأس بقرة من ذهب لها عينان من ياقوت وأسنان من لؤلؤ، فوضعه مع القربان فأتت النار فأكلتها. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : خلق لهم في التيه ثياب لا تخلق ولا تدرن.
وأخرج ابن جرير عنه في قوله :﴿ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ﴾ قال : الطور وما حوله. وأخرج عنه أيضاً قال : هي أريحاء. وأخرج ابن عساكر عن معاذ بن جبل قال : هي ما بين العريش إلى الفرات. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد عن قتادة قال : هي الشام. وأخرج ابن جرير عن السدّي في قوله :﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قال : التي أمركم الله بها. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في الآية قال : أمر القوم بها كما أمرنا بالصلاة والزكاة والحجّ والعمرة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس : أمر موسى أن يدخل مدينة الجبارين، فسار بمن معه حتى نزل قريباً من المدينة وهي أريحاء، فبعث إليهم اثني عشر عيناً من كل سبط منهم عين، ليأتوه بخبر القوم، فدخلوا المدينة فرأوا أمرا عظيماً من هيئتهم وجسمهم وعظمهم، فدخلوا حائطاً لبعضهم فجاء صاحب الحائط ؛ ليجتني الثمار من حائطه، فجعل يجتني الثمار فنظر إلى آثارهم فتتبعهم، فكلما أصاب واحداً منهم أخذه فجعله في كمه مع الفاكهة، حتى التقط الإثني عشر كلهم فجعلهم في كمه مع الفاكهة، وذهب إلى ملكهم فنثرهم بين يديه فقال الملك : قد رأيتم شأننا وأمرنا اذهبوا فأخبروا صاحبكم، قال : فرجعوا إلى موسى فأخبروه بما عاينوا من أمرهم، فقال : اكتموا عنا، فجعل الرجل يخبر أباه وصديقه ويقول : اكتم عني، فأشيع ذلك في عسكرهم، ولم يكتم منهم إلا رجلان يوشع بن نون وكالب بن يوفنا، وهما اللذان أنزل الله فيهما ﴿قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الذين يَخَافُونَ﴾ وقد روي نحو هذا مما يتضمن المبالغة في وصف هؤلاء وعظم أجسامهم، ولا فائدة في بسط ذلك فغالبه من أكاذيب القصاص، كما قدّمنا. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله :﴿فافرق﴾ يقول : اقض. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عنه يقول : افصل بيننا وبينهم.
وأخرج ابن جرير، عن قتادة في قوله :﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَة عَلَيْهِمْ﴾ قال : أبداً، وفي قوله :﴿يَتِيهُونَ في الأرض﴾ قال : أربعين سنة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : تاهوا أربعين سنة، فهلك موسى وهارون في التيه، وكل من جاوز الأربعين سنة، فلما مضت الأربعون سنة ناهضهم يوشع ابن نون، وهو الذي قام بالأمر بعد موسى، وهو الذي افتتحها، وهو الذي قيل له اليوم يوم جمعة، فهموا بافتتاحها فدنت الشمس للغروب، فخشي إن دخلت ليلة السبت أن يسبتوا، فنادى الشمس إني مأمور وأنت مأمورة فوقفت حتى افتتحها، فوجد فيها من الأموال ما لم ير مثله قط، فقرّبوه إلى النار فلم تأت، فقال : فيكم الغلول، فدعا رؤوس الأسباط وهم اثنا عشر رجلاً، فبايعهم والتصقت يد رجل منهم بيده، فقال : الغلول عندك فأخرجه، فأخرج رأس بقرة من ذهب لها عينان من ياقوت وأسنان من لؤلؤ، فوضعه مع القربان فأتت النار فأكلتها. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : خلق لهم في التيه ثياب لا تخلق ولا تدرن.