جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿قَالُواْ يا موسى إِنّا لَنْ نّدْخُلَهَآ أَبَداً مّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبّكَ فَقَاتِلآ إِنّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾. .
وهذا خبر من الله جلّ ذكره عن قول الملإ من قوم موسى لموسى، إذ رغبوا في جهاد عدوّهم، ووعدوا نصر الله إياهم، إن هم ناهضوهم، ودخلوا عليهم باب مدينتهم أنهم قالوا له : إنّا لَنْ نَدْخُلَها أبَدا يعنون : إنا لن ندخل مدينتهم أبدا. والهاء والألف في قوله : إنّا لَنْ نَدْخُلَها من ذكر المدينة. ويعنون بقولهم : أبدا : أيام حياتنا ما داموا فيها، يعني : ما كان الجبارون مقيمين في تلك المدينة التي كتبها الله لهم وأُمروا بدخولها. فاذْهَبْ أنْتَ وَرَبّكَ فَقاتِلا إنّا هَهُنا قاعِدُونَ لا نجيء معك يا موسى إن ذهبت إليهم لقتالهم، ولكن نتركك تذهب أنت وحدك وربك فتقاتلانهم.
وكان بعضهم يقول في ذلك : ليس معنى الكلام : اذهب أنت وليذهب معك ربك فقاتلا، ولكن معناه : اذهب أنت يا موسى، وليُعِنْك ربك، وذلك أن الله لا يجوز عليه الذهاب. وهذا إنما كان يحتاج إلى طلب المخرج له لو كان الخبر عن قوم مؤمنين، فأما قوم أهل خلاف على الله عزّ ذكره وسوله، فلا وجه لطلب المخرج لكلامهم فيما قالوا في الله عزّ وجلّ وافترَوا عليه إلا بما يشبه كفرهم وضلالتهم. وقد ذكر عن المقداد أنه قال لرسول الله ﷺ خلاف ما قال قوم موسى لموسى.
حدثنا سفيان بن وكيع، قال : حدثنا أبي، وحدثنا هناد، قال : حدثنا وكيع، عن سفيان، عن مخارق، عن طارق : أن المقداد بن الأسود قال للنبيّ ﷺ : إنا لا نقول كما قالت بنو إسرائيل : اذْهَبْ أنْتَ وَرَبّكَ فَقاتِلا إنّا هَهُنا قاعِدُونَ ولكن نقول : اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا معكم مقاتلون.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قال : ذكر لنا أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه يوم الحديبية، حين صدّ المشركون الهدي وحيل بينهم وبين مناسكهم :«إني ذَاهِبٌ بالهَدْي فَناحِرُهُ عِنْدَ البَيْتِ ». فقال له المقداد بن الأسود : أما والله لا نكون كالملإ من بني إسرائيل، إذ قالوا لنبيهم : اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون، ولكن : اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون فلما سمعها أصحاب النبيّ ﷺ تتابعوا على ذلك.
وكان ابن عباس والضحاك بن مزاحم وجماعة غيرهما يقولون : إنما قالوا هذا القول لموسى عليه السلام حين تبين لهم أمر الجبارين وشدة بطشهم.
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد، قال : حدثنا عبيد بن سلمان، قال : سمعت الضحاك يقول : أمر الله جلّ وعزّ بني إسرائيل أن يسيروا إلى الأرض المقدسة مع نبيهم موسى ﷺ، فلما كانوا قريبا من المدينة قال لهم موسى : ادخلوها فأبوا وجبنوا، وبعثوا اثني عشر نقيبا لينظروا إليهم. فانطلقوا فنظروا، فجاءوا بحبة فاكهة من فاكهتهم بوقر الرجل، فقالوا : قدروا قوّة قوم وبأسهم هذه فاكهتهم فعند ذلك قالوا لموسى : اذْهَبْ أنْتَ وَرَبّكَ فَقاتِلا إنّا هَهُنا قاعِدُونَ.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس نحوه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى