جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿قَالَ رَبّ إِنّي لآ أَمْلِكُ إِلاّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾. .
وهذا خبر من الله جلّ وعزّ عن قيل قوم موسى حين قال له قومه ما قالوا من قولهم : إنّا لَنْ نَدْخُلَها أبَدا ما دَامُوا فِيها فاذْهَبْ أنْتَ وَرَبّكَ فَقاتِلا إنّا هَهُنا قاعِدُونَ أنه قال عند ذلك، وغضب من قيلهم لهم داعيا : يا ربّ إني لا أمْلِكُ إلاّ نَفْسِي وأخِي يعني بذلك : لا أقدر على أحد أن أحمله على ما أحبّ وأريد من طاعتك واتباع أمرك ونهيك، إلا على نفسي وعلى أخي. من قول القائل : ما أملك من الأمر شيئا إلا كذا وكذا، بمعنى : لا أقدر على شيء غيره.
ويعني بقوله : فافْرُقْ بَيْنَنا وبينَ القَوْمِ الفاسِقِينَ افصل بيننا وبينهم بقضاء منك تقضيه فينا وفيهم فتبعدهم منا، من قول القائل : فَرَقت بين هذين الشيئين، بمعنى : فصلت بينهما من قول الراجز :
يا رَبّ فافْرُقْ بَيْنَهُ وَبَيْنيأشَدّ ما فَرَقْتَ بينَ اثنَيْنِ
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : حدثنا عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس : فافْرُقْ بَيْنَنا وبينَ القَوْمِ الفاسِقِينَ يقول : اقض بيني وبينهم.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس : فافْرُقْ بَيْنَنا وبينَ القَوْمِ الفاسِقِينَ يقول : اقض بيننا وبينهم.
حدثني موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو بن حماد، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، قال : غضب موسى ﷺ حين قال له القوم : اذْهَبْ أنْتَ وَرَبّكَ فَقاتِلا إنّا هَهُنا قاعِدُونَ، فدعا عليهم فقال : رَبّ إنّى لا أمْلِكُ إلاّ نَفْسِي وأخِي فافْرُقْ بَيْنَنا وبينَ القَوْمِ الفاسِقِينَ وكانت عجْلة من موسى عجلها.
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ، قال : حدثنا عبيد بن سلمان، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : فافْرُقْ بَيْنَنا وبينَ القَوْمِ الفاسِقِينَ يقول : اقض بيننا وبينهم، وافتح بيننا وبينهم، كل هذا من قول الرجل : اقض بيننا، فقضى الله جلّ ثناؤه بينه وبينهم أن سماهم فاسقين.
وعنى بقوله : الفاسِقِينَ : الخارجين عن الإيمان بالله وبه، إلى الكفر بالله وبه. وقد دللنا على أن معنى الفسق : الخروج من شيء إلى شيء، فيما مضى، بما أغنى عن إعادته.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى