زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة

عن الكتاب
(قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا... (٢٤)
* * *
بعد تلك العبارات القوية المثيرة للهمم والعزائم التي نادى بها من الصفوف رجال منهم أو من أعدائهم، أنعم الله عليهم أجابوا بإجابتهم الأولى، وهي أنهم لن يدخلوا فيها، حتى يخرجوا منها، ولكنهم زادوا على الإجابة الأولى تأكيدا، وتهجما على مقام الله سبحانه وتعالى. أما التأكيد فهو إضافة كلمة " أبدا "، وإذا كانت كلمة " لن " فيها معنى تأكيد النفي فكلمة " أبدا " فيها معنى تأبيد النفي ما داموا على قيد الحياة.
(... فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ) وهذه الكلمة فيها استهانة بأمر الطاعة، واستخفاف بمقام الألوهية والرسالة، وخروج عن معاني الإيمان السليم؛ لأن الله تعالى لَا يعمل أعمال البشر ويقاتل، ولكن ينصر ويخلق والقتال من أعمال العباد، كما يقول رجل لآخر: يأمرك الأمير بالذهاب بالجند والقتال، فيجيبه: قاتل أنت والأمير، ففي ذلك استهزاء بالأمير، وخروج عليه، وفى كل ذلك استخذاء من قوم جبناء؛ ولذلك ختموا كلامهم بالقعود عن القتال والثبات في أماكنهم: (إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ)، وإن هذا الوصف الذي وصفوا به أنفسهم يدل على الخسة؛ لأن القعود غير البروز، والقاعد مخذل، والمجاهد عامل والقعود في وقت وجوب النشاط هذا للعمل الصالح هو وصف ذم، كما قال وصفا لأمثالهم: (... وَقِيلَ اقْعدُوا مَعَ الْقَاعِدينَ). وقال تعالى: (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً...).
ويقول الحُطيئة:
دع المكارم لَا ترحل لبغيتهاواقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي (١)
فهم قد وصفوا أنفسهم بأقبح ما توصف الجماعات الطامحة: ولقد أحس موسى القوي الأمين بالعبء الذي ألقى على هذه الجماعة وتخاذلها عن حمله، فتقدم إلى ربه بالمعذرة يرجو بها المغفرة، فقال ما حكاه الله تعالى عنه:
* * *
________
(١) في البيت أمران يراد منهما التوبيخ، أو التحضيض. ومعنى الطاعم الكاسي: من كفي طعامه وكساءه، فاكتفى ولم يسع للمكارم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى