تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني

عن الكتاب
قوله - تعالى - :( يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ) قال أبو عبيدة : الشعائر الهدايا المشعرة، وهي المعلمة بالإشعار، وكانوا ( ينخسون ) (١) شيئا في سنام البعير حتى يتطلخ بالدم، فذلك إشعار الهدى، وهو سنة، وقال مجاهد : أراد بالشعائر مشاعر الحرم من الصفا والمروة وغيرهما، والمراد به النهي عن القتل في الحرم.
( ولا الشهر الحرام ) قال عكرمة : أراد به : ذا القعدة، وقال غيره : رجب، وقيل : هو عبارة عن جميع الأشهر الحرم، وقوله :( ولا الهدي ولا القلائد ) فالهدي : جمع الهدية، والمراد به : إبل الهدي، وأما القلائد : هي الإبل المقلدة، وكانوا يقلدون إبل الهدي، وقال عطاء : أراد به : أصحاب القلائد، وكانت عادة أهل الحرم أن يقلدوا أنفسهم، وإبلهم بشيء من لحاء شجر الحرم إذا أرادوا الخروج ؛ لكيلا يتعرض لهم ؛ فنهى الشرع عن التعرض لهذه الأشياء.
( ولا آمين البيت الحرام ) أي : ولا تتعرضوا للقاصدين إلى البيت الحرام، وسبب نزول هذا : ما روي :«أن الحطم بن ضبيعة جاء في نفر إلى رسول الله ﷺ بالمدينة، فعرض عليهم الإسلام، فلم يقبلوا وتعللوا وانصرفوا ؛ حتى قال - عليه السلام - فيه : لقد أقبل بوجه كافر وأدبر بقفا غادر.
فذهب واستاق سرح المدينة ؛ فتبعوه فلم يدركوه وهو يستاق الإبل، ويرتجز ويقول :
قد لفها الليل بسواق حطمليس براعي إبل ولا غنم
*** ولا بجزار على ظهر وضم ***
فلما كان بعد فتح مكة، لقيه المسلمون في الموسم حاجا، ومعه إبل معشرة وقلائد ؛ فقصدوه، ولقيه النبي ﷺ فأشار إلى أصحابه، وقال : دونكم الرجل ؛ ليأخذوه ؛ فنزلت الآية »(٢) منعاً للتعرض له ولشعائره وقلائده، قال الشعبي : كان هذا كذلك، ثم نسخ بقوله :( اقتلوا المشركين ) (٣).
وقوله :( يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا ) قال ابن عمر : أراد به فضل التجارة، وقيل : هو الأجر ( وإذا حللتم فاصطادوا ) وهذا أمر إباحة ؛ أباح للحال الاصطياد.
( ولا يجرمنكم شنآن قوم ) قال أبو عبيدة : جرم أي : كسب ويقال : فلان جارم أهله، أي : كاسب أهله، و( أنشد ) (٤)
ولقد طعنت أبا عيينة طعنةجَرَمَتْ فَزَارَةَ بعدها أن يغضبوا
أي : كسبت، وقرأ الأعمش :( ولا يجرمنكم ) بضم الياء، وهو صحيح في العربية، يقال : جرم وأجرم، بمعنى واحد، وقيل : معناه : ولا يحملنكم شنآن قوم، أي : عداوة قوم.
( أن صدوكم ) أي : لأن صدوكم، وقرأ أبو عمرو :" إن صدوكم " على الشرط ومعنى الآية : لا يحملنكم عداوة قوم صدوكم ( عن المسجد الحرام أن تعتدوا ) عليهم.
( وتعاونوا على البر والتقوى ) البر : الصدق، وقيل البر : الاجتناب عن كل منهي. وفيه قول آخر : أن البر الإسلام، والتقوى : السنة.
( ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ) الإثم : الكفر، والعدوان : البدعة، وقيل : الإثم الكفر، والعدوان : الظلم ( واتقوا الله إن الله شديد العقاب ).
١ - في "ك" يتجنبون..
٢ - ذكره الواحدي في أسباب النزول (ص ١٣٩-١٤٠) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما وأخرجه الطبري في التفسير (٦/٣٨-٣٩) عن السدي، و(٦/٣٩) عن عكرمة.
وعزاه السيوطي في الدر (٢/٢٧٩) لابن المنذر عن عكرمة أيضا..

٣ - التوبة: ٥..
٤ - في "ك" وأنشدوا..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى