التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
وبعد أن أشار - سبحانه - إلى ما أحل لعباده من طيبات، وما حظره عليهم من أفعال، أتبع ذلك بنداء آخر إليهم نهاهم فيه عن استحلال أشياء معينة فقال - تعالى - :
﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ...﴾
قوله :﴿لاَ تُحِلُّواْ﴾ من الإِحلال الذي هو ضد التحريم. ومعننى عدم إحلالهم لشعائر الله : تقرير حرمتها عملا واعتقادا، والالتزام بها بالطريقة التي قررتها شريعة الله.
والشعائر : جمع شعيرة - على وزن فعلية - وهي في الأصل ما علت شعاراً على الشيء وعلامة عليه من الإِشعار بمعنى الإعلام. وكل شيء اشتهر فقد علم. يقال : شعرت بكذا.
أي علمته.
والمراد بشعائر الله هنا : حدوده التي حدها، وفرائضه التي فرضها وأحكامه التي أوجبها على عباده.
ويرى بعضهم أن المراد بشعائر الله هنا : مناسك الحج وما حرمه الحج وما حرمه فيه من لبس للثياب في أثناء الإحرام. ومن غير ذلك من الأفعال التي نهى الله عن فعلها في ذلك الوقت فيكون المعنى.
لا تحلوا ما حرم عليكم حال إحرامكم.
والقول الأول أولى لشموله جميع التكاليف التي كلف الله بها عباده. وقد رجحه ابن جرير بقوله : وأولى التأويلات بقوله :﴿لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ الله﴾ قول من قال : لا تحلوا حرمات الله، ولا تضيعوا فرائضه. فيدخل في ذلك مناسك الحج وغير ذلك من حدوده وفرائضه وحلاله وحرامه.
وإنما قلنا ذلك القول أولى، لأن الله نهى عن استحلال شعائره ومعالم حدوده وإحلالها، نهيا عاماً من غير اختصاص شيء من ذلك دون شيء. فلم يجز لأحد أن يوجه معنى ذلك إلى الخصوص إلا بحجة يجب التسليم لها ولا حجة بذلك.
وأضاف - سبحانه - الشعائر إليه. تشريفا لها، وتهويلا للعقوبة التي تترتب على التهاون بحرمتها. وعلى مخالفة ما أمر الله به في شأنها.
وقوله :﴿وَلاَ الشهر الحرام﴾ معطوف على شعائر الله. والمراد به الجنس. فيدخل في ذلك جميع الأشهر الحرم. وهي أربعة : ذو العقدة، وذو الحجة والمحرم، ورجب.
وسمي الشهر حراماً : باعتبار أن إيقاع القتال فيه حرام.
أي : لا تحلوا - أيها المؤمنون - القتال في الشهر الحرام، ولا تبدأوا أعداءكم فيه بقتال.
قال ابن كثير : يعني بقوله :﴿وَلاَ الشهر الحرام﴾ تحريمه، والاعتراف بتعظيمه، وترك ما نهى الله عن تعاطيه فيه، من الابتداء بالقتال كما قال - تعالى :﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشهر الحرام قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ وقال - تعالى - :﴿إِنَّ عِدَّةَ الشهور عِندَ الله اثنا عَشَرَ شَهْراً﴾ وفي صحيح البخاري عن أبي بكرة أن رسول الله ﷺ قال في حجة الوداع : " إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض والسنة اثنا عشر شهراً. منها أربعة حرم " وهذا يدل على استمرار تحريمها إلى آخر وقت. كما هو مذهب طائفة من السلف.
وذهب الجمهور إلى أن ذلك منسوخ. وأنه يجوز ابتداء القتال في الأشهر الحرم.
واحتجوا بقوله - ﴿فَإِذَا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ والمراد أشهر التسيير الأربعة. قالوا : فلم يستثن شهراً حراما من غيره.
والمقصود بالهدى في قوله ﴿وَلاَ الهدي﴾ ما يتقرب به الإِنسان إلى الله من النعم ليذبح في الحرم، وهو جمع هدية - بتسكين الدال -، أي : ولا تحلوا حرمة ما يهدي إلى البيت الحرام من الأنعام تقربا إلى الله - تعالى - بأن تتعرضوا له بنحو غصب وسرقة أو حبس عن بلوغه إلى محله.
وخص ذلك بالذكر مع دخوله في الشعائر، لأن فيه نفعا للناس، لأنه قد يتساهل فيه أكثر من غيره، ولأن في ذكره تعظيما لشأنه.
وقوله :﴿وَلاَ القلائد﴾ جمع قلادة، وهي ما يقلد به الهدى ليعلم أنه مهدى إلى البيت الحرام فلا يتعرض له أحد بسوء. وقد كانوا يضعون في أعناق الهدى ضفائر من صوف، ويربط بعنقها نعلان أو قطعة من لحاء الشجر أو غيرهما ليعلم أنه هدى فلا يعتدى عليه.
والمراد : ولا تحلوا ذوات القلائد من الهدى بأن تتعرضوا لها بسوء.
وخصت بالذكر مع أنها من الهدى تشريفاً لها واعناءً بشأنها. لأن الثواب فيها أكثر، وبهاء الحج بها أظهر. فكأنه قيل : لا تحلوا الهدى وخصوصاً ذوات القلائد منه.
ويجوز أن يراد النهي عن التعرض لنفس القلائد مبالغة في النهي عن التعرض لذواتها أي : لا تتعرضوا لقلائد الهدى فضلا عن ذاته.
وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذين الوجهين بقوله : وأما القلائد ففيها وجهان :
أحدهما : أن يراد بها ذوات القلائد من الهدى وهي البدن. وتعطف على الهدى للاختصاص وزيادة التوصية بها لأنها أشرف الهدى كقوله ﴿وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ كأنه قيل : والقلائد منها خصوصا.
والثاني : أن ينهى عن التعرض لقلائد الهدى مبالغة في النهي عن التعرض للهدى، على معنى : ولا تحلوا قلائدها فضلا عن أن تحلوها. كما قال ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ فنهى عن إبداء الزينة مبالغة في النهي عن إبداء مواقعها.
وقوله :﴿ولا آمِّينَ البيت الحرام يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً﴾ معطوف على قوله :﴿لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ الله﴾.
وقوله :﴿آمِّينَ﴾ جمع آم من الأم وهو القصد المستقيم. يقال : أممت كذا أي : قصدته أي : ولا تحلوا أذى قوم قاصدين زيارة البيت الحرام بأن تصدوهم عن دخوله حال كونهم يطلبون من ربهم ثواباً. ورضواناً لتعبدهم في بيته المحرم.
ولكن ما المراد بهؤلاء الآمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضواناً ؟
قال بعضهم : المراد بهم المسلمون الذين يقصدون بيت الله للحج والزيارة. فلا يجوز لأحد أن يمنعهم من ذلك بسبب نزاع أو خصام لأن بيت الله - تعالى - مفتوح للجميع وعلى هذا يكون التعرض لعنوان الربوبية مع الإِضافة إلى ضميرهم في قوله ﴿مِّن رَّبِّهِمْ﴾ للتشريف والتكريم.
وجملة ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً﴾ حال من الضمير المستكن في قوله ﴿آمِّينَ﴾ وقد جيء بها لبيان مقصدهم الشريف، ومسعاهم الجليل.
أي : قصدوا البيت الحرام يبتغون رزقا أو ثواباً من ربهم، ويبتغون ما هو أكبر من كل ذلك وهو رضاه - سبحانه - عنهم.
وعلى هذا الاقول تكون الآية الكريمة محكمة ولا نسخ فيها، وتكون توجيهاً عاماً من الله - تعالى - لعباده بعدم التعرض بأذى لمن يقصد زيارة المسجد الحرام من إخوانهم المؤمنين، مهما حدث بينهم من نزاع أو خلاف.
وقال آخرون : المراد بهم المشركون. واستدلوا بما رواه ابن جرير عن السدي من أن الآية نزلت في رجل من بني ربيعة يقال له الحطين بن هند، وذلك نه أتى إلى النبي ﷺ فسأله إلام تدعو ؟ فقال له النبي ﷺ : ادعوا إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فقال له : حسن ما تدعو إليه إلا أن لي أمراء لا أقطع أمراً دونهم، ولعلي أسلم وآتي بهم. فلما خرج مر بسرح من سرح المدينة فساقه وانطلق به.
ثم أقبل من العام القادم جارحاً ومعه تجارة عظيمة. فسأل المسلمون النبي ﷺ أن يأذن لهم في التعرض له. فأبى النبي ﷺ ثم نزلت الآية.
وعلى هذا القول يفسر ابتغاء الفضل بمطلق الرزق عن طريق التجارة. وابتغاء الرضوان بأنهم كانوا يزعمون أنهم على سداد من دينهم، وأن الحج يقربهم من الله، فوصفهم - سبحانه - على حسب ظنهم وزعمهم. ثم نسخ ذلك بقوله - تعالى - ﴿إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ المسجد الحرام بَعْدَ عَامِهِمْ هذا﴾ وعليه يكون ابتغاء الفضل والرضوان عاما الدنيوي والأخروي ولو في زعم المشركين.
والذي نراه أولى هو القول الأول، لأن الآية الكريمة مسوقة لبيان ما يجب على المؤمنين أن يفعلوه نحو شعائر الله التي هي حدوده وفرائضه ومعالم دينه، ولأن قوله - تعالى - :﴿يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً﴾ هذا الوصف إنما يليق بالمسلم دون الكافر، إذ المسلمون وحدهم الذين يقصدون بحجهم وزيارتهم لبيت الله الثواب والرضوان منه - سبحانه -.
قال الفخر الرازي : " أمرنا الله في هذه الآية أن لا نخيف من يقصد بيته من المسلمين، وحرم علينا أخذا الهدى من المهدين إذا كانوا مسلمين. والدليل عليه أول الآية وآخرها.
أما أول الآية فهو :﴿لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ الله﴾ وشعائر الله إنما تليق بنسك المسلمين وطاعتهم لا بنسك الكفار.
وأما آخر الآية فهو قوله :﴿يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً﴾ وهذا إنما يليق بالمسلم لا بالكافر.
وبذلك نرى الآية الكريمة قد نهت المؤمنين عن استحلال أي شيء من الشعائر التي حرم الله - تعالى - استحلالها، وخصت بالذكر هذه الأمور الأربعة التي عطفت عليها اهتماماً بشأنها وزجرا للنفوس عن انتهاك حرمتها، لأن هذه الأمور الأربعة منها ما ترغب فيه النفوس بدافع شهوة الانتقام، ومنها ما ترغب فيه النفوس بدافع المتعة والميل القلبي، ومنها ما ترغب فيه النفوس بدافع الطمع وحب التملك.
ثم أتبع - سبحانه - هذا النهي ببيان جانب من مظاهر فضله. حيث أباح لهم الصيد بعد الانتهاء من إحرامهم فقال :﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فاصطادوا﴾.
أي : وإذا خرجتم من إحرامكم أبيح لكم الصيد، وأبيح لكم أيضاً كل ما كان مباحاً لكم قبل الإحرام.
وإنما خص الصيد بالذكر، لأنهم كانوا يرغبون فيه كثيراً. كبيرهم وصغيرهم، وغنيهم وفقيرهم. والإِشارة إلى أن الذي ينبغي الحرص عليه هو ما يعد قوتا تندفع به الحاجة فقط لا ما يكون من الكماليات ولا يكون إرضاء للشهوات.
والأمر في قوله :﴿فاصطادوا﴾ للإِباحة، لأنه ليس من الواجب على المحرم إذا حل من إحرامزه أن يصطاد. بل يباح له ذلك كما كان الشأن قبل الإِحرام ومثله قوله - تعالى - ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصلاة فانتشروا فِي الأرض﴾ أي : أبيح لكم ذلك بعد الفراغ من الصلاة.
ثم نهى - سبحانه - المؤمنين على أن يحملهم البعض السابق لقوم لأنهم صدوهم عن المسجد الحرام على أن يمنعوهم من دخوله كما منعهم من دخوله أولئك القوم فقال - تعالى - :﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ المسجد الحرام أَن تَعْتَدُواْ﴾.
والجلمة الكريمة معطوفة على قوله :﴿لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ الله﴾ لزيادة تقرير مضمونه.
ومعنى ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ ولا يحملنكم مأخوذ من جرمه على كذا إذا حمله عليه، أو معناه : ولا يكسبنكم من جرم بمعنى كسب، غير أنه في كسب ما لا خير فيه ومنه الجريمة.
وأصل الجرم : قطع الثمرة من الشجرة، أطلق على الكسب، لأن الكاسب ينقطع لكسبه.
قال صاحب الكشاف : جرم يجري مجرى " كسب " في تعديه إلى مفعول واحد واثنين.
تقول : جرم ذنبا نحو كسبه وجرمته ذنبا، نحو كستبه إياه. ويقال : أجرمته ذنبا، على نقل المتعدي إلى معفول بالهمزة إلى مفعولين. كقولهم : أكسبته ذنبا ".
والشنآن : البغض الشديد. يقال : شئت الرجل أشنؤه شنأ وشنأة وشنآنا إذا أبغضته بغضا شديداً.
والمعنى : ولا يحملنكم - أيها المؤمنون - بغضكم الشديد لقوم بسبب أنهم منعوكم من دخول المسجد الحرام، لا يحملنكم ذلك على أن تعتدوا عليهم، فإن الشرك إذا كان يبرر هذا العمل، فإن الإِسلام - وهو دين العدل والتسامح - لا يبرره ولا يقبله، ولكن الذي يقبله

تفسير هذه الآية من كتب أخرى