الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿فَطَوَّعَتْ﴾ : الجمهورُ على " طَوَّعت " مشددَ الواو من غير ألفٍ بمعنى " سَهَّلَتْ وبعثت " قال الزمخشري :" وسَّعَتْه وَيسَّرَتْه من " طاع له المرتعُ " إذا اتسع " انتهى. والتضعيفُ فيه للتعدية لأنَّ الأصلَ : طاعَ له قتلُ أخيه، أي : انقادَ، من الطواعية فَعُدِّي بالتضعيف، فصار الفاعلُ مفعولاً كحالِه مع الهمزة. وقرأ الحسن وزيد بن علي وجماعةٌ كثيرة :" فطاوعت "، وأبدَى الزمخشري فيها احتمالين، أحدُهما : أن يكونَ مِمَّا جاء فيه فاعَلَ لغير مشاركه بين شيئين، بل بمعنى فَعَّل نحو : ضاعفتُه وضَعَّفْته وناعمته ونَعَمْتُه، وهذان المثالان من أمثلةِ سيبويه، قال :" فجاؤوا به على مثال عاقَبْتُه " قال :" وقد تجيء فاعَلْتُ لا تريد بها عملَ اثنين، ولكنهم بَنَوا عليه الفعلَ كما بَنَوه على أَفْعَلْتُ " وذكر أمثلةً منها " عافاه الله " وقَلَّ مَنْ ذَكَر أنَّ فاعَلَ يَجيءُ بمعنى فَعَّلْتُ. والاحتمال الثاني : أن تكن على بابها من المشاركة وهو أنَّ قَتْلَ أخيه كأنه دعا نفسَه إلى الإِقدامِ عليه فطاوَعَتْه " انتهى. وإيضاحُ العبارةِ في ذلك أَنْ يُقال : جَعَل القتلَ يدعو إلى نفسه لأجل الحَسَدِ الذي لحق قابيل، وجَعَلَتِ النفسُ تَأْبى ذلك وتشمئز منه، فكلُّ منهما - أعني القتلَ والنفسَ - كأنه يريد من صاحبه أن يطيعَه إلى أن غَلَب القتلُ النفسَ فطاوعته.
و " له " متعلقٌ ب " طَوَّعت " على القراءتين. قال الزمخشري : و " له " لزيادة الربط، كقولك : حَفِظْتُ لزيدٍ مالَه " يعني أنه الكلام تام بنفسه لو قيل : فَطَوَّعَتْ نفسُه قتلَ اخيه، كما كانَ كذلك في قولك " حَفِظْتُ مالَ زيد " فأتى بهذه اللامِ لقوةِ ربطِ الكلام. وقال أبو البقاء " وقال قوم : طاوَعَتْ تتعدَّى بغير لام، وهذا خطأ، لأنَّ التي تتعدى بغير اللام تتعدَّى لمفعولٍ واحد، وقد عَدَّاه هنا إلى قَتْل أخيه، وقيل : التقدير : طاوعَتْه نفسُه على قَتْلِ أخيه، فزادَ اللامَ وحَذَفَ " على " أي : زاد اللام في المفعولِ به وهو الهاء، وحَذَفَ " على " الجارَّة ل " قتل أخيه ".

تفسير هذه الآية من كتب أخرى