جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿فَطَوّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. .
يعني جلّ ثناؤه بقوله فَطَوّعَتْ : فأقامته وساعدته عليه. وهو «فَعّلْت » من الطوع، من قول القائل : طاعني هذا الأمر : إذا انقاد له.
وقد اختلف أهل التأويل في تأويله، فقال بعضهم : معناه : فشجعت له نفسه قتل أخيه. ذكر من قال ذلك :
حدثني نصر بن عبد الرحمن الأودي ومحمد بن حميد، قالا : حدثنا حكام بن سلم، عن عنبسة، عن أبي ليلى، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد : فَطَوّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قال : شجعت.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : فَطَوّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قال : فشجعته.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : فَطَوّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أخِيهِ قال : شجعته على قتل أخيه.
وقال آخرون : معنى ذلك : زينت له. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : فَطَوّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قال : زينت له نفسه قتل أخيه، فقتله.
ثم اختلفوا في صيغة قتله إياه كيف كانت، والسبب الذي من أجله قتله. فقال بعضهم : وجده نائما فشَدَخ رأسه بصخرة. ذكر من قال ذلك :
حدثني موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو بن حماد، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ فيما ذكر عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس. وعن مرّة، عن عبد الله. وعن ناس من أصحاب رسول الله ﷺ : فَطَوّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلُ أخيهِ فطلبه ليقتله، فراغ الغلام منه في رءوس الجبال. وأتاه يوما من الأيام وهو يرعى غنما له في جبل وهو نائم، فرفع صخرة فشدخ بها رأسه، فمات، فتركه بالعراء.
وقال بعضهم، ما :
حدثني محمد بن عمر بن عليّ، قال : سمعت أشعث السجِستاني يقول : سمعت ابن جريج قال : ابن آدم الذي قتل صاحبه لم يدر كيف يقتله، فتمثل إبليس له في هيئة طير، فأخذ طيرا فقصع رأسه، ثم وضعه بين حجرين فشدَخَ رأسه، فعلّمه القتل.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : قتله حيث يرعى الغنم، فأتى فجعل لا يدري كيف يقتله، فَلَوى برقبته وأخذ برأسه. فنزل إبليس، وأخذ دابة أو طيرا، فوضع رأسه على حجر، ثم أخذ حجرا آخر فرضخ به رأسه، وابن آدم القاتل ينظر، فأخذ أخاه، فوضع رأسه على حجر وأخذ حجرا آخر فرضخ به رأسه.
حدثني الحرث، قال : حدثنا عبد العزيز، قال : حدثنا رجل سمع مجاهدا يقول، فذكر نحوه.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال : لما أكلت النار قربان ابن آدم الذي تقبّل قربانه، قال الآخر لأخيه : أتمشي في الناس وقد علموا أنك قرّبت قربانا فتقبل منك وردّ عليّ ؟ والله لا تنظر الناس إليّ وإليك وأنت خير مني فقال : لأقتلنك فقال له أخوه : ما ذنبي إنّمَا يَتَقَبّلُ اللّهُ مِنَ المُتّقِينَ ؟ فخوّفه بالنار، فلم ينته ولم ينزجر، فطوّعت له نفسه قتل أخيه، فقتله فأصبح من الخاسرين.
حدثني القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : أخبرني عبد الله بن عثمان بن خثيم، قال : أقبلت مع سعيد بن جبير أرمي الجمرة وهو متقنع متوكئ على يديّ، حتى إذا وازينا بمنزل سمرة الصرّاف، وقف يحدثني عن ابن عباس، قال : نهى أن ينكح المرأة أخوها توأمها وينكحها غيره من إخوتها، وكان يولد في كلّ بطن رجل وامرأة، فولدت امرأة وسيمة، وولدت امرأة دميمة قبيحة، فقال أخو الدميمة : أنكحني أختك وأنكحك أختي قال : لا، أنا أحقّ بأختي. فقرّبا قربانا فتقبل من صاحب الكبش، ولم يتقبل من صاحب الزرع، فقتله. فلم يزل ذلك الكبش محبوسا عند الله حتى أخرجه في فداء إسحاق، فذبحه على هذا الصفا في ثَبِيِر عند منزل سَمُرة الصراف، وهو على يمينك حين ترمي الجمار. قال ابن جريج : وقال آخرون بمثل هذه القصة. قال : فلم يزل بنو آدم على ذلك حتى مضى أربعة آباء، فنكح ابنة عمه، وذهب نكاح الأخوات.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال : إن الله عزّ ذكره قد أخبر عن القاتل أنه قتل أخاه، ولا خبر عندنا يقطع العذر بصفته قتله إياه. وجائز أن يكون على نحو ما قد ذكر السديّ في خبره، وجائز أن أن يكون كان على ما ذكره مجاهد، والله أعلم أيّ ذلك كان، غير أن القتل قد كان لا شكّ فيه.
وأما قوله : فأصْبَحَ مِنَ الخاسِرِينَ فإن تأويله : فأصبح القاتل أخاه من ابني آدم من حزب الخاسرين، وهم الذين باعوا آخرتهم بدنياهم بإيثارهم إياها عليها فوُكسوا في بيعهم وغُبنوا فيه، وخابوا في صفقتهم.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
وإذ كان ذلك كذلك، فمعلوم أن الصحيح من القول هو قول من قال:"هو ابن آدم لصلبه"، لأنه أولُ من سن القتل، فأوجب الله له من العقوبة ما رَوَينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٣٠)﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"فطوّعت" فآتتهُ وساعدته عليه. (٣)
* * *
وهو"فعَّلت" من"الطوع"، من قول القائل:"طاعني هذا الأمر"، إذا انقاد له.
* * *
وقد اختلف أهل التأويل في تأويله.
فقال بعضهم، معناه: فشجَّعت له نفسه قتل أخيه.
ذكر من قال ذلك:
(٢) في المخطوطة والمطبوعة: "وخطأ من القول" بالواو، والسياق يقتضي الفاء، كما أثبتها.
(٣) في المطبوعة: "فأقامته وساعدته... "، وفي المخطوطة كما كتبتها، ولكنها غير منقوطة. يقال: "آتيته على هذا الأمر مؤاتاة"، إذا وافقته وطاوعته. قالوا: "والعامة تقول: واتيته. قالوا: ولا تقل: واتيته، إلا في لغة لأهل اليمن. ومثله آسيت، وآكلت، وآمرت= وإنما جعلوها واوًا على تخفيف الهمزة في: يواكل، ويوامر، ونحو ذلك".
١١٧٤٣ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"فطوعت له نفسه" قال: فشجعته.
١١٧٤٤ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"فطوعت له نفسه قتل أخيه"، قال: شجعته على قتل أخيه.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: زيَّنَت له.
ذكر من قال ذلك:
١١٧٤٥ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"فطوعت له نفسه"، قال: زينت له نفسه قتلَ أخيه فقَتله.
* * *
ثم اختلفوا في صفة قتله إياه، كيف كانت، والسبب الذي من أجله قتله.
* * *
فقال بعضهم: وجده نائمًا فشدَخ رأسه بصَخرة.
ذكر من قال ذلك:
١١٧٤٦ - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي فيما ذكر، عن أبى مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس=
و"ابن أبي ليلى"، هو"محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى"، مضى مرارًا. رقم: ٣٢، ٣٣، ٦٣١، ٣٩١٤، ٥٤٣٤.
وكان في الإسناد هنا، في المخطوطة والمطبوعة: "عن عنبسة بن أبي ليلى"، وهو خطأ لا شك فيه، وقد مضى هذا الإسناد كثيًرا، انظر مثلا رقم: ٦٣١.
* * *
وقال بعضهم ما:-
١١٧٤٧ - حدثني محمد بن عمر بن علي قال، سمعتَ أشعث السجستاني يقول: سمعت ابن جريج قال: ابنُ آدم الذي قتل صاحبَه لم يدر كيف يقتله، فتمثَّل إبليس له في هيئة طير، فأخذ طيرًا فقطع رأسه، (١) ثم وضعه بين حجرين فشدَخ رأسه، فعلَّمه القتل.
١١٧٤٨ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: قتله حيث يرعَى الغنم، فأتاه فجعل لا يدري كيف يقتله، (٢) فلَوَى برقبته وأخذ برأسه، فنزل إبليس وأخذ دابَّةً أو طيرًا، فوضع رأسه على حجرٍ، ثم أخذ حجرًا آخر فرضخ به رأسه، وابنُ آدم القاتلُ ينظر. فأخذ أخاه فوضع رأسه على حجَر، وأخذ حجرًا آخر فرضخ به رأسه.
١١٧٤٩ - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا رجل سمع مجاهدًا يقول، فذكر نحوه.
١١٧٥٠ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: لما أكلت النار قربانَ ابن آدم الذي تُقُبِّل قربانه، قال الآخر لأخيه: أتمشي في الناس وقد علموا أنك قربت قربانًا فتقُبِّل منك، ورُدَّ عليَّ؟ والله لا تنتظر الناس إلي وإليك وأنت خير
(٢) في المطبوعة"فأتى"، وأثبت ما في المخطوطة.
١١٧٥١ - حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: أخبرني عبد الله بن عثمان بن خثيم، قال: أقبلت مع سعيد بن جبير أرمي الجَمْرة، وهو متقَنّع متوكئٌ على يدي، حتى إذا وازينا بمنزل سَمُرَةَ الصوّاف، (٢) وقف يحدثني عن ابن عباس قال: نهى أن ينكح المرأة أخوها تُؤْمها، (٣) وينكحها غيره من إخوتها. وكان يولد في كل بطن رجلٌ وامرأة. فوُلدت امرأةٌ وسيمةٌ، وولدت امرأة دميمة قبيحة. فقال أخو الدّميمة: أنكحني أختك وأنكحك أختي. قال: لا أنا أحق بأختي. فقرّبا قربانًا، فتقبل من صاحب الكبش، ولم يتقبل من صاحب الزرع، فقتله. فلم يزل ذلك الكبش محبوسًا عند الله عز وجل حتى أخرجه في فداء إسحاق، فذبحه على هذا الصَّفا في ثَبِير، عند منزل سمرة الصواف، (٤) وهو على يمينك حين ترمي الجمار = قال ابن جريج، وقال آخرون بمثل هذه القصة. قال: فلم يزل بنو آدم على ذلك حتى مضى أربعة آباء، فنكح ابنةَ عمه، وذهب نكاح الأخوات. (٥)
* * *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله عز ذكره قد أخبر عن القاتل أنه قتل أخاه، ولا خبر عندنا يقطع العذر بصفة قتله إياه. وجائزٌ أن يكون على نحو ما قد ذكر السديّ في خبره= وجائزٌ أن يكون كان على
(٢) في المطبوعة والمخطوطة"بمنزل سمرة الصراف" بالراء، وأثبت ما في تاريخ الطبري، ولا أدري ما يكون هذا، فلم أجد موضعًا بهذا الاسم فيما بين يدي من المراجع. و"سمرة الصراف"، اسم رجل. ولم أعرف من يكون.
(٣) في تاريخ الطبري: "أن تنكح المرأة أخاها توأمها"، وكان في المطبوعة هنا"توأمها"، وأثبت ما في المخطوطة، وانظر ما سلف ص: ٢٠٥، تعليق: ٣.
(٤) في المطبوعة والمخطوطة"بمنزل سمرة الصراف" بالراء، وأثبت ما في تاريخ الطبري، ولا أدري ما يكون هذا، فلم أجد موضعًا بهذا الاسم فيما بين يدي من المراجع. و"سمرة الصراف"، اسم رجل. ولم أعرف من يكون.
(٥) الأثر: ١١٧٥١- رواه أبو جعفر في تاريخه ١: ٦٩.