فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
﴿ابتغوا﴾ اطلبوا ﴿إِلَيْهِ﴾ : لا إلى غيره، و﴿الوسيلة﴾ فعيلة من توسلت إليه : إذا تقربت إليه. قال عنترة :
إن الرجال لهم إليك وسيلةإن يأخذوك تكحلي وتخضبي
وقال آخر :
إذا غفل الواشون عدنا لوصلناوعاد التصابي بيننا والوسائل
فالوسيلة : القربة التي ينبغي أن تطلب، وبه قال أبو وائل والحسن ومجاهد، وقتادة والسدي وابن زيد. وروي عن ابن عباس، وعطاء، وعبد الله بن كثير. قال ابن كثير في تفسيره : وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمة، لا خلاف بين المفسرين فيه. والوسيلة أيضاً درجة في الجنة مختصة برسول الله ﷺ. وقد ثبت في صحيح البخاري من حديث جابر قال : قال رسول الله ﷺ :«من قال حين يسمع النداء : اللهم ربّ هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، إلا حلت له الشفاعة يوم القيامة » وفي صحيح مسلم، من حديث عبد الله بن عمرو، أنه سمع النبي ﷺ يقول :«إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليّ، فإنه من صلى عليّ صلاة صلى الله عليه عشراً ثم سلوا لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة، لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة » وفي الباب أحاديث، وعطف ﴿وابتغوا إِلَيهِ الوسيلة﴾ على ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ اتقوا الله﴾ يفيد أن الوسيلة غير التقوى. وقيل هي التقوى، لأنها ملاك الأمر، وكل الخير، فتكون الجملة الثانية على هذا مفسرة للجملة الأولى. والظاهر أن الوسيلة : هي القربة تصدق على التقوى، وعلى غيرها من خصال الخير التي يتقرب العباد بها إلى ربهم ﴿وجاهدوا فِي سَبِيلِهِ﴾ من لم يقبل دينه ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله :﴿وابتغوا إِلَيهِ الوسيلة﴾ قال : الوسيلة القربة. وأخرج الحاكم وصححه، عن حذيفة مثله. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن قتادة في قوله :﴿وابتغوا إِلَيهِ الوسيلة﴾ قال : تقرّبوا إلى الله بطاعته والعمل بما يرضيه.
وأخرج مسلم، وابن المنذر وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال :«يخرج من النار قوم فيدخلون الجنة» قال : يزيد الفقير، فقلت لجابر يقول الله :﴿يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النار وَمَا هُمْ بخارجين مِنْهَا﴾ قال : اتل أوّل الآية ﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُمْ َا فِي الأرض جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ﴾ ألا إنهم الذين كفروا. وأخرج ابن جرير عن عكرمة : أن نافع بن الأزرق قال لابن عباس : تزعم أن قوما يخرجون من النار، وقد قال الله تعالى :﴿وَمَا هُم بخارجين مِنْهَا﴾ فقال ابن عباس : ويحك، اقرأ ما فوقها هذه للكفار. قال الزمخشري في الكشاف بعد ذكره لهذا : إنه مما لفقته المجبرة، ويا لله العجب من رجل لا يفرق بين أصحّ الصحيح، وبين أكذب الكذب على رسول الله ﷺ، يتعرض للكلام على ما لا يعرفه ولا يدري ما هو ؟ قد تواترت الأحاديث تواتراً لا يخفى، على من له أدنى إلمام بعلم الرواية بأن عصاة الموحدين يخرجون من النار، فمن أنكر هذا فليس بأهل للمناظرة ؛ لأنه أنكر ما هو من ضروريات الشريعة، اللهم غفراً.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى