جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتابالقول في تأويل قوله تعالى :
﴿فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنّ اللّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنّ اللّهَ غَفُورٌ رّحِيمٌ﴾. .
يقول جلّ ثناؤه فمَنْ تَابَ من هؤلاء السرّاق، يقول : من رجع منهم عما يكرهه الله من معصيته إياه إلى ما يرضاه من طاعته من بعد ظلمه وظلمُه : هو اعتداؤه وعمله ما نهاه الله عنه من سرقة أموال الناس. يقول : وأصلح نفسه بحملها على مكروهها في طاعة الله والتوبة إليه مما كان عليه من معصيته. وكان مجاهد فيما ذكر لنا يقول : توبته في هذا الموضع، الحدّ الذي يقام عليه.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس : فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وأصْلَحَ يقول : فتاب عليه بالحدّ.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا موسى بن داود، قال : حدثنا بان لهيعة، عن حُيي بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الحُبْلي، عن عبد الله بن عمرو، قال : سرقت امرأة حليّا، فجاء الذين سرقهم، فقالوا : يا رسول الله سرقتنا هذه المرأة، فقال رسول الله ﷺ :«اقْطَعُوا يَدَها اليُمْنَى » فقالت المرأة : هل من توبة ؟ فقال رسول الله ﷺ :«أنْتِ اليَوْمَ مِنْ خَطِيئَتِكِ كَيَوْمَ وَلَدَتْك أُمّكِ ». قال : فأنزل الله جلّ وعزّ : فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وأصْلَحَ فإنّ اللّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ.
وقوله : فإنّ اللّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ يقول : فإن الله جلّ وعزّ يرجعه إلى ما يحبّ ويرضى عما يكرهه ويسخط من معصيته. وقوله : إنّ اللّهَ غفور رَحيمٌ يقول : إن الله عزّ ذكره ساتر على من تاب وأناب عن معاصيه إلى طاعته ذنوبه بالعفو عن عقوبته عليها يوم القيامة وتركه فضيحته بها على رؤوس الأشهاد، رحيم به وبعباده التائبين إليه من ذنوبهم.