التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي
عن الكتاب
ثم شرع - سبحانه - في بيان المحرمات التي أشار إليها قبل ذلك بقوله :﴿إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ﴾ فبين ما يحرم أكله من الحيوان لأسباب معينة فقال - تعالى - :
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة والدم...﴾
في هذه المحرمات يتلى في قوله - تعالى - :﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة﴾..
والميتة كما يقول ابن جرير - كل ما له نفس - أي دم ونحوه - سائلة من دواب البر وطيره، مما أباح الله أكلها. أهليها ووحشيها فارقتها روحها بغير تذكية.
وقال : بعضهم : الميتة : هو كل ما فارقته الحياة من دواب البر وطيره بغير تذكية شرعية، مما أحل الله أكله " أي : حرم الله عليكم - أيها المؤمنون - أكل الميتة لخبث لحمها، ببقاء بعض المواد الضارة في جسمها.
وقد أجمع العلماء على حرمة أكل الميتة، أما شعرها وعظمها فقال الأحناف بطارتهما وبجواز الانتفاع بهما. وقال الشافعية بنجاستهما وبعدم جواز استعمالهما.
وقد استثنى العلماء من الميتة المحرمة السمك والجراد. فقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث ابن أبي أوفي قال : " غزونا مع رسول الله ﷺ سبع غزوات نأكل الجراد ".
وفيهما - أيضاً - من حديث جابر، " إن البحر ألقى حوتاً ميتاً فأكل منه الجيش. فلما قدموا قالوا للنبي ﷺ : فقال : " كلوا رزقاً أخرجه الله لكم : أطعمونا منه إن كان معكم. فأتاه بعضهم بشيء منه ".
وعن ابن عمر قال : قال رسول الله - ﷺ : " أحل لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالسمك والجراد. وأما الدمان فالكبد والطحال ".
وثاني هذه المحرمات ما ذكره - سبحانه - في قوله :﴿والدم﴾ أي : وحرم عليكم أكل الدم.
والمراد به : الدم المسفوح. أي السائل من الحيوان عند التذكية. لقوله - تعالى - في آية أخرى ﴿أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً﴾ وهي خاصة. والآية التي معنا عامة. والخاص مقدم على العام.
وكان أهل الجاهلية يجعلونه في الماعز ويشوونه ويأكلونه، فحرمه الله - تعالى - لأنه يضر الأجسام. أما الدم الذي يكون جامداً بأصل خلقته كالكبد والطحال فإنه حلال كما جاء في حديث ابن عمر الذي سقناه منذ قليل.
وثالث هذه المحرمات ما جاء في قوله - تعالى - ﴿وَلَحْمُ الخنزير﴾ أي : وحرم عليكم لحم الخنزير وكذلك شحمه وجلده وجميع أجزائه، لأنهن مستقذر تعافه الفطرة، وتتضرر به الأجسام.
وخص لحم الخنزير بالذكر مع أن جميع أجزائه محرمة لأنه هو المقصود بالأكل قال ابن كثير ما ملخصه : وقوله - تعالى - :﴿وَلَحْمُ الخنزير﴾ يعني إنسيه ووحشية، واللحم يعم جميع أجزائه حتى الشحم. كما هو المفهوم من لغة العرب، ومن العرف المطرد.. وفي الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال : " إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام. فقيل : يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة فإنها تطلى بها السفن، وتدهن بها الجلود. ويستصبح بها الناس ؟ فقال : لا. هو حرام : ثم قال : قاتل الله اليهود. إن الله لما حرم شحومها جملوه - أي أذابوه - ثم باعوه فأكلوا ثمنه ".
ورابع هذه المحرمات بينه - سبحانه - بقوله :﴿وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ﴾.
الإِهلال : رفع الصوت عند رؤية الهلال ثم استعمل لرفع الصوت مطلقاً. ومنه : إهلال الصبي أي : صراخه بعد ولادته، والإِهلال بالحج أي رفع الصوت بالتلبية.
وكانوا في الجاهلية إذا أرادوا ذبح ما قربوه إلى آلهتهم، سموا عليها أسماءها - كاللات والعزى - ورفعوا بها أصواتهم، وسمي ذلك إهلالا. ثم توسع فيه فقيل لكل ذابح : مهل سمي أو لم يسم. جهر بالتسمية أو لم يجهر.
والمعنى : وحرم عليكم - سبحانه - أن تأكلوا مما ذبح فذكر عليه عند ذبحه غير اسم الله - تعالى - سواء اقتصر على ذكر غيره كقوله عند الذبح باسم الصنم فلان، أو باسم المسيح أو عزير أو فلان، أو جمع بين ذكر الله وذكر غيره بالعطف عليه كقوله : باسم الله واسم فلان.
أما إذا جمع الذابح بين اسم الله واسم غيره بدون عطف بأن قال : باسم الله المسيح نبي الله، أو باسم الله محمد رسول الله، فالأحناف يجوزون الأكل من الذبيحة ويعتبرون ذكر غير الله كلاماً مبتدأً بخلاف العطف فإنه يكون نصا في ذكر غير الله.
وجمهور العلماء يحرمون الأكل من الذبيحة متى ذكر مع اسم الله آخر سواء أكان ذلك بالعطف أو بدونه.
وذهب جماعة من التابعين إلى تخصيص الغير بالأصنام، وإلى حل ذبائح أهل الكتاب مطلقاً والتحريم هنا ليس لذات الحيوان، بل لما صحبه من عمل فيه شرك بالله - تعالى -
ثم ذكر - سبحانه - أربعة أنواع أخرى من المحرمات فقال :﴿والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة﴾.
والمنخنقة : هي التي تموت خنقاً إما قصداً بأن يخنقها آدمي. وإما اتفاقاً بأن يعرض لها من ذاتها ما يخنقها.
والموقوذة : هي التي تضرب بمثقل غير محدد كخشب أو حجر حتى تموت وكانوا في الجاهلية يضربون البهيمة بالعصى حتى إذا ماتت أكلوها.
والوقذ : شدة الضرب. وفلان وقيذ أي : مثخن ضرباً. ويقال : وقذه يقذه وقذا : ضربه ضرباً حتى استرخى وأشرف على الموت.
قال القرطبي : وفي صحيح مسلم عن عدي بن حاتم قال " قلت يا رسول الله فإني أرمي الصيد فأصيب ؟ - والمعراض : وهو سهم يرمى به بلا ريش وأكثر ما يصيب بعرض عوده دون حده - فقال النبي ﷺ : " إذا رميت بالمعراض فخزق - أي نفذ وأسال الدم - فكله. وإن أصاب بعرضه فلا تأكله ".
والمتردية : هي التي تتردى أي : تسقط من أعلى إلى أسفل فتموت من التردي مأخوذ من الردى بمعنى الهلاك سواء تردت بنفسها أم رداها غيرها.
والنطيحة : هي التي تنطحها أخرى فتموت من النطاح يقال : نطحه ينطحه وينطحه أي أصابه بقرنه.
والمعنى : وحرم الله عليكم كذلك - أيها المؤمنون - الأكل من المنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، إذا ماتت كل واحدة من هذه الأنواع لهذه الأسباب دون أن تذكوها ذكاة شرعية، لأن الأكل منها في هذه الحالة يعود عليكم بالضرر.
وتاسع هذه المحرمات ذكره - سبحانه - في قوله :﴿وَمَآ أَكَلَ السبع إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾.
المراد بالسبع كل ذي ناب وأظفار من الحيوان. كالأسد والنمر والذئب ونحوها من الحيوانات المفترسة.
وقوله ﴿ذَكَّيْتُمْ﴾ من التذكية وهي الإتمام. يقال : ذكيت النار إذا أتممت اشتعالها.
والمراد هنا : إسالة الدم وفرى الأوداج في المذبوح، والنحر في المنحور.
والمعنى : وحرم عليكم - أيضاً - الأكل مما افترسه السبع حتى مات سواء أكل منه أم لم يأكل، إلا ما أدركتموه من هذه الأنواع وقد بقيت فيه حياة يضرب معها اضطراب المذبوح وذكيتموه أي ذبحتموه ذبحا شرعياً : فإنه في هذه الحالة يحل لكم الأكل منه. فقوله ﴿إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ الاستثناء هنا يرجع إلى هذه الأنواع الخمسة.
وقيل : إن الاستثناء هنا مختص بقوله :﴿وَمَآ أَكَلَ السبع﴾.
أي : وحرم عليكم ما أكل السبع بعضه فمات بسبب جرحه، إلا ما أدركتموه حيا فذكيتموه ذكاة شرعية فإنه في هذه الحالة يحل الأكل منه، والأول أولى، لأن هذه الأنواع الخمسة تشترك في أنها تعلقت بها أحوال قد تفضي بها إلى الهلاك، فإن هلكت بتلك الأحوال لم يبح أكلها لأنها حينئذ ميتة، وإذا أدركت بالذكاة في وقت تنفع فيه الذكاة لها جاز الأكل منها.
أما النوع العاشر في هذه المحرمات فيتجلى في قوله - تعالى - ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النصب﴾ والنصب : جمع نصاب : ككتب وكتاب. أو جمع نصب كسقف وسقف. ويصح أن يكون لفظ النصب واحداً وجمعه أنصاب مثل : طنب أطناب.
وعلى كل فهي حجارة كان الجاهليون ينصبونهها حول الكعبة، وكان عددها ثلاثمائة وستين حجراً، وكانوا يذبحون عليها قرابينهم التي يتقربون بها إلى أصنامهم. ويعتبرون الذبح أكثر قربة إلى معبوداتهم متى تم على هذه النصب. وليست هذه النصب هي الأوثان، فإن النصب حجارة غير منقوشة بخلاف الأوثان فإنها حجارة مصورة منقوشة.
والمعنى : وحرم عليكم - سبحانه - أن تأكلوا مما ذبح على النصب لأنه لم يتقرب به إلى الله، وإنما تقرب به إلى الأصنام وما تقرب به إلى غير الله فهو فسق ورجس يجب البعد عنه.
هذه عشرة أنواع من المأكولان حرمت الآية الكريمة الأكل منها، لما اشتملت عليه من مضرة وأذى، ولما صاحب بعضها من تقرب لغير الله، ويكفى لتجنب الأكل من هذه المطعومات أن وأذى، ولما صاحب بعضها من تقرب لغير الله، ويكفى لتجنب الأكل من هذه المطعومات أن الله - تعالى - قد حرمها، لأنه - سبحانه - لا يحرم الخبائث.
ومن شأن المؤمن الصادق في إيمانه أن يقف عند ما أحله الله - تعالى - وحرم.
ثم ذكر - سبحانه - نوعا من الأفعال المحرمة، بعد ذكره لعشرة أنواع من المطاعم المحرمة فقال :﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بالأزلام ذلكم فِسْقٌ﴾.
وإنما ذكر - سبحانه - هذا الفعل المحرم مع جملة المطاعم المحرمة، لأنه مما ابتدعه أهل الجاهلية ؛ كما ابتدعوا ما ابتدعوه في شأن المطاعم.
والاستقسام : طلب معرفة ام قسم للإِنسان من خير أو شر.
والأزلام : قداح الميسر واحدها زلم - بفتح اللام وبفتح الزاي أو ضمها - وسميت قداح الميسر بالأزلام، لأنها زلمت أي سويت، ويقال : رجل مزلم وامرأة مزلمة، إذا كان جيد القد، جميل القوام.
وكان لأهل الجاهلية طرق للاستقسام بالأزلام من أشهرها : أنه كانت لديهم سهام مكتوب على أحدها : أمرني ربي وعلى الآخر : نهاني ربي. والثالث غفل من الكتابة، فإذا أرادوا سفراص أو حرباً أو زواجاً أو غير ذلك أتوا إلى بيت الأصنام واستقسموها فإن خرج الآمر أقدموا على ما يريدونه وإن خرج الناهي امسكوا عنه، وإن خرج الغفل أجالوها ثانية حتى يخرج الآمر أو الناهي.
والمعنى : وحرم عليكم - سبحانه - أن تطلبوا معرفة ما قسم لكم في سفر أو غزو أو زواج أو ما يشبه ذلك بواسطة الأزلام، لأن هذا الفعل فسق، أي : خروج عن أمر الله وطاعته.
فاسم الإِشارة " ذلكم " يعود إلى الاستقسام بالأزلام خاصة. ويجوز أن يعود إليه وإلى تناول ما حرم عليهم.
قال ابن كثير : وقد ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ لما دخل الكعبة، وجد إبراهيم وإسماعيل مصورين فيها. وفي أيديهما الأزلام. فقال ﷺ : " قاتلهم الله. لقد علموا أنهما لم يستقسما بها أبدا ".
وثبت في الصحيحين أيضاً " أن سراقة بن مالك بن جعشم لما خرج في طلب النبي ﷺ وأبي بكر، وهما ذاهبان إلى المدينة مهاجرين : قال فاستقسمت بالأزلام. هل أضرهم أولا ؟ فخرج الذي أكره : لا تضرهم. قال : فعصيت الأزلام واتبعتهم. ثم استقسم بها ثانية وثالثة. كل ذلك يخرج الذي يكره : لا تضرهم. وكان كذلك وكان سراقة لم يسلم إذ ذاك، ثم أسلم بعد ذلك ".
فإن قيل إن الاستقسام بالأزلام هو لون من التفاؤل، وكان ﷺ يحب الفأل الحسن فلم صار فسقاً ؟
فالجواب أن هناك فرقا واسعاً بين الاستقسام بالأزلام وبين الفأل ؛ فإن الفأل أمر اتفاقي تنفعل به النفس وتنشرح للعمل مع رجاء الخير منه بخلاف الاستقسام بالأزلام فإن القوم كانوا يستقسمون بالأزلام عند الأصنام ويعتقدون أن ما يخرج من الأمر والنهي على تلك الأزلام بإرشاد من الأصنام فلهذا كان الاستقسام بها فسقا وخروجا عن طاعة الله.
وفضلا عن هذا فإن الاست
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة والدم...﴾
في هذه المحرمات يتلى في قوله - تعالى - :﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة﴾..
والميتة كما يقول ابن جرير - كل ما له نفس - أي دم ونحوه - سائلة من دواب البر وطيره، مما أباح الله أكلها. أهليها ووحشيها فارقتها روحها بغير تذكية.
وقال : بعضهم : الميتة : هو كل ما فارقته الحياة من دواب البر وطيره بغير تذكية شرعية، مما أحل الله أكله " أي : حرم الله عليكم - أيها المؤمنون - أكل الميتة لخبث لحمها، ببقاء بعض المواد الضارة في جسمها.
وقد أجمع العلماء على حرمة أكل الميتة، أما شعرها وعظمها فقال الأحناف بطارتهما وبجواز الانتفاع بهما. وقال الشافعية بنجاستهما وبعدم جواز استعمالهما.
وقد استثنى العلماء من الميتة المحرمة السمك والجراد. فقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث ابن أبي أوفي قال : " غزونا مع رسول الله ﷺ سبع غزوات نأكل الجراد ".
وفيهما - أيضاً - من حديث جابر، " إن البحر ألقى حوتاً ميتاً فأكل منه الجيش. فلما قدموا قالوا للنبي ﷺ : فقال : " كلوا رزقاً أخرجه الله لكم : أطعمونا منه إن كان معكم. فأتاه بعضهم بشيء منه ".
وعن ابن عمر قال : قال رسول الله - ﷺ : " أحل لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالسمك والجراد. وأما الدمان فالكبد والطحال ".
وثاني هذه المحرمات ما ذكره - سبحانه - في قوله :﴿والدم﴾ أي : وحرم عليكم أكل الدم.
والمراد به : الدم المسفوح. أي السائل من الحيوان عند التذكية. لقوله - تعالى - في آية أخرى ﴿أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً﴾ وهي خاصة. والآية التي معنا عامة. والخاص مقدم على العام.
وكان أهل الجاهلية يجعلونه في الماعز ويشوونه ويأكلونه، فحرمه الله - تعالى - لأنه يضر الأجسام. أما الدم الذي يكون جامداً بأصل خلقته كالكبد والطحال فإنه حلال كما جاء في حديث ابن عمر الذي سقناه منذ قليل.
وثالث هذه المحرمات ما جاء في قوله - تعالى - ﴿وَلَحْمُ الخنزير﴾ أي : وحرم عليكم لحم الخنزير وكذلك شحمه وجلده وجميع أجزائه، لأنهن مستقذر تعافه الفطرة، وتتضرر به الأجسام.
وخص لحم الخنزير بالذكر مع أن جميع أجزائه محرمة لأنه هو المقصود بالأكل قال ابن كثير ما ملخصه : وقوله - تعالى - :﴿وَلَحْمُ الخنزير﴾ يعني إنسيه ووحشية، واللحم يعم جميع أجزائه حتى الشحم. كما هو المفهوم من لغة العرب، ومن العرف المطرد.. وفي الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال : " إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام. فقيل : يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة فإنها تطلى بها السفن، وتدهن بها الجلود. ويستصبح بها الناس ؟ فقال : لا. هو حرام : ثم قال : قاتل الله اليهود. إن الله لما حرم شحومها جملوه - أي أذابوه - ثم باعوه فأكلوا ثمنه ".
ورابع هذه المحرمات بينه - سبحانه - بقوله :﴿وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ﴾.
الإِهلال : رفع الصوت عند رؤية الهلال ثم استعمل لرفع الصوت مطلقاً. ومنه : إهلال الصبي أي : صراخه بعد ولادته، والإِهلال بالحج أي رفع الصوت بالتلبية.
وكانوا في الجاهلية إذا أرادوا ذبح ما قربوه إلى آلهتهم، سموا عليها أسماءها - كاللات والعزى - ورفعوا بها أصواتهم، وسمي ذلك إهلالا. ثم توسع فيه فقيل لكل ذابح : مهل سمي أو لم يسم. جهر بالتسمية أو لم يجهر.
والمعنى : وحرم عليكم - سبحانه - أن تأكلوا مما ذبح فذكر عليه عند ذبحه غير اسم الله - تعالى - سواء اقتصر على ذكر غيره كقوله عند الذبح باسم الصنم فلان، أو باسم المسيح أو عزير أو فلان، أو جمع بين ذكر الله وذكر غيره بالعطف عليه كقوله : باسم الله واسم فلان.
أما إذا جمع الذابح بين اسم الله واسم غيره بدون عطف بأن قال : باسم الله المسيح نبي الله، أو باسم الله محمد رسول الله، فالأحناف يجوزون الأكل من الذبيحة ويعتبرون ذكر غير الله كلاماً مبتدأً بخلاف العطف فإنه يكون نصا في ذكر غير الله.
وجمهور العلماء يحرمون الأكل من الذبيحة متى ذكر مع اسم الله آخر سواء أكان ذلك بالعطف أو بدونه.
وذهب جماعة من التابعين إلى تخصيص الغير بالأصنام، وإلى حل ذبائح أهل الكتاب مطلقاً والتحريم هنا ليس لذات الحيوان، بل لما صحبه من عمل فيه شرك بالله - تعالى -
ثم ذكر - سبحانه - أربعة أنواع أخرى من المحرمات فقال :﴿والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة﴾.
والمنخنقة : هي التي تموت خنقاً إما قصداً بأن يخنقها آدمي. وإما اتفاقاً بأن يعرض لها من ذاتها ما يخنقها.
والموقوذة : هي التي تضرب بمثقل غير محدد كخشب أو حجر حتى تموت وكانوا في الجاهلية يضربون البهيمة بالعصى حتى إذا ماتت أكلوها.
والوقذ : شدة الضرب. وفلان وقيذ أي : مثخن ضرباً. ويقال : وقذه يقذه وقذا : ضربه ضرباً حتى استرخى وأشرف على الموت.
قال القرطبي : وفي صحيح مسلم عن عدي بن حاتم قال " قلت يا رسول الله فإني أرمي الصيد فأصيب ؟ - والمعراض : وهو سهم يرمى به بلا ريش وأكثر ما يصيب بعرض عوده دون حده - فقال النبي ﷺ : " إذا رميت بالمعراض فخزق - أي نفذ وأسال الدم - فكله. وإن أصاب بعرضه فلا تأكله ".
والمتردية : هي التي تتردى أي : تسقط من أعلى إلى أسفل فتموت من التردي مأخوذ من الردى بمعنى الهلاك سواء تردت بنفسها أم رداها غيرها.
والنطيحة : هي التي تنطحها أخرى فتموت من النطاح يقال : نطحه ينطحه وينطحه أي أصابه بقرنه.
والمعنى : وحرم الله عليكم كذلك - أيها المؤمنون - الأكل من المنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، إذا ماتت كل واحدة من هذه الأنواع لهذه الأسباب دون أن تذكوها ذكاة شرعية، لأن الأكل منها في هذه الحالة يعود عليكم بالضرر.
وتاسع هذه المحرمات ذكره - سبحانه - في قوله :﴿وَمَآ أَكَلَ السبع إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾.
المراد بالسبع كل ذي ناب وأظفار من الحيوان. كالأسد والنمر والذئب ونحوها من الحيوانات المفترسة.
وقوله ﴿ذَكَّيْتُمْ﴾ من التذكية وهي الإتمام. يقال : ذكيت النار إذا أتممت اشتعالها.
والمراد هنا : إسالة الدم وفرى الأوداج في المذبوح، والنحر في المنحور.
والمعنى : وحرم عليكم - أيضاً - الأكل مما افترسه السبع حتى مات سواء أكل منه أم لم يأكل، إلا ما أدركتموه من هذه الأنواع وقد بقيت فيه حياة يضرب معها اضطراب المذبوح وذكيتموه أي ذبحتموه ذبحا شرعياً : فإنه في هذه الحالة يحل لكم الأكل منه. فقوله ﴿إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ الاستثناء هنا يرجع إلى هذه الأنواع الخمسة.
وقيل : إن الاستثناء هنا مختص بقوله :﴿وَمَآ أَكَلَ السبع﴾.
أي : وحرم عليكم ما أكل السبع بعضه فمات بسبب جرحه، إلا ما أدركتموه حيا فذكيتموه ذكاة شرعية فإنه في هذه الحالة يحل الأكل منه، والأول أولى، لأن هذه الأنواع الخمسة تشترك في أنها تعلقت بها أحوال قد تفضي بها إلى الهلاك، فإن هلكت بتلك الأحوال لم يبح أكلها لأنها حينئذ ميتة، وإذا أدركت بالذكاة في وقت تنفع فيه الذكاة لها جاز الأكل منها.
أما النوع العاشر في هذه المحرمات فيتجلى في قوله - تعالى - ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النصب﴾ والنصب : جمع نصاب : ككتب وكتاب. أو جمع نصب كسقف وسقف. ويصح أن يكون لفظ النصب واحداً وجمعه أنصاب مثل : طنب أطناب.
وعلى كل فهي حجارة كان الجاهليون ينصبونهها حول الكعبة، وكان عددها ثلاثمائة وستين حجراً، وكانوا يذبحون عليها قرابينهم التي يتقربون بها إلى أصنامهم. ويعتبرون الذبح أكثر قربة إلى معبوداتهم متى تم على هذه النصب. وليست هذه النصب هي الأوثان، فإن النصب حجارة غير منقوشة بخلاف الأوثان فإنها حجارة مصورة منقوشة.
والمعنى : وحرم عليكم - سبحانه - أن تأكلوا مما ذبح على النصب لأنه لم يتقرب به إلى الله، وإنما تقرب به إلى الأصنام وما تقرب به إلى غير الله فهو فسق ورجس يجب البعد عنه.
هذه عشرة أنواع من المأكولان حرمت الآية الكريمة الأكل منها، لما اشتملت عليه من مضرة وأذى، ولما صاحب بعضها من تقرب لغير الله، ويكفى لتجنب الأكل من هذه المطعومات أن وأذى، ولما صاحب بعضها من تقرب لغير الله، ويكفى لتجنب الأكل من هذه المطعومات أن الله - تعالى - قد حرمها، لأنه - سبحانه - لا يحرم الخبائث.
ومن شأن المؤمن الصادق في إيمانه أن يقف عند ما أحله الله - تعالى - وحرم.
ثم ذكر - سبحانه - نوعا من الأفعال المحرمة، بعد ذكره لعشرة أنواع من المطاعم المحرمة فقال :﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بالأزلام ذلكم فِسْقٌ﴾.
وإنما ذكر - سبحانه - هذا الفعل المحرم مع جملة المطاعم المحرمة، لأنه مما ابتدعه أهل الجاهلية ؛ كما ابتدعوا ما ابتدعوه في شأن المطاعم.
والاستقسام : طلب معرفة ام قسم للإِنسان من خير أو شر.
والأزلام : قداح الميسر واحدها زلم - بفتح اللام وبفتح الزاي أو ضمها - وسميت قداح الميسر بالأزلام، لأنها زلمت أي سويت، ويقال : رجل مزلم وامرأة مزلمة، إذا كان جيد القد، جميل القوام.
وكان لأهل الجاهلية طرق للاستقسام بالأزلام من أشهرها : أنه كانت لديهم سهام مكتوب على أحدها : أمرني ربي وعلى الآخر : نهاني ربي. والثالث غفل من الكتابة، فإذا أرادوا سفراص أو حرباً أو زواجاً أو غير ذلك أتوا إلى بيت الأصنام واستقسموها فإن خرج الآمر أقدموا على ما يريدونه وإن خرج الناهي امسكوا عنه، وإن خرج الغفل أجالوها ثانية حتى يخرج الآمر أو الناهي.
والمعنى : وحرم عليكم - سبحانه - أن تطلبوا معرفة ما قسم لكم في سفر أو غزو أو زواج أو ما يشبه ذلك بواسطة الأزلام، لأن هذا الفعل فسق، أي : خروج عن أمر الله وطاعته.
فاسم الإِشارة " ذلكم " يعود إلى الاستقسام بالأزلام خاصة. ويجوز أن يعود إليه وإلى تناول ما حرم عليهم.
قال ابن كثير : وقد ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ لما دخل الكعبة، وجد إبراهيم وإسماعيل مصورين فيها. وفي أيديهما الأزلام. فقال ﷺ : " قاتلهم الله. لقد علموا أنهما لم يستقسما بها أبدا ".
وثبت في الصحيحين أيضاً " أن سراقة بن مالك بن جعشم لما خرج في طلب النبي ﷺ وأبي بكر، وهما ذاهبان إلى المدينة مهاجرين : قال فاستقسمت بالأزلام. هل أضرهم أولا ؟ فخرج الذي أكره : لا تضرهم. قال : فعصيت الأزلام واتبعتهم. ثم استقسم بها ثانية وثالثة. كل ذلك يخرج الذي يكره : لا تضرهم. وكان كذلك وكان سراقة لم يسلم إذ ذاك، ثم أسلم بعد ذلك ".
فإن قيل إن الاستقسام بالأزلام هو لون من التفاؤل، وكان ﷺ يحب الفأل الحسن فلم صار فسقاً ؟
فالجواب أن هناك فرقا واسعاً بين الاستقسام بالأزلام وبين الفأل ؛ فإن الفأل أمر اتفاقي تنفعل به النفس وتنشرح للعمل مع رجاء الخير منه بخلاف الاستقسام بالأزلام فإن القوم كانوا يستقسمون بالأزلام عند الأصنام ويعتقدون أن ما يخرج من الأمر والنهي على تلك الأزلام بإرشاد من الأصنام فلهذا كان الاستقسام بها فسقا وخروجا عن طاعة الله.
وفضلا عن هذا فإن الاست