محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٣ من سورة المائدة في ١٣٥ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و١٤٦ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٣ من سورة المائدة

١٣٥ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَآ أُهِلّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدّيَةُ وَالنّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ السّبُعُ إِلاّ مَا ذَكّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِالأزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً فَمَنِ اضْطُرّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنّ اللّهَ غَفُورٌ رّحِيمٌ﴾. .
يعني بذلك جلّ ثناؤه : حرّم الله عليكم أيها المؤمنون الميتة، والميتة : كلّ ما له نَفْس سائلة من دوابّ البرّ وطيره، مما أباح الله أكلها، وأهليها ووحشيّها، فارقتها روحها بغير تذكية. وقد قال بعضهم : الميتة : هو كلّ ما فارقته الحياة من دوابّ البرّ وطيره بغير تذكية مما أحلّ الله أكله. وقد بينا العلة الموجبة صحة القول بما قلنا في ذلك في كتابنا : كتاب «لطيف القول في الأحكام ». وأما الدم، فإن الدم المسفوح دون ما كان منه غير مسفوح، لأن الله جلّ ثناؤه قال : قُلْ لا أجِدُ فيما أُوحِيَ إليّ مُحَرّما على طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلاّ أنْ يَكُونَ مَيْتَةً أوْ دَما مَسْفُوحا أوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ : فأما ما كان قد صار في معنى اللحم كالكبد والطّحال، وما كان في اللحم غير منسفح، فإن ذلك غير حرام، لإجماع الجميع على ذلك.
وأما قوله : ولَحْمُ الخِنْزِيرِ فإنه يعني : وحرّم عليكم لحم الخنزير، أهليه وبرّيه. فالميتة والدم مخرجهما في الظاهر مخرج عموم، والمراد منهما الخصوص وأما لحم الخنزير، فإن ظاهره كباطنه وباطنه كظاهره، حرام جميعه لم يخصص منه شيء.
وأما قوله ومَا أهِلّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ فإنه يعني : وما ذكر عليه غير اسم الله. وأصله من استهلال الصبيّ وذلك إذا صاح حين يسقط من بطن أمه، ومنه إهلال المحرّم بالحجّ إذا لَبّى به، ومنه قول ابن أحمر :
يُهلّ بالفَرْقَدِ رُكْبانُهاكمَا يُهِلّ الرّاكِبُ المُعْتَمِرْ
وإنما عنى بقوله : وَما أُهِلّ لغيرِ اللّهِ بِهِ : وما ذُبح للآلهة وللأوثان يسمّى عليه غير اسم الله. وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، وقد ذكرنا الرواية عمن قال ذلك فيما مضى فكرهنا إعادته.

القول في تأويل قوله تعالى : وَالمُنْخَنِقَةُ.


اختلفت أهل التأويل في صفة الانخناق الذي عَنَى الله جلّ ثناؤه بقوله وَالمُنْخَنِقَةُ. فقال بعضهم بما :
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : وَالمُنْخَنِقَةُ قال : التي تُدخِل رأسَها بين شعبتين من شجرة، فتختنق فتموت.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبو خالد الأحمر، عن جويبر، عن الضحاك، في المنخنقة، قال : التي تختنق فتموت.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : حدثنا معمر، عن قتادة في قوله : وَالمُنْخَنِقَةُ التي تموت في خِنَاقها.
وقال آخرون : هي التي تُوْثَق فيقتلها بالخناق وثاقها. ذكر من قال ذلك :
حُدثت عن الحسن، قال : سمعا أبا معاذ، يقول : أخبرنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : وَالمُنْخَنِقَةُ قال : الشاة توثق، فيقتلها خناقها، فهي حرام.
وقال آخرون : بل هي البهيمة من النّعمَ، كان المشركون يخنقونها حتى تموت، فحرّم الله أكلها. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس : وَالمُنْخَنِقَةُ : التي تُخنق فتموت.
حدثنا بشر قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : وَالمُنْخَنِقَةُ : كان أهل الجاهلية يخنقون الشاة، حتى إذا ماتت أكلوها.
وأولى هذه الأقوال بالصواب، قول من قال : هي التي تختنق، إما في وِثاقها، وإما بإدخال رأسها في الموضع الذي لا تقدر على التخلص منه فتختنق حتى تموت.
وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب في تأويل ذلك من غيره، لأن المنخنقة : هي الموصوفة بالانخناق دون خنق عيرها لها، ولو كان معنيا بذلك أنها مفعول بها لقيل : والمخنوقة، حتى يكون معنى الكلام ما قالوا.

القول في تأويل قوله تعالى : وَالمَوْقُوذَةُ :


يعني جلّ ثناؤه بقوله وَالمَوْقُوذَةُ : والميتة وقيذا، يقال منه : وَقَذَه يَقِذُهِ وَقْذا : إذا ضربه حتى أشرف على الهلاك، ومنه قول الفرزدق :
شَغّارَةً تقِذُ الفَصِيلَ برِجْلهافَطّارَةً لِقَوَادِمِ الأبْكارِ
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس : وَالمَوْقُوذَةُ قال : الموقوذة التي تضرب بالخشب حتى يقذها فتموت.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال حدثنا سعيد، عن قتادة : وَالمَوْقُوذَةُ كان أهل الجاهلية يضربونها بالعصا، حتى إذا ماتت أكلوها.
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا روح، قال : حدثنا شعبة، عن قتادة في قوله : وَالمَوْقُوذَةُ قال : كانوا يضربونها حتى يقذوها، ثم يأكلوها.
حدثنا الحسن بن يحيى قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله : وَالمَوْقُوذَةُ التي توقدَ فتموت.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبو خالد الأحمر، عن جويبر، عن الضحاك، قال : المَوْقُوذَةُ : التي تضرب حتى تموت.
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن مفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : وَالمَوْقُوذَةُ قال : هي التي تضرب فتموت.
حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد بن سلمان، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : وَالمَوْقُوذَةُ : كانت الشاة أو غيرها من الأنعام تضرب بالخشب لآلهتهم حتى يقتلوها فيأكلوها.
حدثنا العباس بن الوليد، قال : أخبرني عقبة بن علقمة، ثني إبراهيم بن أبي عبلة، قال : ثنء نعيم بن سلامة، عن أبي عبد الله الصنابحي، قال : ليست الموقوذة إلاّ في مالك، وليس في الصيد وقيذ.

القول في تأويل قوله تعالى : والمُتَرَدّيَةُ.


يعني بذلك جلّ ثناؤه : وحرّمت عليكم الميتة تردّيا من جبل، أو في بئر، أو غير ذلك. وتردّيها : رميُها بنفسها من مكان عالٍ مشرف إلى سفله.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس : والمُتَرَدّيَةُ قال : التي تتردّى من الجبل.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : والمُتَرَدّيَةُ : كانت تتردّى في البئر فتموت فيأكلونها.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا روح، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : والمُتَرَدّيَةُ قال : التي تردّت فِي البئر.
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ في قوله : والمُتَرَدّيَةُ قال : هي التي تَرَدّى من الجبل أو في البئر، فتموت.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبو خالد الأحمر، عن جويبر، عن الضحاك : والمُتَرَدّيَةُ : التي تَرَدّى من الجبل فتموت.
حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال : سمعت أبا معاذ، يقول : حدثنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : والمُتَرَدّيَةُ قال : التي تخرّ في ركيّ أو من رأس جبل فتموت.

القول في تأويل قوله تعالى : وَالنّطِيحَةُ.


يعني بقوله النّطِيحَةُ : الشاة التي تنطحها أخرى فتموت من النطاح بغير تذكية، فحرم الله جلّ ثناؤه ذلك على المؤمنين إن لم يدركوا ذكاته قبل موته. وأصل النطيحة : المنطوحة، صرفت من مفعولة إلى فعيلة.
فإن قال قائل : وكيف أثبتت الهاء هاء التأنيث فيها، وأنت تعلم أن العرب لا تكاد تثبت الهاء في نظائرها إذا صرفوها صرف النطيحة من مفعول إلى فعيل، إنما تقول : لحية دهين، وعين كحيل، وكفّ خضيب، ولا يقولون كفّ خضيبة ولا عين كحيلة ؟ قيل : قد اختلفت أهل العربية في ذلك، فقال بعض نحويي البصرة : أثبتت فيها الهاء، أعني في النطيحة، لأنها جعلت كالاسم مثل الطويلة والطريقة فكأن قائل هذا القول وجه النطيحة إلى معنى الناطحة. فتأويل الكلام على مذهبه : وحرمت عليكم الميتة نطاحا، كأنه عنى : وحرّمت عليكم الناطحة التي تموت من نطاحها. وقال بعض نحويي الكوفة : إنما تحذف العرب الهاء من الفعيلة المصروفة عن المفعول إذا جعلتها صفة لاسم، قد تقدّمها، فتقول : رأينا كفا خضيبا وعينا كحيلاً. فأما إذا حذفت الكفّ والعين والاسم الذي يكون فعيل نعتا لها واجتزأوا بفعيل منها، أثبتوا فيه هاء التأنيث، ليعلم بثبوتها فيه أنها صفة للمؤنث دون المذكر، فتقول : رأينا كحيلة وخضيبة وأكيلة السبع، قالوا : ولذلك أدخلت الهاء في النطيحة، لأنها صفة المؤنث، ولو أسقطت منها لم يُدْر أهي صفة مؤنث أو مذكر. وهذا القول هو أولى القولين في ذلك بالصواب الشائع من أقوال أهل التأويل، بأن معنى النطيحة : المنطوحة. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن أبي عباس، قوله : وَالنّطيحَة قال : الشاة تَنْطح الشاة.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبو أحمد الزّبيري، عن قيس، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة، قال : كان يقرأ :«والمنطوحة ».
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبو خالد الأحمر، عن جويبر، عن الضحاك : وَالنّطِيحَةُ : الشاتان تنتطحان فتموتان.
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : وَالنّطِيحَة : هي التي تنطحها الغنم والبقر فتموت. يقول : هذا حرام، لأن ناسا من العرب كانوا يأكلونه.
حدثنا بشر، قال حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : والنّطِيحَةُ كان الكبشان ينتطحان، فيموت أحدهما، فيأكلونه.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا روح، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : والنّطِيحَة الكبشان ينتطحان فيقتل أحدهما الآخر، فيأكلونه.
حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد، ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : والنّطِيحَةُ قال : الشاة تنطح الشاة فتموت.

القول في تأويل قوله تعالى : وَما أكَلَ السّبُعُ.


يعني جلّ ثناؤه بقوله : وَما أكَلَ السّبُعُ : وحرّم عليكم ما أكل السبع غير المعلّم من الصوائد. وكذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس : وَما أكَلَ السّبُعُ يقول : ما أخذ السبع.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبو خالد الأحمر، عن جويبر، عن الضحاك : وَما أكَلَ السّبُعُ يقول : ما أخذ السبع.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : وَما أكَلَ السّبُعُ قال : كان أهل الجاهلية إذا قتل السبع شيئا من هذا أو أكل منه، أكلوا ما بقي
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب

القول في تأويل قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾


قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: حرَّم الله عليكم، أيها المؤمنون، الميتة.
* * *
و"الميتة": كل ما له نفس سائلة من دواب البر وطيره، مما أباح الله أكلها، أهليَّها ووحشيَّها، فارقتها روحها بغير تذكية. (١)
وقد قال بعضهم:"الميتة"، هو كل ما فارقته الحياة من دوابِّ البر وطيره بغير تذكية، مما أحل الله أكله. (٢)
وقد بيّنا العلة الموجبة صحة القول بما قلنا في ذلك، في كتابنا (كتاب لطيف القول في الأحكام). (٣)
* * *
وأما"الدم"، فإنه الدم المسفوح، دون ما كان منه غير مسفوح، لأن الله جل ثناؤه قال: (قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزيرٍ) [سورة الأنعام: ١٤٥]، فأما ما كان قد صار في معنى اللحم، كالكبد والطحال، وما كان في اللحم غير
(١) "التذكية": الذبح.
(٢) انظر تفسير"الميتة" فيما سلف ٣: ٣١٨، ٣١٩.
(٣) مر اسم هذا الكتاب مرارًا، ومر في بعضها باسم"اللطيف في أحكام شرائع الإسلام"، ١: ١٠٩، وكان هنا في المخطوطة والمطبوعة: "كتاب اللطيف القول في الأحكام"، وهو غير مستقيم.
منسفح، فإن ذلك غير حرام، لإجماع الجميع على ذلك.
* * *
وأما قوله:"ولحم الخنزير"، فإنه يعني: وحُرِّم عليكم لحم الخنزير، أهليُّه وبَرِّيّه.
فالميتة والدم مخرجهما في الظاهر مخرج عموم، والمراد منهما الخصوص. وأما لحم الخنزير، فإن ظاهره كباطنه، وباطنه كظاهره، حرام جميعه، لم يخصص منه شيء.
* * *
وأما قوله:"وما أهلَّ لغير الله به"، فإنه يعني: وما ذكر عليه غير اسم الله.
* * *
وأصله من"استهلال الصبي"، وذلك إذا صاح حين يسقط من بطن أمه. ومنه"إهلال المحرم بالحج"، إذا لبّى به (١) ومنه قول ابن أحمر:
يُهلُّ بالفَرْقَدِ رُكْبَانُهَاكَمَا يُهِلُّ الرَّاكِبُ المُعْتَمِرْ (٢)
* * *
وإنما عنى بقوله:"وما أهل لغير الله به"، وما ذبح للآلهة وللأوثان، يسمى عليه غير اسم الله. (٣)
* * *
(١) انظر تفسير"الإهلال" فيما سلف ٣: ٣١٩، ٣٢٠.
(٢) مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ١٥٠، الجمهرة ٢: ٣٨٧، اللسان (عمر) (هلل). يصف مفازة لا يهتدي فيها. و"المعتمر"، المعتم بعمامة. و"الفرقد"، أراد"الفرقدان"، وهما كوكبان من بنات نعش الصغرى، أو هما نجمان في السماء لا يغربان، ولكنهما يطوفان بالجدي.
وفي شرح البيت قولان. قال الأصمعي: "إذا انجلى لهم السحاب عن الفرقد، أهلوا، أي: رفعوا أصواتهم بالتكبير، كما يهل الراكب الذي يريد عمرة الحج، لأنهم كانوا يهتدون بالفرقد".
وقال غيره: "يريد أنهم في مفازة بعيدة من المياه، فإذا رأوا فرقدًا = وهو ولد البقرة الوحشية = أهلوا، أي: كبروا، لأنهم قد علموا أنهم قد قربوا من الماء".
قلت: والعرب تتخذ"الفرقدين" دليلا في الاهتداء بهما، لأنهما لا يطلبان في وقت من الليل إلا وجدا، قال الراعي:
لا يَتَّخِذْنَ إذَا عَلَوْنَ مَفَازةًإلا بَيَاضَ الفَرْقَدَينِ دَليلا
(٣) انظر ما سلف ٣: ٣٢١.
وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، وقد ذكرنا الرواية عمن قال ذلك فيما مضى، فكرهنا إعادته. (١)
* * *

القول في تأويل قوله: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾


قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في صفة"الانخناق" الذي عنى الله جل ثناؤه بقوله:"والمنخنقة".
فقال بعضهم بما:-
١١٠٠٢- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"والمنخنقة"، قال: التي تدخل رأسها بين شُعْبتين من شجرة، فتختنق فتموت.
١١٠٠٢م- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن جويبر، عن الضحاك في المنخنقة، قال: التي تختنق فتموت.
١١٠٠٣- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، حدثنا معمر، عن قتادة في قوله:"والمنخنقة"، التي تموت في خِنَاقها. (٢)
* * *
وقال آخرون: هي التي توثق فيقتلها بالخناق وَثَاقها.
*ذكر من قال ذلك:
١١٠٠٤- حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:"والمنخنقة"، قال: الشاة توثق، فيقتلها خِنَاقها، فهي حرام.
* * *
(١) انظر الآثار السالفة من رقم: ٢٤٦٨- ٢٤٧٧.
(٢) "الخناق" (بكسر الخاء) : الحبل الذي يخنق به، وأراد الحبل الذي ربطت فيه من عند عنقها.
وقال آخرون: بل هي البهيمة من النَّعم، كان المشركون يخنقونها حتى تموت، فحرَّم الله أكلها.
*ذكر من قال ذلك:
١١٠٠٥- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس:"والمنخنقة" التي تُخنق فتموت. (١)
١١٠٠٦- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"والمنخنقة"، كان أهل الجاهلية يخنقون الشاة، حتى إذا ماتت أكلوها. (٢)
* * *
وأولى هذه الأقوال بالصواب، قول من قال:"هي التي تختنق، إما في وثاقها، وإما بإدخال رأسها في الموضع الذي لا تقدر على التخلص منه، فتختنق حتى تموت".
وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب في تأويل ذلك من غيره، لأن"المنخنقة"، هي الموصوفة بالانخناق، دون خنق غيرها لها، ولو كان معنيًّا بذلك أنها مفعول بها، لقيل:"والمخنوقة"، حتى يكون معنى الكلام ما قالوا.
* * *

القول في تأويل قوله: ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾


قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"والموقوذة"، والميتة وقيذًا.
* * *
يقال منه:"وقَذَهُ يَقِذُه وقْذًا"، إذا ضربه حتى أشرف على الهلاك، ومنه قول الفرزدق:
(١) في المطبوعة: "تختنق فتموت"، وهو خطأ صرف مفسد لاستدلال الطبري، والصواب من المخطوطة.
(٢) الأثر: ١١٠٠٦-"بشر بن معاذ"، مضى، ومضى إسناده هذا مئات من المرات، أقربه رقم: ١٠٩٩٥، ولكن كان في المخطوطة والمطبوعة هنا: "حدثنا أنس قال، حدثنا يزيد" وهو خطأ صرف.
شَغَّارَةٍ تَقِذُ الفَصِيلَ بِرِجْلِهَافَطَّارَةٍ لِقَوَادِمِ الأبْكَارِ (١)
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك:
١١٠٠٧- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس:"والموقوذة"، قال: الموقوذة، التي تضرب بالخشب حتى توقَذَ بها فتموت. (٢)
١١٠٠٨- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"والموقوذة"، كان أهل الجاهلية يضربونها بالعِصيّ، حتى إذا ماتت أكلوها.
١١٠٠٩- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا روح قال، حدثنا شعبة، عن قتادة في قوله:"والموقوذة"، قال: كانوا يضربونها حتى يقذوها، ثم يأكلونها.
(١) ديوانه: ٤٥٢، النقائض: ٣٣٢، من هجائه جريرًا، قبله:
كَمْ خَالَةٍ لَكَ، يا جَرِيرُ، وعَمّةٍفَدْعَاءَ قَدْ حَلَبَتْ عَلَى عِشَارِي
كُنَّا نُحَاذِرُ أَنْ تُضِيعَ لِقَاحَنَاوَلَهًا، إذَا سَمِعَتْ دُعاءَ يَسَارِ
يقول: عماته وخالاته رعاة أجلاف، واستجاد لهن شر الصفات، فزعمها"فدعاء"، أي في الرسغ من أقدامها ميل وعوج، من المهنة في العمل منذ ولدت. وزعم أنهن كن عنده يحلبن"عشاره"، وهي النوق الحديثة العهد بالولادة، وأنفس الإبل عند أهلها إذا كانت عشارًا، وهي"اللقاح" أيضًا.
و"يسار" اسم راع من عبيدة. يقول: إذا سمعت صوت يسار ساورها الشبق إليه، فطاش عقلها ولهًا وصبابة، فكانوا يخافون أن تهمل اللقاح حتى تهلك وتضيع.
ثم وصفها بالغلظة، بأقبح وصف، فزعم أنها إذا قامت تحلب الناقة، ثم دنا الفصيل من أمه، شغرت برجلها = رفعتها، كما يرفع الكلب رجله وهو يبول إلى خلف = فضربته ضربة يشرف بها على الهلاك، كأن ساقها رمح أو هراوة.
وأما قوله: "فطارة لقوادم الأبكار"، فالأبكار جمع"بكر"، وهي الناقة التي ولدت بطنًا واحدًا، فأخلافها صغار قصار، لا يستمكن الحالب أن يحلبها ضبًا، وهو الحلب بالكف كلها، بل تحلب فطرًا، أي بالسبابة والوسطى، ويستعان بطرف الإبهام. و"القوادم" من النوق، لكل ناقة"قادمان"، وهما خلفا الضرع المقدمان.
(٢) في المطبوعة: "حتى تقذها فتموت"، وفي المخطوطة: "حتى توقدها فتموت"، وصواب قراءتها ما أثبت. وقوله: "بها" أي بالخشبة، وانظر الآثار التالية، فهي دالة على صواب هذه القراءة.
١١٠١٠- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"والموقوذة"، التي توقد فتموت.
١١٠١١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن جويبر، عن الضحاك قال:"الموقوذة"، التي تضرب حتى تموت.
١١٠١٢- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"والموقوذة"، قال: هي التي تضرب فتموت.
١١٠١٣- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن سلمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:"والموقوذة"، كانت الشاة أو غيرها من الأنعام تضرب بالخشب لآلهتهم، حتى يقتلوها فيأكلوها.
١١٠١٤- حدثنا العباس بن الوليد قال، أخبرني عقبة بن علقمة، حدثني إبراهيم بن أبي عبلة. قال، حدثني نعيم بن سلامة، عن أبي عبد الله الصنابحي قال: ليست"الموقوذة" إلا في مالك، وليس في الصيد وقيذ. (١)
* * *
(١) الأثر: ١١٠١٤-"العباس بن الوليد بن مزيد الآملي"، شيخ الطبري، مضى برقم: ٨٩١.
و"عقبة بن علقمة بن حديج المعافري"، من أصحاب الأوزاعي، كان خيارًا ثقة. مترجم في التهذيب.
و"إبراهيم بن أبي عبلة بن شمر، بن يقظان الرملي". روى عنه مالك، والليث، وابن المبارك. ثقة. قال ضمرة بن ربيعة: "ما رأيت أفصح منه"، وكان يقول الشعر الحسن. مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري ١/١/٣١٠.
و"نعيم بن سلامة الأزدي"، ويقال: "نعيم بن سلامان". كان على خاتم سليمان بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز. لم يذكروا فيه جرحًا. مترجم في الكبير ٤/٢/٩٨، وابن أبي حاتم ٤/١/٤٦٢، وتعجيل المنفعة: ٤٢٣.
و"أبو عبد الله الصنابحي"، هو: "عبد الرحمن بن عسيلة بن عسل بن عسال المرادي". رحل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فوجده قد مات قبله بخمس ليال أو ست. كان ثقة قليل الحديث. أخرج الطبراني من طريق ابن محيريز قال: "عدنا عبادة بن الصامت، فأقبل أبو عبد الله الصنابحي، فقال عبادة: من سره أن ينظر إلى رجل عرج به إلى السماء، فنظر إلى أهل الجنة وأهل النار، فرجع وهو يعمل على ما رأى، فلينظر إلى هذا".

القول في تأويل قوله: ﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾


قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وحرمت عليكم الميتة تردِّيًا من جبل أو في بئر، أو غير ذلك.
* * *
و"تردِّيها"، رميُها بنفسها من مكان عالٍ مشرف إلى سُفْله.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك:
١١٠١٥- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:"والمتردية"، قال: التي تتردَّى من الجبل.
١١٠١٦- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"والمتردية"، كانت تتردى في البئر فتموت، فيأكلونها.
١١٠١٧- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا روح قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"والمتردية"، قال: التي تردَّت في البئر.
١١٠١٨- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي في قوله:"والمتردية"، قال: هي التي تَرَدَّى من الجبل، أو في البئر، فتموت.
١١٠١٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن جويبر،
عن الضحاك:"والمتردية"، التي تردَّى من الجبل فتموت.
١١٠٢٠- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، حدثنا عبيد قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:"والمتردية"، قال: التي تَخِرُّ في ركيٍّ، أو من رأس جبل، فتموت. (١)
* * *

القول في تأويل قوله: ﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾


قال أبو جعفر: يعني بقوله:"النطيحة"، الشاة التي تنطحها أخرى فتموت من النطاح بغير تذكية. فحرم الله جل ثناؤه ذلك على المؤمنين، إن لم يدركوا ذكاته قبل موته.
* * *
وأصل"النطيحة"،"المنطوحة"، صرفت من"مفعولة" إلى"فعيلة".
* * *
فإن قال قائل: وكيف أثبتت"الهاء" هاء التأنيث فيها، وأنت تعلم أن العرب لا تكاد تثبت"الهاء" في نظائرها إذا صرفوها صرف"النطيحة" من"مفعول" إلى"فعيل"، إنما تقول:"لحية دهين" و"عين كحيل" و"كف خضيب"، ولا يقولون: كف خضيبة، ولا عين كحيلة؟ (٢)
قيل: قد اختلف أهل العربية في ذلك.
فقال بعض نحويي البصرة: أثبتت فيها"الهاء" = أعني في"النطيحة" = لأنها جعلت كالاسم مثل:"الطويلة" و"الطريقة".
فكأن قائل هذا القول، وجه"النطيحة" إلى معنى"الناطحة".
(١) "الركي": البئر.
(٢) انظر ما سلف ٢: ٣٢٨، ٤٠١/٦: ٤١٤، ومواضع أخرى غابت عني.
فتأويل الكلام على مذهبه: وحرمت عليكم الميتة نطاحًا، كأنه عنى: وحرمت عليكم الناطحة التي تموت من نِطاحها.
* * *
وقال بعض نحويي الكوفة: إنما تحذف العرب"الهاء" من"الفعيلة" المصروفة عن"المفعول"، إذا جعلتها صفة لاسم قد تقدَّمها، فتقول:"رأينا كفًّا خضيبًا، وعينًا كحيلا"، فأما إذا حذفت"الكف" و"العين" والاسم الذي يكون"فعيل" نعتًا لها، واجتز أوا بـ "فعيل" منها، أثبتوا فيه هاء التأنيث، ليعلم بثبوتها فيه أنها صفة للمؤنث دون المذكر، فتقول:"رأينا كحيلةً وخضيبة" و"أكيلة السبع". قالوا: ولذلك أدخلت"الهاء" في"النطيحة"، لأنها صفة المؤنث، ولو أسقطت منها لم يُدْرَ أهي صفة مؤنث أو مذكر.
* * *
وهذا القول هو أولى القولين في ذلك بالصواب، لشائع أقوال أهل التأويل (١) بأن معنى:"النطيحة"، المنطوحة.
*ذكر من قال ذلك:
١١٠٢١- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن أبي عباس قوله:"والنطيحة"، قال: الشاة تنطح الشاة.
١١٠٢٢- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري، عن قيس، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة قال: كان يقرأ: (وَالمَنْطُوحَةُ).
١١٠٢٣- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن جويبر، عن الضحاك:"والنطيحة"، الشاتان ينتطحان فيموتان.
١١٠٢٤- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"والنطيحة"، هي التي تنطحها الغنم والبقر فتموت.
(١) في المطبوعة: "بالصواب الشائع من أقوال أهل التأويل"، وهو عبث وتغيير فاسد، والصواب من المخطوطة. وانظر شبيهة هذه العبارة فيما سلف ص: ٤٨٦ سطر: ١١، "لشائع تأويل أهل التأويل"، وهذا التعبير، هو الثاني فيما مر عليّ من تفسير أبي جعفر فيما سلف.
يقول: هذا حرام، لأن ناسًا من العرب كانوا يأكلونه. (١)
١١٠٢٥- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"والنطيحة"، كان الكبشان ينتطحان، فيموت أحدهما، فيأكلونه.
١١٠٢٦- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا روح قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"والنطيحة"، الكبشان ينتطحان، فيقتل أحدهما الآخر، فيأكلونه.
١١٠٢٧- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد قال، سمعت الضحاك، يقول في قوله:"والنطيحة"، قال: الشاة تنطح الشاة فتموت.
* * *

القول في تأويل قوله: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾


قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"وما أكل السبع"، وحرّم عليكم ما أكل السبع غير المعَلَّم من الصوائد.
* * *
وكذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك:
١١٠٢٨- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس:"وما أكل السبع"، يقول: ما أخذ السبع.
١١٠٢٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن جويبر، عن الضحاك:"وما أكل السبع"، يقول: ما أخذ السبع.
١١٠٣٠- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:
(١) الأثر: ١١٠٢٤- يأتي بتمامه برقم: ١١٠٤٧.
"وما أكل السبع"، قال: كان أهل الجاهلية إذا قتل السبع شيئًا من هذا أو أكل منه، أكلوا ما بقي.
١١٠٣١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري، عن قيس، عن عطاء بن السائب، عن أبي الربيع، عن ابن عباس أنه قرأ: (وأكيل السبع).
* * *

القول في تأويل قوله: ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾


قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"إلا ما ذكَّيتم"، إلا ما طهرتموه بالذبح الذي جعله الله طهورًا.
* * *
ثم اختلف أهل التأويل فيما استثنى الله بقوله:"إلا ما ذكيتم".
فقال بعضهم: استثنى من جميع ما سمى الله تحريمه من قوله:"وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع".
*ذكر من قال ذلك:
١١٠٣٢- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس:"إلا ما ذكيتم"، يقول: ما أدركتَ ذكاته من هذا كله، يتحرّك له ذنب، أو تطرِف له عين، فاذبح واذكر اسم الله عليه، فهو حلال.
١١٠٣٣- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن فضيل، عن أشعث، عن الحسن:"حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم"، قال الحسن: أيَّ هذا
أدركتَ ذكاته فذكِّه وكُلْ. فقلت: يا أبا سعيد، كيف أعرف؟ قال: إذا طرَفت بعينها، أو ضربت بذَنبها.
١١٠٣٤- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"إلا ما ذكيتم"، قال: فكلُّ هذا الذي سماه الله عز وجل ههنا، ما خلا لحم الخنزير، إذا أدركتَ منه عينًا تطرف، أو ذنبًا يتحرك، أو قائمة تركض (١) فذكّيته، فقد أحلّ الله لك ذلك.
١١٠٣٥- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة:"إلا ما ذكيتم"، من هذا كله. فإذا وجدتها تطرف عينها، أو تحرك أذنها من هذا كله، فهي لك حلال.
١١٠٣٦- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني هشيم وعباد قالا أخبرنا حجاج، عن حصين، عن الشعبي، عن الحارث، عن علي قال: إذا أدركت ذكاة الموقوذة والمتردية والنطيحة، وهي تحرك يدًا أو رجلا فكلها.
١١٠٣٧- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا معمر، عن إبراهيم قال: إذا أكل السبع من الصيد، أو الوقيذة أو النطيحة أو المتردية، فأدركت ذكاته، فكُل.
١١٠٣٨- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا مصعب بن سلام التميمي قال، حدثنا جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب قال: إذا ركضت برجلها، أو طرفت بعينها، وحركت ذنبها، فقد أجزأ. (٢)
(١) "الركض": حركة الرجل واضطرابها، أو الضرب بها. و"ارتكض الشيء": إذا اضطرب.
(٢) الأثر: ١١٠٣٨-"مصعب بن سلام التميمي" مضت ترجمته برقم: ٥٣٨٢.
و"جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب"، هو"جعفر الصادق"، مضت ترجمته برقم: ٢٠٠٣.
و"أبوه": "محمد بن علي بن الحسين"، وهو"محمد الباقر" مضى برقم: ٥١٢٣، ٥٤٦٣.
١١٠٣٩- حدثنا ابن المثنى وابن بشار قالا حدثنا أبو عاصم قال، أخبرنا ابن جريج قال، أخبرني ابن طاوس، عن أبيه قال: إذ ذبحت فَمَصَعَت بذنبها، أو تحركت، فقد حلَّت لك = أو قال: فَحَسْبه. (١)
١١٠٤٠- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا حماد، عن حميد، عن الحسن قال: إذا كانت الموقوذة تطرف ببصرها، أو تركض برجلها، أو تمصَع بذنبها، فاذبح وكُل.
١١٠٤١- حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج قال، حدثنا حماد، عن قتادة، بمثله.
١١٠٤٢- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، أنه سمع عبيد بن عمير يقول: إذا طرفت بعينها، أو مصعت بذنبها، أو تحركت، فقد حلَّت لك.
١١٠٤٣- حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول: كان أهل الجاهلية يأكلون هذا، فحرَّم الله في الإسلام إلا ما ذُكِّي منه، فما أُدرك فتحرّك منه رجل أو ذنب أو طَرف، فذكِّي، فهو حلال.
١١٠٤٤- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير"، وقوله:"والمنخنقة والموقوذة والمتردِّية والنطيحة"، الآية"وما أكل السبع إلا ما ذكيتم"، قال: هذا كله محرّم، إلا ما ذكيّ من هذا.
* * *
فتأويل الآية على قول هؤلاء: حرمت الموقوذة والمتردِّية، إن ماتت من التردِّي والوقذ والنطح وفَرْس السبع، إلا أن تدركوا ذكاتها، فتدركوها قبل موتها، فتكون حينئذ حلالا أكلُها.
* * *
(١) "مصعت بذنبها": حركته وضربت به. وكان في المطبوعة: "أو قال: فحسب"، والصواب من المخطوطة، أي: ذلك حسبه وكافيه ومجزئه، يعني من أراد أكلها.
وقال آخرون: هو استثناء من التحريم، وليس باستثناء من المحرَّمات التي ذكرها الله تعالى في قوله:"حرمت عليكم الميتة"، لأن الميتة لا ذكاة لها، ولا للخنزير. قالوا: وإنما معنى الآية: حرمت عليكم الميتة والدم وسائر ما سمينا مع ذلك، إلا ما ذكيتم مما أحلَّه الله لكم بالتذكية، فإنه لكم حلال. وممن قال ذلك جماعة من أهل المدينة.
ذكر بعض من قال ذلك:
١١٠٤٥- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال، قال مالك، وسئل عن الشاة التي يخرِق جوفها السبع حتى تخرجَ أمعاؤها، فقال مالك: لا أرى أن تذكَّى، ولا يؤكل أي شيء يذكَّى منها.
١١٠٤٦- حدثني يونس، عن أشهب قال: سئل مالك عن السبع يَعْدُو على الكبش فيدقُّ ظهره، أترى أن يذكَّى قبل أن يموت فيؤكل؟ قال: إن كان بلغ السَّحْر (١) فلا أرى أن يؤكل. وإن كان إنما أصاب أطرافه، فلا أرى بذلك بأسًا. قيل له: وثب عليه فدقَّ ظهره؟ قال: لا يعجبني أن يؤكل، هذا لا يعيش منه. قيل له: فالذئب يعدو على الشاة فيشق بطنها ولا يشق الأمعاء؟ قال: إذا شق بطنها، فلا أرى أن تؤكل.
* * *
وعلى هذا القول يجب أن يكون قوله:"إلا ما ذكيتم"، استثناء منقطعًا.
= فيكون تأويل الآية: حرمت عليكم الميتة والدم وسائر ما ذكرنا، ولكن ما ذكيتم من الحيوانات التي أحللتها لكم بالتذكية حلال.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك عندنا بالصواب، القول الأول، وهو أن قوله:"إلا ما ذكيتم" استثناء من قوله:"وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع"، لأن كل ذلك مستحق الصفة التي
(١) "السحر" (بفتح فسكون) : هو الرئة، أو ما التزق بالحلقوم والمريء من أعلى البطن.
هو بها قبل حال موته (١) فيقال لما قرَّب المشركون لآلهتهم فسموه لهم:"هو ما أهل لغير الله به"، بمعنى سمى قربانًا لغير الله. وكذلك"المنخنقة"، إذا انخنقت وإن لم تمت، فهي منخنقة. وكذلك سائر ما حرمه الله جل وعز بعد قوله:"وما أهل لغير الله به"، إلا بالتذكية، فإنه يوصف بالصفة التي هو بها قبل موته، فحرمه الله على عباده إلا بالتذكية المحللة، دون الموت بالسبب الذي كان به موصوفًا. فإذ كان ذلك كذلك، فتأويل الآية: وحرم عليكم ما أهل لغير الله به والمنخنقة وكذا وكذا وكذا، إلا ما ذكيتم من ذلك.
فـ"ما" = إذ كان ذلك تأويله = في موضع نصب بالاستثناء مما قبلها. وقد يجوز فيه الرفع.
وإذ كان الأمر على ما وصفنا، فكل ما أدركت ذكاتُه من طائر أو بهيمة قبل خروج نفسه، ومفارقة روحه جسدَه، فحلال أكله، إذا كان مما أحلَّه الله لعباده.
* * *
فإن قال لنا قائل: فإذ كان ذلك معناه عندك، فما وجه تكريره ما كرّر بقوله:"وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية"، وسائر ما عدَّد تحريمه في هذه الآية، وقد افتتح الآية بقوله:"حرمت عليكم الميتة"؟ وقد علمت أن قوله:"حرمت عليكم الميتة"، شامل كل ميتة، كان موته حتف أنفه من علة به من غير جناية أحد عليه، أو كان موته من ضرب ضاربٍ إياه، أو انخناق منه، أو انتطاح، أو فَرْس سبع؟ وهلا كان قوله = إن كان الأمر على ما وصفت في ذلك، من أنه معنيٌّ بالتحريم في كل ذلك: الميتة بالانخناق والنطاح والوقذ وأكل السبع أو غير ذلك، دون أن يكون معنيًّا به تحريمه إذا تردّى أو انخنق أو فرسه السبع، فبلغ ذلك منه ما يعلم أنه لا يعيش مما أصابه منه إلا باليسير من الحياة (٢)
(١) في المخطوطة: "موتها"، وهما سواء.
(٢) سياق هذه العبارة المطولة: "وهلا كان قوله..: حرمت عليكم الميتة، مغنيًا من تكرير ما كرر.. وتعداده ما عدد"، وما بينهما فصل وضعته بين خطين.
"حرمت عليكم الميتة"، مغنيًا من تكرير ما كرر بقوله:"وما أهل لغير الله به والمنخنقة"، وسائر ما ذكر مع ذلك، وتَعْدادِه ما عدَّد؟
قيل: وجه تكراره ذلك = وإن كان تحريم ذلك إذا مات من الأسباب التي هو بها موصوف، وقد تقدم بقوله:"حرمت عليكم الميتة" = أن الذين خوطبوا بهذه الآية كانوا لا يعدُّون"الميتة" من الحيوان، إلا ما مات من علة عارضة به غير الانخناق والتردِّي والانتطاح وفرس السبع. فأعلمهم الله أن حكم ذلك، حكم ما مات من العلل العارضة = وأن العلة الموجبة تحريم الميتة، ليست موتها من علة مرض أو أذى كان بها قبل هلاكها، ولكن العلة في ذلك أنها لم يذبحها من أجل ذبيحته بالمعنى الذي أحلها به (١) كالذي:-
١١٠٤٧- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي في قوله:"والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم"، يقول: هذا حرام، لأن ناسًا من العرب كانوا يأكلونه ولا يعدّونه ميتًا، إنما يعدون الميت الذي يموت من الوجع. فحرمه الله عليهم، إلا ما ذكروا اسم الله عليه، وأدركوا ذكاته وفيه الروح. (٢)
* * *

القول في تأويل قوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾


قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه:"وما ذبح على النصب"، وحرم عليكم أيضًا الذي ذبح على النُّصُب.
فـ"ما" في قوله:"وما ذبح"، رفْعٌ، عطفًا على"ما" التي في قوله:"وما أكل السبع".
(١) في المطبوعة: "من أحل ذبيحته"، والصواب ما في المخطوطة، وهي فيها منقوطة. ويعني: من أجل أن تكون ذبيحة له يأكلها.
(٢) الأثر: ١١٠٤٧- هو تمام الأثر السالف رقم: ١١٠٢٤.
و"النصب"، الأوثان من الحجارة، جماعة أنصاب كانت تجمع في الموضع من الأرض، فكان المشركون يقرِّبون لها، وليست بأصنام.
وكان ابن جريج يقول في صفته ما:-
١١٠٤٨- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج:"النصب" ليست بأصنام،"الصنم" يصوَّر وينقش، وهذه حجارة تنصب، ثلاثمئة وستون حجرًا (١) منهم من يقول ثلثمئة منها لخزاعة (٢) = فكانوا إذا ذبحوا نضحوا الدم على ما أقبل من البيت (٣) وشرَّحوا اللحم وجعلوه على الحجارة. (٤) فقال المسلمون: يا رسول الله، كان أهل الجاهلية يعظمون البيت بالدم، فنحن أحقُّ أن نعظمه! فكأن النبي ﷺ لم يكره ذلك، فأنزل الله: (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا) [سورة الحج: ٣٧].
* * *
ومما يحقق قول ابن جريج في أن"الأنصاب" غير"الأصنام"، ما:-
١١٠٤٩- حدثنا به ابن وكيع قال: حدثنا ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"وما ذبح على النصب"، قال: حجارة كان يذبح عليها أهل الجاهلية.
١١٠٥٠- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله:"النصب"، قال: حجارة حول الكعبة، يذبح عليها أهل الجاهلية، ويبدِّلونها إذا شاؤوا بحجارة أعجب إليهم منها.
(١) قوله: "ثلثمئة وستون حجرًا"، يعني عدة الأنصاب التي كانت حول الكعبة، انظر ابن سعد ٢/١/٩٨: "وطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحول الكعبة ثلثمئة وستون صنما"، ولكن هذه أصنام لا أنصاب كما ترى.
(٢) في المطبوعة والمخطوطة: "بخزاعة" بالباء، والصواب ما أثبت.
(٣) "نضح الدم أو الماء": رشه به.
(٤) "شرح اللحم"، وهو أن يقطع بضعة من اللحم ويرققها، حتى تشف من رقتها. و"الشريحة": القطعة المرققة منه كذلك.
١١٠٥١- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١١٠٥٢- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"وما ذبح على النصب"، و"النصب": حجارة كان أهل الجاهلية يعبدونها، ويذبحون لها، فنهى الله عن ذلك.
١١٠٥٣- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"وما ذبح على النصب"، يعني: أنصابَ الجاهلية.
١١٠٥٤- حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:"وما ذبح على النصب"، و"النصب"، أنصاب كانوا يذبحون ويُهِلُّون عليها.
١١٠٥٥- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد قوله:"وما ذبح على النصب"، قال: كان حول الكعبة حجارة كان يَذبح عليها أهل الجاهلية، ويبدِّلونها إذا شاؤوا بحجر هو أحبّ إليهم منها.
١١٠٥٦- حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد قال، سمعت الضحاك بن مزاحم يقول:"الأنصاب"، حجارة كانوا يهلّون لها، ويذبحون عليها.
١١٠٥٧- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"وما ذبح على النُّصب"، قال:"ما ذبح على النصب" و"ما أهل لغير الله به"، وهو واحد. (١)
* * *
(١) في المطبوعة: "هو واحد"، بغير واو، والذي في المخطوطة أجود.

القول في تأويل قوله: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأزْلامِ﴾


قال أبو جعفر: يعني بقوله:"وأن تستقسموا بالأزلام"، وأن تطلبوا علم ما قُسِم لكم أو لم يقسم، بالأزلام.
* * *
وهو"استفعلت" من"القَسْم" قَسْم الرزق والحاجات. وذلك أن أهل الجاهلية كان أحدهم إذا أراد سفرًا أو غزوًا أو نحو ذلك، أَجال القداح = وهي"الأزلام" وكانت قِداحًا مكتوبًا على بعضها:"نهاني ربّي"، وعلى بعضها:"أمرني ربّي" = فإن خرج القدح الذي هو مكتوب عليه:"أمرني ربي"، مضى لما أراد من سفر أو غزو أو تزويج وغير ذلك. وإن خرج الذي عليه مكتوب:"نهاني ربي"، كفّ عن المضي لذلك وأمسك، فقيل:"وأن تستقسموا بالأزلام"، لأنهم بفعلهم ذلك كانوا كأنهم يسألون أزلامهم أن يَقْسِمن لهم، ومنه قول الشاعر مفتخرًا بترك الاستقسام بها: (١)
وَلَمْ أَقْسِمْ فَتَرْبُثَنِي القُسُومُ (٢)
* * *
وأما"الأزلام"، فإن واحدها"زَلَم"، ويقال:"زُلَم"، وهي القداح التي وصفنا أمرها. (٣)
* * *
(١) أعياني أن أعرف قائله، وهو شبيه بكلام أمية بن أبي الصلت، وليس في ديوانه.
(٢) مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ١٥٢، وقوله"لم أقسم"، من"قسمت أمري أقسمه قسما"، أي: قدرته ونظرت، وميلت فيه أن أفعله أو لا أفعله. وقالوا: "تركت فلانًا يقتسم، وتركته يستقسم": أي يفكر ويروي بين أمرين. وكذلك فعل من يستقسم بالأزلام، فاستعمل"أقسم" بمعنى"الاستقسام بالأزلام" في هذا البيت. و"القسوم" جمع"قسم" (بكسر القاف وسكون السين) : الحظ، وجمعه"أقسام"، ولكنه جمع على"قسوم"، كجمع"حلم" على"حلوم" و"أحلام".
(٣) "زلم" (بفتحتين) و"زلم" (بضم الزاي وفتح اللام).
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك:
١١٠٥٨- حدثنا محمد بن بشار وابن وكيع قالا حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير:"وأن تستقسموا بالأزلام"، قال: القداح، كانوا إذا أرادوا أن يخرجوا في سفر جعلوا قداحًا للجلوس والخروج. فإن وقع الخروج خرجوا، وإن وقع الجلوس جلسوا.
١١٠٥٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن شريك، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير:"وأن تستقسموا بالأزلام"، قال: حصًى بيضٌ كانوا يضربون بها.
= قال أبو جعفر: قال لنا سفيان بن وكيع: هو الشطرنج. (١)
١١٠٦٠- حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا عباد بن راشد البزّار، عن الحسن في قوله:"وأن تستقسموا بالأزلام"، قال: كانوا إذا أرادوا أمرًا أو سفرًا، يعمَدون إلى قداح ثلاثة، على واحد منها مكتوب:"أؤمرني"، وعلى الآخر:"انهني"، ويتركون الآخر محلَّلا بينهما ليس عليه شيء. ثم يجيلونها، فإن خرج الذي عليه"أؤمرني" مضوا لأمرهم. وإن خرج الذي عليه"انهني" كفُّوا، وإن خرج الذي ليس عليه شيء أعادوها. (٢)
١١٠٦١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"وأن تستقسموا بالأزلام"، حجارة كانوا يكتبون عليها، يسمونها"القِداح".
(١) هذا قول في غاية الغرابة!! كأنه كان يجهل ما الشطرنج = أو كأنه كان يرى أنهم يفعلون ذلك بقطع الشطرنج، دون أن يكون هذا الفعل هو اللعب بالشطرنج.
(٢) الأثر: ١١٠٦٠-"عباد بن راشد التميمي البزار"، ابن أخت داود بن أبي هند. روى عن ثابت البناني، والحسن البصري، وداود بن أبي هند، وقتادة. روى عنه هشيم، وعبد الرزاق، وأبو عامر العقدي، وغيرهم. ذكره البخاري في الضعفاء، وروى له مقرونًا بغيره، متكلم فيه. مترجم في التهذيب.
١١٠٦٢- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله:"بالأزلام"، قال: القداح، يضربون لكل سفر وغزوٍ وتجارة.
١١٠٦٣- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١١٠٦٤- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن آدم، عن زهير، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد:"وأن تستقسموا بالأزلام"، قال: كِعابُ فارس التي يقمُرون بها، وسهام العرب.
١١٠٦٥- حدثني أحمد بن حازم الغفاري قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا زهير، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد:"وأن تستقسموا بالأزلام"، قال: سهام العرب، وكعاب فارس والروم، كانوا يتقامرون بها.
١١٠٦٦- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"وأن تستقسموا بالأزلام"، قال: كان الرجل إذا أراد أن يخرج مسافرًا، كتب في قدح:"هذا يأمرني بالمكث" و"هذا يأمرني بالخروج"، وجعل معهما منيحة. (١) شيء لم يكتب فيه شيئًا، ثم استقسم بها حين يريد أن يخرج. فإن خرج الذي يأمر بالمكث مكث، وإن خرج الذي يأمر بالخروج خرج، وإن خرج الآخر أجالها ثانية حتى يخرج أحد القِدْحين.
١١٠٦٧- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"وأن تستقسموا بالأزلام"، وكان أهل الجاهلية إذا أراد أحدهم خروجًا، أخذ
(١) في المطبوعة والمخطوطة: "معها"، والصواب التثنية. وفي المطبوعة: "منيحًا"، وهو صواب في المعنى. ولكني أثبت ما في المخطوطة. وذلك أن"المنيح" -كما في المطبوعة- هو القدح المستعار من قداح الميسر، وهو الغفل الذي لا نصيب له، إلا أن يمنح صاحبه شيئًا، فيستعار ويتيمن به. وأما "المنيحة"، فهي الناقة أو الشاة المعارة أيضًا، فنظر إلى معنى المستعار فسمى هذا الشيء الذي لا أمر له في الاستقسام"منيحة"، كما سموا شبيهه في الميسر"منيحًا" وهو المستعار.
قدحًا فقال:"هذا يأمر بالخروج"، فإن خرج فهو مصيب في سفره خيرًا، ويأخذ قِدحًا آخر فيقول:"هذا يأمر بالمكوث"، فليس يصيب في سفره خيرًا، و"المنيح" بينهما. فنهى الله عن ذلك وقدَّم فيه.
١١٠٦٨- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:"وأن تستقسموا بالأزلام"، قال: كانوا يستقسمون بها في الأمور.
١١٠٦٩- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد:"الأزلام"، قداح لهم. كان أحدهم إذا أراد شيئًا من تلك الأمور كتب في تلك القداح ما أراد، فيضرب بها، فأي قدح خرج = وإن كان أبغض تلك = ارتكبه وعمل به.
١١٠٧٠- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل، قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"وأن تستقسموا بالأزلام"، قال:"الأزلام"، قداح كانت في الجاهلية عند الكهنة، فإذا أراد الرجل أن يسافر، أو يتزوج، أو يحدث أمرًا، أتى الكاهن فأعطاه شيئًا، فضرب له بها. فإن خرج منها شيء يعجبه، أمره ففعل. وإن خرج منها شيء يكرهه، نهاه فانتهى، كما ضرب عبد المطلب على زمزم، وعلى عبد الله والإبل. (١)
١١٠٧١- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير قال: سمعنا أنّ أهل الجاهلية كانوا يضربون بالقداح في الظَّعْن والإقامة أو الشيء يريدونه، فيخرج سهم الظعن فيظعنون، والإقامة فيقيمون.
* * *
وقال ابن إسحاق في"الأزلام"، ما:-
١١٠٧٢- حدثني به ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال:
(١) انظر خبر عبد المطلب وعبد الله في سيرة ابن هشام ١: ١٦٠-١٦٤.
كانت هُبَل أعظم أصنام قريش بمكة، وكانت على بئر في جوف الكعبة، وكانت تلك البئْر هي التي يجمع فيها ما يُهدي للكعبة. وكانت عند هبل سبعة أقْدُح (١) كل قِدْح منها فيه كتاب. قدح فيه:"العقل" (٢) إذا اختلفوا في العقل من يحمله منهم، ضربوا بالقداح السبعة، [فإن خرج العقل، فعلى من خرج حمله] (٣) وقدح فيه:"نعم" للأمر إذا أرادوه، يضرب به، فإن خرج قدح"نعم" عملوا به. وقدح فيه:"لا"، فإذا أرادوا أمرًا ضربوا به في القداح، فإذا خرج ذلك القدح، لم يفعلوا ذلك الأمر. وقِدْح فيه:"منكم". وقدح فيه:"مُلْصَق". (٤) وقدح فيه:"من غيركم". وقدح فيه:"المياه"، إذا أرادوا أن يحفروا للماء ضربوا بالقداح وفيها ذلك القدح، فحيثما خرج عملوا به. وكانوا إذا أرادوا أن يختنوا غلامًا (٥) أو أن ينكحوا مَنكحًا، أو أن يدفنوا ميتًا، أو شكوا في نسب واحد منهم (٦) ذهبوا به إلى هبل وبمئة درهم، وبجَزور، فأعطوها صاحب القداح الذي يضربها، ثم قرّبوا صاحبهم الذي يريدون به ما يريدون، ثم قالوا:"يا إلهنا، هذا فلان بن فلان، قد أردنا به كذا وكذا، فأخرج الحق فيه". ثم يقولون لصاحب القداح:"اضرب"، فيضرب، فإن -[خرج عليه"منكم" كان وسيطًا. وإن] خرج عليه:"من غيركم"، كان حليفًا (٧) وإن خرج"ملصق" كان على منزلته منهم، لا نسب له ولا حلف، وإن خرج فيه شيء سوى هذا مما يعملون به"نعم"، عملوا به. وإن خرج"لا"، أخّروه عامهم ذلك حتى يأتوا به مرة أخرى. ينتهون في أمورهم إلى ذلك مما خرجت به القداح. (٨)
١١٠٧٣- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله:"وأن تستقسموا بالأزلام"، يعني: القداح، كانوا يستقسمون بها في الأمور.
* * *

القول في تأويل قوله: ﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾


قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"ذلكم"، هذه الأمور التي ذكرها، وذلك: أكل الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وسائر ما ذكر في هذه الآية مما حرم أكله، والاستقسام بالأزلام، ="فسق"، يعني: خروج عن أمر الله عز ذكره وطاعته، إلى ما نهى عنه وزجر، إلى معصيته. (٩) كما:-
١١٠٧٤- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس:"ذلكم فسق"، يعني: من أكل من ذلك كله فهو فسق.
* * *
(١) في المطبوعة: "أقداح"، وأثبت ما في المخطوطة، وجمع"قدح": أقداح، وقداح، وأقدح، كله صواب.
(٢) "العقل" الدية.
(٣) هذه الزيادة بين القوسين من ابن هشام، ولا بد من زيادتها لتمام الكلام.
(٤) في المخطوطة: "يلصق"، وفوقها"كذا"، أي هو كذلك في التي نسخ عنها، والصواب ما في المطبوعة، وسيرة ابن هشام.
(٥) في المطبوعة: "أن يجتبوا غلامًا"، وهو لا معنى له، والمخطوطة غير منقوطة، والصواب، في سيرة ابن هشام، كما أثبتها.
(٦) في المطبوعة: "أو يشكوا" مضارعًا، وأثبت ما في سيرة ابن هشام.
(٧) ما بين القوسين زيادة من ابن هشام، وهي السياق بغير شك. و"الوسيط": هو الخالص النسب، الشريف في قومه.
(٨) الأثر: ١١٠٧٢- سيرة ابن هشام ١: ١٦٠، ١٦١.
(٩) انظر تفسير"الفسق" فيما سلف ١: ٤٠٩، ٤١٠/٢: ١١٨، ٣٩٩/٤: ١٣٥-١٣٧/٦: ٩١، ٩٢/٧: ١٠٧.
وفي المطبوعة: "وزجر، وإلى معصيته" بزيادة الواو، وكلتاهما صواب.

القول في تأويل قوله: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾


قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه:"اليوم يئس الذين كفروا من دينكم"، الآن انقطع طمع الأحزاب وأهل الكفر والجحود، أيها المؤمنون، ="من دينكم"، يقول: من دينكم أن تتركوه فترتدُّوا عنه راجعين إلى الشرك، كما:-
١١٠٧٥- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله:"اليوم يئس الذين كفروا من دينكم"، يعني: أن ترجعوا إلى دينهم أبدًا.
١١٠٧٦- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله:"اليوم يئس الذين كفروا من دينكم"، قال: أظنُّ، يئسوا أن ترجعوا عن دينكم. (١)
* * *
فإن قال قائل: وأيُّ يوم هذا اليوم الذي أخبرَ الله أن الذين كفروا يئسوا فيه من دين المؤمنين؟
قيل: ذكر أن ذلك كان يوم عرفة، عام حج النبي ﷺ حجة الوداع، وذلك بعد دخول العرب في الإسلام.
*ذكر من قال ذلك:
١١٠٧٧- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال مجاهد:"اليوم يئس الذين كفروا من دينكم"،"اليوم أكملت لكم دينكم"، هذا حين فعلت. قال ابن جريج: وقال آخرون (٢) ذلك يوم
(١) أنا في شك من قوله: "أظن" هنا، وهي في المخطوطة غير منقوطة.
(٢) قوله: "وقال آخرون" هو من قول ابن جريج فيما أرجح، ولذلك جعلته في الخبر.
عرفة، في يوم جمعة، لما نظر النبي ﷺ فلم ير إلا موحِّدًا، ولم ير مشركًا، حمد الله، فنزل عليه جبريل عليه السلام:"اليوم يئس الذين كفروا من دينكم"، أن يعودوا كما كانوا.
١١٠٧٨- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"اليوم يئس الذين كفروا من دينكم"، قال: هذا يوم عرفة.
* * *

القول في تأويل قوله: ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ﴾


قال أبو جعفر: يعني بذلك: فلا تخشوا، أيها المؤمنون، هؤلاء الذين قد يئسوا من دينكم أن ترجعوا عنه من الكفار، ولا تخافوهم أن يظهروا عليكم، فيقهروكم ويردُّوكم عن دينكم ="واخشون"، يقول: ولكن خافونِ، إن أنتم خالفتم أمري واجترأتم على معصيتي، وتعدَّيتم حدودي، أن أُحِلَّ بكم عقابي، وأنزل بكم عذابي. (١) كما:-
١١٠٧٩- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج:"فلا تخشوهم واخشون"، فلا تخشوهم أن يظهروا عليكم.
* * *

القول في تأويل قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾


قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم: يعني جل ثناؤه بقوله:"اليوم أكملت لكم دينكم"، اليوم
(١) انظر تفسير"الخشية" فيما سلف ١: ٥٥٩، ٥٦٠/٢: ٢٣٩، ٢٤٣/٨: ٥٤٨.
أكملت لكم، أيها المؤمنون، فرائضي عليكم وحدودي، وأمري إياكم ونهيي، وحلالي وحرامي، وتنزيلي من ذلك ما أنزلت منه في كتابي، وتبياني ما بيَّنت لكم منه بوحيي على لسان رسولي، والأدلة التي نصبتُها لكم على جميع ما بكم الحاجة إليه من أمر دينكم، فأتممت لكم جميع ذلك، فلا زيادة فيه بعد هذا اليوم. قالوا: وكان ذلك في يوم عرفة، عام حجَّ النبي ﷺ حجة الوَدَاع. وقالوا: لم ينزل على النبي ﷺ بعد هذه الآية شيء من الفرائض، ولا تحليل شيء ولا تحريمه، وأن النبي ﷺ لم يعش بعد نزول هذه الآية إلا إحدى وثمانين ليلة.
*ذكر من قال ذلك:
١١٠٨٠- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله:"اليوم أكملت لكم دينكم"، وهو الإسلام. قال: أخبر الله نبيَّه ﷺ والمؤمنين أنه قد أكمل لهم الإيمان، فلا يحتاجون إلى زيادة أبدًا، وقد أتمه الله عز ذكره فلا ينقصه أبدًا، وقد رضيه الله فلا يَسْخَطه أبدًا.
١١٠٨١- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله:"اليوم أكملت لكم دينكم"، هذا نزل يوم عرفة، فلم ينزل بعدها حلال ولا حرام. ورجع رسول الله ﷺ فمات. فقالت أسماء بنت عُمَيس: حججت مع رسول الله ﷺ تلك الحجة، فبينما نحن نسير، إذ تجلّى له جبريل ﷺ على الرَّاحلة، فلم تطق الراحلة من ثِقْل ما عليها من القرآن، فبركت، فأتيته فسجَّيت عليه برداء كان علي. (١)
١١٠٨٢- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن
(١) "سجاه بالثوب تسجية": غطاه به.
ابن جريج قال: مكث النبي ﷺ بعد ما نزلت هذه الآية، إحدى وثمانين ليلة، قوله:"اليوم أكملت لكم دينكم".
١١٠٨٣- حدثنا سفيان قال، حدثنا ابن فضيل، عن هارون بن عنترة، عن أبيه قال: لما نزلت:"اليوم أكملت لكم دينكم"، وذلك يوم الحج الأكبر، بكى عمر، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما يبكيك؟ قال: أبكاني أنّا كنا في زيادة من ديننا، فأما إذ كمل، فإنه لم يكمل شيء إلا نقص! فقال: صدقت. (١)
١١٠٨٤- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أحمد بن بشير، عن هارون بن أبي وكيع، عن أبيه، فذكر نحو ذلك. (٢)
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك:"اليوم أكملت لكم دينكم"، حجكم، فأفردتم بالبلد الحرام تحُجُّونه، أنتم أيها المؤمنون، دون المشركين، لا يخالطكم في حَجِّكم مشرك.
*ذكر من قال ذلك:
١١٠٨٥- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن أبي غَنِيَّة، عن أبيه، عن الحكم:"اليوم أكملت لكم دينكم"، قال: أكمل لهم دينهم: أن حجوا ولم يحجَّ معهم مشرك. (٣)
(١) إنما عنى بنقصان الدين، أهل الدين، فإنهم إذا تطاول عليهم الأمد، قست قلوبهم، وقل تمسك بعضهم بما أمر به. ومعاذ الله أن يعني عمر، نقصان الدين نفسه. ومثله قوله صلى الله عليه وسلم"بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء".
(٢) الأثر: ١١٠٨٤-"أحمد بن بشير الكوفي"، مضى برقم: ٧٨١٩.
و"هرون بن أبي وكيع"، هو: "هرون بن عنترة بن عبد الرحمن" الماضي في الأثر قبله، ومضت ترجمته برقم: ٤٠٥.
وأبوه: "عنترة بن عبد الرحمن" وكنيته"أبو وكيع"، مضى أيضًا برقم: ٤٠٥.
(٣) الأثر: ١١٠٨٥-"يحيى بن أبي غنية" هو: "يحيى بن عبد الملك بن حميد بن أبي غنية"، مضى برقم: ١٠٥٩٧، وهو هذا الإسناد نفسه.
وأبوه"عبد الملك بن حميد بن أبي غنية"، مضى أيضا برقم: ٨٥٣٥، ١٠٥٩٧.
و"الحكم" هو"الحكم بن عتيبة" مضى مرارًا.
وكان في المخطوطة والمطبوعة: "يحيى بن أبي عتيبة"، وهو تصحيف.
١١٠٨٦- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة:"اليوم أكملت لكم دينكم"، قال: أخلص الله لهم دينهم، ونفى المشركين عن البيت.
١١٠٨٧- حدثنا أحمد بن حازم قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا قيس، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير:"اليوم أكملت لكم دينكم"، قال: تمام الحج، ونفي المشركين عن البيت.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، أن يقال: إن الله عز وجل أخبر نبيه ﷺ والمؤمنين به، أنه أكمل لهم = يوم أنزل هذه الآية على نبيه = دينَهم، بإفرادهم بالبلدَ الحرام (١) وإجلائه عنه المشركين، حتى حجَّه المسلمون دونهم لا يخالطهم المشركون.
فأما الفرائض والأحكام، فإنه قد اختلف فيها: هل كانت أكملت ذلك اليوم، أم لا؟ فروي عن ابن عباس والسدّي ما ذكرنا عنهما قبل. (٢)
وروي عن البراء بن عازب أن آخر آية نزلت من القرآن: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ) [سورة النساء: ١٧٦]. (٣)
= ولا يدفع ذو علم أن الوحي لم ينقطع عن رسول الله ﷺ إلى أن
(١) في المطبوعة: "بإفرادهم بالبلد الحرام" بالباء، وهو الذي تقوله كتب اللغة، وأما الذي في المخطوطة، وهو ما أثبته. فله وجه صحيح في العربية، فيما أرى، فتركته على حاله. وظني أني قرأته كذلك متعديًا في بعض كتب أبي جعفر أو غيره، فإن عثرت عليه أثبته إن شاء الله.
(٢) يعني ما سلف رقم: ١١٠٨٠، ١١٠٨١.
(٣) انظر ما سلف رقم: ١٠٨٧٠- ١٠٨٧٣.
قُبِض، بل كان الوحي قبل وفاته أكثر ما كان تتابعًا. فإذ كان ذلك كذلك = وكان قوله: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ) آخرَها نزولا وكان ذلك من الأحكام والفرائض = كان معلومًا أن معنى قوله:"اليوم أكملت لكم دينكم"، على خلاف الوجه الذي تأوَّله من تأوَّله = أعني: كمال العبادات والأحكام والفرائض.
فإن قال قائل: فما جعل قولَ من قال:"قد نزل بعد ذلك فرض"، أولى من قول من قال:"لم ينزل"؟
قيل: لأن الذي قال:"لم ينزل"، مخبر أنه لا يعلم نزول فرض، والنفي لا يكون شهادة، والشهادة قول من قال:"نزل". وغير جائز دفع خبر الصادق فيما أمكن أن يكون فيه صادقًا.
* * *

القول في تأويل قوله: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾


قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بذلك: وأتممت نعمتي، أيها المؤمنون، بإظهاركم على عدوِّي وعدوكم من المشركين، ونفيِي إياهم عن بلادكم، وقطعي طمعهم من رجوعكم وعودكم إلى ما كنتم عليه من الشرك.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك:
١١٠٨٨- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قال: كان المشركون والمسلمون يحجُّون جميعًا، فلما نزلت"براءة"، فنفى المشركين عن البيت، وحجَّ المسلمون لا يشاركهم في البيت الحرام
أحد من المشركين، فكان ذلك من تمام النعمة:"وأتممت عليكم نعمتي".
١١٠٨٩- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي" الآية، ذكر لنا أن هذه الآية نزلت على رسول الله ﷺ يوم عرفة، يوم جمعة، حين نفى الله المشركين عن المسجد الحرام، وأخلص للمسلمين حجَّهم.
١١٠٩٠- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، حدثنا داود، عن الشعبي قال: نزلت هذه الآية بعرفات، حيث هدم مَنار الجاهلية (١) واضمحلَّ الشرك، ولم يحج معهم في ذلك العام مشرك.
١١٠٩١- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا داود، عن عامر في هذه الآية:"اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي"، قال، نزلت على رسول الله ﷺ وهو واقف بعرفات، وقد أطاف به الناس، وتهدَّمت مَنار الجاهلية ومناسكهم، واضمحلّ الشرك، ولم يَطُف حول البيت عُرْيان، فأنزل الله:"اليوم أكملت لكم دينكم".
١١٠٩٢- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن داود، عن الشعبي، بنحوه.
* * *

القول في تأويل قوله: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾


قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ورضيت لكم الاستسلام لأمري، والانقياد لطاعتي، على ما شرعت لكم من حدوده وفرائضه ومعالمه (٢) ="دينًا"، يعني بذلك: طاعة منكم لي. (٣)
* * *
(١) "المنار": علم الطريق، وحدود الأرض. وأراد به شرائع أهل الجاهلية.
(٢) انظر تفسير"الإسلام" فيما سلف من فهارس اللغة، مادة (سلم).
(٣) انظر تفسير"الدين" فيما سلف ١: ١٥٥، ٢٢١/٣: ٥٧١، ٥٧٢/٦: ٢٧٣-٢٧٥، ٥٦٤، ٥٧٠.
فإن قال قائل: أوَ ما كان الله راضيًا الإسلامَ لعباده إلا يوم أنزل هذه الآية؟
قيل: لم يزل الله راضيًا لخلقه الإسلام دينًا، ولكنه جل ثناؤه لم يزل يصرِّف نبيه محمدًا ﷺ وأصحابه في درجات الإسلام ومراتبه درجة بعد درجة، ومرتبة بعد مرتبة، وحالا بعد حال، حتى أكمل لهم شرائعه ومعالمه، وبلغ بهم أقصى درجاته ومراتبه، ثم قال حين أنزل عليهم هذه الآية:"ورضيت لكم الإسلام" بالصفة التي هو بها اليوم (١) والحال التي أنتم عليها اليوم منه ="دينًا" فالزموه ولا تفارقوه.
* * *
وكان قتادة يقول في ذلك، ما:-
١١٠٩٣- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: ذكر لنا أنه يَمْثُل لأهل كل دين دينهم يوم القيامة، فأما الإيمان فيبشر أصحابه وأهله ويعدهم في الخير، حتى يجيء الإسلام فيقول:"رب، أنت السلام وأنا الإسلام"، فيقول:"إياك اليوم أقبل، وبك اليوم أجزي". (٢)
* * *
= وأحسب أن قتادة وجّه معنى"الإيمان" بهذا الخبر إلى معنى التصديق والإقرار باللسان، لأن ذلك معنى"الإيمان" عند العرب (٣) = ووجَّه معنى"الإسلام" إلى استسلام القلب وخضوعه لله بالتوحيد، وانقياد الجسد له بالطاعة
(١) في المطبوعة والمخطوطة: "ورضيت لكم الإسلام دينًا، بالصفة.."، والصواب حذف"دينًا" من هذا الموضع، لأنها ستأتي بعد، وهو سهو من عجلة الناسخ.
(٢) الأثر: ١١٠٩٣- روى أبو داود الطيالسي في مسنده: ٣٢٤ من حديث أبي هريرة: "حدثنا عباد بن راشد قال، حدثنا الحسن قال، حدثنا أبو هريرة ونحن إذ ذاك في المدينة قال: يجيء الإسلام يوم القيامة، فيقول الله عز وجل: "أنت الإسلام وأنا السَّلام، اليومَ بك أُعْطِي وبك آخُذ".
(٣) انظر تفسير"الإيمان" فيما سلف من فهارس اللغة، مادة (أمن).
فيما أمر ونهى، فلذلك قيل للإسلام:"إياك اليوم أقبل، وبك اليوم أجزي".
* * *
ذكر من قال: نزلت هذه الآية بعرفة في حجة الوداع على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
١١٠٩٤- حدثنا محمد بن بشار وابن وكيع قالا حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال، قالت اليهود لعمر: إنكم تقرأون آية لو أنزلت فينا لاتخذناها عيدًا! فقال عمر: إني لأعلم حين أنزلت، وأين أنزلت، وأين رسول الله ﷺ حين أنزلت: أنزلت يوم عرفة، ورسول الله ﷺ واقف بعرفة = قال سفيان: وأشك، كان يوم الجمعة أم لا ="اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا. " (١)
١١٠٩٥- حدثنا أبو كريب وابن وكيع قالا حدثنا ابن إدريس قال، سمعت أبي، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال، قال يهودي لعمر: لو علمنا معشر اليهود حين نزلت هذه الآية:"اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا"، لو نعلم ذلك اليوم، اتخذنا ذلك اليوم عيدًا! فقال عمر: قد علمت اليوم الذي نزلت فيه، والساعة، وأين رسول
(١) الأثر: ١١٠٩٤- رواه أحمد في المسند رقم: ٢٧٢ عن عبد الرحمن، عن سفيان بمثله. ورواه البخاري (الفتح ٨: ٢٠٣) عن محمد بن بشار، عن عبد الرحمن، كطريق أبي جعفر، ورواه مسلم ١٨: ١٥٢، عن محمد بن المثنى وزهير بن حرب، عن عبد الرحمن.
وفيها جميعًا"لأعلم حيث أنزلت"، و"وأين رسول الله ﷺ حيث أنزلت"، وقد أشار إلى ذلك الحافظ في الفتح.
وذكره الحافظ ابن كثير في تفسيره ٢: ٦٧، وزاد نسبته للترمذي والنسائي. ثم قال: "وشك سفيان رحمه الله. إن كان في الرواية فهو تورع، حيث شك هل أخبره شيخه بذلك أم لا. وإن كان شكا في كون الوقوف في حجة الوداع كان يوم جمعة، فهذا مالا إخاله يصدر عن الثوري رحمه الله، فإن هذا أمر معلوم مقطوع به، لم يختلف فيه أحد من أصحاب المغازي والسير ولا الفقهاء. وقد وردت في ذلك أحاديث متواترة لا يشك في صحتها، والله أعلم".
الله ﷺ حين نزلت: نزلت ليلة الجمعة، ونحن مع رسول الله ﷺ بعرفات = لفظ الحديث لأبي كريب، وحديث ابن وكيع نحوه. (١)
١١٠٩٦- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جعفر بن عون، عن أبي العميس، عن قيس بن مسلم، عن طارق، عن عمر، نحوه. (٢)
١١٠٩٧- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن حماد بن سلمة، عن عمار مولى بني هاشم قال: قرأ ابن عباس:"اليوم أكملت لكم دينكم"، وعنده رجل من أهل الكتاب فقال: لو علمنا أيَّ يوم نزلت هذه الآية، لاتخذناه عيدًا! فقال ابن عباس: فإنها نزلت يوم عرفة، يوم جمعة. (٣)
١١٠٩٨- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا قبيصة قال، حدثنا حماد بن
(١) الأثر: ١١٠٩٥- رواه من هذه الطريق مسلم في صحيحه ١٨: ١٥٣، عن أبي بن أبي شيبة وأبي كريب، عن عبد الله بن إدريس.
وفيه: "نزلت ليلة جمع". قال النووي في شرحه: "هكذا هو في النسخ، الرواية: ليلة جمع = وفي نسخة ابن ماهان: ليلة جمعة. وكلاهما صحيح. فمن روى"ليلة جمع"، فهي ليلة المزدلفة، وهو المراد بقوله: "ونحن بعرفات" في يوم جمعة، لأن ليلة جمع، هي عشية يوم عرفات، ويكون المراد بقوله: "ليلة جمعة"، يوم جمعة. ومراد عمر رضي الله عنه: إنا قد اتخذنا ذلك اليوم عيدًا من وجهين، فإنه يوم عرفة، ويوم جمعة، وكل واحد منهما عيد لأهل الإسلام".
(٢) الأثر: ١١٠٩٦- هذا الحديث، رواه البخاري (الفتح ١: ٩٧) من طريق الحسن بن الصباح، عن جعفر بن عون، عن أبي العميس.
ورواه أحمد في المسند رقم: ١٨٨، من طريق جعفر بن عون، عن أبي عميس.
ورواه مسلم في صحيحه ١٨: ١٥٤، من طريق عبد بن حميد، عن جعفر بن عون، والنسائي في السنن ٨: ١١٤.
هذا، وقد بين الحافظ ابن حجر في الفتح (١: ٩٧) أن هذا الرجل من اليهود: "هو كعب الأحبار، بين ذلك مسدد في مسنده، والطبري في تفسيره، والطبراني في الأوسط، كلهم من طريق رجاء بن أبي سلمة، عن عبادة بن نسي (بضم النون، وفتح المهملة)، عن إسحق بن خرشة، عن قبيصة بن ذؤيب، عن كعب". وهذا هو الأثر الآتي رقم: ١١١٠٠ (انظر التعليق عليه، وما فيه من الخطأ) وأشار في الموضع الآخر (الفتح ٨: ٢٠٣) إلى احتمال أن سؤال كعب وقع قبل إسلامه، لأن إسلامه كان في خلافة عمر على المشهور، وأطلق عليه ذلك باعتبار ما مضى.
(٣) الأثر: ١١٠٩٧- خرجه أبو داود الطيالسي في مسنده: ٣٥٣، رواه عن حماد، عن عمار بن أبي عمار، وسيأتي بطريق أخرى في الذي يليه.
سلمة، عن عمار: أن ابن عباس قرأ:"اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا"، فقال يهودي: لو نزلت هذه الآية علينا، لاتخذنا يومها عيدًا! فقال ابن عباس: فإنها نزلت في يوم عيدين اثنين: يوم عيد، ويوم جمعة. (١)
١١٠٩٩- حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا حماد، عن عمار بن أبي عمار، عن ابن عباس، نحوه.
١١١٠٠- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا رجاء بن أبي سلمة قال، أخبرنا عبادة بن نسيّ قال، حدثنا أميرنا إسحاق = قال أبو جعفر: إسحاق، هو ابن خَرَشة = عن قبيصة قال، قال كعب: لو أن غير هذه الأمة نزلت عليهم هذه الآية، لنظروا اليوم الذي أنزلت فيه عليهم، فاتخذوه عيدًا يجتمعون فيه! فقال عمر: أيُّ آية يا كعب؟ فقال:"اليوم أكملت لكم دينكم". فقال عمر: قد علمت اليوم الذي أنزلت فيه، والمكان الذي أنزلت فيه: يوم جمعة، ويوم عرفة، وكلاهما بحمد الله لنا عيدٌ. (٢)
(١) الأثر: ١١٠٩٨- خرجه الترمذي في كتاب التفسير، من طريق عبد بن حميد، عن يزيد بن هرون، عن حماد، وفيه: "نزلت في يوم عيدين، في يوم الجمعة، ويوم عرفة". وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب من حديث ابن عباس".
وأشار إليه السيوطي في الدر المنثور ٢: ٢٥٨، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، والطبراني، والبيهقي في الدلائل.
(٢) الأثر: ١١١٠٠-"رجاء بن أبي سلمة مهران"، "أبو المقدام" الفلسطيني. روى عن عمر بن عبد العزيز، وعمرو بن شعيب والزهري وغيرهم. وروى عنه ابن عون، وهو من شيوخه، والحمادان، وابن علية. ثقة، كان من أفاضل أهل زمانه. مترجم في التهذيب.
و"عبادة بن نسي الكندي"، الشامي الأردني، قاضي طبرية. روى عن أوس بن أوس الثقفي، وشداد بن أوس، وعبادة بن الصامت، وكعب بن عجرة، وغيرهم. روى عنه رجاء بن أبي سلمة، وغيره. قال ابن سعد في تابعي أهل الشام: "ثقة". وقال البخاري: "عبادة بن نسى الكندي" سيدهم. قال مسلمة بن عبد الملك: "إن في كندة لثلاثة نفر، إن الله لينزل بهم الغيث، وينصر بهم على الأعداء: عبادة بن نسي، ورجاء بن حيوة، وعدي بن عدي". مات سنة ١١٨. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٣/١/٩٦.
و"نسي" بضم النون، وفتح السين، والياء المشددة". وأما "إسحق"، فإن أبا جعفر زعم أنه ابن خرشة، ولم أجد في الرواة ولا في الأمراء"إسحق بن خرشة". وأما "ابن خرشة"، فهو: "عثمان بن إسحق بن خرشة (بفتح الخاء والراء) القرشي" روى عنه الزهري، ولم يذكر لعبادة بن نسي رواية عنه، ولا هو كان أميرًا. ونسبه كما رواه ابن سعد ٥: ١٨٠ هو: "عثمان بن إسحق بن عبد الله بن أبي خرشة بن عمرو بن ربيعة بن الحارث بن حبيب بن جذيمة بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي"، ونسبه أيضًا المصعب في نسب قريش: ٤٣٢، وقال: "روى عنه ابن شهاب، عن قبيصة بن ذؤيب حديث الجدة"، وهو الحديث الذي رواه أصحاب السنن الأربعة (سنن أبي داود ٣: ١٦٧ رقم: ٢٨٩٤)، من طريق مالك في الموطأ: ٥١٣ بروايته عن"ابن شهاب، عن عثمان بن إسحق بن خرشة، عن قبيصة بن ذؤيب".
فلست أشك أن أبا جعفر قد وهم، فأراد تعريف"إسحق" في إسناده هذا، فسبق إلى وهمه"ابن خرشة"، وهو"عثمان بن إسحق بن خرشة" لا"إسحق بن خرشة".
أما "إسحق" في هذا الخبر، فلست أشك أنه"إسحق بن قبيصة بن ذؤيب"، يرويه عن أبيه"قبيصة بن ذؤيب".
وذلك، أولا: لأن"إسحق بن قبيصة بن ذؤيب الخزاعي"، يروي عن أبيه، وعن كعب الأحبار.
ثانيا: أن"عبادة بن نسي" الأردني، قاضي طبرية، مذكور في ترجمته، وأنه يروي عن إسحق بن قبيصة بن ذؤيب.
ثالثًا: أن"إسحق بن قبيصة بن ذؤيب" هو الذي كان أميرًا، كان عامل هشام على الأردن، كما قال أبو زرعة الدمشقي. وقال ابن سميع: "كان على ديوان الزمني في أيام الوليد". وعبادة بن نسي قاض من قضاة الأردن كما ذكرت.
فالذي لا شك فيه عندي، أن"إسحق" في هذا الإسناد: هو إسحق بن قبيصة بن ذؤيب، يروي عن أبيه، وأن أبا جعفر قد وهم في بيانه، وخلط.
وقد أشرت في التعليق على الأثر رقم: ١١٠٩٦، ما نقله الحافظ ابن حجر في فتح الباري (١: ٩٧)، نقلا عن هذا الموضع من الطبري، ولكنه نسبه أيضًا إلى مسدد في مسنده، وإلى الطبراني في الأوسط، وليسا عندي، ولكن إذا كان ذلك في واحد منهما، فإن الخطأ فيه، أقدم من أبي جعفر. وكتبه محمود محمد شاكر.
وفي المطبوعة هنا: "وكلاهما بحمد الله"، وفي المخطوطة: "وكليهما"، ولها وجه في العربية.
١١١٠١- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن عيسى بن جارية الأنصاري قال: كنا جلوسًا في الديوان، فقال لنا نصراني: يا أهل الإسلام، لقد نزلت عليكم آية لو نزلت علينا، لاتخذنا ذلك اليوم وتلك الساعة عيدًا ما بقي منا اثنان:"اليوم أكملت لكم دينكم"! فلم يجبه أحد منا، فلقيت محمد بن كعب القرظي، فسألته عن ذلك فقال: ألا رددتم عليه؟ فقال: قال عمر بن الخطاب: أنزلت على النبي ﷺ وهو واقف على الجبل يوم
عرفة، فلا يزال ذلك اليوم عيدًا للمسلمين ما بقي منهم أحد. (١)
١١١٠٢- حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا بشر بن المفضل قال، حدثنا داود، عن عامر قال: أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم:"اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا"، عشيَّة عرفة، وهو في الموقف.
١١١٠٣- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا داود قال: قلت لعامر: إن اليهود تقول: كيف لم تحفظ العرب هذا اليوم الذي أكمل الله لها دينها فيه؟ فقال عامر: أو ما حفظته؟ قلت له: فأيّ يوم؟ قال: يوم عرفة، أنزل الله في يوم عرفة.
١١١٠٤- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة قال: بلغنا أنها نزلت يوم عرفة، ووافق يوم الجمعة.
١١١٠٥- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن حبيب، عن ابن أبي نجيح، عن عكرمة: أن عمر بن الخطاب قال: نزلت"سورة المائدة" يوم عرفة، ووافق يوم الجمعة.
١١١٠٦- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة، عن ليث، عن شهر بن حوشب قال: نزلت"سورة المائدة" على النبي ﷺ وهو واقف بعرفة على راحلته، فتنوَّخَتْ لأن يُدَقَّ ذراعها. (٢)
(١) الأثر: ١١١٠١-"حكام" هو"حكام بن سلم الكناني"، ثقة، روى عنه الطبري فأكثر فيما سلف، و"عنبسة" هو: عنبسة بن سعيد بن الضريس الأسدي، مضى مرارًا أيضًا، ترجم في رقم: ٢٢٤، ٣٣٥٦، ٥٣٨٥.
و"عيسى بن جارية الأنصاري"، روى عن جرير البجلي، وجابر بن عبد الله، وابن المسيب، وغيرهم، وروى عنه يعقوب القمي، وعنبسة بن سعيد. تكلم فيه ابن معين قال: "عنده مناكير". وقال أبو داود: "منكر الحديث". مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٣/١/٢٧٣.
وكان في المطبوعة والمخطوطة: "عيسى بن حارثة"، وهو خطأ.
(٢) "أنخت البعير فاستناخ"، و"نوخته، فتنوخ": أي برك. قال ابن الأعرابي: "يقال تنوخ البعير، ولا يقال: ناخ، ولا أناخ".
وقوله: "لأن يدق ذراعها"، أي: مخافة أن يدق ذراعها.
١١١٠٧- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن ليث، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد قالت: نزلت"سورة المائدة" جميعًا وأنا آخذة بزمام ناقة رسول الله ﷺ العضباء. قالت: فكادت من ثقلها أن يُدَقَّ عضد الناقة. (١)
١١١٠٨- حدثني أبو عامر إسماعيل بن عمرو السكوني قال، حدثنا هشام بن عمار قال، حدثنا ابن عياش قال، حدثنا عمرو بن قيس السكوني: أنه سمع معاوية بن أبي سفيان على المنبر ينتزع بهذه الآية:"اليوم أكملت لكم دينكم"، حتى ختمها، فقال: نزلت في يوم عرفة، في يوم جمعة. (٢)
* * *
(١) الأثر: ١١١٠٧-"أسماء بنت يزيد بن السكن" الأنصارية الأشهلية، "أم سلمة"، كانت فيمن جهز عائشة لرسول الله ﷺ وزفها، وكانت تخدم النبي، وبايعته، وشهدت اليرموك.
وهذا الحديث رواه أحمد في مسنده ٦: ٤٥٥ من طريق أبي النضر، عن شيبان، عن ليث. وفيه: "وكادت من ثقلها تدق.." ليس فيه"أن".
ثم رواه أيضًا ص: ٤٥٨ من طريق إسحق بن يوسف، عن سفيان، عن ليث، وفيه: "إن كادت من ثقلها لتكسر الناقة".
وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٧: ١٣، وقال: "رواه أحمد والطبراني، وفيه شهر بن حوشب، وهو ضعيف، وقد وثق"، وقد مضى مرارًا توثيق أخي السيد أحمد لشهر.
(٢) الأثر: ١١١٠٨-"إسماعيل بن عمرو السكوني"، أبو عامر، الحمصي المقرئ، إمام مسجد حمص. روى عن علي بن عياش، والربيع بن روح، ويحيى بن صالح الوحاظي، قال ابن أبي حاتم: "سمعت منه، وهو صدوق". مترجم في ابن أبي حاتم ١/١/١٩٠.
و"هشام بن عمار بن نصير السلمي"، أبو الوليد الدمشقي. روى عند البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه. ثقة. مترجم في التهذيب.
و"ابن عياش"، هو: إسمعيل بن عياش، مضى مرارًا.
و"عمرو بن قيس بن ثور بن مازن بن خيثمة الكندي السكوني"، أبو ثور الشامي الحمصي. روى عن جده"مازن بن خيثمة"، وله صحبة، وعن عبد الله بن عمرو، ومعاوية ووفد عليه مع أبيه. قال إسمعيل بن عياش: و"أدرك سبعين من الصحابة أو أكثر". ثقة، صالح الحديث. مترجم في التهذيب.
وهذا الخبر، خرجه الهيثمي في مجمع الزوائد مطولا، ثم قال: "رواه الطبراني، ورجاله ثقات".
وقوله: "انتزع بهذه الآية"، أي تمثل بها وقرأها.
وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية = أعني قوله:"اليوم أكملت لكم دينكم" = يوم الاثنين. وقالوا: أنزلت"سورة المائدة" بالمدينة.
*ذكر من قال ذلك:
١١١٠٩- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، أخبرنا محمد بن حرب قال، حدثنا ابن لهيعة، عن خالد بن أبي عمران، عن حنش، عن ابن عباس: ولد نبيكم ﷺ يوم الاثنين، وخرج من مكة يوم الاثنين، ودخل المدينة يوم الاثنين، وأنزلت:"سورة المائدة" يوم الاثنين:"اليوم أكملت لكم دينكم"، ورفع الذكر يوم الاثنين. (١)
(١) الأثر: ١١١٠٩-"محمد بن حرب الخولاني" الأبرش. قال أحمد: "ليس به بأس"، وقال ابن معين: "ثقة". مترجم في التهذيب.
و"ابن لهيعة" هو"عبد الله بن لهيعة"، مضى برقم: ١٦٠، ٢٩٤١، ٥٣٥٥، ٥٥١٨، ومضى توثيق أخي السيد أحمد له.
و"خالد بن أبي عمران التجيبي"، قاضي إفريقية. ثقة، وثقه ابن سعد والعجلي، وغيرهما.
و"حنش" هو: "حنش بن عبد الله السبئي الصنعاني" مضى برقم: ١٩١٤، وهو تابعي ثقة.
وهذا الخبر استوهاه الطبري كما سيأتي في آخر كلامه، وذلك لما قالوا من ضعف ابن لهيعة، وترك بعضهم الاحتجاج به.
وروى هذا الخبر أحمد في مسنده برقم: ٢٥٠٦ من طريق موسى بن داود، عن ابن لهيعة، ونصه: "ولد النبي ﷺ يوم الاثنين، واستنئ يوم الاثنين، وتوفي يوم الاثنين، وخرج مهاجرًا من مكة إلى المدينة يوم الاثنين، وقدم المدينة يوم الاثنين، ورفع الحجر الأسود يوم الاثنين".
وقال أخي السيد أحمد في التعليق عليه: "إسناده صحيح. والحديث ذكره ابن كثير في التاريخ ٢: ٢٥٩، ٢٦٠، عن هذا الموضع، وقال: "تفرد به أحمد"، وهو في مجمع الزوائد ١: ١٩٦، ونسبه لأحمد والطبراني في الكبير وقال الهيثمي: "وفيه ابن لهيعة، وهو ضعيف! وبقية رجاله ثقات من أهل الصحيح".
وليس في خبر أحمد"وأنزلت سورة المائدة.."، ولذلك لما ذكره ابن كثير في تفسيره، ٢: ٦٨، عن هذا الموضع من تفسير الطبري ونسبه للطبراني وابن مردويه، ثم قال: "أثر غريب، وإسناده ضعيف، وقد رواه الإمام أحمد.." ثم ساق حديث أحمد، ثم قال: "هذا لفظ أحمد، ولم يذكر نزول المائدة يوم الاثنين، فالله أعلم. ولعل ابن عباس أراد أنها نزلت"يوم عيدين اثنين، كما تقدم (يعني في الأثر رقم: ١١٠٩٨)، فاشتبه على الراوي".
وهذا توجيه غير مرتضى، وربما كان الأرجح أنه غلط من أحد الرواة عن ابن لهيعة، فإن رواية أحمد، لا شك في قوتها وضبطها.
وقوله: "رفع الذكر يوم الاثنين"، يعني وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بأبي هو وأمي، وانقطاع الوحي من بعد قبضه ولحاقه بالرفيق الأعلى.
١١١١٠- حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا همام، عن قتادة قال:"المائدة" مدنيّة.
* * *
وقال آخرون: نزلت على رسول الله ﷺ في مسيره في حجة الوداع.
*ذكر من قال ذلك:
١١١١٢- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس قال: نزلت"سورة المائدة" على رسول الله ﷺ في المسير في حجة الوداع، وهو راكب راحلته، فبركت به راحلته من ثقلها. (١)
* * *
وقال آخرون: ليس ذلك بيوم معلوم عند الناس، وإنما معناه: اليوم الذي أعلمه أنا دون خلقي، أكملت لكم دينكم.
*ذكر من قال ذلك:
١١١١٣- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:"اليوم أكملت لكم دينكم"، يقول: ليس بيوم معلوم يعلمه الناس.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في وقت نزول الآية، القولُ الذي روي عن عمر بن الخطاب: أنها نزلت يوم عرفة يوم جمعة، لصحة سنده، وَوَهْيِ أسانيد غيره. (٢)
* * *
(١) سقط من الترقيم رقم: ١١١١١.
(٢) قوله: "ووهي أسانيد غيره". سلف في ٨: ٨٠ تعليق ١، أن الذي في المخطوطة هناك.
"وهاء"، ولذلك أثبتها، لأني وجدتها أيضًا في تهذيب الآثار للطبري"وهاء"، ثم هذه مرة أخرى، أجد في المخطوطة"وهي"، فاختلفت المخطوطة كما ترى في كتابتها في موضع آخر. راجع ما كتبته في التعليق هناك.

القول في تأويل قوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ﴾


قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقول:"فمن اضطر"، فمن أصابه ضُرٌّ (١) ="في مخمصة"، يعني: في مجاعة.
* * *
= وهي"مفعلة"، مثل"المجبنة" و"المبخلة" و"المنجبة"، من"خَمَصِ البطنِ"، وهو اضطماره، وأظنه هو في هذا الموضع معنيٌّ به: اضطماره من الجوع وشدة السَّغَب. وقد يكون في غير هذا الموضع اضطمارا من غير الجوع والسَّغب، ولكن من خلقة، كما قال نابغة بني ذبيان في صفة امرأة بخَمَص البطن: (٢)
وَالبَطنُ ذُو عُكَنٍ خَمِيصٌ لَيِّنٌوَالنَّحْرُ تَنْفُجُهُ بثَدْيٍ مُقْعَدِ (٣)
(١) انظر تفسير"اضطر" فيما سلف ٣: ٥٦، ٣٢١.
(٢) "خمص" (بفتح الخاء والميم). وهذا تفصيل جيد في معنى"الخمص" و"المخمصة"، لا تصيب مثله في معاجم اللغة.
(٣) ديوانه: ٦٦ واللسان (قعد) وروايته: "لطيف طيه"، ولا شاهد فيه عندئذ. وهو من قصيدته التي استجاد فيها صفة المتجردة، صاحبة النعمان بن المنذر، والتي أفضت إلى ما كان بينهما من المهاجرة.
و"العكن": أطواء البطن لا من السمن فحسب، كما يقول أصحاب اللغة، فإن هذا البيت شاهد على خلافه. وإنما"العكن" هنا ما تثنى من أطواء البطن من رقة جلدها ونعومته، ورخاصة جسدها ولينه، فلذلك يتثنى. ولو كان ذلك من"السمن"، كما يقول أهل اللغة، لم يقل بعد"خميص لين"، ويصفه بالضمور والرقة (في رواية أبي جعفر)، ولا"لطيف طيه"، وهو كناية عن الضمور والرقة أيضًا، وذلك من صفتها ضد السمن. فمن شرح"العكن" في هذا البيت وأشباهه بأنها من السمن، فقد أخطأ، وأحال معاني الشعر عن وجوهها.
وقوله: "والنحر تنفجه"، "النحر": أعلى الصدر، وهو موضع القلادة منها. وكل ما ارتفع فقد"نفج وانتفج وتنفج"، و"نفجه الرجل ينفجه نفجًا". ويقال: "نفج ثدي المرأة قميصها": إذا رفعه. وأسند إليها أنها تنفج نحرها بثدييها، وإن كان ذلك خلقة لا فعل لها فيه، لأنه نظر إلى ما يساور المرأة حين تختال لتفتن الناظرين، فتتخذ سمتًا وهيأة تنهب بحلم الحليم. فأصاب النابغة غاية الإصابة في الإشارة إلى سر المرأة في حركتها وشمائلها.
ولكن الذين تعرضوا لتفسير مثل هذا الشعر، أساءوا إليه من حيث أرادوا الإحسان، فقال الوزير أبو بكر في شرحه ديوان النابغة: "ويروى: والإتب تنفجه، -والإتب ثوب تلبسه- وهو أليق بالمعنى، لأن الثدي ينفخ الثوب، أي يرفعه ويعظمه". ثم قال أيضًا: "وروي: والنحر تنفجه" أي ترفعه عن الثوب"، وهذا مثل على الخلط في فهم الشعر، وإفساد لمعانيه. والذي استحسنه الوزير، معنى مغسول سخيف في مثل هذا الموضع من شعر النابغة، أضاع به تعب الشاعر في شعره.
و"ثدي مقعد": ناتئ على النحر، إذا كان ناهدًا لم ينثن بعد.
فمعلوم أنه لم يرد صفتها بقوله:"خميص" بالهزال والضرّ من الجوع، ولكنه أراد وصفها بلطافة طيِّ ما على الأوراك والأفخاذ من جسدها، لأن ذلك مما يحمد من النساء. ولكن الذي في معنى الوصف بالاضطمار والهزال من الضر من ذلك، قول أعشى بني ثعلبة:
تَبِيتُونَ فِي المَشْتَى مِلاءً بُطُونُكُمْوَجَارَاتُكُمْ غَرْثَى يَبِتْنَ خَمَائِصَا (١)
يعني بذلك: يبتن مضطمرات البطون من الجوع والسغب والضرّ. فمن هذا المعنى قوله:"في مخمصة".
* * *
وكان بعض نحويي البصرة يقول:"المخمصة"، المصدر من"خَمَصَه الجوع".
* * *
(١) ديوانه: ١٠٩، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ١٥٣، من إحدى قصائده التي قالها في خبر المنافرة بين علقمة بن علاثة، وعامر بن الطفيل (الأغاني ١٥: ٥٠)، وبعد البيت:
يُراقِبْنَ مِنْ جُوعٍ خِلالَ مَخَافةٍنُجُومَ الشِّتَاء العَاتِمَاتِ الغوا مصا
"غرثى"، جياع، ويروى"جوعى". ووصف النجوم بقوله: "العاتمات" أراد أنها تظلم من الغبرة التي في السماء، وذلك في الجدب (وهو الشتاء)، لأن نجوم الشتاء أشد إضاءة لنقاء السماء، فهن يلتمسن وقت خفائها. و"الغوامص" يعني: التي قل ضوءها من الغبرة. وقال شارح ديوانه: "يبتن جياعًا خائفات ينتظرن طلوع النجوم السحرية، ليخرجن يطلبن شيئًا، كيلا يعرفن". وقوله: "خلال مخافة" من أحسن الكلام في هذا البيت.
وكان غيره من أهل العربية يرى أنها اسم للمصدر، وليست بمصدر، ولذلك تقع"المفعلة" اسمًا في المصادر للتأنيث والتذكير.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك:
١١١١٤- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن عباس:"فمن اضطر في مخمصة"، يعني: في مجاعة.
١١١١٥- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"فمن اضطر في مخمصة"، أي: في مجاعة.
* * *
١١١١٦- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله. (١)
١١١١٧- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"فمن اضطر في مخمصة"، قال: ذكر الميتة وما فيها، فأحلها في الاضطرار (٢) ="في مخمصة"، يقول: في مجاعة.
١١١١٨- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال: سمعت ابن زيد يقول في قوله:"فمن اضطر في مخمصة"، قال، المخمصة، الجوع.
* * *
(١) الأثر: ١١١١٦- في المطبوعة والمخطوطة: "حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا معمر" وهو إسناد ناقص، سقط منه"قال أخبرنا عبد الرزاق"، وهو إسناد دائر في التفسير، أقربه رقم: ١١١٠٤.
(٢) في المطبوعة: "وأحلها" بالواو، وفي المخطوطة: "فأكلها"، وهو تحريف.

القول في تأويل قوله: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإثْمٍ﴾


قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: فمن اضطر في مخمصة إلى أكل ما حَرَّمتُ عليه منكم، أيها المؤمنون، من الميتة، والدم ولحم الخنزير وسائر ما حرمت عليه بهذه الآية ="غير متجانف لإثم"، يقول: لا متجانفًا لإثم. (١)
= فلذلك نصب"غير" لخروجها من الاسم الذي في قوله:"فمن اضطر" (٢) وهي بمعنى:"لا"، فنصب بالمعنى الذي كان به منصوبًا"المتجانف"، لو جاء الكلام:"لا متجانفًا". (٣)
* * *
وأما"المتجانف لإثم"، فإنه المتمايل له، المنحرف إليه. وهو في هذا الموضع مراد به المتعمِّد له، القاصد إليه، من"جَنَف القوم عليّ"، إذا مالوا. وكل أعوج فهو"أجنف"، عند العرب.
* * *
وقد بينا معنى"الجنف" بشواهده في قوله: (فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا) [سورة البقرة: ١٨٢]، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (٤)
* * *
وأما تجانف آكل الميتة في أكلها وفي غيرها مما حرم الله أكله على المؤمنين
(١) في المطبوعة: "إلا متجانفًا" فأفسد المعنى إفسادًا، والصواب من المخطوطة، وفيها: "لا متجانف"، والصواب ما أثبت.
(٢) "الخروج"، الحال، كما سلف في فهارس المصطلحات.
(٣) في هذين الموضعين أيضًا في المطبوعة: "وهي بمعنى: إلا" ثم: "لو جاء الكلام: إلا متجانفًا"، وهو خطأ محض، والصواب ما أثبته من المخطوطة.
وانظر تفسير"غير" بمعنى"لا" فيما سلف ٣: ٣٢٢، في تفسير قوله تعالى من سورة البقرة: ١٧٣: "غير باغ ولا عاد"، بمعنى: لا باغيًا ولا عاديًا = منصوبًا على الحال.
(٤) انظر تفسير"الجنف" فيما سلف ٣: ٤٠٥-٤٠٨.
= وتفسير"الإثم" فيما سلف من فهارس اللغة، مادة (أثم).
بهذه الآية، للإثم في حال أكله (١) فهو: تعمده أكل ذلك لغير دفع الضرورة النازلة به (٢) ولكن لمعصية الله، وخلاف أمره فيما أمره به من ترك أكل ذلك.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك:
١١١١٩- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله:"فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم"، يعني: إلى ما حُرِّم، مما سمَّى في صدر هذه الآية ="غير متجانف لإثم"، يقول: غير متعمد لإثم.
١١١٢٠- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"غير متجانف لإثم"، غير متعمد لإثم. قال: إلى حِرْم الله، ما حَرّم (٣) رخّص للمضطر إذا كان غير متعمد لإثم، أن يأكله من جهد. فمن بَغَى، أو عدا، أو خرج في معصيةٍ لله، فإنه محرم عليه أن يأكله.
١١١٢١- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"غير متجانف لإثم"، أي: غير متعرِّض لمعصية.
١١١٢٢- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة:"غير متجانف لإثم"، غير متعمد لإثم، غير متعرِّض.
١١١٢٣- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"غير متجانف لإثم"، يقول: غير متعرض لإثم، أي: يبتغي فيه شهوة، أو يعتدي في أكله.
(١) السياق: "وأما تجانف آكل الميتة... للإثم في حال أكله... ".
(٢) في المطبوعة: "فهو تعمده الأكل لغير دفع الضرورة"، غير ما في المخطوطة بلا معنى.
(٣) "حرم الله" (بكسر الحاء، وسكون الراء)، هو الحرام نقيض الحلال. وقوله بعد ذلك: "ما حرم"، تفسير لقوله: "حرم الله".
١١١٢٤- حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد فى قوله:"غير متجانف لإثم"، لا يأكل ذلك ابتغاءَ الإثم، ولا جراءة عليه.
* * *

القول في تأويل قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾


قال أبو جعفر: وفي هذا الكلام متروك، اكتفى بدلالة ما ذكر عليه منه. وذلك أن معنى الكلام: فمن اضطر في مخمصة إلى ما حرمت عليه مما ذكرت في هذه الآية، غير متجانف لإثم فأكله، فإن الله غفور رحيم = فترك ذكر"فأكله"، وذكر"له" (١) لدلالة سائر ما ذكر من الكلام عليهما.
* * *
وأما قوله:"فإن الله غفور رحيم"، فإن معناه: فإن الله لمن أكل ما حرمت عليه بهذه الآية أكله، في مخمصة، غير متجانف لإثم ="غفور رحيم"، يقول: يستر له عن أكله ما أكل من ذلك، بعفوه عن مؤاخذته إياه، وصفحه عنه وعن عقوبته عليه ="رحيم"، يقول: وهو به رفيق. ومن رحمته ورفقه به (٢) أباح له أكل ما أباح له أكله من الميتة وسائر ما ذكر معها في هذه الآية، في حال خوفه على نفسه من كَلَب الجوع وضُرِّ الحاجة العارضة ببدنه.
* * *
فإن قال قائل: وما الأكل الذي وعد الله المضطر إلى الميتة وسائر المحرَّمات معها بهذه الآية، غفرانَهُ إذا أكل منها؟
قيل: ما:-
(١) يعني بقوله: "وذكر: له"، معطوف على قوله: "وترك ذكر: فأكله"، والمعنى: وترك ذكر: "إلى ما حرمت عليه فأكله". وكان الأجود عندي أن يبين ذلك فيذكره كما ذكرته.
وأما قوله: "وذكر: له"، يعني في قوله: "فإن الله له غفور... ".
(٢) في المطبوعة: "من رحمته" بإسقاط الواو، وأثبتها من المخطوطة.
١١١٢٥- حدثني عبد الأعلى بن واصل الأسدي قال، حدثنا محمد بن القاسم الأسدي، عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن أبي واقد الليثي قال: قلنا: يا رسول الله، إنا بأرض تصيبنا فيها مخمصة، فما يصلح لنا من الميتة؟ قال: إذا لم تصطبحوا، أو تغتبقوا، أو تحتفئوا بقلا فشأنَكم بها. (١)
(١) الأثر: ١١١٢٥- خبر الأوزاعي، عن حسان بن عطية، يرويه الطبري بعد برقم: ١١١٣٢، عن الأوزاعي، عن حسان مرسلا. ثم يرويه برقم: ١١١٣٣، عن الأوزاعي، عن حسان، عن رجل قد سمى له. وهي خبر واحد.
"عبد الأعلى بن واصل بن عبد الأعلى بن هلال الأسدي"، شيخ الطبري، روى له الترمذي، والنسائي، وأبو حاتم. قال أبو حاتم: "صدوق"، وقال النسائي: "ثقة". مترجم في التهذيب.
و"محمد بن القاسم الأسدي" رمي بالكذب والوضع. قال أبو داود: "غير ثقة ولا مأمون، أحاديثه موضوعة"، وتكلم فيه أحمد بن حنبل وضعفه، روى محمد بن القاسم، عن الأوزاعي. مترجم في التهذيب.
و"الأوزاعي" هو الإمام المشهور.
و"حسان بن عطية المحاربي"، كان من أفاضل أهل زمانه، وثقه أحمد، وابن معين، والعجلي، روى عن أبي أمامة، وعنبسة بن أبي سفيان، وسعيد بن المسيب. ونصوا على أنه أرسل عن أبي واقد الليثي، وكأنهم يعنون هذا الخبر بعينه.
و"أبو واقد الليثي" قيل اسمه: "الحارث بن مالك"، وقيل: "الحارث بن عوف"، وقيل: "عوف بن الحارث بن أسد"، من بني ليث بن بكر بن عبد مناة، من كنانة. صحابي، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن أبي بكر وعمر. وروى عنه ابناه عبد الملك وواقد، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وعطاء بن يسار، وعروة بن الزبير، وغيرهم.
وإسناد أبي جعفر هذا، إسناد ضعيف، لضعف محمد بن القاسم، ولكنه روي من وجه صحيح، كما سترى في التخريج.
فرواه أحمد في مسنده ٥: ٢١٨ (حلبي) عن محمد بن القاسم، عن الأوزاعي، وهو نفس إسناد الطبري، فهو ضعيف.
ثم رواه مرة أخرى في نفس الصفحة، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي. (قلت: في المسند: حدثنا الوليد، حدثنا مسلم، حدثنا الأوزاعي = وهو خطأ لا شك فيه، صوابه: الوليد بن مسلم، كما نقله عن هذا الموضع من المسند، ابن كثير في تفسيره ٢: ٦٩).
وقال ابن كثير بعد نقله هذا الخبر الثاني من خبري أحمد: "تفرد به أحمد من هذا الوجه، وهو إسناد صحيح على شرط الصحيحين".
ولكن الهيثمي خرجه في مجمع الزوائد ٤: ١٦٥، وقال: "رواه أحمد بإسنادين، رجال أحدهما رجال الصحيح [يعني الحديث الثاني من حديثي أحمد]، إلا أن المزي قال: لم يسمع حسان بن عطية من أبي واقد، والله أعلم".
ثم خرجه الهيثمي أيضًا في مجمع الزوائد ٥: ١٦٥ وقال: "رواه الطبراني، ورجاله ثقات". ولم يذكر مقالة المزي، ولا انقطاع الخبر.
ورواه الحاكم في المستدرك ٤: ١٢٥، من طريق أبي قلابة الرقاشي، عن أبي عاصم، عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن أبي واقد، بمثله. وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه". وتعقبه الذهبي فقال: "فيه انقطاع"، إشارة ما قاله المزي، فيما رواه صاحب مجمع الزوائد.
ورواه البيهقي في السنن ٩: ٣٥٦ من ثلاث طرق: محمد بن القاسم الأسدي، عن الأوزاعي، كرواية أحمد والطبري.
ومن طريق أبي عبيد، عن محمد بن كثير، عن الأوزاعي، عن حسان، عن أبي واقد.
ثم رواه من طريق الوليد بن مسلم (وهو طريق أحمد الثاني)، ولكن فيه زيادة، وذلك أنه رواه عن إسحق بن إبراهيم الحنظلي، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن ابن مرثد = أو أبي مرثد = عن أبي واقد الليثي.
وإلى هذه الطريق أشار ابن كثير في تفسيره ٣: ٦٩، بعد أن روى حديث أحمد في المسند فقال: "ولكن رواه بعضهم عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن مسلم بن يزيد، عن أبي واقد، به، ومنهم من رواه عن الأوزاعي، عن حسان، عن مرثد = أو أبي مرثد = عن أبي واقد، به"، فخالف ما في سنن البيهقي، قال: "مرثد"، والذي فيها"ابن مرثد".
ولم أجد ذكرًا في كتب الرجال لمسلم بن يزيد، أو مرثد، أو ابن مرثد. فإسناد هذه الخبر، كما ترى، هو على صحته منقطع.
وخرجه السيوطي في الدر المنثور ٢: ٢٥٩، ولم ينسب لغير أحمد والحاكم. * * *
وقوله: "إذا لم تصطبحوا"، أي: إذا لم تجدوا صبوحًا، و"الصبوح" (بفتح الصاد) : هو ما يحلب من اللبن بالغداة ويشرب عندئذ. و"اصطبح القوم": شربوا الصبوح. و"صبح الرجل ضيفه": سقاه الصبوح بالغداة.
وقوله: "أو تغتبقوا"، أي: إذا لم تجدوا غبوقًا، و"الغبوق" (بفتح الغين) : هو ما يحلب من اللبن بالعشي، ويشرب عندئذ."غبق الرجل ضيفه"، سقاه غبوقًا. و"اغتبق القوم": شربوا الغبوق بالعشي.
أما "تحتفئوا"، فسيأتي تفسيرها بعد الأثر رقم: ١١١٣٣، ص: ٥٤٢، تعليق: ٢.
١١١٢٦- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا هشيم، عن الخصيب بن زيد التميمي قال، حدثنا الحسن: أن رجلا سأل رسول الله ﷺ فقال: إلى متى يحلُّ لي الحرام؟ قال فقال: إلى أن يروَى أهلك من اللبن، أو تجيء مِيرَتُهم". (١)
(١) الأثر: ١١١٢٦-"الخصيب بن زيد التميمي"، سمع عن الحسن، مرسل، روى عنه هشيم، هكذا قال البخاري في الكبير ٢/١/٢٠١. وفي التهذيب: "وثقه أحمد"، وذكره ابن حبان في الثقات. وفي ابن أبي حاتم ١/٢/٣٩٦، كتب"خصيب بن بدر التميمي"، والصواب"خصيب بن زيد" كما قال البخاري.
و"الميرة" (بكسر الميم) : هو جلب الطعام. وفي المخطوطة: "وتجيء" بالواو، وأثبت ما في المطبوعة، وابن كثير ٣: ٦٩.
١١١٢٧- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا خصيب بن زيد التميمي قال، حدثنا الحسن: أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر مثله = إلا أنه قال: أو تُجْبَى ميرتهم. (١)
١١١٢٨- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال، حدثني عمر بن عبد الله بن عروة، عن جده عروة بن الزبير، عمن حدثه: أن رجلا من الأعراب أتى النبي ﷺ يستفتيه في الذي حرّم الله عليه، والذي أحل له، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: تحل لك الطيبات، وتحرُم عليك الخبائث، إلا أن تفتقر إلى طعام [لا يحل لك]، (٢) فتأكل منه حتى تستغني عنه. فقال الرجل: وما فقري الذي يُحِلّ لي؟ وما غناي الذي يغنيني عن ذلك؟ (٣) فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا كنت ترجو نتاجًا، فتبلَّغ بلحوم ماشيتك إلى نِتاجك، أو كنت ترجو غنًى تطلبه، فتبلَّغ من ذلك شيئًا، (٤) فأطعم أهلك ما بدا لك حتى تستغني عنه. فقال الأعرابي: ما غِناي الذي أدعه إذا وجدته؟
(١) في المطبوعة: "أو تحيا ميرتهم"، من"الحياة"، وفي المخطوطة: "تجبى" غير منقوطة، فرأيت أن أقرأها كذلك، من"جبى الماء في الحوض يجيبه": جمعه، و"جبى الخراج" جمعه. ولو قرئت: "يجني" من"جنى يجني"، كما تجنى الثمرة، لكان مجازا. وللذي في المطبوعة: "يحيى"، وجه. ولكني رجحت ما أثبت. ولم أجد الخبر في مكان آخر بهذه الرواية.
(٢) الزيادة بين القوسين، لا يتم الكلام إلا بها، من مجمع الزوائد.
(٣) نص ما رواه في مجمع الزوائد: "ما فقري، وما الذي آكل من ذلك إذا بلغته؟ وما غناي الذي يغنيني عنه".
(٤) "تبلغ بشيء من الطعام أو غيره": اكتفى به. وقوله: "شيئا"، أي: قليلا، غير مفرط فيه.
وانظر تفسير"شيء" بمعنى"قليل" فيما سلف ٦: ٤٤٨، تعليق ٢/٨: ٤٠٣، تعليق: ١.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا أرويت أهلك غَبُوقًا من الليل. (١) فاجتنب ما حرَّم الله عليك من طعام. [وأمّا] مالُك (٢) فإنه ميسور كله، ليس فيه حرام. " (٣)
١١١٢٩- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن ابن عون قال: وجدت عند الحسن كتاب سمرة، فقرأته عليه، وكان فيه: ويُجْزي من الاضطرار غَبُوق أو صَبُوح. (٤)
١١١٣٠- حدثنا هناد وأبو هشام الرفاعي قالا حدثنا يحيى بن أبي زائدة، عن ابن عون قال: قرأت في كتاب سَمُرة بن جندب: يكفي من الاضطرار = أو: من الضرورة = غبوقٌ أو صبوح. (٥)
١١١٣١- حدثني علي بن سعيد الكندي وأبو كريب قالا حدثنا عبد الله بن إدريس، عن هشام بن حسان، عن الحسن قال: إذا اضطر الرجل إلى الميتة، أكل منها قوتَه = يعني: مُسْكَتَه. (٦)
(١) في مجمع الزوائد: "غبوقًا من اللبن"، وما في الطبري أجود.
(٢) الزيادة بين القوسين، لا يتم الكلام إلا بها، زدتها من مجمع الزوائد، ومن الدر المنثور. وأما قوله بعد: "ميسور كله"، أي: موسع عليك فيه.
(٣) الأثر: ١١١٢٨- خرجه الهيثمي في مجمع الزوائد مطولا، من"حديث سمرة بن جندب، عن رسول الله ﷺ أنه أتاه رجل من الأعراب"، ثم قال: "رواه الطبراني في الكبير، والبزار باختصار. وفي إسناد الطبراني مساتير، وإسناد البزار ضعيف".
وذكره ابن كثير من تفسيره ٣: ٧٠ عن هذا الموضع من التفسير، وفيه: "عروة بن الزبير، عن جدته"، والصواب ما في الطبري، والدر المنثور، وبما تبين من أن الخبر من حديث سمرة بن جندب. وخرجه في الدر المنثور ٢: ٢٦٠، ولم ينسبه لغير الطبري.
(٤) الأثر: ١١١٢٩-"سمرة"، هو"سمرة بن جندب بن هلال الفزاري"، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكتابه هذا هو رسالته إلى بنيه، قال ابن سيرين: "في رسالة سمرة إلى بنيه، علم كثير". وانظر الأثر التالي.
(٥) الأثر: ١١١٣٠- هذا الأثر، رواه البيهقي في السنن عن أبي عبيد، عن معاذ، عن ابن عون: قال: "رأيت عند الحسن كتب سمرة لبنيه: أنه يجزئ من الاضطرار - أو الضارورة.." و"الضرورة" و"الضارورة"، واحد، وهما اسم لمصدر"الاضطرار".
(٦) "المسكة" (بضم الميم وسكون السين) : هي ما يمسك الأبدان من الطعام والشراب. وكذلك"القوت": هو ما يقوم به بدن الإنسان من الطعام، وما يمسك الرمق من الرزق.
١١١٣٢- حدثنا هنّاد بن السري قال، حدثنا ابن مبارك، عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية قال: قال رجل: يا رسول الله، إنا بأرض مَخْمصة، فما يحلّ لنا من الميتة؟ ومتى تحلّ لنا الميتة؟ قال: إذا لم تصطبحوا، أو تغتبقوا، ولم تحتفئوا بقلا فشأنَكم بها. (١)
١١١٣٣- حدثنا هناد بن السري قال، حدثنا عيسى بن يونس، عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن رجل قد سمي لنا: أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا نكون بأرض مخمصة، فمتى تحل لنا الميتة؟ قال: إذا لم تغتبقوا، ولم تصطبحوا، ولم تحتفئوا بقلا فشأنكم بها. (٢)
* * *
قال أبو جعفر: يروى هذا على أربعة أوجه:"تحتفئوا" بالهمزة ="وتحتفيوا" بتخفيف"الياء" و"الحاء" = و"تحتفّوا"، بتشديد الفاء = و"تحتفوا" بالحاء، والتخفيف، ويحتمل الهمز (٣).
* * *
(١) الأثران: ١١١٣٢، ١١١٣٣- هما خبر أبي واقد الليثي الذي مضى برقم: ١١١٢٥، وانظر التعليق عليه هناك.
(٢) الأثران: ١١١٣٢، ١١١٣٣- هما خبر أبي واقد الليثي الذي مضى برقم: ١١١٢٥، وانظر التعليق عليه هناك.
(٣) ما ذكره أبو جعفر هو روايات هذا الحرف بالحاء، ولكنه روي أيضًا بالجيم مهموزًا: "تجتفئوا" من قولهم: "جفأ البقل يجفؤه جفأ، واجتفأ": إذا اقتلعه من أصله.
وروي بالجيم غير مهموز"تجتفوا"، بمعنى المهموز: "جفيت البقل واجتفيته".
وروي بالخاء المعجمة: "تختفوا" من"أخفى الشيء" إذا أظهره بعد خفائه، كأنه قد أزال خفاءه.
وأما ما رواه الطبري بالحاء، فتفسير"تحتفئوا" من"الحفأ" وهو البردي. يقال: "احتفا الحفأ": اقتلعه من منبته.
وأما "تحتفيوا" (بكسر الفاء وضم الياء) من قولهم: "احتفى الحفأ، البقل" إذا اقتلعه من وجه الأرض بالأظافير، وأصله الهمز.
وأما "تحتفوا" بتشديد الفاء، فمن قولهم: "احتف الطعام" إذا أكل جميع ما في القدر، ومن قولهم: "احتفت المرأة": أزالت شعر وجهها نتفًا بخيطين، فكأنهم ينتفون البقل من وجه الأرض لصغره.
وأما "تحتفوا" فمن"احتفى البقل": إذا اقتلعه، وهو غير مهموز.
هذا، وقد قال الأزهري: "قال أبو سعيد: صوابه: تحتفوا، بتخفيف الفاء من غير همز. وكل شيء استؤصل فقد احتفى، ومنه: إحفاء الشعر. قال: واحتفى البقل: إذا أخذه من وجه الأرض بأطراف أصابعه من قصره وقلته = قال: ومن قال: تحتفئوا، بالهمز، من الحفأ، البردي، فهو باطل، لأن البردي ليس من البقل. والبقول: ما نبت من العشب على وجه الأرض مما لا عرق له. قال: ولا بردي في بلاد العرب = ويروى: ما لم تجتفئوا، بالجيم. قال: والاجتفاء أيضًا بالجيم باطل، لأن الاجتفاء: كب الآنية إذا جفأتها = ويروى: ما لم تحتفوا، بتشديد الفاء، من: احتففت الشيء، إذا أخذته كله، كما تحف المرأة وجهها من الشعر".

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
يخبر تعالى عباده خبرا متضمنا النهي عن تعاطي هذه المحرمات من الميتة وهي : ما مات من الحيوان حَتْف أنفه، من غير ذكاة ولا اصطياد، وما ذاك إلا لما فيها من المضرة، لما فيها من الدم المحتقن، فهي ضارة للدين وللبدن فلهذا حرمها الله، عز وجل، ويستثني من الميتة السمك، فإنه حلال سواء مات بتذكية أو غيرها، لما رواه مالك في موطئه، والشافعي وأحمد في مسنديهما، وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه في سننهم، وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ سئل عن ماء البحر، فقال :" هو الطَّهُور ماؤه الحِلُّ ميتته(١) ".
وهكذا الجراد، لما سيأتي من الحديث، وقوله :﴿وَالدَّمُ﴾ يعني [ به ](٢) المسفوح ؛ لقوله :﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] قاله ابن عباس وسعيد بن جُبَيْر.
قال ابن أبي حاتم : حدثنا كثير بن شهاب المذْحِجي، حدثنا محمد بن سعيد بن سابق، حدثنا عمرو - يعني ابن قيس - عن سِمَاك، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس : أنه سئل عن الطحال فقال : كلوه فقالوا : إنه دم. فقال : إنما حُرم عليكم الدم المسفوح.
وكذا رواه حماد بن سلمة، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم، عن عائشة، قالت : إنما نهى عن الدم السافح.
وقد قال أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي : حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم(٣) " أحِلَّ لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالحوت(٤) والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال ".
وكذا رواه أحمد بن حنبل، وابن ماجه، والدارقطني، والبيهقي، من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم(٥) وهو ضعيف. قال الحافظ البيهقي : ورواه إسماعيل بن أبي إدريس(٦) عن أسامة، وعبد الله، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن ابن عمر مرفوعا.
قلت : وثلاثتهم ضعفاء، ولكن بعضهم أصلح من بعض. وقد رواه سليمان بن بلال أحد الأثبات، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر، فوقفه بعضهم عليه. قال الحافظ أبو زرعة الرازي : وهو أصح.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسن، حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، حدثنا بَشير بن سُرَيج، عن أبي غالب، عن أبي أمامة - وهو صُدَيّ بن عجلان - قال : بعثني رسول الله ﷺ إلى قومي أدعوهم إلى الله ورسوله، وأعرض عليهم شرائع الإسلام، فأتيتهم، فبينا نحن كذلك إذ جاؤوا بقَصْعَة من دم، فاجتمعوا(٧) عليها يأكلونها، قالوا : هلم يا صُديّ، فكل. قال : قلت : ويحكم ! إنما أتيتكم من عند مُحرِّم(٨) هذا عليكم، وأنزل الله عليه، قالوا : وما ذاك ؟ قال : فتلوت عليهم هذه الآية :﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ [ وَلَحْمُ الْخِنزيرِ ]﴾(٩) الآية.
ورواه الحافظ أبو بكر بن مَرْدُوَيه من حديث ابن أبي الشوارب بإسناد مثله، وزاد بعد هذا السياق : قال : فجعلت أدعوهم إلى الإسلام، ويأبون علي، فقلت لهم : ويحكم، اسقوني شربة من ماء، فإني شديد العطش - قال : وعليّ عباءتي - فقالوا : لا ولكن ندعك حتى تموت عطشا. قال : فاغتممت وضربت(١٠) برأسي في العباء، ونمت على الرمضاء في حر شديد، قال : فأتاني آت في منامي بقَدَح من زجاج لم ير الناس أحسن منه، وفيه شراب لم ير الناس [ شرابا ](١١) ألذ منه، فأمكنني منها فشربتها، فحيث فرغت من شرابي استيقظت، فلا والله ما عطشت ولا عريت بعد تيك الشربة. (١٢)
ورواه الحاكم في مستدركه، عن علي بن حُمْشاذ(١٣) عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني عبد الله بن سلمة بن عياش العامري، حدثنا صدقة بن هرمز، عن أبي غالب، عن أبي أمامة، قد ذكر نحوه(١٤) وزاد بعد قوله :" بعد تيك الشربة " : فسمعتهم يقولون : أتاكم رجل من سراة قومكم، فلم تَمْجعَوه بمذقة، فأتوني بمذقة فقلت : لا حاجة لي فيها، إن الله(١٥) أطعمني وسقاني، وأريتهم بطني فأسلموا عن آخرهم.
وما أحسن ما أنشد الأعشى في قصيدته التي ذكرها ابن إسحاق :(١٦)
وإياكَ والميتات لا تقربنَّهاولا تأخذن عظمًا حديدًا فتفصدا
أي : لا تفعل كما يفعل(١٧) الجاهلية، وذلك أن أحدهم كان إذا جاع أخذ شيئًا محددًا من عظم ونحوه، فَيفْصِد به بعيره أو حيوانا من أي صنف كان، فيجمع ما يخرج منه من الدم فيشربه ؛ ولهذا حرَّم الله الدم على هذه الأمة، ثم قال الأعشى :
وذا النّصُب المنصوبَ لا تَأتينّهولا تعبد الأصنام والله فاعبدا
وقوله :﴿وَلَحْمُ الْخِنزيرِ﴾ يعني : إنسيه ووحشيه، واللحم يعم جميع أجزائه حتى الشحم، ولا يحتاج إلى تحذلق الظاهرية في جمودهم هاهنا وتعسفهم في الاحتجاج بقوله :﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا﴾ يعنون قوله تعالى :﴿إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] أعادوا الضمير فيما فهموه على الخنزير، حتى يعم جميع أجزائه، وهذا بعيد من حيث اللغة، فإنه لا يعود الضمير إلا إلى المضاف دون المضاف إليه، والأظهر أن اللحم يعم جميع الأجزاء كما هو المفهوم من لغة العرب، ومن العرف المطرد، وفي صحيح مسلم، عن بُرَيدة بن الخصيب الأسلمي، رضي الله عنه، قال : قال رسول الله ﷺ :" من لعب بالنردَشير فكأنما صَبَغَ يده في لحم الخنزير ودمه " (١٨) فإذا كان هذا التنفير لمجرد اللمس(١٩) فكيف يكون التهديد والوعيد الأكيد على أكله والتغذي به، وفيه دلالة على شُمُول اللحم لجميع الأجزاء من الشحم وغيره.
وفي الصحيحين : أن رسول الله ﷺ قال :" إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام ". فقيل : يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة، فإنها تطلى بها السفن، وتدهن بها الجلود، ويَسْتَصبِحُ بها الناس ؟ فقال :" لا هو حرام ". (٢٠)
وفي صحيح البخاري من حديث أبي سفيان : أنه قال لهرقل ملك الروم :" نهانا عن الميتة والدم ". (٢١)
وقوله :﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ أي : ما ذبح فذكر عليه اسم غير الله، فهو حرام ؛ لأن الله أوجب أن تذبح(٢٢) مخلوقاته على اسمه العظيم، فمتى عُدِل بها عن ذلك وذكر عليها اسم غيره من صنم أو طاغوت أو وثن أو غير ذلك، من سائر المخلوقات، فإنها حرام بالإجماع. وإنما اختلف العلماء في المتروك التسمية عليه، إما عمدًا أو نسيانا، كما سيأتي تقريره في سورة الأنعام.
وقد قال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسن الهِسِنْجَاني، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا ابن فضيل، عن الوليد بن جُمَيْع، عن أبي الطُّفَيْل قال : نزل آدم بتحريم أربع : الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، وإن هذه الأربعة الأشياء(٢٣) لم تحل قط، ولم تزل حراما منذ خلق الله السموات والأرض، فلما كانت بنو إسرائيل حرم الله عليهم طيبات أحلت لهم بذنوبهم، فلما بعث الله عيسى ابن مريم، عليه السلام، نزل بالأمر الأول الذي جاء به آدم [ عليه السلام ](٢٤) وأحل لهم ما سوى ذلك فكذبوه وعصوه. وهذا أثر غريب.
وقال ابن أبي حاتم أيضا : حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا ربعي بن عبد الله قال : سمعت الجارود بن أبي سَبْرَة - قال : هو جدي - قال : كان رجل من بني رَيَاح(٢٥) يقال له : ابن وَثَيِل، وكان شاعرا، نافر - غالبا - أبا الفرزدق بماء بظهر الكوفة، على أن يعقر هذا مائة من إبله، وهذا مائة من إبله، إذا وردت الماء، فلما وردت الماء قاما إليها بالسيوف، فجعلا يَكْسفان عَرَاقيبها. قال : فخرج الناس على الحمرات والبغال يريدون اللحم - قال : وعَليٌّ بالكوفة - قال : فخرج عليّ على بغلة رسول الله ﷺ البيضاء وهو ينادي : يا أيها الناس، لا تأكلوا من لحومها فإنما(٢٦) أهل بها لغير الله.
هذا أثر غريب، ويشهد له بالصحة ما رواه أبو داود : حدثنا هارون بن عبد الله، حدثنا(٢٧) حماد بن مَسْعَدة، عن عوف، عن أبي رَيْحانة، عن ابن عباس قال : نهى النبي ﷺ عن مُعاقرة الأعراب.
ثم قال أبو داود : محمد بن جعفر - هو غُنْدَر - أوقفه على ابن عباس. تفرد به أبو داود(٢٨)
وقال أبو داود أيضا : حدثنا هارون بن زيد بن أبي الزرقاء، حدثنا أبي، حدثنا جرير بن حازم، عن الزبير بن خريت قال : سمعت عِكْرِمة يقول :(٢٩) إن رسول الله ﷺ نهى عن طعام المتباريين(٣٠) أن يؤكل.
ثم قال أبو داود : أكثر من رواه عن جرير لا يذكر فيه ابن عباس. تفرد به أيضا. (٣١)
وقوله :﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾ وهي التي تموت بالخنق إما قصدًا أو اتفاقا، بأن تَتَخبل في وثاقتها(٣٢) فتموت به، فهي حرام.
وأما ﴿الْمَوْقُوذَةُ﴾ فهي التي تضرب بشيء ثقيل غير محدد حتى تموت، كما قال ابن عباس وغير واحد : هي التي تضرب بالخَشَب حتى تُوقَذَ بها(٣٣) فتموت.
وقال قتادة : كان أهل الجاهلية يضربونها بالعصي حتى إذا ماتت أكلوها.
وفي الصحيح : أن عدي بن حاتم قال : قلت : يا رسول الله، إني أرمي بالمِعراض الصيد فأصيب. قال :" إذا رميت بالمعراض فخَزَق فَكُلْه، وإن أصابه بعَرْضِه فإنما هو وَقِيذ فلا تأكله ". (٣٤)
ففرق بين ما أصابه بالسهم، أو بالمزراق ونحوه بحده فأحله، وما أصابه بعرضه فجعله وقيذا فلم يحله، وقد أجمع الفقهاء على هذا الحكم هاهنا، واختلفوا فيما إذا صدم الجارحةُ الصيد فقتله بثقله ولم يجرحه، على قولين، هما قولان للشافعي، رحمه الله :
أحدهما :[ أنه ](٣٥) لا يحل، كما في السهم، والجامع أن كلا منهما ميت بغير جرح فهو وقيذ.
والثاني : أنه يحل ؛ لأنه حكم بإباحة ما صاده الكلب، ولم يستفصل، فدل على إباحة ما ذكرناه ؛ لأنه قد دخل في العموم. وقد قررت لهذه المسألة فصلا فليكتب هاهنا. .

فصل :


اختلف العلماء رحمهم الله تعالى، فيما إذا أرسل كلبا على صيد فقتله بثقله ولم يجرحه، أو صدمه، هل يحل أم لا ؟ على قولين :
أحدهما : أن ذلك حلال ؛ لعموم قوله تعالى :﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤] وكذا عمومات حديث عَدي(٣٦) بن حاتم. وهذا قول حكاه الأصحاب عن الشافعي، رحمه الله، وصححه بعض المتأخرين [ منهم ](٣٧) كالنووي والرافعي.
قلت : وليس ذلك بظاهر من كلام الشافعي في الأم والمختصر، فإنه قال في كلا الموضعين :" يحتمل معنيين ". ثم وجه كلا منهما، فحمل ذلك الأصحاب منه فأطلقوا في المسألة قولين عنه، اللهم إلا أنه في بحثه حكايته للقول بالحل رشحه قليلا ولم يصرح بواحد منهما ولا جزم به. والقول بذلك، أعني الحل، نقله ابن الصباغ عن أبي حنيفة، من رواية الحسن بن زياد، عنه، ولم يذكر غير ذلك وأما أبو جعفر بن جرير فحكاه في تفسيره عن سلمان الفارسي، وأبي هريرة، وسعد بن أبي وقاص، وابن عمر. وهذا غريب جدًا، وليس يوجد ذلك مصرحا به عنهم، إلا أنه من تصرفه، رحمه الله ورضي عنه.
والقول الثاني : أن ذلك لا يحل، وهو أحد القولين عن الشافعي، رحمه الله، واختاره المُزَني ويظهر من كلام ابن الصباغ ترجيحه أيضا، والله أعلم. ورواه أبو يوسف ومحمد عن(٣٨) أبي حنيفة، وهو المشهور عن الإمام أحمد بن حنبل، رضي الله عنه(٣٩) وهذا الق
١ الموطأ (١/٢٢) ومسند الشافعي برقم (٢٥) "بدائع المنن" ومسند أحمد ( ٢/٢٣٧، ٣٦١) وسنن أبي داود برقم (٨٣) وسنن الترمذي برقم (٦٩) وسنن النسائي (١/٥٠) وسنن ابن ماجه برقم (٣٨٦) وصحيح ابن خزيمة برقم (١١١) وصحيح ابن حبان برقم (١١٩) "موارد" كلهم من طريق صفوان بن سليم، عن سعيد بن سلمة - من آل بني الأزرق - أن المغيرة بن أبي بردة أخبره أنه سمع أبا هريرة فذكره. وقد صحح هذا الحديث بن خزيمة والحاكم والبيهقي، وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح"..
٢ زيادة من د، أ.
.

٣ في د: "عن ابن عمر مرفوعا"..
٤ في د: "فالسمك"..
٥ مسند الشافعي برقم (١٧٣٤) "بدائع المنن" ومسند أحمد (٢/٩٧) وسنن ابن ماجة برقم (٣٣١٤) وسنن الدارقطني (٤/٢٧١) والسنن الكبرى للبيهقي (١/٢٥٤)..
٦ في د: "إسماعيل بن أبي أويس"..
٧ في ر: "واجتمعوا".
٨ في د، ر، أ: "من يحرم"..
٩ زيادة من أ..
١٠ في د: "وجثوت"..
١١ زيادة من ر، أ..
١٢ ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٨/٣٣٥) من طريق محمد بن أبي الشوارب به. قال الهيثمي في المجمع (٩/٣٨٧): "فيه بشير بن سريج وهو ضعيف"..
١٣ في ر، أ: "علي بن حماد"..
١٤ في ر: "فذكر نحوه"، وهو في المستدرك (٣/٦٤٢) وفيه صدقة بن هرمز ضعفه ابن معين وغيره..
١٥ في ر: "إن ربي"..
١٦ أنظر القصيدة في: السيرة النبوية لابن هشام (١/٣٨٦)..
١٧ في د: "كما فعل"..
١٨ صحيح مسلم برقم (٢٢٦٠)..
١٩ في ر: "تنفيرا بمجرد ملابسته باللمس"..
٢٠ صحيح البخاري برقم (٢٢٣٦) وصحيح مسلم برقم (١٥٨١) من حديث جابر، رضي الله عنه..
٢١ لم أجد هذا اللفظ في صحيح البخاري في مواضع روايته لحديث هرقل..
٢٢ في ر: "يذبح"..
٢٣ في ر: "أشياء"..
٢٤ زيادة من أ..
٢٥ في ر: "رياح"..
٢٦ في د، ر: "فإنها"..
٢٧ في ر: "بن"..
٢٨ سنن أبي داود برقم (٢٨٢٠)..
٢٩ في أ: "يقول: كان ابن عباس يقول"..
٣٠ في د: "المتبارزين"..
٣١ سنن أبي داود برقم (٣٧٥٤).
٣٢ في ر: "وثاقها".
.

٣٣ في ر: "توقذها"..
٣٤ رواه البخاري في صحيحه برقم (٥٤٧٥) ومسلم في صحيحه برقم (١٩٢٩)..
٣٥ زيادة من أ..
٣٦ سيأتى حديث عدي بن حاتم بتمامه..
٣٧ زيادة من أ..
٣٨ في ر: "بن"..
٣٩ في أ: "رحمه الله"..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)﴾
يُخْبِرُ تَعَالَى عِبَادَهُ خَبَرًا مُتَضَمِّنًا النَّهْيَ عَنْ تَعَاطِي هَذِهِ الْمُحَرَّمَاتِ مِنَ الْمِيتَةِ وَهِيَ: مَا مَاتَ مِنَ الْحَيَوَانِ حَتْف أَنْفِهِ، مِنْ غَيْرِ ذَكَاةٍ وَلَا اصْطِيَادٍ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمَا فِيهَا مِنَ الْمَضَرَّةِ، لِمَا فِيهَا مِنَ الدَّمِ الْمُحْتَقِنِ، فَهِيَ ضَارَّةٌ لِلدِّينِ وَلِلْبَدَنِ فَلِهَذَا حَرَّمَهَا اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، وَيَسْتَثْنِي مِنَ الْمَيْتَةِ السَّمَكُ، فَإِنَّهُ حَلَالٌ سَوَاءٌ مَاتَ بِتَذْكِيَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، لِمَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ فِي مُسْنَدَيْهِمَا، وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِمْ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحَيْهِمَا، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ مَاءِ الْبَحْرِ، فَقَالَ: "هُوَ الطَّهُور مَاؤُهُ الحِلُّ مَيْتَتُهُ (١) ".
وَهَكَذَا الْجَرَادُ، لِمَا سَيَأْتِي مِنَ الْحَدِيثِ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَالدَّمُ﴾ يَعْنِي [بِهِ] (٢) الْمَسْفُوحَ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٤٥] قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر.
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ شِهَابٍ المذْحِجي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ سَابِقٍ، حَدَّثَنَا
(١) الموطأ (١/٢٢) ومسند الشافعي برقم (٢٥) "بدائع المنن" ومسند أحمد (٢/٢٣٧، ٣٦١) وسنن أبي داود برقم (٨٣) وسنن الترمذي برقم (٦٩) وسنن النسائي (١/٥٠) وسنن ابن ماجه برقم (٣٨٦) وصحيح ابن خزيمة برقم (١١١) وصحيح ابن حبان برقم (١١٩) "موارد" كلهم من طريق صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَلَمَةَ -من آل بني الأزرق- أن المغيرة بن أبي بردة أخبره أنه سمع أبا هريرة فذكره. وقد صحح هذا الحديث بن خزيمة والحاكم والبيهقي، وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح".
(٢) زيادة من د، أ.
عَمْرٌو-يَعْنِي ابْنَ قَيْسٍ-عَنْ سِمَاك، عَنْ عِكْرِمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أنه سئل عن الطُّحَالِ فَقَالَ: كُلُوهُ فَقَالُوا: إِنَّهُ دَمٌ. فَقَالَ: إِنَّمَا حُرم عَلَيْكُمُ الدَّمُ الْمَسْفُوحُ.
وَكَذَا رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: إِنَّمَا نَهَى عَنِ الدَّمِ السَّافِحِ.
وَقَدْ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (١) "أحِلَّ لَنَا مَيْتَتَانِ ودمان، فأما الميتتان فالحوت (٢) والجراد، وأما الدمان فَالْكَبِدُ وَالطُّحَالُ".
وَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ (٣) وَهُوَ ضَعِيفٌ. قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ: وَرَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي إِدْرِيسَ (٤) عَنْ أُسَامَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا.
قُلْتُ: وَثَلَاثَتُهُمْ ضُعَفَاءُ، وَلَكِنَّ بَعْضَهُمْ أَصْلَحُ مِنْ بَعْضٍ. وَقَدْ رَوَاهُ سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ أَحَدُ الْأَثْبَاتِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، فَوَقَفَهُ بَعْضُهُمْ عَلَيْهِ. قَالَ الْحَافِظُ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِّيُّ: وَهُوَ أَصَحُّ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ، حَدَّثَنَا بَشير بْنُ سُرَيج، عَنْ أَبِي غَالِبٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ -وَهُوَ صُدَيّ بْنُ عَجْلَانَ-قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى قَوْمِي أَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَعْرِضُ عَلَيْهِمْ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ، فَأَتَيْتُهُمْ، فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ جَاؤُوا بقَصْعَة مِنْ دَمٍ، فَاجْتَمَعُوا (٥) عَلَيْهَا يَأْكُلُونَهَا، قَالُوا: هَلُمَّ يَا صُديّ، فَكُلْ. قَالَ: قُلْتُ: وَيَحْكَمُ! إِنَّمَا أَتَيْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ مُحرِّم (٦) هَذَا عَلَيْكُمْ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ، قَالُوا: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: فَتَلَوْتُ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ [وَلَحْمُ الْخِنزيرِ]﴾ (٧) الْآيَةَ.
وَرَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُوَيه مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ بِإِسْنَادٍ مِثْلِهِ، وَزَادَ بَعْدَ هَذَا السِّيَاقِ: قَالَ: فَجَعَلْتُ أَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَيَأْبَوْنَ عَلَيَّ، فَقُلْتُ لَهُمْ: وَيَحْكُمُ، اسْقُونِي شَرْبَةً مِنْ مَاءٍ، فَإِنِّي شَدِيدُ الْعَطَشِ -قَالَ: وَعَلَيَّ عَبَاءَتِي-فَقَالُوا: لَا وَلَكِنْ نَدَعُكَ حَتَّى تَمُوتَ عَطَشًا. قَالَ: فَاغْتَمَمْتُ وَضَرَبْتُ (٨) بِرَأْسِي فِي الْعَبَاءِ، وَنِمْتُ عَلَى الرَّمْضَاءِ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، قَالَ: فَأَتَانِي آتٍ فِي مَنَامِي بقَدَح مِنْ زُجَاجٍ لَمْ يَرَ النَّاسُ أَحْسَنَ مِنْهُ، وَفِيهِ شَرَابٌ لَمْ يَرَ النَّاسُ [شَرَابًا] (٩) أَلَذَّ مِنْهُ، فَأَمْكَنَنِي مِنْهَا فَشَرِبْتُهَا، فَحَيْثُ فَرَغْتُ مِنْ شَرَابِي اسْتَيْقَظْتُ، فَلَا وَاللَّهِ مَا عَطِشْتُ وَلَا عَرِيتُ بعد تيك الشربة. (١٠)
(١) في د: "عن ابن عمر مرفوعا".
(٢) في د: "فالسمك".
(٣) مسند الشافعي برقم (١٧٣٤) "بدائع المنن" ومسند أحمد (٢/٩٧) وسنن ابن ماجة برقم (٣٣١٤) وسنن الدارقطني (٤/٢٧١) والسنن الكبرى للبيهقي (١/٢٥٤).
(٤) في د: "إسماعيل بن أبي أويس".
(٥) في ر: "واجتمعوا"
(٦) في د، ر، أ: "من يحرم".
(٧) زيادة من أ.
(٨) في د: "وجثوت".
(٩) زيادة من ر، أ.
(١٠) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٨/٣٣٥) من طريق محمد بن أبي الشوارب به. قال الهيثمي في المجمع (٩/٣٨٧) :"فيه بشير بن سريج وهو ضعيف".
وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُمْشاذ (١) عَنْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ عَيَّاشٍ الْعَامِرِيُّ، حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ هُرْمُزَ، عَنْ أَبِي غَالِبٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَدْ ذَكَرَ نَحْوَهُ (٢) وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ: "بَعْدَ تِيكَ الشَّرْبَةِ": فَسَمِعْتُهُمْ يَقُولُونَ: أَتَاكُمْ رَجُلٌ مِنْ سَرَاةِ قَوْمِكُمْ، فَلَمْ تَمْجعَوه بِمَذْقَةٍ، فَأْتُونِي بِمَذْقَةٍ فَقُلْتُ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهَا، إِنِ اللَّهَ (٣) أَطْعَمَنِي وَسَقَانِي، وَأَرَيْتُهُمْ بَطْنِي فَأَسْلَمُوا عَنْ آخِرِهِمْ.
وَمَا أَحْسَنَ مَا أَنْشَدَ الْأَعْشَى فِي قَصِيدَتِهِ الَّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ إِسْحَاقَ: (٤)
وإياكَ وَالْمَيْتَاتِ لَا تقربنَّها... وَلَا تَأْخُذَنَّ عَظْمًا حَدِيدًا فَتَفْصِدَا...
أَيْ: لَا تَفْعَلْ كَمَا يَفْعَلُ (٥) الْجَاهِلِيَّةُ، وَذَلِكَ أَنَّ أَحَدَهُمْ كَانَ إِذَا جَاعَ أَخَذَ شَيْئًا مُحَدَّدًا مَنْ عَظْمٍ وَنَحْوِهِ، فَيفْصِد بِهِ بِعِيرَهَ أَوْ حَيَوَانًا مِنْ أَيِّ صِنْفٍ كَانَ، فَيَجْمَعُ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ مِنَ الدَّمِ فَيَشْرَبُهُ؛ وَلِهَذَا حرَّم اللَّهُ الدَّمَ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ، ثُمَّ قَالَ الْأَعْشَى:
وَذَا النّصُب المنصوبَ لَا تَأتينّه... وَلَا تَعْبُدِ الْأَصْنَامَ وَاللَّهَ فَاعْبُدَا...
وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَحْمُ الْخِنزيرِ﴾ يَعْنِي: إِنْسِيَّهُ وَوَحْشِيَّهُ، وَاللَّحْمُ يَعُمُّ جَمِيعَ أَجْزَائِهِ حَتَّى الشَّحْمَ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى تَحَذْلُقِ الظَّاهِرِيَّةِ فِي جُمُودِهِمْ هَاهُنَا وَتَعَسُّفِهِمْ فِي الِاحْتِجَاجِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا﴾ يَعْنُونَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٤٥] أَعَادُوا الضَّمِيرَ فِيمَا فَهِمُوهُ عَلَى الْخِنْزِيرِ، حَتَّى يَعُمَّ جَمِيعَ أَجْزَائِهِ، وَهَذَا بَعِيدٌ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةِ، فَإِنَّهُ لَا يَعُودُ الضَّمِيرُ إِلَّا إِلَى الْمُضَافِ دُونَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ اللَّحْمَ يَعُمُّ جَمِيعَ الْأَجْزَاءِ كَمَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ، وَمِنَ الْعُرْفِ الْمُطَّرِدِ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ بُرَيدة بْنِ الْخَصِيبِ الْأَسْلَمِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ لَعِبَ بالنردَشير فَكَأَنَّمَا صَبَغَ يَدَهُ فِي لَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَدَمِهِ" (٦) فَإِذَا كَانَ هَذَا التَّنْفِيرُ لِمُجَرَّدِ اللَّمْسِ (٧) فَكَيْفَ يَكُونُ التَّهْدِيدُ وَالْوَعِيدُ الْأَكِيدُ عَلَى أَكْلِهِ وَالتَّغَذِّي بِهِ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى شُمُول اللَّحْمِ لِجَمِيعِ الْأَجْزَاءِ مِنَ الشَّحْمِ وَغَيْرِهِ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ". فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ، فَإِنَّهَا تُطْلَى بِهَا السُّفُنُ، وَتُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ، ويَسْتَصبِحُ بِهَا النَّاسُ؟ فَقَالَ: "لَا هُوَ حَرَامٌ". (٨)
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سُفْيَانَ: أَنَّهُ قَالَ لِهِرَقْلَ ملك الروم: "نهانا عن الميتة والدم". (٩)
(١) في ر، أ: "علي بن حماد".
(٢) في ر: "فذكر نحوه"، وهو في المستدرك (٣/٦٤٢) وفيه صدقة بن هرمز ضعفه ابن معين وغيره.
(٣) في ر: "إن ربي".
(٤) أنظر القصيدة في: السيرة النبوية لابن هشام (١/٣٨٦).
(٥) في د: "كما فعل".
(٦) صحيح مسلم برقم (٢٢٦٠).
(٧) في ر: "تنفيرا بمجرد ملابسته باللمس".
(٨) صحيح البخاري برقم (٢٢٣٦) وصحيح مسلم برقم (١٥٨١) من حديث جابر، رضي الله عنه.
(٩) لم أجد هذا اللفظ في صحيح البخاري في مواضع روايته لحديث هرقل.
وَقَوْلِهِ: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ أَيْ: مَا ذُبِحَ فَذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُ غَيْرِ اللَّهِ، فَهُوَ حَرَامٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ أَوْجَبَ أَنْ تُذْبَحَ (١) مَخْلُوقَاتُهُ عَلَى اسْمِهِ الْعَظِيمِ، فَمَتَى عُدِل بِهَا عَنْ ذَلِكَ وَذُكِرَ عَلَيْهَا اسْمُ غَيْرِهِ مِنْ صَنَمٍ أَوْ طَاغُوتٍ أَوْ وَثَنٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، مِنْ سَائِرِ الْمَخْلُوقَاتِ، فَإِنَّهَا حَرَامٌ بِالْإِجْمَاعِ. وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عَلَيْهِ، إِمَّا عَمْدًا أَوْ نِسْيَانًا، كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الهِسِنْجَاني، حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ جُمَيْع، عَنْ أَبِي الطُّفَيْل قَالَ: نَزَلَ آدَمُ بِتَحْرِيمِ أَرْبَعٍ: الْمَيْتَةِ، وَالدَّمِ، وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ، وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ، وَإِنَّ هَذِهِ الْأَرْبَعَةَ الْأَشْيَاءِ (٢) لَمْ تَحِلَّ قَطُّ، وَلَمْ تَزَلْ حَرَامًا مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، فَلَمَّا كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَتْ لَهُمْ بِذُنُوبِهِمْ، فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، نَزَلَ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ الَّذِي جَاءَ بِهِ آدَمُ [عَلَيْهِ السَّلَامُ] (٣) وَأَحَلَّ لَهُمْ مَا سِوَى ذَلِكَ فَكَذَّبُوهُ وَعَصَوْهُ. وَهَذَا أَثَرٌ غَرِيبٌ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا رِبْعِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَمِعْتُ الْجَارُودَ بْنَ أَبِي سَبْرَة -قَالَ: هُوَ جَدِّي-قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي رَيَاح (٤) يُقَالُ لَهُ: ابْنُ وَثَيِل، وَكَانَ شَاعِرًا، نَافَرَ-غَالِبًا-أَبَا الْفَرَزْدَقِ بِمَاءٍ بِظَهْرِ الْكُوفَةِ، عَلَى أَنْ يَعْقِرَ هَذَا مِائَةً مِنْ إِبِلِهِ، وَهَذَا مِائَةً مِنْ إِبِلِهِ، إِذَا وَرَدَتِ الْمَاءَ، فَلَمَّا وَرَدَتِ الْمَاءَ قَامَا إِلَيْهَا بِالسُّيُوفِ، فَجَعَلَا يَكْسفان عَرَاقيبها. قَالَ: فَخَرَجَ النَّاسُ عَلَى الْحُمُرَاتِ وَالْبِغَالِ يُرِيدُونَ اللَّحْمَ -قَالَ: وعَليٌّ بِالْكُوفَةِ-قَالَ: فَخَرَجَ عَلِيٍّ عَلَى بَغْلَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَيْضَاءِ وَهُوَ يُنَادِي: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، لَا تَأْكُلُوا مِنْ لُحُومِهَا فَإِنَّمَا (٥) أُهِلَّ بِهَا لِغَيْرِ اللَّهِ.
هَذَا أَثَرٌ غَرِيبٌ، وَيَشْهَدُ لَهُ بِالصِّحَّةِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا (٦) حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدة، عَنْ عَوْفٍ، عَنِ أَبِي رَيْحانة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ مُعاقرة الْأَعْرَابِ.
ثُمَّ قَالَ أَبُو دَاوُدَ: مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ -هُوَ غُنْدَر-أَوْقَفَهُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ. تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ (٧)
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَبِي الزَّرْقَاءِ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ خِرِّيتٍ قَالَ: سَمِعْتُ عِكْرِمة يَقُولُ: (٨) إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ طَعَامِ الْمُتَبَارِيَيْنِ (٩) أَنْ يُؤْكَلَ.
ثُمَّ قَالَ أَبُو دَاوُدَ: أَكْثَرُ مَنْ رَوَاهُ عَنْ جَرِيرٍ لَا يَذْكُرُ فِيهِ ابْنَ عَبَّاسٍ. تَفَرَّدَ بِهِ أَيْضًا. (١٠)
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾ وَهِيَ الَّتِي تَمُوتُ بِالْخَنْقِ إِمَّا قَصْدًا أَوِ اتِّفَاقًا، بِأَنْ تَتَخبل فِي وَثَاقَتِهَا (١١) فَتَمُوتُ به، فهي حرام.
(١) في ر: "يذبح".
(٢) في ر: "أشياء".
(٣) زيادة من أ.
(٤) في ر: "رياح".
(٥) في د، ر: "فإنها".
(٦) في ر: "بن".
(٧) سنن أبي داود برقم (٢٨٢٠).
(٨) في أ: "يقول: كان ابن عباس يقول".
(٩) في د: "المتبارزين".
(١٠) سنن أبي داود برقم (٣٧٥٤)
(١١) في ر: "وثاقها".
وَأَمَّا ﴿الْمَوْقُوذَةُ﴾ فَهِيَ الَّتِي تُضْرَبُ بِشَيْءٍ ثَقِيلٍ غَيْرِ مُحَدَّدٍ حَتَّى تَمُوتَ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: هِيَ الَّتِي تُضْرَبُ بالخَشَب حَتَّى تُوقَذَ بِهَا (١) فَتَمُوتُ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَضْرِبُونَهَا بِالْعَصَى حَتَّى إِذَا مَاتَتْ أَكَلُوهَا.
وَفِي الصَّحِيحِ: أَنَّ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَرْمِي بالمِعراض الصَّيْدَ فَأُصِيبُ. قَالَ: "إِذَا رَمَيْتَ بِالْمِعْرَاضِ فخَزَق فَكُلْه، وَإِنْ أَصَابَهُ بعَرْضِه فَإِنَّمَا هُوَ وَقِيذ فَلَا تَأْكُلْهُ". (٢)
فَفَرَّقَ بَيْنَ مَا أَصَابَهُ بِالسَّهْمِ، أَوْ بِالْمِزْرَاقِ وَنَحْوِهِ بِحَدِّهِ فَأَحَلَّهُ، وَمَا أَصَابَهُ بِعَرْضِهِ فَجَعَلَهُ وَقِيذًا فَلَمْ يُحِلَّهُ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى هَذَا الْحُكْمِ هَاهُنَا، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا صَدَمَ الجارحةُ الصَّيْدَ فَقَتَلَهُ بِثِقَلِهِ وَلَمْ يَجْرَحْهُ، عَلَى قَوْلَيْنِ، هُمَا قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ:
أَحَدُهُمَا: [أَنَّهُ] (٣) لَا يَحِلُّ، كَمَا فِي السَّهْمِ، وَالْجَامِعُ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَيِّتٌ بِغَيْرِ جُرْحٍ فَهُوَ وَقِيذٌ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَحِلُّ؛ لِأَنَّهُ حَكَمَ بِإِبَاحَةِ مَا صَادَهُ الْكَلْبُ، وَلَمْ يَسْتَفْصِلْ، فَدَلَّ عَلَى إِبَاحَةِ مَا ذَكَرْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ دَخَلَ فِي الْعُمُومِ. وَقَدْ قَرَّرْتُ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَصْلًا فَلْيُكْتَبْ هَاهُنَا..
فَصْلٌ:
اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، فِيمَا إِذَا أَرْسَلَ كَلْبًا عَلَى صَيْدٍ فَقَتَلَهُ بِثِقَلِهِ وَلَمْ يَجْرَحْهُ، أَوْ صَدَمَهُ، هَلْ يَحِلُّ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ ذَلِكَ حَلَالٌ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٤] وَكَذَا عُمُومَاتُ حَدِيثِ عَدي (٤) بْنِ حَاتِمٍ. وَهَذَا قَوْلٌ حَكَاهُ الْأَصْحَابُ عَنِ الشَّافِعِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَصَحَّحَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ [مِنْهُمْ] (٥) كَالنَّوَوِيِّ وَالرَّافِعِيِّ.
قُلْتُ: وَلَيْسَ ذَلِكَ بِظَاهِرٍ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ وَالْمُخْتَصَرِ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي كِلَا الْمَوْضِعَيْنِ: "يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ". ثُمَّ وَجَّهَ كُلًّا مِنْهُمَا، فَحَمَلَ ذَلِكَ الْأَصْحَابُ مِنْهُ فَأَطْلَقُوا فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَيْنِ عَنْهُ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنَّهُ فِي بَحْثِهِ حِكَايَتَهُ لِلْقَوْلِ بِالْحِلِّ رَشَّحَهُ قَلِيلًا وَلَمْ يُصَرِّحْ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَا جَزَمَ بِهِ. وَالْقَوْلُ بِذَلِكَ، أَعْنِي الْحِلَّ، نَقْلَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، مِنْ رِوَايَةِ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرَ ذَلِكَ وَأَمَّا أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ فَحَكَاهُ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَابْنِ عُمَرَ. وَهَذَا غَرِيبٌ جَدًّا، وَلَيْسَ يُوجَدُ ذَلِكَ مُصَرَّحًا بِهِ عَنْهُمْ، إِلَّا أَنَّهُ مِنْ تَصَرُّفِهِ، رَحِمَهُ اللَّهُ وَرَضِيَ عَنْهُ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ ذَلِكَ لَا يَحِلُّ، وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ عَنِ الشَّافِعِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَاخْتَارَهُ المُزَني وَيَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ الصَّبَّاغِ تَرْجِيحُهُ أَيْضًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَرَوَاهُ أَبُو يوسف ومحمد عن (٦) أبي حنيفة،
(١) في ر: "توقذها".
(٢) رواه البخاري في صحيحه برقم (٥٤٧٥) ومسلم في صحيحه برقم (١٩٢٩).
(٣) زيادة من أ.
(٤) سيأتى حديث عدي بن حاتم بتمامه.
(٥) زيادة من أ.
(٦) في ر: "بن".
وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (١) وَهَذَا الْقَوْلُ أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، لِأَنَّهُ أَجْرَى عَنِ (٢) الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ، وَأَمَسُّ بِالْأُصُولِ (٣) الشَّرْعِيَّةِ. وَاحْتَجَّ ابْنُ الصَّبَّاغِ لَهُ بِحَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيج، قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إنا لاقو العدو غدا وليس معنا مُدًى، أَفَنَذْبَحُ بالقَصَب؟ قَالَ: (٤) "مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلُوهُ". الْحَدِيثَ بِتَمَامِهِ وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
وَهَذَا وَإِنْ كَانَ وَارِدًا عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ، فَالْعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ عِنْدَ جُمْهُورٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ، كَمَا سُئِلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ (٥) عَنِ الْبَتْعِ -وَهُوَ نَبِيذُ الْعَسَلِ-فَقَالَ: "كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ" (٦) أَفَيَقُولُ فَقِيهٌ: إِنَّ هَذَا اللَّفْظَ مَخْصُوصٌ بِشَرَابِ الْعَسَلِ؟ وَهَكَذَا هَذَا كَمَا سَأَلُوهُ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الذَّكَاةِ فَقَالَ لَهُمْ كَلَامًا عَامًّا يَشْمَلُ ذَاكَ الْمَسْئُولَ عَنْهُ وَغَيْرَهُ؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ (٧) قَدْ أُوتِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ.
إِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَمَا صَدَمَهُ الْكَلْبُ أَوْ غَمَّه بِثِقَلِهِ، لَيْسَ مِمَّا أَنْهَرَ دَمَهُ، فَلَا يَحِلُّ لِمَفْهُومِ هَذَا الْحَدِيثِ. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا سَأَلُوا عَنِ الْآلَةِ الَّتِي يُذكّى بِهَا، وَلَمْ يَسْأَلُوا عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي يذَكَّى؛ وَلِهَذَا اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ، حَيْثُ قَالَ: "لَيْسَ السِّنُّ وَالظُّفُرُ، وسأحدثكم عن ذلك: أما السن فعظم، وأما الظُّفُرُ فَمُدي الْحَبَشَةِ". وَالْمُسْتَثْنَى يَدُلُّ عَلَى جِنْسِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ مُتَّصِلًا فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَسْئُولَ عَنْهُ هُوَ الْآلَةُ، فَلَا يَبْقَى فِيهِ دَلَالَةٌ لِمَا ذَكَرْتُمْ.
فَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا: بِأَنَّ فِي الْكَلَامِ مَا يُشْكِلُ عَلَيْكُمْ أَيْضًا، حَيْثُ يَقُولُ: "مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلُوهُ". وَلَمْ يَقُلْ: "فَاذْبَحُوا بِهِ" فَهَذَا يُؤْخَذُ مِنْهُ الْحُكْمَانِ مَعًا، يُؤْخَذُ حُكْمُ الْآلَةِ الَّتِي يُذَكَّى بِهَا، وَحُكْمُ الْمُذَكَّى، وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إِنْهَارِ دَمِهِ بِآلَةٍ لَيْسَتْ سِنًّا وَلَا ظُفُرًا. هَذَا مَسْلَكٌ.
وَالْمَسْلَكُ الثَّانِي: طَرِيقَةُ المُزَني، وَهِيَ أَنَّ السَّهْمَ جَاءَ التَّصْرِيحُ فِيهِ بِأَنَّهُ إِنْ قَتَلَ بعَرْضِه فَلَا تَأْكُلْ، وَإِنْ خَزَق فَكُل. وَالْكَلْبُ جَاءَ مُطْلَقًا فَيُحْمَلُ عَلَى مَا قَيَّدَ هُنَاكَ مِنَ الخَزْق؛ لِأَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي الْمُوجَبِ، وَهُوَ الصَّيْدُ، فَيَجِبُ الْحَمْلُ هُنَا وَإِنِ اخْتَلَفَ السَّبَبُ، كَمَا وَجَبَ حَمْلُ مُطْلَقِ الْإِعْتَاقِ فِي الظِّهَارِ عَلَى تَقْيِيدِهِ بِالْإِيمَانِ فِي الْقَتْلِ، بَلْ هَذَا أَوْلَى. وَهَذَا يَتَوَجَّهُ لَهُ عَلَى مَنْ يَسْلَمُ لَهُ أَصْلُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ، وَلَيْسَ فِيهَا خِلَافٌ بَيْنَ الْأَصْحَابِ قَاطِبَةً، فَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ جَوَابٍ عَنْ هَذَا. وَلَهُ أَنْ يَقُولَ: هَذَا قَتَلَهُ الْكَلْبُ بِثِقَلِهِ، فَلَمْ يَحِلَّ قِيَاسًا عَلَى مَا قَتَلَهُ السَّهْمُ بعَرْضه (٨) وَالْجَامِعُ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا آلَةٌ لِلصَّيْدِ، وَقَدْ مَاتَ بِثِقْلِهِ فِيهِمَا. وَلَا يُعَارَضُ ذَلِكَ بِعُمُومِ الْآيَةِ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعُمُومِ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَالْجُمْهُورِ، وَهَذَا مَسْلَكٌ حَسَنٌ أَيْضًا.
مَسْلَكٌ آخَرُ، وَهُوَ: أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٤] عَامٌّ فِيمَا قَتَلْنَ بجرح أو
(١) في أ: "رحمه الله".
(٢) في ر، أ: "على".
(٣) في ر، أ: " وأمشي عن الأصول".
(٤) في ر: "فقال".
(٥) في أ: "صلى الله عليه وسلم"
(٦) رواه البخاري في صحيحه برقم (٢٤٢) ومسلم في صحيحه برقم (٢٠٠١) من حديث عائشة، رضي الله عنها.
(٧) في أ: "صلى الله عليه وسلم"
(٨) في ر، أ: "بثقله".
غَيْرِهِ، لَكِنَّ هَذَا الْمَقْتُولَ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ الْمُتَنَازَعِ فِيهَا لَا يَخْلُو: (١) إِمَّا أَنْ يَكُونَ نَطِيحًا أَوْ فِي حُكْمِهِ، أَوْ مُنْخَنِقًا أَوْ فِي حُكْمِهِ، وَأَيًّا مَا كَانَ فَيَجِبُ تَقْدِيمُ [حُكْمِ] (٢) هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى تِلْكَ لِوُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الشَّارِعَ قَدِ اعْتَبَرَ حُكْمَ هَذِهِ الْآيَةِ حَالَةَ الصَّيْدِ، حَيْثُ يَقُولُ لِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ: "وَإِنْ أَصَابَهُ بِعَرْضِهِ (٣) فَإِنَّمَا هُوَ وَقِيذ فَلَا تَأْكُلْهُ". وَلَمْ نَعْلَمْ أَحَدًا مِنَ الْعُلَمَاءِ فَصَلَ بَيْنَ حُكْمٍ وَحُكْمٍ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ: إِنِ الْوَقِيذَ مُعْتَبَرٌ حَالَةَ الصَّيْدِ، وَالنَّطِيحَ لَيْسَ مُعْتَبِرًا، فَيَكُونُ الْقَوْلُ بِحِلِّ الْمُتَنَازِعِ فِيهِ خَرْقًا لِلْإِجْمَاعِ لَا قَائِلَ بِهِ، وَهُوَ مَحْظُورٌ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ.
الثَّانِي: أَنَّ تِلْكَ الْآيَةَ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٤] لَيْسَتْ عَلَى عُمُومِهَا بِالْإِجْمَاعِ، بَلْ مَخْصُوصَةً بِمَا صِدْنَ مِنَ الْحَيَوَانِ الْمَأْكُولِ، وَخَرَجَ مِنْ عُمُومِ لَفْظِهَا الْحَيَوَانُ غَيْرُ الْمَأْكُولِ بِالِاتِّفَاقِ، وَالْعُمُومُ الْمَحْفُوظُ مُقَدَّمٌ عَلَى غَيْرِ الْمَحْفُوظِ..
الْمَسْلَكُ الْآخَرُ: أَنَّ هَذَا الصَّيْدَ وَالْحَالَةُ هَذِهِ فِي حُكْمِ الْمَيْتَةِ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّهُ قَدِ احْتَقَنَ فِيهِ الدِّمَاءُ وَمَا يَتْبَعُهَا مِنَ الرُّطُوبَاتِ، فَلَا تَحِلُّ قِيَاسًا عَلَى الْمِيتَةِ.
الْمَسْلَكُ الْآخَرُ: أَنَّ آيَةَ التَّحْرِيمِ، أَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ إِلَى آخِرِهَا، مَحْكَمَةٌ لَمْ يَدْخُلْهَا نَسْخٌ وَلَا تَخْصِيصٌ، وَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ آيَةُ التَّحْلِيلِ مُحْكَمَةٌ، أَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ [وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ]﴾ [الْمَائِدَةِ: ٤] (٤) فَيَنْبَغِي أَلَّا يَكُونَ بَيْنَهُمَا تَعَارُضٌ أَصْلًا وَتَكُونُ السُّنَّةُ جَاءَتْ لِبَيَانِ ذَلِكَ، وَشَاهِدُ ذَلِكَ قِصَّةُ السَّهْمِ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ حُكْمَ مَا دَخَلَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَهُوَ مَا إِذَا خَزَفه المِعْرَاض فَيَكُونُ حَلَالًا؛ لِأَنَّهُ مِنَ الطَّيِّبَاتِ، وَمَا دَخَلَ فِي حُكْمِ تِلْكَ الْآيَةِ، آيَةِ التَّحْرِيمِ، وَهُوَ مَا إِذَا أَصَابَهُ بِعَرْضٍ فَلَا يُؤْكَلُ؛ لِأَنَّهُ وَقِيذٌ، فَيَكُونُ أَحَدَ أَفْرَادِ آيَةِ التَّحْرِيمِ، وَهَكَذَا يَجِبُ أَنَّ يَكُونَ حُكْمُ هَذَا سَوَاءً، إِنْ كَانَ قَدْ جَرَحَهُ الْكَلْبُ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي حُكْمِ آيَةِ التَّحْلِيلِ. وَإِنْ لَمْ يَجْرَحْهُ بَلْ صَدَمَهُ أَوْ قَتَلَهُ بِثِقَلِهِ فَهُوَ نَطِيحٌ أَوْ فِي حُكْمِهِ فَلَا يَكُونُ حَلَالًا.
فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ لَا فَصَّل فِي حُكْمِ الْكَلْبِ، فَقَالَ مَا ذَكَرْتُمْ: إِنْ جَرَحَهُ فَهُوَ حَلَالٌ، وَإِنْ لَمْ يَجْرَحْهُ فَهُوَ حَرَامٌ؟
فَالْجَوَابُ: أَنَّ ذَلِكَ نَادِرٌ؛ لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الْكَلْبِ أَنْ يَقْتُلَ بِظُفُرِهِ أَوْ نَابِهِ أَوْ بِهِمَا مَعًا، وَأَمَّا اصْطِدَامُهُ هُوَ وَالصَّيْدُ فَنَادِرٌ، وَكَذَا قَتْلُهُ إِيَّاهُ بِثِقْلِهِ، فَلَمْ يُحْتَجَّ إِلَى الِاحْتِرَازِ مِنْ ذَلِكَ لِنُدُورِهِ، أَوْ لِظُهُورِ حُكْمِهِ عِنْدَ مَنْ عَلِمَ تَحْرِيمَ الْمَيْتَةِ وَالْمُنْخَنِقَةِ وَالْمَوْقُوذَةِ وَالْمُتَرَدِّيَةِ وَالنَّطِيحَةِ. وَأَمَّا السَّهْمُ وَالْمِعْرَاضُ فَتَارَةً يُخْطِئُ لِسُوءِ رَمْيِ رَامِيهِ أَوْ لِلْهَوَاءِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، بَلْ خَطَؤُهُ أَكْثَرُ مِنْ إِصَابَتِهِ؛ فَلِهَذَا ذَكَرَ كُلًّا مِنْ حُكْمَيْهِ مُفَصِّلًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ؛ وَلِهَذَا لَمَّا كَانَ الْكَلْبُ مِنْ شَأْنِهِ أَنَّهُ قَدْ يَأْكُلُ مِنَ الصَّيْدِ، ذَكَرَ حُكْمَ مَا إِذَا أَكَلَ مِنَ الصَّيْدِ فَقَالَ: "إِنْ أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ" وَهَذَا صَحِيحٌ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَهُوَ أَيْضًا مَخْصُوصٌ مِنْ عُمُومِ آيَةِ التَّحْلِيلِ عِنْدَ كَثِيرِينَ (٥) فَقَالُوا: لَا يَحِلُّ مَا أَكَلَ مِنْهُ الْكَلْبُ، حُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ. وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، والشعبي، والنخَعي. وإليه ذهب
(١) في ر: "لا تخلو"
(٢) زيادة من ر، أ.
(٣) في ر، أ: "بعرض".
(٤) زيادة من أ.
(٥) في ر: "عند كثير من العلماء".
أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ. وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ عَلِيٍّ، وَسَعْدٍ، وَسَلْمَانَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ الصَّيْدَ يُؤْكَلُ وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ الْكَلْبُ، حَتَّى قَالَ سَعْدٌ، وَسَلْمَانُ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ عُمَرَ، وَغَيْرُهُمْ: يُؤْكَلُ وَلَوْ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ إِلَّا بِضْعَةٌ. وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلِهِ الْقَدِيمِ، وَأَوْمَأَ فِي الْجَدِيدِ إِلَى قَوْلَيْنِ، قَالَ ذَلِكَ الْإِمَامُ أَبُو نَصْرِ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَصْحَابِ عَنْهُ.
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ قَوِيٍّ، عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِي، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قَالَ فِي صَيْدِ الْكَلْبِ: "إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ، وَكُلْ مَا رَدَّتْ عَلَيْكَ يَدُكَ". (١)
وَرَوَاهُ أَيْضًا النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ؛ أَنَّ أَعْرَابِيًّا يُقَالُ لَهُ: أَبُو ثَعْلَبَةَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ بَكَّار الكَلاعِيّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُوسَى-هُوَ اللَّاحُونِيُّ-حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دِينَارٍ -هُوَ الطَّاحِيُّ-عَنْ أَبِي إِيَاسٍ -وَهُوَ مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ-عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا أَرْسَلَ الرَّجُلُ كَلْبَهُ عَلَى الصَّيْدِ فَأَدْرَكَهُ وَقَدْ أَكَلَ مِنْهُ، فَلْيَأْكُلْ مَا بَقِيَ.
ثُمَّ إِنَّ ابْنَ جَرِيرٍ عَلَّلَهُ بِأَنَّهُ قَدْ رَوَاهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ سَلْمَانَ مَوْقُوفًا (٢) وَأَمَّا الْجُمْهُورُ فَقَدَّمُوا حَدِيثَ "عَديّ" عَلَى ذَلِكَ، وَرَامُوا تَضْعِيفَ حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ وَغَيْرِهِ. وَقَدْ حَمَلَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ إِنْ أَكَلَ بَعْدَ مَا انْتَظَرَ صَاحَبَهُ وَطَالَ عَلَيْهِ الْفَصْلُ وَلَمْ يَجِئْ، فَأَكَلَ مِنْهُ لِجُوعِهِ وَنَحْوِهِ، فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ -وَالْحَالَةُ هَذِهِ؛ لَا يَخْشَى أَنَّهُ أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا أَكَلَ مِنْهُ أَوَّلَ وَهْلَةٍ، فَإِنَّهُ يَظْهَرُ مِنْهُ أَنَّهُ أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَأَمَّا الْجَوَارِحُ مِنَ الطَّيْرِ (٣) فَنَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّهَا كَالْكِلَابِ، فَيَحْرُمُ مَا أَكَلَتْ مِنْهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَلَا يَحْرُمُ عِنْدَ الْآخَرِينَ. وَاخْتَارَ الْمُزَنِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ أَكْلُ مَا أَكَلَتْ مِنْهُ الطُّيُورُ وَالْجَوَارِحُ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ، قَالُوا: لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَعْلِيمُهَا كَمَا يُعَلَّمُ الْكَلْبُ بِالضَّرْبِ وَنَحْوِهِ، وَأَيْضًا فَإِنَّهَا لَا تُعَلَّمُ إِلَّا بِأَكْلِهَا مِنَ الصَّيْدِ، فَيُعْفَى عَنْ ذَلِكَ، وَأَيْضًا فَالنَّصُّ إِنَّمَا وَرَدَ فِي الْكَلْبِ لَا فِي الطَّيْرِ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ فِي "الْإِفْصَاحِ": إِذَا قُلْنَا: يَحْرُمُ مَا أَكَلَ مِنْهُ الْكَلْبُ، فَفِي تَحْرِيمِ مَا أَكَلَ مِنْهُ الطَّيْرُ وَجْهَانِ، وَأَنْكَرَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ هَذَا التَّفْرِيعَ وَالتَّرْتِيبَ، لِنَصِّ الشَّافِعِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
وَأَمَّا ﴿الْمُتَرَدِّيَةُ﴾ فَهِيَ الَّتِي تَقَعُ مِنْ شَاهِقٍ أَوْ مَوْضِعٍ عَالٍ فَتَمُوتُ بِذَلِكَ، فَلَا تَحِلُّ.
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿الْمُتَرَدِّيَةُ﴾ الَّتِي تَسْقُطُ مِنْ جَبَلٍ. وَقَالَ قتادة: هي التي تتردى في بئر.
(١) سنن أبي داود برقم (٢٨٥٢).
(٢) تفسير الطبري (٩/٥٦٥) وفي إسناده مرفوعا محمد بن دينار الأزدي ضعيف
(٣) في ر، أ: "من الطيور".
وَقَالَ السُّدِّيُّ: هِيَ الَّتِي تَقَعُ مِنْ جَبَلٍ أَوْ تَتَرَدَّى فِي بِئْرٍ.
وَأَمَّا ﴿النَّطِيحَةُ﴾ فَهِيَ الَّتِي مَاتَتْ بِسَبَبِ نَطْحَ غَيْرِهَا لَهَا، فَهِيَ حَرَامٌ، وَإِنْ جَرَحَهَا الْقَرْنُ وَخَرَجَ مِنْهَا الدَّمُ وَلَوْ مِنْ مَذْبَحِهَا.
وَالنَّطِيحَةُ فَعَيْلَةٌ بِمَعْنَى مُفْعُولَةٍ، أَيْ: مَنْطُوحَةٍ. وَأَكْثَرُ مَا تَرِدُ هَذِهِ البِنْيَة فِي كَلَامِ الْعَرَبِ بِدُونِ تَاءِ التَّأْنِيثِ، فَيَقُولُونَ: كَفٌّ خَضِيبٌ، وعينٌ كَحِيلٌ، وَلَا يَقُولُونَ: كَفُّ خَضِيبَةٍ، وَلَا عَيْنُ كَحِيلَةٍ: وَأَمَّا هَذِهِ فَقَالَ بَعْضُ النُّحَاةِ: إِنَّمَا اسْتَعْمَلَ فِيهَا تَاءَ التَّأْنِيثِ؛ لِأَنَّهَا أُجْرِيَتْ مَجْرَى الْأَسْمَاءِ، كَمَا فِي قَوْلِهِمْ: طَرِيقَةٌ طَوِيلَةٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا أُتِيَ بِتَاءِ التَّأْنِيثِ فِيهَا لِتَدُلَّ عَلَى التَّأْنِيثِ مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ، بِخِلَافِ: عَيْنٍ كَحِيلٍ، وَكَفٍّ خَضِيبٍ؛ لِأَنَّ التَّأْنِيثَ مُسْتَفَادٌ مِنْ أَوَّلِ الْكَلَامِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ أَيْ: مَا عَدَا عَلَيْهَا أَسَدٌ، أَوْ فَهْدٌ، أَوْ نَمِرٌ، أَوْ ذِئْبٌ، أَوْ كَلْبٌ، فَأَكَلَ بَعْضَهَا فَمَاتَتْ بِذَلِكَ، فَهِيَ حَرَامٌ وَإِنْ كَانَ قَدْ سَالَ مِنْهَا الدِّمَاءُ وَلَوْ مِنْ مَذْبَحِهَا، فَلَا تَحِلُّ بِالْإِجْمَاعِ. وَقَدْ كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَأْكُلُونَ مَا أَفْضَلَ السَّبُعُ مِنَ الشَّاةِ أَوِ الْبَعِيرِ أَوِ الْبَقَرَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَحَرَّمَ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ عَائِدٌ عَلَى مَا يُمْكِنُ عَوْدُهُ عَلَيْهِ، مِمَّا انْعَقَدَ سَبَبُ مَوْتِهِ فَأَمْكَنَ تَدَارَكُهُ بِذَكَاةٍ، وَفِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَعُودُ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ يَقُولُ: إِلَّا مَا ذَبَحْتُمْ مِنْ هَؤُلَاءِ وَفِيهِ رُوحٌ، فَكُلُوهُ، فَهُوَ ذَكِيٌّ. وَكَذَا رُوي عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَالسُّدِّيُّ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الأشَجّ، حَدَّثَنَا حَفْص بْنُ غِيَاثٍ (١) حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ علي قال: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ قَالَ: إِنْ مَصَعَتْ بِذَنَبِهَا أَوْ رَكَضَتْ بِرِجْلِهَا، أَوْ طَرَفَتْ بِعَيْنِهَا فكُلْ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، حَدَّثَنَا هَشِيمٌ وَعَبَّادٌ قَالَا حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: إِذَا أَدْرَكْتَ ذَكَاةَ الْمَوْقُوذَةِ وَالْمُتَرَدِّيَةِ وَالنَّطِيحَةِ، وَهِيَ تُحَرِّكُ يَدًا أَوْ رِجْلًا فَكُلْهَا.
وَهَكَذَا رُوي عَنْ طَاوُسٍ، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ وعُبَيد بْنِ عُمير، وَالضَّحَّاكِ وَغَيْرِ وَاحِدٍ: أَنَّ الْمُذَكَّاةَ مَتَى تَحَرَّكَتْ بِحَرَكَةٍ تَدُلُّ عَلَى بَقَاءِ الْحَيَاةِ فِيهَا بَعْدَ الذَّبْحِ، فَهِيَ حَلَالٌ. وَهَذَا مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَبِهِ قَالَ (٢) أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ. وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: سُئل مَالِكٌ عَنِ الشَّاةِ الَّتِي يَخْرِقُ جوفَها السَّبُعُ حَتَّى تَخْرُجَ أَمْعَاؤُهَا؟ فَقَالَ مَالِكٌ: لَا أَرَى أَنْ تُذَكِّي أَيَّ شَيْءٍ يُذَكَّى مِنْهَا.
وَقَالَ أَشْهَبُ: سُئِلَ مَالِكٌ عَنِ الضَّبُعِ يَعْدُو عَلَى الْكَبْشِ، فَيَدُقُّ ظَهْرَهُ أَتُرَى أَنْ يذكى قبل أن
(١) في د: "حفص بن عياش".
(٢) في أ: "يقول".
يَمُوتَ، فَيُؤْكَلُ؟ قَالَ (١) إِنْ كَانَ قَدْ بَلَّغَ السُّحْرة، فَلَا أَرَى أَنْ يُؤْكَلَ وَإِنْ كَانَ أَصَابَ أَطْرَافَهُ، فَلَا أَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا. قِيلَ لَهُ: وَثَبَ عَلَيْهِ فَدَقَّ ظَهْرَهُ؟ فَقَالَ: (٢) لَا يُعْجِبُنِي، هَذَا لَا يَعِيشُ مِنْهُ. قِيلَ لَهُ: فَالذِّئْبُ يَعْدُو عَلَى الشَّاةِ فَيَشُقُّ بَطْنَهَا وَلَا يَشُقُّ الْأَمْعَاءَ؟ فَقَالَ: إِذَا شَقَّ بَطْنَهَا فَلَا أَرَى أَنْ تُؤْكَلَ.
هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَظَاهِرُ الْآيَةِ عَامٌّ فِيمَا اسْتَثْنَاهُ مَالِكٌ، رَحِمَهُ اللَّهُ مِنَ الصُّوَرِ الَّتِي بَلَغَ الْحَيَوَانُ فِيهَا إِلَى حَالَةٍ لَا يَعِيشُ بَعْدَهَا، فَيَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ مُخَصَّصٍ (٣) لِلْآيَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيج أَنَّهُ قَالَ: قلت: يا رسول الله، إنا لاقو العدو غَدًا، وَلَيْسَ مَعَنَا مُدَى، أَفَنَذْبَحُ بالقَصَب؟ فَقَالَ: "مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلُوهُ، لَيْسَ السنُّ والظَّفُر، وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَنْ ذَلِكَ، أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة". (٤)
وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ [عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] (٥) مَرْفُوعًا، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ مَوْقُوفًا، وَهُوَ أَصَحُّ (٦) "أَلَا إِنَّ الذَّكَاةَ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ، وَلَا تُعَجِّلُوا الْأَنْفُسَ أَنْ تَزْهَقَ". (٧)
وَفِي (٨) الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَهْلُ السُّنَنِ، مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي الْعَشْرَاءِ الدَّارِمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمَا تَكُونُ الذَّكَاةُ إِلَّا مِنَ اللَّبَّةِ وَالْحَلْقِ؟ فَقَالَ: "لَوْ طُعِنَتْ فِي فَخْذِهَا لَأَجْزَأَ عَنْكَ.
وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ (٩) وَلَكِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا [لَمْ] (١٠) يَقْدِرُ عَلَى ذَبْحِهِ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ وَابْنُ جُرَيْج (١١) كَانَتِ النُّصُبُ حِجَارَةً حَوْلَ الْكَعْبَةِ، قَالَ (١٢) ابْنُ جُرَيْجٍ: وَهِيَ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ نُصُبًا، كَانَ الْعَرَبُ فِي جَاهِلِيَّتِهَا يَذْبَحُونَ عِنْدَهَا، وَيَنْضَحُونَ مَا أَقْبَلَ مِنْهَا إِلَى الْبَيْتِ بِدِمَاءِ تِلْكَ الذَّبَائِحِ، وَيُشَرِّحُونَ اللَّحْمَ وَيَضَعُونَهُ عَلَى النُّصُبِ.
وَكَذَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، فَنَهَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ هَذَا الصَّنِيعِ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ أَكْلَ هَذِهِ الذَّبَائِحِ الَّتِي فُعِلَتْ عِنْدَ النُّصُبِ حَتَّى وَلَوْ كَانَ يُذْكَرُ (١٣) عَلَيْهَا اسْمُ اللَّهِ فِي الذَّبْحِ عِنْدَ النُّصُبِ مِنَ الشِّرْكِ (١٤) الَّذِي حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ. وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ هَذَا عَلَى هَذَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ تَحْرِيمُ مَا أهل به لغير الله.
(١) في ر: "فقال".
(٢) في ر: "قال".
(٣) في أ: "مخصوص".
(٤) صحيح البخاري برقم (٢٥٠٧) وصحيح مسلم برقم (١٩٦٨).
(٥) زيادة من د، ر.
(٦) في ر، أ: "وقال".
(٧) سنن الدارقطني (٤/٢٨٣) من طريق سعيد بن سلام، عن عبد الله بن بديل، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أبي هريرة، رضي الله عنه قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم بديل بن ورقاء على أورق يصيح في فجاج منى: "ألا إن الذكاة في الحلق واللبة، ألا ولا تعجلوا الأنفس أن تزهق". وسعيد بن سلام ضعيف قال البخاري: يذكر بوضع الحديث، وروي موقوفا على عمر بن الخطاب. رواه البيهقي في السنن الكبرى (٩/٢٧٨) من طريق يحيى بن أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ فُرَافِصَةَ الْحَنَفِيِّ، عَنْ عُمَرَ به.
(٨) في ر: "فأما"، وفي أ: "وأما"
(٩) المسند (٤/٣٣٤) وسنن أبي داود برقم (٢٨٢٥) وسنن الترمذي برقم (١٤٨١) وسنن النسائي (٧/٢٢٨) وسنن ابن ماجة برقم (٣١٨٤).
(١٠) زيادة من ر.
(١١) في أ: "وابن جرير".
(١٢) في ر: "وقال".
(١٣) في أ: "ولو كان قد ذكر".
(١٤) في أ: "من التبرك".
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأزْلامِ﴾ أَيْ: حَرُمَ عَلَيْكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ الِاسْتِقْسَامُ بِالْأَزْلَامِ: وَاحِدُهَا: زُلَم، وَقَدْ تَفْتَحُ الزَّايُ، فَيُقَالُ: زَلم، وَقَدْ كَانَتِ الْعَرَبُ فِي جَاهِلِيَّتِهَا يَتَعَاطَوْنَ ذَلِكَ، وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنْ قِدَاحٍ ثَلَاثَةٍ، عَلَى أَحَدِهَا مَكْتُوبٌ: "أَفْعَلُ" وَعَلَى الْآخَرِ: "لَا تَفْعَلْ" وَالثَّالِثُ "غُفْل لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ: مَكْتُوبٌ عَلَى الْوَاحِدِ: "أَمَرَنِي رَبِّي" وَعَلَى الْآخَرِ: "نَهَانِي رَبِّي". وَالثَّالِثُ غُفْلٌ (١) لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، فَإِذَا أَجَالَهَا فَطَلَعَ السَّهْمُ الْآمِرُ فَعَلَهُ، أَوِ النَّاهِي تَرَكَهُ، وَإِنْ طَلَعَ الْفَارِغُ أَعَادَ [الِاسْتِقْسَامَ.] (٢)
وَالِاسْتِقْسَامُ: مَأْخُوذٌ مِنْ طَلَبِ القَسم مِنْ هَذِهِ الْأَزْلَامِ. هَكَذَا قَرَّرَ ذَلِكَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ وَعُثْمَانُ بْنُ عَطَاءٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأزْلامِ﴾ قَالَ: وَالْأَزْلَامُ: قِدَاحٌ كَانُوا يَسْتَقْسِمُونَ بِهَا فِي الْأُمُورِ.
وَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِي، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، ومُقَاتِل بْنِ حَيَّان.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هِيَ الْقِدَاحُ، كَانُوا يَسْتَقْسِمُونَ بِهَا الْأُمُورَ. وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ: أَنَّ أَعْظَمَ أَصْنَامِ قُرَيْشٍ صَنَمٌ كَانَ يُقَالُ لَهُ: هُبَل، وَكَانَ دَاخِلَ الْكَعْبَةِ، مَنْصُوبٌ عَلَى بِئْرٍ فِيهَا، تُوضَعُ الْهَدَايَا وَأَمْوَالُ الْكَعْبَةِ فِيهِ، كَانَ عِنْدَهُ سَبْعَةُ أَزْلَامٍ مَكْتُوبٌ فِيهَا مَا يَتَحَاكَمُونَ فِيهِ، مِمَّا أُشْكِلَ عَلَيْهِمْ، فَمَا خَرَجَ لَهُمْ مِنْهَا رَجَعُوا إِلَيْهِ وَلَمْ يَعْدِلُوا عَنْهُ.
وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا دَخَلَ الْكَعْبَةَ، وَجَدَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ مُصَوَّرَيْنِ فِيهَا، وَفِي أَيْدِيهِمَا الْأَزْلَامُ، فَقَالَ: "قَاتَلَهُمُ اللَّهُ، لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّهُمَا لَمْ يَسْتَقْسِمَا بِهَا أَبَدًا." (٣)
وَفِي الصَّحِيحِ: أَنَّ سُرَاقَةَ بْنَ مَالِكِ بْنِ جُعْشُم لَمَّا خَرَجَ فِي طَلَبِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ، وَهُمَا ذَاهِبَانِ إِلَى الْمَدِينَةِ مُهَاجِرَيْنِ، قَالَ: فَاسْتَقْسَمْتُ بِالْأَزْلَامِ هَلْ أَضُرُّهُمْ أَمْ لَا؟ فَخَرَجَ الَّذِي أَكْرَهَ: لَا تَضُرَّهُمْ (٤) قَالَ: فَعَصَيْتُ الْأَزْلَامَ وَأَتْبَعْتُهُمْ، ثُمَّ إِنَّهُ اسْتَقْسَمَ بِهَا ثَانِيَةً وَثَالِثَةً، كُلُّ ذَلِكَ يَخْرُجُ الَّذِي يَكْرَهُ: لَا تَضُرَّهُمْ (٥) وَكَانَ كَذَلِكَ وَكَانَ سُرَاقَةُ لَمْ يُسلِمْ إِذْ ذَاكَ، ثُمَّ أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ. (٦)
وَرَوَى ابْنُ مَرْدُويه مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ رَقَبةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْر، عَنْ رَجاء بْنِ حَيْوَة، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَنْ يَلِج الدَّرَجَاتِ مَنْ تَكَهَّن أَوِ اسْتَقْسَمَ أَوْ رَجَعَ مِنْ سَفَرٍ طَائِرًا". (٧)
وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأزْلامِ﴾ قَالَ: هِيَ سِهَامُ الْعَرَبِ، وَكِعَابُ فارس والروم، كانوا يتقامرون بها.
(١) في د، ر: "عطل".
(٢) زيادة من ر، أ.
(٣) صحيح البخاري برقم (٤٢٨٨).
(٤) في أ: "لا يضرهم".
(٥) في أ: "لا تكبر".
(٦) صحيح البخاري برقم (٣٩٠٦).
(٧) ورواه الطبراني في مسند الشاميين برقم (٢١٠٤) وتمام الرازي في الفوائد برقم (١٤٤٤) من طريق يحيى بن داود، عن إبراهيم بن يزيد به. قال الحافظ ابن حجر في الفتح (١٠/٢١٣) :"رجاله ثقات إلا أنني أظن أن فيه انقطاعًا".
وَهَذَا الَّذِي ذُكِرَ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي الْأَزْلَامِ أَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لِلْقِمَارِ، فِيهِ نَظَرٌ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَعْمِلُونَهَا فِي الِاسْتِخَارَةِ تَارَةً، وَفِي الْقِمَارِ أُخْرَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ [وَتَعَالَى] (١) قَدْ فرَّق بَيْنَ هَذِهِ وَبَيْنَ الْقِمَارِ وَهُوَ الْمَيْسِرُ، فَقَالَ فِي آخِرِ السُّورَةِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ [فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ] مُنْتَهُونَ﴾ (٢) [الْآيَتَانِ: ٩٠، ٩١] وَهَكَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ أَيْ: تَعَاطِيهِ فِسْقٌ وَغَيٌّ وَضَلَالٌ وَجَهَالَةٌ وَشِرْكٌ، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا تَرَدَّدُوا فِي أُمُورِهِمْ أَنْ يَسْتَخِيرُوهُ بِأَنْ يَعْبُدُوهُ، ثُمَّ يَسْأَلُوهُ الخيَرَة فِي الْأَمْرِ الَّذِي يُرِيدُونَهُ، كَمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَأَهْلُ السُّنَنِ، مِنْ طُرُقٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الْمَوَالِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِر، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُنَا (٣) الِاسْتِخَارَةَ (٤) كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ، وَيَقُولُ: "إِذَا هَمَّ أحدُكُم بالأمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ، ثُمَّ لِيَقُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أسْتَخِيركَ بعلمكَ، وأسْتَقْدِرُك بقدرتكَ، وأسألُكَ مِنْ فَضْلك الْعَظِيمِ؛ فَإِنَّكَ تَقْدِر وَلَا أقْدِر، وتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَم، وَأَنْتَ عَلام الْغُيُوبِ، اللَّهُمَّ إِنَّ كنتَ تَعْلَمُ (٥) هَذَا الْأَمْرَ -وَيُسَمِّيهِ بِاسْمِهِ-خَيْرًا لِي فِي دِينِي ومَعاشي وعاقِبة أَمْرِي، فاقدُرْهُ لِي ويَسِّره لِي (٦) وَبَارِكْ لِي فِيهِ، اللَّهُمَّ إِنْ كنتَ تَعْلَمْهُ شَرًّا لِي (٧) فِي دِينِي ومَعاشي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي، فاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاصْرِفْهُ عنِّي، واقْدُرْ لِي الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ، ثُمَّ رَضِّني بِهِ". لَفْظُ أَحْمَدَ. (٨)
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي الْمُوَالِي.
قَوْلُهُ: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي: يَئِسُوا أَنْ يُرَاجِعُوا دِينَهُمْ..
وَكَذَا رُوي عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، والسّدِّي ومُقاتِل بْنِ حَيَّان. وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى يَرِدُ (٩) الْحَدِيثُ الثَّابِتُ فِي الصَّحِيحِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم قَالَ: "إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ المُصَلُّون فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَلَكِنْ بالتَّحْرِيش (١٠) بَيْنَهُمْ".
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ: أَنَّهُمْ يَئِسُوا مِنْ مُشَابَهَةِ الْمُسْلِمِينَ، بِمَا تَمَيَّزَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ الْمُخَالِفَةِ لِلشِّرْكِ وَأَهْلِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى آمِرًا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَصْبِرُوا وَيَثْبُتُوا فِي مُخَالَفَةِ الْكُفَّارِ، وَلَا يَخَافُوا أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ، فَقَالَ: ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾ أَيْ: لَا تَخَافُوا مِنْهُمْ فِي مُخَالَفَتِكُمْ إِيَّاهُمْ وَاخْشَوْنِي، أَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَأُبِيدَهُمْ وَأُظْفِرْكُمْ بِهِمْ، وَأَشِفِ صُدُورَكُمْ مِنْهُمْ، وأجعلكم فوقهم في الدنيا والآخرة.
(١) زيادة من أ.
(٢) زيادة من ر، وفي هـ: "إلى قوله".
(٣) في د: "يعلمنا دعاء".
(٤) في د: "الاستخارة في الأمور".
(٥) في د: "تعلم أن".
(٦) في أ: "ثم".
(٧) في د: "تعلم أنه شر".
(٨) المسند (٣/٣٤٤) وصحيح البخاري برقم (١١٦٢) وسنن أبي داود برقم (١٥٣٨) وسنن الترمذي برقم (٤٨٠) وسنن النسائي (٦/٨٠) وسنن ابن ماجة برقم (١٣٨٣).
(٩) في ر: "يورد"
(١٠) في د: "التحريش".
وَقَوْلُهُ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾ هَذِهِ أَكْبَرُ نِعَمِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ حَيْثُ أَكْمَلَ تَعَالَى لَهُمْ دِينَهُمْ، فَلَا يَحْتَاجُونَ إِلَى دِينِ غَيْرِهِ، وَلَا إِلَى نَبِيٍّ غَيْرِ نَبِيِّهِمْ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ؛ وَلِهَذَا جَعَلَهُ اللَّهُ خَاتَمَ الْأَنْبِيَاءِ، وَبَعَثَهُ إِلَى الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، فَلَا حَلَالَ إِلَّا مَا أَحَلَّهُ، وَلَا حَرَامَ إِلَّا مَا حَرَّمَهُ، وَلَا دِينَ إِلَّا مَا شَرَعَهُ، وَكُلُّ شَيْءٍ أَخْبَرَ بِهِ فَهُوَ حَقٌّ وَصِدْقٌ لَا كَذِبَ فِيهِ وَلَا خُلْف، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ (١) رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلا﴾ [الْأَنْعَامِ: ١١٥] أَيْ: صِدْقًا فِي الْأَخْبَارِ، وَعَدْلًا فِي الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، فَلَمَّا أَكْمَلَ (٢) الدِّينَ لَهُمْ تَمَّتِ النِّعْمَةُ عَلَيْهِمْ (٣) ؛ وَلِهَذَا قَالَ [تَعَالَى] (٤) ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾ أَيْ: فَارْضَوْهُ أَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّهُ الدِّينُ الَّذِي رَضِيَهُ اللَّهُ وَأَحَبَّهُ (٥) وَبَعَثَ بِهِ أَفْضَلَ رُسُلِهِ الْكِرَامِ، وَأَنْزَلَ بِهِ أَشْرَفَ كُتُبِهِ.
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ وَهُوَ الْإِسْلَامُ، أَخْبَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُ أَكْمَلَ لَهُمُ الْإِيمَانَ، فَلَا يَحْتَاجُونَ إِلَى زِيَادَةٍ أَبَدًا، وَقَدْ أَتَمَّهُ اللَّهُ فَلَا يَنْقُصُهُ أَبَدًا، وَقَدْ رَضِيَهُ اللَّهُ فَلَا يَسْخَطُه أَبَدًا.
وَقَالَ أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّيِّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ يَوْمَ عَرَفَة، فَلَمْ يُنَزَّلْ بَعْدَهَا حَلَالٌ وَلَا حَرَامٌ، وَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَاتَ. قَالَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيس: حَجَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِلْكَ الْحَجَّةَ، فَبَيْنَمَا نَحْنُ نَسِيرُ إِذْ تَجلَّى لَهُ جِبْرِيلُ، فَمَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، فَلَمْ تُطِقِ الرَّاحِلَةُ مِنْ ثِقَلِ مَا عَلَيْهَا مِنَ الْقُرْآنِ، فَبَرَكَتْ فَأَتَيْتُهُ فَسَجَّيْتُ عَلَيْهِ بُرْدا (٦) كَانَ عَلَيَّ.
قَالَ ابْنُ جُرَيْج (٧) وَغَيْرُ وَاحِدٍ: مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ يَوْمِ عَرَفَةَ بِأَحَدٍ وَثَمَانِينَ يَوْمًا.
رَوَاهُمَا (٨) ابْنُ جَرِيرٍ، ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيع، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْل، عَنْ هَارُونَ بْنِ عَنْتَرَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ وَذَلِكَ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ، بَكَى عُمَرُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا يُبْكِيكَ؟ " قَالَ: أَبْكَانِي أَنَّا كُنَّا فِي زِيَادَةٍ مِنْ دِينِنَا، فَأَمَا إذْ أُكْمِلَ (٩) فَإِنَّهُ لَمْ يَكْمُلْ شَيْءٌ إِلَّا نَقُصَ. فَقَالَ: "صَدَقْتَ". (١٠)
وَيَشْهَدُ لِهَذَا الْمَعْنَى الْحَدِيثُ الثَّابِتُ: "إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ غَرِيبًا، فَطُوبَى للغُرَبَاء". (١١)
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْن، حَدَّثَنَا أَبُو العُمَيْس، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] (١٢) فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ آيَةً فِي كِتَابِكُمْ، لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ نَزَلَتْ لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا. قَالَ: وَأَيُّ آيَةٍ؟ قَالَ قَوْلُهُ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ فَقَالَ (١٣) عُمَرُ: وَاللَّهِ إني
(١) في د: "كلمة" وهي قراءة.
(٢) في د: "فلما كمل".
(٣) في د: "تمت عليهم النعمة"
(٤) زيادة من د.
(٥) في د: "الذي أحبه الله ورضيه".
(٦) في أ: "برداء"
(٧) في ر: "ابن جرير".
(٨) في د: "رواه".
(٩) في ر: "إذ كمل".
(١٠) تفسير الطبري (٩/٥١٩).
(١١) رواه مسلم في صحيحه برقم (١٤٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وبرقم (١٤٦) من حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.
(١٢) زيادة من أ.
(١٣) في أ: "قال".
لَأَعْلَمُ الْيَوْمَ الَّذِي نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالسَّاعَةَ الَّتِي نَزَلَتْ فِيهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، نَزَلَتْ عَشية عَرَفَة فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ.
وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ الصَّبَّاحِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَوْنٍ، بِهِ. وَرَوَاهُ أَيْضًا مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ طُرُقٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، بِهِ (١) وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ عِنْدَ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ طَارِقٍ قَالَ: قَالَتِ الْيَهُودُ لِعُمَرَ: إِنَّكُمْ تَقْرَؤُونَ آيَةً، لَوْ نَزَلَتْ فِينَا لَاتَّخَذَنَاهَا (٢) عِيدًا. فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي لَأَعْلَمُ حِينَ أُنْزِلَتْ، وَأَيْنَ أُنْزِلَتْ (٣) وَأَيْنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ أُنْزِلَتْ: يَوْمَ عَرَفَةَ، وَأَنَا وَاللَّهِ بِعَرَفَةَ -قَالَ سُفْيَانُ: وَأَشُكُّ كَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَمْ لَا ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الْآيَةَ. (٤)
وَشَكَّ سُفْيَانُ، رَحِمَهُ اللَّهُ، إِنْ كَانَ فِي الرِّوَايَةِ فَهُوَ تَوَرُّعٌ، حَيْثُ شَكَّ هَلْ أَخْبَرَهُ شَيْخُهُ بِذَلِكَ أَمْ لَا؟ وَإِنْ كَانَ شَكًّا فِي كَوْنِ الْوُقُوفِ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ كَانَ يَوْمَ جُمُعَةٍ، فَهَذَا مَا إِخَالُهُ يَصْدُرُ عَنِ الثَّوْرِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فَإِنَّ هَذَا أَمْرٌ مَعْلُومٌ مَقْطُوعٌ بِهِ، لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ الْمَغَازِي وَالسِّيَرِ وَلَا مِنَ الْفُقَهَاءِ، وَقَدْ وَرَدَتْ فِي ذَلِكَ أَحَادِيثُ مُتَوَاتِرَةٌ لَا يُشَكُّ فِي صِحَّتِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ عُمَرَ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، أَخْبَرْنَا رَجاء بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، أَخْبَرْنَا عِبَادَةُ بْنُ نُسَيّ، أَخْبَرْنَا أَمِيرُنَا إِسْحَاقُ -قَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ: هُوَ إِسْحَاقُ بْنُ خَرَشة-عَنْ قَبِيصة -يَعْنِي ابْنَ ذُؤيب-قَالَ: قَالَ كَعْبٌ: لَوْ أَنَّ غَيْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الْآيَةُ، لَنَظَرُوا الْيَوْمَ الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ عَلَيْهِمْ، فَاتَّخَذُوهُ عِيدًا يَجْتَمِعُونَ فِيهِ. فَقَالَ عُمَرُ: أَيُّ آيَةٍ يَا كَعْبُ؟ فَقَالَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فَقَالَ عُمَرُ: قَدْ عَلِمْتُ الْيَوْمَ الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ، وَالْمَكَانَ الَّذِي أُنْزِلَتْ (٥) فِيهِ، نَزَلَتْ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ وَيَوْمِ عَرَفَةَ، وَكَلَاهُمَا بِحَمْدِ اللَّهِ لَنَا عِيدٌ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا قَبيصة، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَمَّارٍ-هُوَ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ-أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَرَأَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾ فَقَالَ يَهُودِيٌّ: لَوْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَيْنَا لَاتَّخَذْنَا يَوْمَهَا عِيدًا. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَإِنَّهَا نَزَلَتْ فِي يَوْمِ عِيدَيْنِ اثْنَيْنِ: يَوْمَ عِيدٍ وَيَوْمَ جُمُعَةٍ. (٦)
وَقَالَ ابْنُ مَرْدُويه: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ كَامِلٍ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ الحُمَّاني، حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَلْمان، عَنْ أَبِي عُمَرَ البَزّار، عَنِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ، عَنْ عَلِيٍّ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] (٧) قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ قَائِمٌ عَشِيَّةَ عرفة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾
(١) المسند (١/٢٨) وصحيح البخاري برقم (٤٥) وصحيح مسلم برقم (٣٠١٧) وسنن الترمذي برقم (٣٠٤٣) وسنن النسائي (٥/٢٥١).
(٢) في أ: "لاتخذنا بها"
(٣) في ر: "نزلت".
(٤) صحيح البخاري برقم (٤٦٠٦).
(٥) في ر: "نزلت".
(٦) تفسير الطبري (٩/٥٢٥).
(٧) زيادة من أ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَمْرٍو السَّكُوني، حَدَّثَنَا هِشَامُ (١) بْنُ عَمَّارٍ، حدثنا بن عَيَّاشٍ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ السَّكُونِيُّ: أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَنْتَزِعُ بِهَذِهِ الْآيَةِ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ حَتَّى خَتَمَهَا، فَقَالَ: نَزَلَتْ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ، فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ.
وَرَوَى ابْنُ مَرْدُويه، مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ مُوسَى بْنِ وَجِيهٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَة قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾ يَوْمَ عَرَفَةَ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاقِفٌ عَلَى الْمَوْقِفِ. (٢)
فَأَمَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهيعَة، عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ، عَنْ حَنَش بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الصَّنْعَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: وَلِدَ نَبِيُّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، [وَنُبِّئَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ] (٣) وَخَرَجَ مِنْ مَكَّةَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَأُنْزِلَتْ سُورَةُ الْمَائِدَةِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ وَرَفْعُ الذِّكْرِ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ، فَإِنَّهُ أَثَرٌ غَرِيبٌ (٤) وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ.
وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهيعة، عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ، عَنْ حَنَش الصَّنْعَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: وُلِدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَاسْتُنْبِئَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَخَرَجَ مُهَاجِرًا مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَقَدِمَ الْمَدِينَةَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَتُوُفِّيَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَوَضَعَ (٥) الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ.
هَذَا لَفْظُ أَحْمَدَ، وَلَمْ يَذْكُرْ نُزُولَ الْمَائِدَةِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ (٦) فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَعَلَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَرَادَ أَنَّهَا نَزَلَتْ يَوْمَ عِيدَيْنِ اثْنَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَاشْتَبَهَ عَلَى الرَّاوِي، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[وَ] (٧) قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَدْ قِيلَ: لَيْسَ ذَلِكَ بِيَوْمٍ مَعْلُومٍ عِنْدَ النَّاسِ، ثُمَّ رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ يَقُولُ: لَيْسَ ذَلِكَ بِيَوْمٍ مَعْلُومٍ عِنْدَ النَّاسِ قَالَ: وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهَا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مسِيره إِلَى حَجَّةِ الْوَدَاعِ. ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ.
قُلْتُ: وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَرْدُويه مِنْ طَرِيقِ أَبِي هَارُونَ العَيْدي، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ؛ أَنَّهَا أُنْزَلِتْ عَلَى رسول الله ﷺ يوم غَدِير خُم (٨) حِينَ قَالَ لَعَلِيٍّ: "مَنْ كنتُ مَوْلَاهُ فَعَليٌّ مَوْلَاهُ". ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (٩) وَفِيهِ: أَنَّهُ الْيَوْمُ الثَّامِنَ عَشَرَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، يَعْنِي مَرْجِعَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ (١٠) مِنْ حجة الوداع.
(١) في ر: "هاشم".
(٢) في أ: "يوم".
(٣) زيادة من أ.
(٤) تفسير الطبري (٩/٥٣٠).
(٥) في أ: "ورفع".
(٦) المسند (١/٢٧٧) وقال الهيثمي في المجمع (١/١٩٦) :"فيه ابن لهيعة وهو ضعيف وبقية رجاله ثقات من أهل الصحيح".
(٧) زيادة من أ.
(٨) في ر: "غديرهم"
(٩) وفي إسناده أبو هارون العبدي شيعي متروك، لكن تابعه عطية العوفي رواه الطبراني في الأوسط برقم (٣٧٣٧) "مجمع البحرين"، وحديث أبي هريرة رواه الطبراني في الأوسط برقم (٣٧٣٨) "مجمع البحرين". وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة النبوية: "ليس في الصحاح لكن هو مما رواه العلماء، وتنازع الناس في صحته فنقل عنه البخاري وإبراهيم الحربي وطائفة من أهل العلم بالحديث أنهم طعنوا فيه وضعفوه، ونقل عن أحمد بن حنبل أنه حسنه كما حسنه الترمذي". وقد جمع طرق هذا الحديث الشيخ ناصر الألباني في السلسلة الصحيحة (١٧٥٠).
(١٠) في أ: "صلى الله عليه وسلم".
وَلَا يَصِحُّ هَذَا وَلَا هَذَا، بَلِ الصَّوَابُ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ وَلَا مِرْيَةَ: أَنَّهَا أُنْزِلَتْ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَكَانَ يَوْمَ جُمُعَةٍ، كَمَا رَوَى ذَلِكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَأَوَّلُ مُلُوكِ الْإِسْلَامِ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَتُرْجُمَانُ الْقُرْآنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، وسَمُرَة بْنُ جُنْدَبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَأَرْسَلَهُ [عَامِرٌ] (١) الشَّعْبِيُّ، وَقَتَادَةُ بْنُ دِعَامَةُ، وشَهْر بْنُ حَوْشَب، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ وَالْعُلَمَاءِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، رَحِمَهُ (٢) اللَّهُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أَيْ: فَمَنِ احْتَاجَ إِلَى تَنَاوُلِ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْمُحَرَّمَاتِ الَّتِي ذَكَرَهَا تَعَالَى (٣) لِضَرُورَةٍ أَلْجَأَتْهُ إِلَى ذَلِكَ، فَلَهُ تَنَاوُلُ ذَلِكَ، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ لَهُ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ حَاجَةَ عَبْدِهِ الْمُضْطَرِّ، وَافْتِقَارَهُ إِلَى ذَلِكَ، فَيَتَجَاوَزُ عَنْهُ وَيَغْفِرُ لَهُ. وَفِي الْمُسْنَدِ وَصَحِيحِ ابْنِ حبَّان، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخْصته (٤) كَمَا يَكْرَهُ أَنْ تُؤْتَى مَعْصِيته" (٥) لَفْظُ ابْنِ حِبَّانَ. وَفِي لَفْظٍ لِأَحْمَدَ (٦) مَنْ لَمْ يَقْبَلْ رُخْصَة اللَّهِ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلَ جِبَالِ عَرَفَةَ". (٧)
وَلِهَذَا قَالَ الْفُقَهَاءُ: قَدْ يَكُونُ تَنَاوَلُ الْمَيْتَةِ وَاجِبًا فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ، وَهُوَ مَا إِذَا خَافَ عَلَى مُهْجَتِهِ (٨) التَّلَفَ وَلَمْ يَجِدْ غَيْرَهَا، وَقَدْ يَكُونُ مَنْدُوبًا، وَ [قَدْ] (٩) يَكُونُ مُبَاحًا بِحَسْبِ الْأَحْوَالِ. وَاخْتَلَفُوا: هَلْ يَتَنَاوَلُ مِنْهَا قَدْرَ مَا يَسُدُّ بِهِ الرَّمَق، أَوْ لَهُ أَنْ يَشْبَعَ، أَوْ يَشْبَعُ وَيَتَزَوَّدُ؟ عَلَى أَقْوَالٍ، كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ. وَفِيمَا إِذَا وَجَدَ مَيْتَةً وَطَعَامَ الْغَيْرِ، أَوْ صَيْدًا (١٠) وَهُوَ مُحْرِمٌ: هَلْ يَتَنَاوَلُ الْمَيْتَةَ، أَوْ ذَلِكَ الصَّيْدَ وَيَلْزَمُهُ الْجَزَاءُ، أَوْ ذَلِكَ الطَّعَامَ وَيَضْمَنُ بَدَلَهُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ، هُمَا قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ. وَلَيْسَ مِنْ شِرْطِ جَوَازِ تَنَاوَلِ الْمَيْتَةِ أَنْ يَمْضِيَ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ لَا يَجِدُ طَعَامًا، كَمَا قَدْ يَتَوَهَّمُهُ كَثِيرٌ مِنَ الْعَوَامِّ (١١) وَغَيْرِهِمْ، بَلْ مَتَى اضْطُرَّ إِلَى ذَلِكَ جَازَ لَهُ، وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ أَنَّهُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا بِأَرْضٍ تُصِيبُنَا (١٢) بِهَا الْمَخْمَصَةُ، فَمَتَى تَحِلُّ (١٣) لَنَا بِهَا الْمَيْتَةُ؟ فَقَالَ: "إِذَا لَمْ تَصْطَبِحوا، وَلَمْ تَغْتَبِقُوا، وَلَمْ تَجتفئوا (١٤) بقْلا فَشَأْنُكُمْ بِهَا ".
تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَهُوَ إِسْنَادٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحَيْنِ. وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ وَاصِلٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ بِهِ (١٥) لَكِنْ رواه بعضهم
(١) زيادة من أ.
(٢) في أ: "رحمهم".
(٣) في أ: "الله".
(٤) في د: "رخصه".
(٥) المسند (٢/١٠٨) وصحيح ابن حبان برقم (٥٤٥) "موارد" وقال الهيثمي في المجمع (٣/١٦٢) :"رجاله رجال الصحيح".
(٦) في د: "لفظ أحمد".
(٧) المسند (٢/٧١).
(٨) في د: "نفسه"، وفي أ: "مهجة"
(٩) زيادة من ر.
(١٠) في ر: "وصيدًا".
(١١) في ر: "الأعوام".
(١٢) في أ: "يصيبنا".
(١٣) في د: "فما يحل"، وفي أ: "فمتى يحل".
(١٤) في أ: "تحتفنوا".
(١٥) المسند (٥/٢١٨) وتفسير الطبري (٩/٥٣٨) ورواه الحاكم في المستدرك (٤/١٢٥) من طريق الأوزاعي به وقال: "على شرطهما ولم يخرجاه". وتعقبه الذهبي فقال: "فيه انقطاع".
عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ حَسَّانِ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي وَاقِدٍ، بِهِ (١) وَمِنْهُمْ مَنْ رَوَاهُ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ حَسَّانٍ، عَنْ مَرْثَدٍ -أَوْ أَبِي مَرْثَدٍ-عَنْ أَبِي وَاقِدٍ، بِهِ (٢) وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ هَنَّادِ بْنِ السَّرِيِّ، عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، عَنْ حَسَّانٍ، عَنْ رَجُلٍ قَدْ سُمِّيَ لَهُ، فَذَكَرَهُ. وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ هَنَّادٍ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ حَسَّانٍ، مُرْسَلًا (٣)
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّة، عَنْ عَوْن قَالَ: وَجَدْتُ عِنْدَ الْحَسَنِ كِتَابَ سَمُرة، فَقَرَأْتُهُ عَلَيْهِ، فَكَانَ فِيهِ: "ويُجزى من الأضرار غَبُوق أَوْ صُبُوحٌ ".
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا هُشَيْم، عَنِ الخَصيب بْنِ زَيْدٍ التَّمِيمِيِّ (٤) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: [إِلَى] (٥) مَتَى يَحِلُّ [لِي] (٦) الْحَرَامُ؟ قَالَ: فَقَالَ: "إِلَى مَتَى يَرْوى أَهْلُكَ مِنَ اللَّبَنِ، أَوْ تَجِيءُ مِيرَتُهم ".
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ جَدِّهِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ جَدَّتِهِ (٧) ؛ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَعْرَابِ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَفْتِيهِ فِي الَّذِي حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَالَّذِي أَحَلَّ لَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "تَحِلُّ لَكَ الطَّيِّبَاتُ، وتَحْرُم عَلَيْكَ الْخَبَائِثُ (٨) إِلَّا أَنْ تَفْتَقِر إِلَى طَعَامٍ لَا يَحِلُّ لَكَ، فَتَأْكُلَ مِنْهُ حَتَّى تَسْتَغْنِيَ عَنْهُ". فَقَالَ الرَّجُلُ: وَمَا فَقْرِي الَّذِي يُحِلُّ لِي؟ وَمَا غِنَايَ الَّذِي يُغْنِينِي عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِذَا كُنْتَ تَرْجُو نِتَاجًا، فَتَبْلُغُ بلُحُوم مَاشِيَتِكَ إِلَى نِتَاجِكَ، أَوْ كُنْتَ تَرْجُو غِنًى، تَطْلُبُهُ، فَتَبْلُغُ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَأَطْعِمْ أَهْلَكَ مَا بَدَا لَكَ حَتَّى تَسْتَغْنِيَ عَنْهُ". فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: مَا غِنَايَ الَّذِي أَدَعُهُ إِذَا وَجَدَتُهُ؟ فَقَالَ [النَّبِيُّ] (٩) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِذَا أَرُوِيَتْ أَهْلُكَ غَبُوقا مِنَ اللَّيْلِ، فَاجْتَنِبْ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكَ مِنْ طَعَامٍ، وَأَمَّا مَالُكَ فَإِنَّهُ مَيْسُورٌ كُلُّهُ، لَيْسَ فِيهِ حَرَامٌ". (١٠)
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: "مَا لَمْ تَصْطَبِحُوا": يَعْنِي بِهِ: الْغَدَاءَ، "وَمَا لَمْ (١١) تَغْتَبِقُوا": يَعْنِي بِهِ: الْعَشَاءَ، "أَوْ تَخْتَفِئُوا (١٢) بَقْلًا (١٣) فَشَأْنُكُمْ بِهَا" [أَيْ] (١٤) فَكُلُوا مِنْهَا. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يُرْوَى هَذَا الْحَرْفُ -يَعْنِي قَوْلَهُ: "أَوْ تَخْتَفِئُوا (١٥) [بَقْلًا] (١٦) عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: "تَخْتَفِئُوا" بِالْهَمْزَةِ، "وَتَحْتَفِيُوا" بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ وَالْحَاءِ، "وَتَحْتَفُوا" بِتَشْدِيدِ [الْفَاءِ] (١٧) وَتَحْتَفُوا" بِالْحَاءِ وَبِالتَّخْفِيفِ، وَيُحْتَمَلُ الْهَمْزُ، كَذَا ذَكَرَهُ فِي التَّفْسِيرِ.
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْن، حَدَّثَنَا عُقْبَة بْنُ وَهْب بْنِ عُقْبَةَ الْعَامِرِيُّ (١٨) سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنِ الْفَجِيعِ الْعَامِرِيِّ؛ أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم فقال:
(١) رواهما الطبراني في المعجم الكبير (٣/٢٨٤) من طريق الأوزاعي به.
(٢) رواهما الطبراني في المعجم الكبير (٣/٢٨٤) من طريق الأوزاعي به
(٣) تفسير الطبري (٩/٥٤٢).
(٤) في أ: "يزيد التيمي".
(٥) زيادة من ر، أ.
(٦) زيادة من أ.
(٧) في أ: "عمن حدثه".
(٨) في ر، أ: "يحل لك الطيبات ويحرم عليك الخبائث".
(٩) زيادة من ر، أ.
(١٠) تفسير الطبري (٩/٥٤٠).
(١١) في أ: "ولم".
(١٢) في أ: "تحتفنوا".
(١٣) في د: "ليلا".
(١٤) زيادة من ر.
(١٥) في أ: "تحتفؤوا".
(١٦) زيادة من أ.
(١٧) زيادة من ر، أ.
(١٨) في أ: "وهب بن عقبة بن وهب العامري".

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
{ ٣ ْ } ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ْ﴾
هذا الذي حولنا الله عليه في قوله :﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ ْ﴾ واعلم أن الله تبارك وتعالى لا يحرّم ما يحرّم إلا صيانة لعباده، وحماية لهم من الضرر الموجود في المحرمات، وقد يبين للعباد ذلك وقد لا يبين.
فأخبر أنه حرم ﴿الْمَيْتَة ْ﴾ والمراد بالميتة : ما فُقِدَت حياتُهُ بغير ذكاة شرعية، فإنها تحرم لضررها، وهو احتقان الدم في جوفها ولحمها المضر بآكلها. وكثيرا ما تموت بعلة تكون سببا لهلاكها، فتضر بالآكل.
ويستثنى من ذلك ميتة الجراد والسمك، فإنه حلال.
﴿وَالدَّمَ ْ﴾ أي : المسفوح، كما قيد في الآية الأخرى. ﴿وَلَحْم الْخِنْزِيرِ ْ﴾ وذلك شامل لجميع أجزائه، وإنما نص الله عليه من بين سائر الخبائث من السباع، لأن طائفة من أهل الكتاب من النصارى يزعمون أن الله أحله لهم. أي : فلا تغتروا بهم، بل هو محرم من جملة الخبائث.
﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ْ﴾ أي : ذُكر عليه اسم غير الله تعالى، من الأصنام والأولياء والكواكب وغير ذلك من المخلوقين. فكما أن ذكر الله تعالى يطيب الذبيحة، فذكر اسم غيره عليها، يفيدها خبثا معنويا، لأنه شرك بالله تعالى.
﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ ْ﴾ أي : الميتة بخنق، بيد أو حبل، أو إدخالها رأسها بشيء ضيق، فتعجز عن إخراجه حتى تموت.
﴿وَالْمَوْقُوذَةُ ْ﴾ أي : الميتة بسبب الضرب بعصا أو حصى أو خشبة، أو هدم شيء عليها، بقصد أو بغير قصد.
﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ ْ﴾ أي : الساقطة من علو، كجبل أو جدار أو سطح ونحوه، فتموت بذلك.
﴿وَالنَّطِيحَةُ ْ﴾ وهي التي تنطحها غيرها فتموت.
﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ ْ﴾ من ذئب أو أسد أو نمر، أو من الطيور التي تفترس الصيود، فإنها إذا ماتت بسبب أكل السبع، فإنها لا تحل.
وقوله :﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ ْ﴾ راجع لهذه المسائل، من منخنقة، وموقوذة، ومتردية، ونطيحة، وأكيلة سبع، إذا ذكيت وفيها حياة مستقرة لتتحقق الذكاة فيها، ولهذا قال الفقهاء :﴿لو أبان السبع أو غيره حشوتها، أو قطع حلقومها، كان وجود حياتها كعدمه، لعدم فائدة الذكاة فيها ْ﴾ [ وبعضهم لم يعتبر فيها إلا وجود الحياة فإذا ذكاها وفيها حياة حلت ولو كانت مبانة الحشوة وهو ظاهر الآية الكريمة ](١)
﴿وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ْ﴾ أي : وحرم عليكم الاستقسام بالأزلام. ومعنى الاستقسام : طلب ما يقسم لكم ويقدر بها، وهي قداح ثلاثة كانت تستعمل في الجاهلية، مكتوب على أحدها " افعل " وعلى الثاني " لا تفعل " والثالث غفل لا كتابة فيه.
فإذا هَمَّ أحدهم بسفر أو عرس أو نحوهما، أجال تلك القداح المتساوية في الجرم، ثم أخرج واحدا منها، فإن خرج المكتوب عليه " افعل " مضى في أمره، وإن ظهر المكتوب عليه " لا تفعل " لم يفعل ولم يمض في شأنه، وإن ظهر الآخر الذي لا شيء عليه، أعادها حتى يخرج أحد القدحين فيعمل به. فحرمه(٢)  الله عليهم، الذي في هذه الصورة وما يشبهه، وعوضهم عنه بالاستخارة لربهم في جميع أمورهم.
﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌ ْ﴾ الإشارة لكل ما تقدم من المحرمات، التي حرمها الله صيانة لعباده، وأنها فسق، أي : خروج عن طاعته إلى طاعة الشيطان.
ثم امتن على عباده بقوله :
﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَة غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ْ﴾
واليوم المشار إليه يوم عرفة، إذ أتم الله دينه، ونصر عبده ورسوله، وانخذل أهل الشرك انخذالا بليغا، بعد ما كانوا حريصين على رد المؤمنين عن دينهم، طامعين في ذلك.
فلما رأوا عز الإسلام وانتصاره وظهوره، يئسوا كل اليأس من المؤمنين، أن يرجعوا إلى دينهم، وصاروا يخافون منهم ويخشون، ولهذا في هذه السنة التي حج فيها النبي ﷺ سنة عشر حجة الوداع - لم يحج فيها مشرك، ولم يطف بالبيت عريان.
ولهذا قال :﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ْ﴾ أي : فلا تخشوا المشركين، واخشوا الله الذي نصركم عليهم وخذلهم، ورد كيدهم في نحورهم.
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ْ﴾ بتمام النصر، وتكميل الشرائع الظاهرة والباطنة، الأصول والفروع، ولهذا كان الكتاب والسنة كافيين كل الكفاية، في أحكام الدين أصوله وفروعه.
فكل متكلف يزعم أنه لا بد للناس في معرفة عقائدهم وأحكامهم إلى علوم غير علم الكتاب والسنة، من علم الكلام وغيره، فهو جاهل، مبطل في دعواه، قد زعم أن الدين لا يكمل إلا بما قاله ودعا إليه، وهذا من أعظم الظلم والتجهيل لله ولرسوله.
﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ْ﴾ الظاهرة والباطنة ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ْ﴾ أي : اخترته واصطفيته لكم دينا، كما ارتضيتكم له، فقوموا به شكرا لربكم، واحمدوا الذي مَنَّ عليكم بأفضل الأديان وأشرفها وأكملها.
﴿فَمَنِ اضْطُرَّ ْ﴾ أي : ألجأته الضرورة إلى أكل شيء من المحرمات السابقة، في قوله :﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ْ﴾ ﴿فِي مَخْمَصَةٍ ْ﴾ أي : مجاعة ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ ْ﴾ أي : مائل ﴿لِإِثْمٍ ْ﴾ بأن لا يأكل حتى يضطر، ولا يزيد في الأكل على كفايته ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ْ﴾ حيث أباح له الأكل في هذه الحال، ورحمه بما يقيم به بنيته من غير نقص يلحقه في دينه.
١ - كذا في ب، وفي أ: كعدمه.
٢ - كذا في النسختين، ولعل الأقرب: فحرم..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{٣} ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
هذا الذي حولنا الله عليه في قوله: ﴿إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ واعلم أن الله تبارك وتعالى لا يحرّم ما يحرّم إلا صيانة لعباده، وحماية لهم من الضرر الموجود في المحرمات، وقد يبين للعباد ذلك وقد لا يبين.
فأخبر أنه حرم ﴿الْمَيْتَة﴾ والمراد -[٢٢٠]- بالميتة: ما فُقِدَت حياتُهُ بغير ذكاة شرعية، فإنها تحرم لضررها، وهو احتقان الدم في جوفها ولحمها المضر بآكلها. وكثيرا ما تموت بعلة تكون سببا لهلاكها، فتضر بالآكل.
ويستثنى من ذلك ميتة الجراد والسمك، فإنه حلال.
﴿وَالدَّم﴾ أي: المسفوح، كما قيد في الآية الأخرى. ﴿وَلَحْم الْخِنزيرِ﴾ وذلك شامل لجميع أجزائه، وإنما نص الله عليه من بين سائر الخبائث من السباع، لأن طائفة من أهل الكتاب من النصارى يزعمون أن الله أحله لهم. أي: فلا تغتروا بهم، بل هو محرم من جملة الخبائث.
﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ أي: ذُكر عليه اسم غير الله تعالى، من الأصنام والأولياء والكواكب وغير ذلك من المخلوقين. فكما أن ذكر الله تعالى يطيب الذبيحة، فذكر اسم غيره عليها، يفيدها خبثا معنويا، لأنه شرك بالله تعالى.
﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾ أي: الميتة بخنق، بيد أو حبل، أو إدخالها رأسها بشيء ضيق، فتعجز عن إخراجه حتى تموت.
﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ أي: الميتة بسبب الضرب بعصا أو حصى أو خشبة، أو هدم شيء عليها، بقصد أو بغير قصد.
﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾ أي: الساقطة من علو، كجبل أو جدار أو سطح ونحوه، فتموت بذلك.
﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾ وهي التي تنطحها غيرها فتموت.
﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ من ذئب أو أسد أو نمر، أو من الطيور التي تفترس الصيود، فإنها إذا ماتت بسبب أكل السبع، فإنها لا تحل.
وقوله: ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ راجع لهذه المسائل، من منخنقة، وموقوذة، ومتردية، ونطيحة، وأكيلة سبع، إذا ذكيت وفيها حياة مستقرة لتتحقق الذكاة فيها، ولهذا قال الفقهاء: " لو أبان السبع أو غيره حشوتها، أو قطع حلقومها، كان وجود حياتها كعدمه، لعدم فائدة الذكاة فيها " [وبعضهم لم يعتبر فيها إلا وجود الحياة فإذا ذكاها وفيها حياة حلت ولو كانت مبانة الحشوة وهو ظاهر الآية الكريمة] (١)
﴿وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالأزْلامِ﴾ أي: وحرم عليكم الاستقسام بالأزلام. ومعنى الاستقسام: طلب ما يقسم لكم ويقدر بها، وهي قداح ثلاثة كانت تستعمل في الجاهلية، مكتوب على أحدها "افعل" وعلى الثاني "لا تفعل" والثالث غفل لا كتابة فيه.
فإذا هَمَّ أحدهم بسفر أو عرس أو نحوهما، أجال تلك القداح المتساوية في الجرم، ثم أخرج واحدا منها، فإن خرج المكتوب عليه "افعل" مضى في أمره، وإن ظهر المكتوب عليه"لا تفعل" لم يفعل ولم يمض في شأنه، وإن ظهر الآخر الذي لا شيء عليه، أعادها حتى يخرج أحد القدحين فيعمل به. فحرمه (٢) الله عليهم، الذي في هذه الصورة وما يشبهه، وعوضهم عنه بالاستخارة لربهم في جميع أمورهم.
﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ الإشارة لكل ما تقدم من المحرمات، التي حرمها الله صيانة لعباده، وأنها فسق، أي: خروج عن طاعته إلى طاعة الشيطان.
ثم امتن على عباده بقوله:
﴿.... الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَة غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
واليوم المشار إليه يوم عرفة، إذ أتم الله دينه، ونصر عبده ورسوله، وانخذل أهل الشرك انخذالا بليغا، بعد ما كانوا حريصين على رد المؤمنين عن دينهم، طامعين في ذلك.
فلما رأوا عز الإسلام وانتصاره وظهوره، يئسوا كل اليأس من المؤمنين، أن يرجعوا إلى دينهم، وصاروا يخافون منهم ويخشون، ولهذا في هذه السنة التي حج فيها النبي ﷺ سنة عشر حجة الوداع - لم يحج فيها مشرك، ولم يطف بالبيت عريان.
ولهذا قال: ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾ أي: فلا تخشوا المشركين، واخشوا الله الذي نصركم عليهم وخذلهم، ورد كيدهم في نحورهم.
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ بتمام النصر، وتكميل الشرائع الظاهرة والباطنة، الأصول والفروع، ولهذا كان الكتاب والسنة كافيين كل الكفاية، في أحكام الدين أصوله وفروعه.
فكل متكلف يزعم أنه لا بد للناس في معرفة عقائدهم وأحكامهم إلى علوم غير علم الكتاب والسنة، من علم الكلام وغيره، فهو جاهل، مبطل في دعواه، قد زعم أن الدين لا يكمل إلا بما قاله ودعا إليه، وهذا من أعظم الظلم والتجهيل لله ولرسوله.
﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ الظاهرة والباطنة ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾ أي: اخترته واصطفيته لكم دينا، كما ارتضيتكم له، فقوموا به شكرا لربكم، واحمدوا الذي مَنَّ عليكم بأفضل الأديان وأشرفها وأكملها.
﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ أي: ألجأته الضرورة إلى أكل شيء من المحرمات -[٢٢١]- السابقة، في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ ﴿فِي مَخْمَصَةٍ﴾ أي: مجاعة ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ﴾ أي: مائل ﴿لإثْمٍ﴾ بأن لا يأكل حتى يضطر، ولا يزيد في الأكل على كفايته ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ حيث أباح له الأكل في هذه الحال، ورحمه بما يقيم به بنيته من غير نقص يلحقه في دينه.
(١) كذا في ب، وفي أ: كعدمه
(٢) كذا في النسختين، ولعل الأقرب: فحرم.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٣٥ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مجاهد — مجاهد بن جبر غريب القرآن — زيد بن علي تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير الإمام مالك — مالك بن أنس تفسير الشافعي — الشافعي معاني القرآن — الفراء معاني القرآن للفراء — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى مجاز القرآن — أبو عبيدة تفسير القرآن — الصنعاني معاني القرآن — الأخفش غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري تفسير النسائي — النسائي معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي أحكام القرآن — الجصاص بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير ابن خويز منداد — ابن خويزمنداد تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي آراء ابن حزم الظاهري في التفسير — ابن حزم جهود ابن عبد البر في التفسير — ابن عبد البر تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني تفسير الراغب الأصفهاني — الراغب الأصفهاني أحكام القرآن — إلكيا الهراسي جهود الإمام الغزالي في التفسير — أبو حامد الغزالي معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية أحكام القرآن — ابن العربي إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري أحكام القرآن — ابن الفرس تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام جهود القرافي في التفسير — القرافي أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي التفسير القيم — ابن القيم التفسير القيم من كلام ابن القيم — ابن القيم الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تفسير ابن عرفة — ابن عرفة التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن — زكريا الأنصاري فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — محمد رشيد رضا تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المختصر في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير سفيان الثوري — عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كتاب نزهة القلوب — أبى بكر السجستاني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
الْمَيْتَةُ
الحَيَوَانُ الَّذِي مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ بِدُونِ ذَكَاةٍ.
أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ
ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُ غَيْرِ اللهِ عِنْدَ الذَّبْحِ.
وَالْمُنْخَنِقَةُ
هِيَ: الَّتِي حُبِسَ نَفَسُهَا حَتَّى مَاتَتْ.
وَالْمَوْقُوذَةُ
هِيَ: الَّتِي ضُرِبَتْ بِعَصًا أَوْ حَجَرٍ حَتَّى مَاتَتْ.
وَالْمُتَرَدِّيَةُ
هِيَ: الَّتِي سَقَطَتْ مِنْ مَكَانٍ عَالٍ فَمَاتَتْ.
وَالنَّطِيحَةُ
هِيَ: الَّتِي ضَرَبَتْهَا أُخْرَى بِقَرْنِهَا فَمَاتَتْ.
النُّصُبِ
مَا يُوضَعُ لِلْعِبَادَةِ مِنْ حَجَرٍ أَوْ غَيْرِهِ.
تَسْتَقْسِمُوا
تَطْلُبُوا مَعْرِفَةَ مَا قُسِمَ لَكُمْ.
بِالأَزْلَامِ
قِدَاحٍ مُعَيَّنَةٍ كَانُوا يَسْتَقْسِمُونَ بِهَا؛ يَكْتُبُونَ عَلَى أَحَدِهَا: (افْعَلْ)، وَعَلَى الآخَرِ: (لَا تَفْعَلْ)، ثُمَّ يُحَرِّكُونَهَا، فَأَيُّهَا خَرَجَ، عَمِلُوا بِهِ.
مَخْمَصَةٍ
مَجَاعَةٍ.
مُتَجَانِفٍ
مَائِلٍ، عَمْدًا.

إعراب الآية ٣ من سورة المائدة

من كتاب: إعراب القرآن

لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ إلى آخر الآية يدلّ على أنّ مكة كانت في أيديهم وأنّهم لا ينهون عن هذا إلّا وهم قادرون على الصدّ عن البيت الحرام فوجب من هذا فتح «أن» لأنه لما مضى وأيضا فلو كان للمستقبل لكان بعيدا في اللغة لأنك لو قلت لرجل يخاف من آخر الشتم والضرب والقتل: لا تغضب إن ضربك فلان لكان بعيدا لأنك توهم أن يغضب من الضرب فقط. أَنْ تَعْتَدُوا في موضع نصب لأنه مفعول به أي لا يكسبنّكم شنآن قوم الاعتداء، وأنكر أبو حاتم وأبو عبيد «شنان» بإسكان النون لأن المصادر إنما تأتي في مثل هذا متحركة وخالفهما غيرهما وقال: ليس هذا مصدرا ولكنه اسم فاعل على وزن كسلان وغضبان قال الأخفش: ثم قال عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى فقطعه من أول الكلام.
إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ اسم انّ وخبرها.

[سورة المائدة (٥) : آية ٣]

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ ما ذَكَّيْتُمْ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ اسم ما لم يسمّ فاعله وما بعده عطف عليه، ويجوز فيما بعده النصب بمعنى وحرّم الله عليكم الدم، والأصل في دم فعل يدلّ على ذلك قول الشاعر: [الوافر] ١١٧-
جرى الدميان بالخبر اليقين «١»
وهو من دمي يدمى مثل: حذر يحذر، وقيل: وزنه فعل بإسكان العين.
وَالنَّطِيحَةُ بالهاء وإن كانت مصروفة عن مفعولة لأنه لم يتقدّمها اسم. وكذا يقول:
خضيبة فإن ذكرت مؤنّثا قلت: رأيت كفّا خضيبا هذا قول الفرّاء، والبصريون يقولون:
جعلت اسما فحذفت منها الهاء كالذبيحة، وقيل: هي بمعنى ناطحة قال الفراء: أهل نجد يقولون «السبع» فيحذفون الضمة. إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ في موضع نصب بالاستثناء وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ وحقيقته في اللغة تستدعوا القسم بالقداح. قال الأخفش وأبو عبيدة:
واحد الأزلام زلم وزلم. ذلِكُمْ فِسْقٌ ابتداء وخبر. الْيَوْمَ ظرف والعامل فيه يئس والتقدير اليوم يئس الذين كفروا من تغيير دينكم وردّكم عنه لما رأوا من استبصاركم بصحّته واغتباطكم به. الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ فدلّ بهذا على أن الإيمان والإسلام أشياء كثيرة، وهذا خلاف قول المرجئة. فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ (من) في موضع رفع
(١) مرّ الشاهد رقم (١٣).
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

سبب نزول الآية ٣ من سورة المائدة

من كتاب: أسباب نزول القرآن - الواحدي

قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية. [٣].
نزلت هذه الآية يوم الجمعة، وكان يوم عرفة، بعد العصر في حجة الوَدَاع، سنة عشر والنبي صلى الله عليه وسلم [واقف] بعرفات على ناقته العَضْبَاء.
أخبرنا عبد الرحمن بن حَمْدَان العَدْل، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر القَطِيعي قال: حدَّثنا عبد الله بن أحمد بن حَنْبَل، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا جعفر بن عَوْن، قال: أخبرني أبو عُمَيْس عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شِهاب قال:
جاء رجل من اليهود إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال: يا أمير المؤمنين إنكم تقرأون آية في كتابكم لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً، فقال: فأي آية هي؟ قال: ﴿ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ فقال عمر: والله إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والساعة التي نزلت فيها على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، عشية يوم عرفة، في يوم جمعة. رواه البخاري عن الحسن بن صباح، ورواه مسلم عن عَبْد بن حُمَيْد؛ كلاهما عن جَعْفَر بن عَوْن.
أخبرنا الحاكم أبو عبد الرحمن الشَّاذِيَاخِي، قال: أخبرنا زاهر بن أحمد، قال: أخبرنا الحسين بن محمد بن مُصْعَب، قال: حدَّثنا يحيى بن حَكِيم، قال: حدَّثنا أبو قُتَيْبَة، قال: حدَّثنا حمَّاد، عن عمّار بن أبي عمّار، قال:
قرأ ابن عباس هذه الآية ومعه يهودي: ﴿ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإِسْلٰمَ دِيناً﴾ فقال اليهودي: لو نزلت هذه [الآية] علينا في يوم لاتخذناه عيداً، فقال ابن عباس: فإنها نزلت في عيدين اتفقا في يوم واحدٍ: يوم جمعة وافَقَ ذلك يوم عرفة.

القراءات في الآية ٣ من سورة المائدة

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

الْمَيْتَةُ

(المَيْتَةُ) بإسكان الياء

هشام عن ابن عامر أبو الحارث عن الكسائي خلاد عن حمزة خلف عن حمزة الدوري عن الكسائي حفص عن عاصم شعبة عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر رويس عن يعقوب السوسي عن أبي عمرو روح عن يعقوب الدوري عن أبي عمرو إسحاق عن خلف قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير إدريس عن خلف ورش عن نافع قالون عن نافع

(المَيّتَةُ) بتشديد الياء المكسوة

ابن جمّاز عن أبي جعفر ابن وردان عن أبي جعفر

فَمَنِ اضْطُرَّ

(فمنُ اضطُر) بضم النون والطاء

إدريس عن خلف الدوري عن الكسائي إسحاق عن خلف أبو الحارث عن الكسائي ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير ورش عن نافع قالون عن نافع

(فمنُ اضطِر) بضم النون وكسر الطاء

ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر

(فمنِ اضطُر) بكسر النون وضم الطاء

خلاد عن حمزة خلف عن حمزة حفص عن عاصم شعبة عن عاصم السوسي عن أبي عمرو رويس عن يعقوب الدوري عن أبي عمرو روح عن يعقوب
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ٣ من سورة المائدة

٢٠ موضوعًا تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

١٤٦ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

آثار متعلقة بالآية

١٤ قولًا
١
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- قال: ذُكِرَ لنا: أنه يَمْثُلُ لأهل كل دين دينُهم يومَ القيامة، فأمّا الإيمان فَيُبَشِّر أصحابَه وأهلَه، ويَعِدُهم في الخير، حتى يجيء الإسلام فيقول: رب، أنت السلام، وأنا الإسلام. فيقول: إيّاك اليومَ أقبَلُ، وبِكَ اليومَ أجْزِي١٢
التخريج
  1. ٢أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٨٥.
تعليقات المحققين
  1. ١علَّقَ ابنُ جرير (٨/٨٥) على قول قتادة هذا بقوله: «أحسب أنّ قتادة وجَّه معنى الإيمان بهذا الخبر إلى معنى التصديق والإقرار باللسان؛ لأنّ ذلك معنى الإيمان عند العرب، ووَجَّهَ معنى الإسلام إلى اسْتِسْلام القلب، وخُضُوعِه لله بالتوحيد، وانقياد الجسد له بالطاعة فيما أمَرَ ونَهى، فلذلك قيل للإسلام: إيّاكَ اليومَ أقبَل، وبِكَ اليومَ أجْزِي».
٢
عن حَسّان بن عَطِيَّة، عن أبي واقِد اللَّيْثِيّ: أنَّهم قالوا: يا رسول الله، إنّا بأرض تصيبنا بها المَخْمَصَة، فمتى تَحِلُّ لنا الميتة؟ قال: «إذا لم تَصْطَبِحُوا١، ولم تَغْتَبِقُوا٢، ولم تَحْتَفِئُوا بَقْلًا٣؛ فشَأْنُكم بها»٤.٥ (٥‏/‏١٨٩)
التخريج
  1. ١تصطبحوا: الاصطباح هنا: أكل الصبوح وهو الغداء. النهاية (صبح).
  2. ٢تغتبقوا: الاغتباق: أكل الغبوق، وهو العشاء. النهاية (صبح).
  3. ٣الاحتفاء: أخذ البقل من الأرض بالأظافر. اللسان (حفا).
  4. ٤أخرجه أحمد ٣٦‏/‏٢٢٧ (٢١٨٩٨)، ٣٦‏/‏٢٣٢ (٢١٩٠١)، والحاكم ٤‏/‏١٣٩ (٧١٥٦)، والدارمي ٢‏/‏١٢٠ (١٩٩٦)، وابن جرير ٨‏/‏٩٦، ٩٨ واللفظ له. وأورده الثعلبي ٤‏/‏١٨. قال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخَرِّجاه». وقال الذهبي في التلخيص: «فيه انقطاع». وقال ابن كثير في تفسيره ٣‏/‏٢٩: «تَفَرَّد به أحمد من هذا الوجه، وهو إسناد صحيح، على شرط الصحيحين». وقال الهيثمي في المجمع ٤‏/‏١٦٥ (٦٨٢٧): «رواه أحمد بإسنادين، رجال أحدهما رجال الصحيح، إلا أن المِزِّي قال: لم يسمع حَسّان بن عطية من أبي واقد».
تعليقات المحققين
  1. ٥علَّقَ ابنُ عطية (٣/١٠٤) على أثر حسان بن عطية قائلًا: «فهذا مثال في حال عدم المأكول حتّى يُؤَدِّي ذلك إلى ذهاب القوى والحياة».
٣
عن الفجيع العامِرِيّ، أنّه قال: يا رسول الله، ما يَحِلُّ لنا من الميتة؟ فقال: «ما طعامكم؟». قلنا: نَغْتَبِق، ونَصْطَبِح -قال عُقْبَة: قدح غُدْوَة، وقدح عَشِيَّة-. قال: «ذاك -وأبي- الجوعُ». وأحل لهم الميتة على هذه الحال١.٢
التخريج
  1. ١أخرجه أبو داود ٥/ ٦٣٤ - ٦٣٥ (٣٨١٧). قال البيهقي في الكبرى ٩/ ٦٠٠ (١٩٦٤٠): «وفي ثبوت هذه الأحاديث نظر، وحديث جابر بن سَمُرَة أصحها».
تعليقات المحققين
  1. ٢علَّقَ ابنُ كثير (٣/ ٣١) على أثر الفجيع العامري هذا قائلًا: «تَفَرَّد به أبو داود، وكأنّهم كانوا يصطبحون ويغتبقون شيئًا لا يكفيهم، فأحَلَّ لهم الميتة لتمام كفايتهم، وقد يحتج به من يرى جواز الأكل منها حتى يبلغ حَدَّ الشبع، ولا يتقيد ذلك بسَدِّ الرَّمَق».
٤
عن سَمُرَة بن جندب، أنّ النبي ﷺ قال: «إذا رَوَيْت أهلك من اللبن غَبُوقًا، فاجتنب ما نهى الله عنه من ميتة»١
التخريج
  1. ١أخرجه الحاكم ٤‏/‏١٣٩ (٧١٥٧). قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخَرِّجاه، وله أصل بإسناد صحيح على شرط الشيخين». وقال ابن حجر في إتحاف المهرة ٦‏/‏٤٥ (٦١٠١): «بل خارجة بن مصعب ضعيف». وأورده الألباني في الصحيحة ٣‏/‏٣٣٨ (١٣٥٣).
٥
عن جابر: أنّ رسول الله ﷺ قال: «إنّ الشيطان قد يَئِس أن يعبده المُصَلُّون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم»١
التخريج
  1. ١أخرجه مسلم ٤‏/‏٢١٦٦ (٢٨١٢).
٦
عن أبي هريرة وأبي سعيد، قالا: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الشيطان قد أيِس أن يُعْبَد بأرضكم هذه، ولكنه راضٍ منكم بما تَحْقِرُونَ»١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ١٤‏/‏٤٠٩ (٨٨١٠) عن أبي هريرة، والبيهقي في الشعب ٩‏/‏٤٠٤-٤٠٥ (٦٨٧٨) واللفظ له. قال الألباني في الصحيحة ٦‏/‏٢٨٢ (٢٦٣٥): «وسنده صحيح».
٧
عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الشيطان قد يئس أن تُعْبَد الأصنام بأرض العرب، ولكن سيرضى منكم بدون ذلك؛ بِالمُحَقِّرات، وهي الموبقات يوم القيامة، فاتقوا المظالم ما استطعتم»١
التخريج
  1. ١أخرجه أبو يعلى في مسنده ٩‏/‏٥٧ (٥١٢٢)، والبيهقي في الشعب ٩‏/‏٤٠٤ (٦٨٧٧). قال العراقي في تخريج الإحياء ص١٩٠٩: «إسناده جيد». وقال الهيثمي في المجمع ١٠‏/‏١٨٩ (١٧٤٦٠): «رواه أبو يعلى، وفيه إبراهيم بن مسلم الهجري، وهو ضعيف».
٨
عن ابن عباس، قال: إنّ رسول الله ﷺ لَمّا قَدِم أبى أن يدخل البيت وفيه الآلهة، فأمر بها فأُخْرِجَت، فأخرجوا صورة إبراهيم وإسماعيل في أيديهما الأزلام، فقال رسول الله ﷺ: «قاتلهم الله، أما واللهِ لقد علموا أنّهما لم يَسْتَقْسِما بها قَطُّ»١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٢‏/‏١٥٠ (١٦٠١).
٩
عن أبي الدَّرْداء، قال: قال رسول الله ﷺ: «لن يَلِج الدرجات العُلى مَن تَكَهَّن، أو اسْتَقْسَم، أو رجع من سفر تَطَيُّرًا»١
التخريج
  1. ١أخرجه الطبراني في مسند الشاميين ٣‏/‏٢١٠ (٢١٠٤)، وتمام في فوائده ٢‏/‏١٦٨ (١٤٤٤). قال المناوي في التيسير بشرح الجامع الصغير ٢‏/‏٣٠٣: «ورجاله ثقات، لكن فيه انقطاع». وأورده الألباني في الصحيحة ٥‏/‏١٩٣ (٢١٦١).
١٠
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- قال: كانت هُبَلُ أعظمَ أصنام قريش بمكة، وكانت على بئر في جوف الكعبة، وكانت تلك البئر هي التي يُجْمَع فيها ما يُهْدى للكعبة، وكانت عند هُبَل سبعةُ أقْدُحٍ، كل قِدْح منها فيه كتاب، قِدح فيه العَقل، إذا اختلفوا في الَعْقل من يحمله منهم ضربوا بالقِداح السبعة، وقِدح فيه: نعم، للأمر إذا أرادوه يضرب به، فإن خرج قدح نَعَم عَمِلوا به، وقدح فيه: لا، فإذا أرادوا أمرًا ضربوا به في القِداح، فإذا خرج ذلك القِدح لم يفعلوا ذلك الأمر. وقدح فيه: منكم. وقدح فيه: مُلْصَق. وقدح فيه: من غيركم. وقدح فيه: المياه، إذا أرادوا أن يحفروا للماء ضربوا بالقِداح وفيها ذلك القِدح، فحيثما خرج عَمِلوا به. وكانوا إذا أرادوا أن يَخْتِنوا غلامًا، أو أن يُنكِحُوا مَنكَحًا، أو أن يدفنوا ميِّتًا، ويَشُكُّوا في نسب واحد منهم؛ ذهبوا به إلى هُبَل، وبمائة درهم وبجَزُور، فأعطوها صاحب القِداح الذي يضربها، ثم قَرَّبوا صاحبهم الذي يريدون به ما يريدون، ثم قالوا: يا إلهنا، هذا فلان ابن فلان، قد أردنا به كذا وكذا، فأَخْرِج الحَقَّ فيه. ثم يقولون لصاحب القِداح: اضرب. فيضرب، فإن خرج عليه: منكم؛ كان وسيطًا، وإن خرج عليه: من غيركم؛ كان حليفًا، وإن خرج: ملصق؛ كان على منزلته منهم، لا نسب له ولا حِلْف، وإن خرج فيه شيء سوى هذا مما يعملون به: نعم؛ عَمِلوا به، وإن خرج: لا؛ أخَّروه عامهم ذلك، حتى يأتوا به مرة أخرى، ينتهون في أمورهم إلى ذلك مما خرجت به القِداح١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٧٦-٧٧.
١١
عن أبي أُمامة، قال: بَعَثَني رسول الله ﷺ إلى قومي أدعوهم إلى الله ورسوله، وأعرض عليهم شعائر الإسلام، فأتيتهم، فبينما نحن كذلك إذ جاءوا بقَصْعَة دم، واجتمعوا عليها يأكلونها، قالوا: هَلُمَّ، يا صُدَيُّ، فكُلْ. قلت: ويحكم، إنما أتيتكم من عند من يُحَرِّم هذا عليكم، وأنزل الله عليه. قالوا: وما ذاك؟ قال: فتَلَوْت عليهم هذه الآية: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه الطبراني (٨٠٧٤)، والحاكم ٣‏/‏٦٤١-٦٤٢. وعزاه السيوطي إلى ابن مردويه. قال الذهبي: «صدقة ضَعَّفه ابن معين». وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٨‏/‏٣٨٧: «وفيه بشير بن سُرَيْج، وهو ضعيف».
١٢
قال رِبْعِيُّ بن عبد الله: سمعت الجارود بن أبي سَبْرَةَ -قال: هو جدي- قال: كان رجل من بني رياح يقال له: ابن وثِيلٍ، وكان شاعرًا، نافر-غالبًا- أبا الفرزدق بماءٍ بظَهْر الكوفة، على أن يَعْقِر هذا مائة من إبله، وهذا مائة من إبله، إذا وردت الماء، فلما وردت الماء قاما إليها بالسيوف، فجعلا يكسفان عراقيبها. قال: فخرج الناس على الحُمُراتِ والبِغال يريدون اللحم. قال: وعليٌّ بالكوفة. قال: فخرج عليٌّ على بغلة رسول الله ﷺ البيضاء، وهو ينادي: يا أيها الناس، لا تأكلوا من لحومها؛ فإنما أُهِلَّ بها لغير الله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم -كما في تفسير ابن كثير ٣‏/‏١٧-. قال ابن كثير: «هذا أثر غريب، ويشهد له بالصحة ما رواه أبو داود: حدثنا هارون بن عبد الله، حدثنا حماد بن مسعدة، عن عوف، عن أبي ريحانة، عن ابن عباس قال: نهى النبي ﷺ عن معاقرة الأعراب».
١٣
عن أبي الطُّفَيْل -من طريق الوليد بن جُمَيْعٍ- قال: نزل آدم بتحريم أربع: الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أُهِلَّ لغير الله به، وإن هذه الأربعة الأشياء لم تحِلّ قط، ولم تزل حرامًا منذ خلق الله السموات والأرض، فلمّا كانت بنو إسرائيل حَرَّم الله عليهم طيبات أُحِلَّت لهم بذنوبهم، فلمّا بعث اللهُ عيسى ابن مريم عليه السلام، نزل بالأمر الأول الذي جاء به آدم، وأَحَلَّ لهم ما سوى ذلك، فكذبوه وعصوه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم -كما في تفسير ابن كثير ٣‏/‏١٧-. قال ابن كثير: «هذا أثر غريب».
١٤
عن قتادة بن دِعامة -من طريق مَعْمَر- قال: إذا أكَل لحم الخنزير عُرِضَت عليه التوبة، فإن تاب وإلّا قُتِل١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٣٨٢٦).

تفسير

٩٦ قولًا
١
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- في قوله: ﴿فمن اضطر﴾، يعني: إلى ما حُرِّم، مِمّا سُمِّي في صدر هذه السورة، ﴿في مخمصة﴾ يعني: مَجاعَة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٩٣. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم.
٢
عن عبد الله بن عباس: أنّ نافع بن الأزرق قال له: أخبِرْني عن قوله: ﴿في مخمصة﴾. قال: في مجاعة وجَهْدٍ. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت الأعشى وهو يقول: تبيتون في المَشْتى ملاءٌ بطونُكم وجاراتكم غَرْثى١ يَبِتْنَ خَمائِصا٢
التخريج
  1. ١الغرث: أيسر الجوع. وقيل: شدته. وقيل: هو الجوع عامة. اللسان (غرث).
  2. ٢أخرجه الطستيُّ في مسائله -كما في الإتقان ٢‏/‏١٠٤-١٠٥-.
٣
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نَجِيح- في الآية، قال: رُخِّص للمُضطرِّ إذا كان غير متعمد لإثم أن يأكله من جَهْدٍ، فمن بَغى، أو عَدا، أو خرج في معصية الله؛ فإنه مُحَرَّم عليه أن يأكله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٩٥.
٤
عن الحسن البصري -من طريق هشام بن حسان- قال: إذا اضطُرَّ الرجل إلى الميتة أكل منها قُوتَه، يعني: مُسْكَتَه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٩٨.
٥
عن قتادة بن دِعامة -من طريق مَعْمَر- في قوله: ﴿فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم﴾، قال: في مجاعة غير مُتَعَرِّض لإثم١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏١٨٤، وابن جرير ٨‏/‏٩٥ بنحوه. وعزاه السيوطي إلى عَبد بن حُمَيد.
٦
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- ﴿فمن اضطر في مخمصة﴾ قال: ذَكَرَ المَيْتَةَ وما فيها، وأَحَلَّها في الاضطِرار، ﴿في مخمصة﴾ يقول: في مجاعة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٩٣.
٧
قال مقاتل بن سليمان: ثم قال عز وجل: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ﴾، يعني: مجاعة وجَهْدٍ شديد أصابه من الجوع١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٤٥٣-٤٥٤.
٨
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهْب- يقول في قوله: ﴿فمن اضطر في مخمصة﴾، قال: المخمصة: الجوع١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٩٣.
٩
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- في قوله: ﴿غير متجانف لإثم﴾، يقول: غير مُتَعَمِّدٍ لإثم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٩٤، وابن أبي حاتم -كما في الإتقان ٢‏/‏١٢-. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
١٠
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- ﴿غير متجانف لإثم﴾، يقول: غير مُتَعَرِّض لإثم؛ أن يبتغي فيه شهوة، أو يعتدي في أكله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٩٥.
١١
قال مقاتل بن سليمان: ثم قال عز وجل: ﴿غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإثْمٍ﴾ غير مُتَعَمِّد لمعصية، ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ إذْ رخّص له في أكل الميتة ولحم الخنزير حين أصابه الجوع الشديد والجَهْدُ، وهو على غير المُضطرِّ حرام١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٤٥٣-٤٥٤.
١٢
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهْب- في قوله: ﴿غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإثْمٍ﴾ لا يأكل ذلك ابتغاء الإثم، ولا جَراءة عليه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٩٥.
١٣
عن عطاء -من طريق ابن جريج- ﴿اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ﴾، قال: أظن يئسوا أن ترجعوا عن دينكم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٧٨.
١٤
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- ﴿اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ﴾، قال: أن ترجعوا إليهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٧٨.
١٥
قال مقاتل بن سليمان: ﴿اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ﴾ يعني: لا تخشوا الكفار، ﴿واخْشَوْنِ﴾ في ترك أمري١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٤٥٢.
١٦
عن عبد الملك ابن جريج -من طريق حجاج- في قوله: ﴿فلا تخشوهم واخشون﴾، قال: فلا تخشوهم أن يظهروا عليكم١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٧٨.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذكر ابنُ عطية (٣/١٠٢) أنّ قوله تعالى: ﴿اليَوْمَ﴾ يحتمل احتمالين: الأول: أن يكون إشارة إلى اليوم بعينه لا سيما في قول الجمهور -عمر بن الخطاب وغيره- أنها نزلت في عشية عرفة يوم الجمعة، ورسول الله ﷺ في الموقف على ناقته، وليس في الموسم مشرك. الثاني: أن يكون إشارة إلى الزمن والوقت، أي: في هذا الأوان يَئِسَ الذين كفروا من دينكم. ثم قال: «وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعم مشركي العرب وغيرهم من الروم والفرس وغير ذلك، وهذا يُقَوِّي أن اليأس من انحلال أمر الإسلام وذهاب شوكته، ويُقَوِّي أنّ الإشارة باليوم إنما هي إلى الأوان الذي فاتحته يوم عرفة، ولا مشرك بالموسم، ويعضد هذا قوله تعالى: ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ واخْشَوْنِ﴾ فإنما نهى المؤمنين عن خشية جميع أنواع الكفار، وأمر بخشيته تعالى التي هي رأس كل عبادة كما قال ﷺ، ومفتاح كل خير».
١٧
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهْب- ﴿اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ﴾: هذا يوم عرفة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٧٩.
١٨
عن عبد الله بن عباس -من طريق عَطِيَّة العوفي- في قوله: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾، قال: ليس بيوم معلومٍ عند الناس١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٩١.
١٩
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- قال: أخْبَرَ اللهُ نبيه والمؤمنين أنّه قد أكمل لهم الإيمان؛ فلا يحتاجون إلى زيادة أبدًا، وقد أتمه؛ فلا ينقص أبدًا، وقد رضيه؛ فلا يسخطه أبدًا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٨٠. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٢٠
عن عبد الله بن عباس -من طريق الكَلْبِيِّ، عن أبي صالح- قال:... لَمّا كان واقفًا بعرفات نزل عليه جبريل -وهو رافع يده، والمسلمون يدعون الله-: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾. يقول: حلالكم وحرامكم، فلم ينزل بعد هذا حلال ولا حرام١، ﴿وأتممت عليكم نعمتي﴾ قال: مِنَّتِي؛ فلم يحج معكم مشرك، ﴿ورضيت﴾ يقول: واخترت لكم٢
التخريج
  1. ٢أخرجه البيهقي (٣٢).
تعليقات المحققين
  1. ١انتَقَدَ ابنُ جرير (٣/٨٢-٨٣) قولَ ابن عباس هذا، وما ماثله، مستندًا إلى أحوال النزول، فقال: «أمّا الفرائض والأحكام فإنّه قد اخْتُلِف فيها: هل كانت أُكْمِلَتْ ذلك اليوم أم لا؟ فرُوِي عن ابن عباس والسدي ما ذكرنا عنهما قبلُ. ورُوِي عن البَراء بن عازِب أنّ آخر آية نزلت من القرآن: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الكَلالَةِ﴾ [النساء:١٧٦]، ولا يَدْفَع ذو عِلْم أنّ الوحي لم ينقطع عن رسول الله ﷺ إلى أن قُبِض، بل كان الوحي قبل وفاته أكْثَرَ ما كان تَتابُعًا. فإذ كان ذلك كذلك، وكان قوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الكَلالَةِ﴾ آخرَها نُزُولًا، وكان ذلك من الأحكام والفرائض؛ كان معلومًا أنّ معنى قوله: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ على خلاف الوجه الذي تَأَوَّله مَن تَأَوَّلَه، أعني: كمال العبادات والأحكام والفرائض. فإن قال قائل: فما جَعْلُ قَوْلِ مَن قال:»قد نَزَل بعد ذلك فَرْضٌ«أوْلى مِن قَوْلِ مَن قال:»لم يَنزِلْ«؟ قِيل: لأنّ الذي قال:»لم يَنزِل«مُخْبِرٌ أنّه لا يَعْلَمُ نُزُول فَرْضٍ، والنَّفْيُ لا يكون شهادةً، والشَّهادَةُ قولُ مَن قالَ:»نَزَلَ«، وغيرُ جائزٍ دَفْعُ خبر الصادق فيما أمكن أن يكون فيه صادقًا».
٢١
قال سعيد بن جبير، وقتادة بن دِعامة: أكملت لكم دينَكم؛ فلم يَحُجَّ معكم مشرك١
التخريج
  1. ١تفسير البغوي ٣/ ١٣.
٢٢
عن سعيد بن جبير -من طريق أبي حُصَيْن- في قوله: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾، قال: تمام الحج، ونفي المشركين عن البيت١٢
التخريج
  1. ٢أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٨٢. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
تعليقات المحققين
  1. ١رجَّحَ ابنُ جرير (٣/٨٢) قولَ سعيد هذا وما ماثله، فقال: «وأَوْلى الأقوال في ذلك بالصواب أن يُقال: إنّ الله عز وجل أخْبَر نبيَّه ﷺ والمؤمنين به أنّه أكْمَلَ لهم يومَ أنزَلَ هذه الآية على نبيِّه دينَهم، بإفْرادهم بالبلد الحرام، وإجْلائه عنه المشركين، حتى حجَّه المسلمون دونهم، لا يُخالِطُهُم مُشْرِك»، ولم يذكر مستندًا.
٢٣
عن الحكم [بن عُتَيبة]-من طريق أبي يحيى بن أبي غَنِيَّةَ- ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾، قال: أكمل لهم دينهم أن حَجُّوا ولم يَحُجَّ معهم مشرك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٨١.
٢٤
عن قتادة بن دِعامة -من طريق مَعْمَر- في قوله: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾، قال: أخْلَص الله لهم دينَهم، ونَفى المشركين عن البيت. قال: وبَلَغَنا: أنها أنزلت يوم عرفة، ووافق يومَ جمعة١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏١٨٤، وابن جرير ٨‏/‏٨١-٨٢. وعزاه السيوطي إلى عَبد بن حُمَيد.
٢٥
قال مقاتل بن سليمان: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ يعني: شرائع دينكم؛ أمر حلالكم وحرامكم، ﴿وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ يعني: الإسلام؛ إذ حججتم وليس معكم مشرك، ﴿ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾ يعني: واخترت لكم الإسلام دينًا، فليس دينٌ أرْضى عند الله عز وجل من الإسلام. قال سبحانه: ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ وهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥]١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٤٥٣.
٢٦
عن مجاهد بن جبر -من طريق إبراهيم بن مهاجر- في قوله: ﴿وأن تستقسموا بالأزلام﴾، قال: سِهام العرب، وكِعابُ١ فارس؛ الَّتي يَتَقامَرُون بها٢٣
التخريج
  1. ١الكعاب: فصوص النرد. النهاية، (كعب).
  2. ٢أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٧٤. وعزاه السيوطي إلى عَبد بن حُمَيد.
تعليقات المحققين
  1. ٣علَّقَ ابنُ كثير (٣/٢٥) على قول مجاهد هذا بقوله: «هذا الذي ذُكِر عن مجاهد في الأزلام أنّها موضوعة للقمار فيه نظر، اللهم إلّا أن يقال: إنّهم كانوا يستعملونها في الاستخارة تارة، وفي القِمار أخرى، والله أعلم؛ فإن الله -سبحانه [وتعالى]- قد فرَّق بين هذه وبين القمار، وهو المَيْسِر، فقال في آخر السورة: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. إنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ فِي الخَمْرِ والمَيْسِرِ ويَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أنْتُمْ منتهون﴾ [المائدة:٩٠-٩١]».
٢٧
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح-: ﴿وأن تستقسموا بالأزلام﴾: حجارة كانوا يكتبون عليها، يسمّونها القِداح١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٧٤.
٢٨
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- قال: الأزلام: القِداح، يَضْرِبُون بها لكلِّ سَفَر وغَزْو وتجارة١
التخريج
  1. ١تفسير مجاهد ص٣٠٠. وعزاه السيوطي إلى عَبد بن حُمَيد.
٢٩
عن الضحاك بن مُزاحِم -من طريق عبيد- قال في قوله: ﴿وأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ﴾: كانوا يستقسمون بها في الأمور١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٧٥.
٣٠
عن الحسن البصري -من طريق عباد بن راشِد- في الآية، قال: كانوا إذا أرادوا أمرًا أو سفرًا يَعْمِدُونَ إلى قِداح ثلاثة، على واحد منها مكتوب: اؤمُرْني، وعلى الآخر: انهني، ويتركون الآخر مُحَلَّلًا بينهما، ليس عليه شيء، ثم يُجِيلُونها؛ فإن خرج الذي عليه: اؤمُرْني، مضوا لأمرهم، وإن خرج الذي عليه: انهني، كَفُّوا، وإن خرج الذي ليس عليه شيء أعادوها١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٧٣. وعزاه السيوطي إلى عَبد بن حُمَيد.
٣١
عن قتادة بن دِعامة -من طريق مَعْمَر- في قوله تعالى: ﴿وأن تستقسموا بالأزلام﴾، قال: كان الرجل إذا أراد الخروج في سفر كتب في قِدح: هذا يأمر بالمكوث، وكتب في آخر: وهذا يأمر بالخروج، وجعل بينهما مَنِيحًا١ لم يكتب فيه شيئًا، ثم اسْتَقْسَم بها حين يريد أن يخرج، فإن خرج الذي يأمر بالخروج خرج، وقال: لا يصيبني في سفري هذا إلا خير، وإن خرج الذي يأمر بالمكث مكث، وإن خرج الآخر أجالها ثانية حتى يخرج أحد القِدْحَين٢٣
التخريج
  1. ١المَنِيحُ: سهم من سهام الميسر مما لا نصيب له إلا أن يمنح صاحبه شيئا. اللسان (منح).
  2. ٢أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏١٨٣، وابن جرير ٨‏/‏٧٤.
تعليقات المحققين
  1. ٣قال ابنُ جرير مُلَخِّصًا تلك الأقوال (٨/٧٢): «يعني بقوله: ﴿وأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ﴾: وأن تَطْلُبوا عِلْم ما قُسِمَ لكم أو لم يُقْسَم بالأزلام. وهو اسْتَفْعَلْت مِن القَسْم: قَسْم الرِّزْق والحاجات. وذلك أنّ أهل الجاهلية كان أحدهم إذا أراد سفرًا أو غَزْوًا أو نحو ذلك أجال القِداح، وهي الأزلام، وكانت قِداحًا مكتوبًا على بعضها: نهاني ربي، وعلى بعضها: أمرني ربي، فإن خرج القِدْح الذي هو مكتوب عليه: أمرني ربي؛ مضى لِما أراد من سفر أو غزْو أو تزويج وغير ذلك؛ وإن خرج الذي عليه مكتوب: نهاني ربي؛ كَفَّ عن المُضِيِّ لذلك وأَمْسَك، فقيل: ﴿وأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ﴾؛ لأنّهم بِفِعْلهم ذلك كانوا كأنّهم يسألون أزلامهم أن يَقْسِمْنَ لهم. وأمّا الأزلام فإنّ واحدها زَلَم، ويُقال: زُلَم، وهي القِداح التي وصفنا أمرَها».
٣٢
عن عبد الله بن كثير -من طريق ابن جُرَيْج- قال: سَمِعْنا أنّ أهل الجاهلية كانوا يضربون بالقِداح في الظَّعَن والإقامة، أو الشيء يريدونه، فيخرج سهم الظَّعَن فيَظْعَنُون، والإقامة فيقيمون١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٧٦.
٣٣
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- ﴿وأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ﴾، قال: الأزلام: قِداح كانت في الجاهلية عند الكَهَنَة، فإذا أراد الرجل أن يسافر أو يتزوج أو يُحْدِث أمرًا، أتى الكاهنَ، فأعطاه شيئًا، فضرب له بها؛ فإن خرج منها شيء يعجبه أمَرَه ففَعَل، وإن خرج منها شيء يكرهه نهاه فانتَهى، كما ضرب عبدُ المطلب على زمزم، وعلى عبد الله والإبل١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٧٥.
٣٤
قال مقاتل بن سليمان: ثم قال -تعالى ذِكْرُه-: ﴿وأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ﴾ يعني: وأن تستقسموا الأمورَ بالأزلام، والأزلام قِدحان في بيت أصنامهم، فإذا أرادوا أن يركبوا أمرًا أتَوْا بَيْت أصنامهم، فضربوا بالقِدْحَين، فما خرج من شيء عملوا به، وكان كتب على أحدهما: أمرني ربي، وعلى الآخر: نهاني ربي، فإذا أرادوا سفرًا أتوا ذلك البيت فغَطَّوْا عليه ثوبًا، ثم يضربون بالقِدْحَيْن، فإن خرج السهم الذي فيه: أمرني ربي؛ خرج في سفره، وإن خرج السهم الذي فيه: نهاني ربي؛ لم يسافر، فهذه الأزلام، ﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ يعني: معصية حرامًا١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٤٥٢.
٣٥
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب-: الأزلام: قِداح لهم، كان أحدهم إذا أراد شيئًا من تلك الأمور كتب في تلك القِداح ما أراد، فيضرب بها، فأيُّ قدح خرج -وإن كان أبغضَ تلك- ارْتَكَبَه وعَمِل به١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٧٥.
٣٦
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- في قوله: ﴿اليوم يئس الذين كفروا من دينكم﴾، قال: يئسوا أن ترجعوا إلى دينهم أبدًا١٢
التخريج
  1. ٢أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٧٨. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
تعليقات المحققين
  1. ١علَّقَ ابنُ عطية (٣/١٠١) على قول ابن عباس هذا، فقال: «قوله تعالى: ﴿اليوم يئس الذين كفروا من دينكم﴾ معناه عند ابن عباس رضي الله عنهما: مِن أن ترجعوا إلى دينهم. وقاله السدي، وعطاء. وظاهر أمْرِ النبي ﷺ وأصحابِه ظهور دينه يقتضي أنّ يأْس الكفار عن الرجوع إلى دينهم قد كان وقع منذ زمان، وإنما هذا اليأس عندي من اضمحلال أمر الإسلام وفساد جمعه؛ لأن هذا أمر كان يَتَرَجّاه من بَقِي من الكفار، ألا ترى إلى قول أخي صفوان بن أمية في يوم هوازن حين انكشف المسلمون وظنها هزيمة: ألا بَطَل السِّحْرُ اليوم؟! إلى غير هذا من الأمثلة».
٣٧
عن عبد الله بن عباس -من طريق الكلبي، عن أبي صالح- في قوله: ﴿اليوم يئس الذين كفروا من دينكم﴾، يقول: يئس أهلُ مكة أن ترجعوا إلى دينهم -عبادة الأوثان- أبدًا، ﴿فلا تخشوهم﴾ في اتِّباع محمد، ﴿واخشون﴾ في عبادة الأوثان وتكذيب محمد١
التخريج
  1. ١أخرجه البيهقي (٣٢).
٣٨
عن مجاهد بن جَبْر -من طريق ابن جُرَيْج- في قوله: ﴿اليوم يئس الذين كفروا من دينكم﴾، ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾، قال: هذا حين فعلْتُ. قال ابن جُرَيج: وقال آخرون: ذلك يوم عرفة في يوم جمعة، لَمّا نظر النبي ﷺ فلم يَرَ إلا مُوَحِّدًا ولم ير مشركًا؛ حَمِد الله، فنزل عليه جبريل عليه السلام: ﴿اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ﴾ أن يعودوا كما كانوا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٧٩. وعزاه السيوطي إلى عَبد بن حُمَيد.
٣٩
قال الحسن البصري: ﴿اليوم يئس الذين كفروا من دينكم﴾: يَئِسوا أن يَسْتَحِلُّوا فيه ما اسْتَحَلُّوا في دينهم١
التخريج
  1. ١تفسير ابن أبي زمنين ٢‏/‏٨.
٤٠
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- في قوله: ﴿وما ذبح على النصب﴾، قال: النُّصُب: أنصاب كانوا يذبحون ويُهِلُّون عليها١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٧١، وابن أبي حاتم -كما في الإتقان ٢‏/‏١١، ١٢-، والبيهقي في سُنَنِه ٩‏/‏٢٤٩. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٤١
عن عبد الله بن عباس: أنّ نافع بن الأزرق قال له: أخْبِرْني عن قوله: ﴿والأنصاب﴾. قال: الأنصاب: الحِجارة التي كانت العرب تعبدها من دون الله، وتذبح لها. قال: وهل تعرفُ العربُ ذلك؟ قال: نعم، أما سمعتَ نابِغَة بني ذُبْيان وهو يقول: فلا لَعَمْرُ الذي مَسَّحْتُ كَعْبَتَه... وما هُرِيقَ على الأنصاب من جَسَد١
التخريج
  1. ١أخرجه الطستيُّ في مسائل نافع بن الأزرق ص ١٧٧.
٤٢
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نَجِيح- في قوله: ﴿وما ذبح على النصب﴾، قال: كانت حجارةٌ حول الكعبة يَذْبَح عليها أهلُ الجاهلية، ويبدلونها إذا شاءوا بحجارة أعجبَ إليهم منها١
التخريج
  1. ١تفسير مجاهد ص٣٠٠، وأخرجه ابن جرير ٨‏/‏٧١. وعزاه السيوطي إلى عَبد بن حُمَيد، وابن المنذر.
٤٣
قال مجاهد بن جبر، وقتادة بن دِعامة، في قوله تعالى: ﴿وما ذبح على النصب﴾: كانت حول البيت ثلاثمائة وستون حجرًا منصوبة، كان أهل الجاهلية يعبدونها، ويعظّمونها، ويذبحون لها، وليست هي بأصنام، إنما الأصنام هي المصورة المنقوشة١٢
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٤/ ١٤، وتفسير البغوي ٣/ ١١.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذَهَبَ ابنُ جرير إلى أنّ الأنصاب غير الأصنام، مُسْتَدِلًّا بآثار السلف، فقال مُبَيِّنًا قوله تعالى: ﴿وما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ﴾ (٨/ ٦٩ - ٧٠): «يعني: وحرَّم عليكم أيضًا الذي ذُبِح على النُّصُب. فـ (ما) في قوله: ﴿وما ذُبِحَ﴾ رُفِع عَطْفًا على (ما) التي في قوله: ﴿وما أكَلَ السَّبُعُ﴾. والنُّصُب: الأوثان من الحجارة، جماعة أنصاب كانت تُجْمَع في الموضع من الأرض، فكان المشركون يُقَرِّبُون لها، ولَيْسَت بأصنام». وذَكَر ابنُ عطية (٣/ ١٠٠) أنّ الصنم يُقال له: «نصب» أيضًا، مستندًا إلى اللغة والقراءات، فقال: «ما ذُبِح على النصب جزء مما أُهِلَّ به لغير الله، لكن خُصَّ بالذِّكْر بعد جنسه؛ لشُهْرَة الأمر، وشَرَف الموضع، وتعظيم النفوس له. وقد يقال للصنم أيضًا: نُصُب؛ لأنّه يُنْصَب. وروي أنّ الحسن بن أبي الحسن قرأ: (وما ذبح على النَّصْب) بفتح النون وسكون الصاد، وقال: على الصنم».
٤٤
عن الضحاك بن مُزاحِم -من طريق عبيد- قال: الأنصاب: حجارة كانوا يُهِلُّون لها، ويذبحون عليها١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٧٠.
٤٥
عن قتادة بن دِعامة -من طريق مَعْمَر- في قوله تعالى: ﴿وما ذبح على النصب﴾، يعني: أنصاب أهل الجاهلية١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏١٨٢، وابن جرير ٨‏/‏٧١.
٤٦
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ﴾، يعني: وحُرِّم ما ذُبِح على النُّصُب، وهي الحجارة التي كانوا ينصبونها في الجاهلية فيعبدونها، فهو حرام ألْبَتَّة. وكان خُزّانُ الكعبة يذبحون لها، وإن شاءوا بَدَّلوا تلك الحجارة بحجارة أخرى، وأَلْقَوا الأولى١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٤٥١-٤٥٢.
٤٧
عن عبد الملك ابن جُرَيْج -من طريق حَجّاج-: النُّصُب ليست بأصنام، الصنم يُصَوَّر ويُنقَش، وهذه حجارة تُنصَب، ثلاثمائة وستون حجرًا، منهم من يقول: ثلاثمائة منها لخزاعة. فكانوا إذا ذَبَحُوا نَضَحُوا الدَّمَ على ما أقبل من البيت، وشَرَحُوا اللحم، وجعلوه على الحجارة، فقال المسلمون: يا رسول الله، كان أهل الجاهلية يُعَظِّمُون البيت بالدَّم، فنحن أحق أن نُعَظِّمَه. فكأنّ النبي ﷺ لم يكره ذلك؛ فأنزل الله: ﴿لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها ولا دِماؤُها﴾ [الحج:٣٧]١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٧١.
٤٨
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿وما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ﴾، قال: ما ذُبح على النُّصِب، وما أُهِلَّ لغير الله به، وهو واحد١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٧٢.
٤٩
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- في قوله: ﴿وأن تستقسموا بالأزلام﴾ قال: هي القِداح، كانوا يسْتقسمون بها في الأمور، ﴿ذلكم فسق﴾ يعني: مَن أكل من ذلك كله فهو فِسْق١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٧٧، وابن أبي حاتم -كما في الإتقان ٢‏/‏١١، ١٢-، والبيهقي في سُنَنِه ٩‏/‏٢٤٩. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٥٠
عن عبد الله بن عباس: أنّ نافع بن الأزرق قال له: أخبِرني عن قوله: ﴿وأن تستقسموا بالأزلام﴾. قال: الأزلام: القِداح، كانوا يستقسمون الأمور بها، مكتوب على أحدهما: أمرني ربي، وعلى الآخر: نهاني ربي. فإذا أرادوا أمرًا أتَوْا بيت أصنامهم، ثم غَطَّوا على القِداح بثوب، فأيّهَما خرج عَمِلوا به. قال: وهل تعرف العربُ ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت الحُطَيْئَة وهو يقول: لا يَزْجُر الطَّيْر إن مَرَّتْ به سُنُحًا١ ولا يُفاضُ على قِدْح بأزلام٢
التخريج
  1. ١السانح: ما مر من الطير والوحش من جهة يسارك إلى يمينك. النهاية (سنح).
  2. ٢أخرجه الطستيُّ في مسائل نافع بن الأزرق ص١٩٩. كما أخرجه الطبراني مطولًا في المعجم الكبير ١٠‏/‏٢٤٨-٢٥٦ (١٠٥٩٧) من طريق الضحاك بن مُزاحِم.
٥١
عن سعيد بن جبير -من طريق أبي حَصِينٍ- في قوله: ﴿وأن تستقسموا بالأزلام﴾، قال: القِداح، كانوا إذا أرادوا أن يخرجوا في سفر جعلوا قِداحًا للخروج، وللجلوس، فإن وقع الخروج خرجوا، وإن وقع الجلوس جلسوا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٧٣.
٥٢
عن سعيد بن جبير -من طريق أبي حَصِينٍ- في قوله: ﴿وأن تستقسموا بالأزلام﴾، قال: حصىً بِيض كانوا يَضْرِبون بها١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٧٣.
٥٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- في قوله: ﴿وما أكل السبع﴾، يقول: ما أخذ السبع١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٦١، وابن أبي حاتم -كما في الإتقان ٢‏/‏١١، ١٢-، والبيهقي في سُنَنِه ٩‏/‏٢٤٩. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٥٤
عن الضحاك بن مُزاحِم –من طريق جُوَيْبِر- ﴿وما أكل السبع﴾، قال: ما أخذ السبع١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٦٢.
٥٥
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- ﴿وما أكل السبع﴾، قال: كان أهل الجاهلية إذا قتل السَّبُع شيئًا من هذا، أو أكل منه؛ أكلوا ما بقي١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٦٢.
٥٦
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وما أكَلَ السَّبُعُ﴾ من الأنعام والصيد، يعني: فريسة السبُع١٢
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٤٥١.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذَهَبَ ابنُ جرير (٨/٦٢)، وابنُ عطية (٣/٩٧)، وابنُ كثير (٣/٢٢) إلى أنّ معنى ﴿وما أكل السبع﴾: وما افترسه ذو نابٍ وأظفار من الحيوان كالأسد والنمر، ونحوهما، استنادًا إلى قول أهل التأويل والقراءات. قال ابنُ جرير: «يعني -جَلَّ ثناؤه- بقوله: ﴿وما أكل السبع﴾: وحرّم عليكم ما قَتَلَ السَّبُعُ غيرُ المُعَلَّمِ مِن الصَّوائِدِ». ثم أسند عن ابن عباس أنه قرأ: (وأَكِيلُ السَّبُعِ).
٥٧
عن علي بن أبي طالب -من طريق الحارث- قال: إذا أدْرَكْتَ ذكاةَ الموقوذة والمتردية والنطيحة، وهي تُحَرِّك يدًا أو رِجلًا؛ فكُلْها١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٦٤.
٥٨
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- في قوله: ﴿إلا ما ذكيتم﴾، يقول: ما ذَبَحْتُم من ذلك وبه رُوح فكُلُوه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٦٣، وابن أبي حاتم -كما في الإتقان ٢‏/‏١١، ١٢-، والبيهقي في سُنَنِه ٩‏/‏٢٤٩. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٥٩
عن أشعث، عن الحسن البصري: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ ولَحْمُ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ والمُنْخَنِقَةُ والمَوْقُوذَةُ والمُتَرَدِّيَةُ والنَّطِيحَةُ وما أكَلَ السَّبُعُ إلّا ما ذَكَّيْتُمْ﴾، قال الحسن: أيَّ هذا أدركت ذكاته فذَكِّه، وكُلْ. فقلت: يا أبا سعيد، كيف أعرف؟ قال: إذا طَرَفَتْ بعينها، أو ضربت بذَنَبِها١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٦٣.
٦٠
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- ﴿إلا ما ذكيتم﴾، قال: فكُلُّ هذا الذي سماه الله عز وجل ههنا -ما خلا لحم الخنزير-، إذا أدركت منه عينا تَطْرُف، أو ذَنَبًا يتحرك، أو قائمة تَرْكُض، فذَكَّيْته؛ فقد أحَلَّ الله لك ذلك١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٦٤.
تعليقات المحققين
  1. ٢قال ابن جرير مُبَيِّنًا معنى الآية على هذا القول وما ماثله (٨/٦٦): «فتأويل الآية على قول هؤلاء: حُرِّمَت المَوْقُوذَة والمُتَرَدِّيَة إن ماتت من التَّرَدِّي والوَقْذ والنَّطْح وفَرْسِ السَّبُع، إلّا أن تُدْرِكوا ذَكاتها، فتُدْرِكوها قبل موتها، فتكون لكم حينئذٍ حلالًا كلُّها».
٦١
عن قتادة بن دِعامة -من طريق مَعْمَر- قال: ﴿إلا ما ذكيتم﴾ من هذا كله. قال: فإذا وجدتها تَطْرُف عينَها، أو تُحَرِّك أُذُنَها من هذا كله؛ منخنقة، أو موقوذة، أو نطيحة، أو ما أكل السبع، فهي لك حلال١٢
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏١٨٣، وابن جرير ٨‏/‏٦٤.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذَهَبَ ابنُ جرير (٨/٦٧-٦٨) إلى أنّ الاستثناء في الآية متصل، فقوله تعالى: ﴿إلّا ما ذَكَّيْتُمْ﴾ اسْتِثْناءٌ من قوله: ﴿وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ والمُنْخَنِقَةُ والمَوْقُوذَةُ والمُتَرَدِّيَةُ والنَّطِيحَةُ وما أكَلَ السَّبُعُ﴾، مُسْتَنِدًا إلى دلالة العقل واللغة، وعَلَّلَ ذلك بأنّ: «كلّ ذلك مُسْتَحِقٌّ الصِّفَةَ التي هو بها قبل حال موته، فيُقال لِما قَرَّبَ المشركون لآلهتهم فسمَّوْه لهم: هو ﴿ما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾، بمعنى: سُمِّيَ قُرْبانًا لغير الله. وكذلك المُنْخَنِقَة: إذا انْخَنَقَتْ، وإن لم تَمُتْ فهي مُنْخَنِقَة، وكذلك سائرُ ما حَرَّمَه الله -جَلَّ وعَزَّ- مِمّا بَعْدَ قولِه: ﴿وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ إلّا بِالتَّذْكِيَة، فإنّه يُوصَف بالصفة التي هو بها قبل موته، فحرَّمه الله على عباده إلّا بالتَّذْكِيَة المُحَلِّلَة دون الموت بالسَّبَب الذي كان به مَوْصُوفًا. فَإذْ كان ذلك كذلك فتأويل الآية: وحَرَّم عليكم ما أُهِلَّ لغير الله به، والمُنْخَنِقَة، وكذا وكذا وكذا، إلّا ما ذَكَّيْتُم من ذلك».
٦٢
قال مقاتل بن سليمان: ثم استثنى، فقال سبحانه: ﴿إلّا ما ذَكَّيْتُمْ﴾، يعني: إلّا ما أدركتُم ذكاتَه من المُنْخَنِقَة والمَوْقُوذَة والمُتَرَدِّيَة والنَّطِيحَة وما أكل السَّبُع، فما أدركتم ذكاته من المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع مما أدركتم ذكاته، يعني: بطَرْف، أو بعِرْق يَضْرِب، أو بذَنَب يتحرك، ويُذَكّى؛ فهو حلال١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٤٥١-٤٥٢.
٦٣
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهْب- ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ ولَحْمُ الخِنْزِيرِ﴾، وقوله: ﴿والمُنْخَنِقَةُ والمَوْقُوذَةُ والمُتَرَدِّيَةُ والنَّطِيحَةُ﴾ الآية، وقوله: ﴿وما أكَلَ السَّبُعُ إلّا ما ذَكَّيْتُمْ﴾، هذا كله محرم، إلا ما ذُكي من هذا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٦٦.
٦٤
عن الضحاك بن مُزاحِم -من طريق عبيد بن سلمان- يقول في قوله: ﴿والموقوذة﴾: كانت الشاة أو غيرها من الأنعام تُضرب بالخشب لآلهتهم؛ حتى يقتلوها فيأكلوها١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٥٨.
٦٥
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد-: ﴿والموقوذة﴾ كان أهل الجاهلية يضربونها بالعصا، حتى إذا ماتت أكلوها١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٥٧.
٦٦
عن قتادة بن دِعامة -من طريق شعبة- في قوله: ﴿والموقوذة﴾، قال: كانوا يضربونها حتى يَقِذُوها، ثم يأكلوها١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٥٧.
٦٧
عن قتادة بن دِعامة -من طريق مَعْمَر- في قوله: ﴿والموقوذة﴾: التي تُوقَذ فتموت١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏١٨٣، وابن جرير ٨‏/‏٥٧.
٦٨
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط-: ﴿والموقوذة﴾، قال: هي التي تُضرب فتموت١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٥٨.
٦٩
قال مقاتل بن سليمان: ﴿والمَوْقُوذَةُ﴾، يعني: التي تُضرب بالخشب حتى تموت١٢
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٤٥١.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذَهَبَ ابنُ جرير (٨/٥٧)، وابنُ عطية (٣/٩٦)، وابنُ كثير (٣/١٨) إلى أنّ ﴿الموقوذة﴾ هي التي تُرْمى أو تضرب بعصا أو بحجر أو نحوه، استنادًا إلى لغة العرب، وقول أهل التأويل. قال ابنُ جرير (٨/٥٧): ""يعني -جل ثناؤه- بقوله: ﴿والموقوذة﴾: والميتةُ وقيذًا. يقال منه: وقَذَه يَقِذُه وقْذًا، إذا ضرَبه حتى أشْفى على الهلاك. ومنه قول الفرزدق:شغّارة تَقِذُ الفصِيلَ برجْلِها... فَطّارة لِقَوادِمِ الأبكارِ"".
٧٠
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- في قوله: ﴿والمتردية﴾، قال: التي تَتَرَدّى من الجبل فتموت١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٥٨، وابن أبي حاتم -كما في الإتقان ٢‏/‏١١، ١٢-، والبيهقي في سُنَنِه ٩‏/‏٢٤٩. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٧١
عن عبد الله بن عباس، قال: الرّادَّةُ: التي تَتَرَدّى في البئر. والمُتَرَدِّية: التي تَتَرَدّى من الجبل١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم -كما في الإتقان ٢‏/‏١١-.
٧٢
عن الضحاك بن مُزاحِم -من طريق جُوَيْبِر- ﴿والمتردية﴾: التي تَرَدّى من الجبل فتموت١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٥٩.
٧٣
عن الضحاك بن مُزاحِم -من طريق عبيد- في قوله: ﴿والمتردية﴾، قال: التي تَخِرُّ في رَكِيٍّ١ أو من رأس جبل فتموت٢
التخريج
  1. ١ركي: اسم جنس للركية، وهي البئر. النهاية، (ركا).
  2. ٢أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٥٩.
٧٤
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- ﴿والمتردية﴾، قال: كانت تَتَرَدّى في البئر فتموت، فيأكلونها١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٥٩. وأخرج عبد الرزاق ١‏/‏١٨٣ نحوه من طريق معمر.
٧٥
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- في قوله: ﴿والمتردية﴾ قال: هي التي تَرَدّى من الجبل أو في البئر، فتموت١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٥٩.
٧٦
قال مقاتل بن سليمان: ﴿والمُتَرَدِّيَةُ﴾، يعني: التي تَرَدّى من الجبل فتقع منه أو تقع في بئر فتموت١٢
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٤٥١.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذَهَبَ ابنُ جرير (٨/٥٨)، وابنُ عطية (٣/٩٧)، وابنُ كثير (٣/٢١) إلى أنّ ﴿المتردية﴾ هي التي تتردّى من العلوّ إلى السفل فتموت، استنادًا إلى قول أهل التأويل. قال ابنُ جرير (٨/٥٨): «يعني بذلك -جَلَّ ثناؤُه-: وحُرِّمَت عليكم الميتة تردّيًّا من جبل، أو في بئر، أو غير ذلك. وتَرَدِّيها: رَمْيُها بنفسِها من مكان عالٍ مُشْرِفٍ إلى سُفْلِه».
٧٧
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- في قوله: ﴿والنطيحة﴾، قال: الشاة التي تنطح الشاة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٦٢، وابن أبي حاتم -كما في الإتقان ٢‏/‏١١، ١٢-، والبيهقي في سُنَنِه ٩‏/‏٢٤٩. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٧٨
عن الضحاك بن مُزاحِم -من طريق عبيد وجُوَيْبِر- في قوله: ﴿والنطيحة﴾، قال: الشاةُ تَنطَح الشاةَ فتموت١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٦٢.
٧٩
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- ﴿والنطيحة﴾ كان الكبشان ينتطحان، فيموت أحدهما، فيأكلونه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٦١. وأخرج عبد الرزاق ١‏/‏١٨٣ نحوه من طريق معمر.
٨٠
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- ﴿والنطيحة﴾: هي التي تنطحها الغنم والبقر فتموت. يقول: هذا حرام؛ لأن ناسًا من العرب كانوا يأكلونه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٦١.
٨١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿والنَّطِيحَةُ﴾، يعني: الشاة تنطح صاحبتها فتموت١٢
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٤٥١.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذَهَبَ ابنُ جرير (٨/٥٩-٦٠)، وابنُ عطية (٣/٩٧)، وابنُ كثير (٣/٢٢) إلى أنّ ﴿النَّطِيحَة﴾ (فَعِيلَة) بمعنى (مَفْعُولَة)، أي: مَنطُوحَة، وهي الشاة التي ماتت بسبب نَطْحِ غيرِها لها، استنادًا إلى لغة العرب، وقول أهل التأويل والقراءات. قال ابنُ جرير: «يعني بقوله: ﴿النطيحة﴾: الشاة التي تنطحها أخرى، فتموت من النِّطاحِ بغير تَذْكِيةٍ، فحرَّم الله -جَلَّ ثناؤه- ذلك على المؤمنين، إن لم يُدرِكوا ذكاتَه قبلَ موتِه». وزاد ابن كثير: «وإنْ جرَحَها القرنُ، وخرَجَ منها الدم، ولو مِن مَذْبحِها». وقال ابنُ عطية: «وكلّ ما مات ضغطًا فهو نطيح... وقرأ أبو ميسرة: (والمنطوحة)».
٨٢
قال مقاتل بن سليمان: قوله سبحانه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ يعني: أكل الميتة، ﴿والدَّمُ ولَحْمُ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ يعني: الذي ذُبح لأصنام المشركين ولغيرهم، هذا حرام ألبَتَّة، إن أُدركت ذكاته أو لم تُدرك ذكاته، فإنه حرام ألبَتَّة؛ لأنهم جعلوه لغير الله عز وجل١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٤٥١.
٨٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- في قوله: ﴿والمنخنقة﴾، قال: التي تُخْنَق فتموت١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٥٦، وابن أبي حاتم -كما في الإتقان ٢‏/‏١١، ١٢-، والبيهقي في سُنَنِه ٩‏/‏٢٤٩. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٨٤
عن عبد الله بن عباس: أنّ نافع بن الأزرق قال له: أخْبِرني عن قوله عز وجل: ﴿والمنخنقة﴾. قال: كانت العرب تَخنُق الشاةَ، فإذا ماتت أكلوا لحمها. قال: وهل تعرف العربُ ذلك؟ قال: نعم، أما سمعتَ امرأ القيس وهو يقول: يغطّ غطيط البَكْر١ شُدَّ خناقه ليقتلني والمرء ليس بقتّال٢
التخريج
  1. ١البَكْر بالفتح: الفَتِيُّ من الإبل بمنزلة الغلام من الناس. النهاية (بكر).
  2. ٢أخرجه الطستيُّ في مسائل نافع بن الأزرق ص٥٧.
٨٥
عن الضحاك بن مُزاحِم -من طريق عبيد- في قوله: ﴿والمنخنقة﴾، قال: الشاة تُوثَق، فيقتلها خِناقُها، فهي حرام١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٥٥.
٨٦
عن الضحاك بن مُزاحِم -من طريق جُوَيبِر- في المنخنقة، قال: التي تختنق فتموت١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٥٥.
٨٧
قال الحسن البصري: ﴿والمنخنقة﴾: هي التي تختنق في حبلها فتموت، وكانوا يأكلونها١
التخريج
  1. ١ذكره يحيى ين سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ٢‏/‏٧-.
٨٨
عن قتادة بن دِعامة -من طريق مَعْمَر- في قوله: ﴿والمنخنقة﴾: التي تموت في خِناقِها١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏١٨٣، وابن جرير ٨‏/‏٥٥.
٨٩
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- ﴿والمنخنقة﴾ كان أهل الجاهلية يخنقون الشاة، حتى إذا ماتت أكلوها١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٥٦.
٩٠
عن إسماعيل السُّدِّي -من طريق أسباط- ﴿والمنخنقة﴾، قال: التي تُدْخِل رأسها بين شُعْبَتَيْن من شجرة، فتختنق فتموت١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٥٥.
تعليقات المحققين
  1. ٢رجَّحَ ابنُ جرير (٨/٥٦) مستندًا إلى اللغة أنّ ﴿المنخنقة﴾ هي التي تختنق: إمّا في وثاقها -وهو قول الضحاك من طريق جويبر-، وإما بإدخال رأسها في الموضع الذي لا تقدر على التخلص منه فتختنق حتى تموت -وهو قول السديّ، وقتادة، والضحاك من طريق عبيد-. وعلَّلَ ذلك بقوله: «وإنّما قلنا ذلك أولى بالصواب في تأويل ذلك من غيره؛ لأن المنخنقة: هي الموصوفة بالانخناق دون خنق غيرها لها، ولو كان معنيًّا بذلك أنها مفعول بها لقيل: والمخنوقة، حتى يكون معنى الكلام ما قالوا». وذَهَبَ ابنُ عطية (٣/٩٦) مستندًا إلى الإجماع، وابنُ كثير (٣/١٧) إلى أنّها التي تموت بالخنق؛ إما قصدًا، وإما اتفاقًا. قال ابن عطية: «﴿والمُنْخَنِقَةُ﴾ معناه: التي تموت خنقًا، وهو حبس النَّفَس، سواء فعل بها ذلك آدمي، أو اتفق لها ذلك في حجر، أو شجرة، أو بحبل، أو نحوه، وهذا إجماع».
٩١
قال مقاتل بن سليمان: ثم قال عز وجل: ﴿والمُنْخَنِقَةُ﴾، يعني: وحَرَّم المنخنقة: الشاة والإبل والبقر التي تنخنق أو غيره حتى تموت١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٤٥١.
٩٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- في قوله: ﴿والموقوذة﴾، قال: التي تُضْرَب بالخشبة فتموت١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٥٧، وابن أبي حاتم -كما في الإتقان ٢‏/‏١١، ١٢-، والبيهقي في سُنَنِه ٩‏/‏٢٤٩. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٩٣
عن عبد الله بن عباس: أن نافع بن الأزرق قال له: أخبِرني عن قوله: ﴿والموقوذة﴾. قال: الَّتي تُضْرَب بالخشب حتى تموت. قال: وهل تعرفُ العربُ ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت الشاعر يقول: يَلْوِينَنِي دَيْن النهار وأقتضي دَيْنِي إذا وقَذ النعاسُ الرُّقَّدا١
التخريج
  1. ١أخرجه الطستيُّ في مسائل نافع بن الأزرق ص١٧٣.
٩٤
عن أبي عبد الله الصُّنابِحِي -من طريق نُعَيْمٍ بن سلامة- قال: ليست الموقوذة إلا في مالِك، وليس في الصيد وقِيذ١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٥٨.
تعليقات المحققين
  1. ٢علَّقَ ابنُ عطية (٣/٩٦) على قول أبي عبد الله الصنابحي، فقال: «عند مالك وغيره من الفقهاء في الصيد ما حُكْمُه حُكْمُ الوقيذِ، وهو نصّ في قول النبي ﷺ في المِعْراض: «وإذا أصاب بعَرْضِه فلا تأكلْ؛ فإنه وقِيذٌ»».
٩٥
عن الضحاك بن مُزاحِم -من طريق جُوَيْبِر- قال: ﴿الموقوذة﴾: التي تُضْرَب حتى تموت١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٥٧-٥٨.
٩٦
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- في قوله: ﴿وما أهل لغير الله به﴾، قال: ما أُهِلَّ للطواغيت به١٢
التخريج
  1. ٢أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٥٧، وابن أبي حاتم -كما في الإتقان ٢‏/‏١١، ١٢-، والبيهقي في سُنَنِه ٩‏/‏٢٤٩. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
تعليقات المحققين
  1. ١قال ابنُ جرير (٨/٥٥) مُبَيِّنًا معنى الآية، ومستندًا إلى قول أهل التأويل: «إنما عنى بقوله: ﴿وما أهل لغير الله به﴾: وما ذُبِح للآلهة وللأوثان، يُسَمّى عليه غير اسم الله». وبنحوه قال ابنُ عطية (٨/٥٥).

أحكام متعلقة بالآية

١٠ أقوال
١
عن إبراهيم النَّخَعِيّ -من طريق مَعْمَر- قال: إذا أكل السَّبُع من الصيد، أو الوَقِيذة، أو النَّطِيحة، أو المتردية فأَدْرَكْتَ ذَكاتَه، فكُلْ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٦٤.
٢
عن الضحاك بن مُزاحِم -من طريق عبيد- قال: كان أهل الجاهلية يأكلون هذا، فحرّم الله في الإسلام إلا ما ذُكِّي منه، فما أُدْرِك فتَحَرَّك منه رِجْلٌ أو ذَنَب أو طَرَف فذُكّي، فهو حلال١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٦٥.
٣
عن طاووس بن كَيْسان -من طريق ابن طاوُوس- قال: إذا ذَبَحْتَ، فمَصَعَت بذَنَبها أو تَحَرَّكَتْ؛ فقد حَلَّتْ لك. أو قال: فحسبه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٦٥.
٤
قال مالك بن أنس -من طريق ابن وهب-: وسُئِل عن الشاة التي يخرق جوفها السَّبُع حتى تخرج أمعاؤها. فقال مالك: لا أرى أن تُذَكّى، ولا يؤكل، أيُّ شيء يُذَكّى منها؟!١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٦٦.
٥
عن أشهب، قال: سُئِل مالك عن السبع، يعدو على الكَبْش، فيدقّ ظهره، أترى أن يُذَكّى قبل أن يموت فيؤكل؟ قال: إن كان بلغ السَّحْرَ١ فلا أرى أن يُؤْكل، وإن كان إنّما أصاب أطرافَه فلا أرى بذلك بأسًا. قيل له: وثَب عليه، فَدَقَّ ظهره؟ قال: لا يعجبني أن يُؤْكَل، هذا لا يعيش منه. قيل له: فالذئب يعدو على الشاة، فيشق بطنها، ولا يشق الأمعاء؟ قال: إذا شَقَّ بطنها فلا أرى أن تُؤْكَل٢
التخريج
  1. ١السَّحْرُ: ما لصق بالحلقوم من أعلى البطن. النهاية (سحر).
  2. ٢أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٦٧.
٦
عن عدي بن حاتم رضي الله عنه، قال: سألت النبي ﷺ عن صيد المِعْراض١، قال: «ما أصاب بحدِّه فكُلْهُ، وما أصاب بعَرْضِهِ فهو وقِيذ»٢
التخريج
  1. ١المعراض: سهم بلا ريش ولا نصل، وإنما يصيب بعرضه دون حده. النهاية ٣‏/‏٢١٥.
  2. ٢أخرجه البخاري ٣‏/‏٥٤ (٢٠٥٤)، ٧‏/‏٨٥ (٥٤٧٥)، ٧‏/‏٨٦ (٥٤٧٦)، ٧‏/‏٨٨ (٥٤٨٦)، وأخرجه مسلم ٣‏/‏١٥٢٩-١٥٣٠ (١٩٢٩) بلفظ: «إذا أصاب بحدِّه فكُلْ، وإذا أصاب بعَرْضِهِ فقتل، فإنه وقِيذ، فلا تأكل».
٧
عن ابن عباس، عن النبي ﷺ، قال: «لا تأكل الشَّرِيطَة)؛ فإنها ذبيحة الشيطان». قال ابن المبارك: هي أن تُخْرِج الرُّوحَ منه بِشَرْطٍ، من غير قطع حُلْقُوم١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٤‏/‏٣٧٦ (٢٦١٨)، وأبو داود ٤‏/‏٤٤٧ (٢٨٢٦)، والحاكم ٤‏/‏١٢٦ (٧١٠٤) واللفظ له. قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخَرِّجاه». وقال البيهقي في السنن الكبرى ٩‏/‏٢٧٨: «ضعيف مرفوعًا، وليس بشيء». وقال الألباني في ضعيف أبي داود ٢‏/‏٣٨٣ (٤٩١): «إسناده ضعيف».
٨
عن مَعْمَر، قال: سمعت رجلًا من أهل المدينة يزعم أنّ رجلًا سأل أبا هريرة عنها. فقال: إذا طَرَفَت بعينيها، أو تَحَرَّك أُذُناها؛ فلا بأس بها١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏١٨٣.
٩
قال معمر: وسُئِل زيد بن ثابت، فقال: إنّ الميتة تتحرك١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏١٨٣.
١٠
عن عُبَيْد بن عُمَيْر -من طريق أبي الزُّبَيْر-: إذا طَرَفَتْ بعينها، أو مَصَعَتْ١ بذَنَبِها، أو تَحَرَّكَت؛ فقد حَلَّتْ لك٢
التخريج
  1. ١مصعت الدابة بذنبها: إذا حركته وضربت به. النهاية واللسان (مصع).
  2. ٢أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٦٥.

نزول الآية

٢٤ قولًا
١
عن عبد الله بن عباس -من طريق الشعبي- قال: نزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ وهو بعرفة: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه البزار -كما في كشف الأستار ٣‏/‏٤٨ (٢٢٠٨)-. قال السيوطي في الدر ٥‏/‏١٨٦: «بسند صحيح».
٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق حَنَش- قال: وُلِد نبيكم ﷺ يوم الاثنين، ونُبِّئ يوم الاثنين، وخرج من مكة يوم الاثنين، ودخل المدينة يوم الاثنين، وفتح مكة يوم الاثنين، وأنزلت سورة المائدة يوم الاثنين١: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾، وتوفي يوم الاثنين٢
التخريج
  1. ٢أخرجه الطبراني في الكبير ١٢‏/‏٢٣٧ (١٢٩٨٤)، والبيهقي في دلائل النبوة ٧‏/‏٢٣٣، وابن جرير ٨‏/‏٩٠. قال الهيثمي في المجمع ١‏/‏١٩٦ (٩٤٩): «رواه أحمد، والطبراني في الكبير... وفيه ابن لهيعة، وهو ضعيف، وبقية رجاله ثقات من أهل الصحيح». وقال ابن كثير في تفسيره ٣‏/‏٢٨: «هذا أثر غريب، وإسناده ضعيف». وقال السيوطي في الدر ٥‏/‏١٨٦: «بسند ضعيف». وقال المغربي في جمع الفوائد ٢‏/‏٥٢٤ (٦٣٦٦): «لأحمد، والكبير، بلين».
تعليقات المحققين
  1. ١انتقد ابنُ كثير (٣/٢٨) أثر ابن عباس هذا بقوله: «أثر غريب، وإسناده ضعيف. وقد رواه الإمام أحمد: حدثنا موسى بن داود، حدثنا ابن لَهيعة، عن خالد بن أبي عمران، عن حَنَش الصنعاني، عن ابن عباس قال: وُلِد النبي ﷺ يوم الاثنين، واسْتُنبِئ يوم الاثنين، وخرج مهاجرًا من مكة إلى المدينة يوم الاثنين، وقدم المدينة يوم الاثنين، وتوفي يوم الاثنين، ووضع الحجر الأسود يوم الاثنين.» هذا لفظ أحمد، ولم يذكر نزول المائدة يوم الاثنين، فالله أعلم. ولعل ابن عباس أراد أنها نزلت يوم عيدين اثنين كما تقدم، فاشتبه على الراوي"".
٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق عمار بن أبي عمار- أنّه قرأ هذه الآية: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾. فقال يهودي: لو نزلت هذه الآية علينا لاتَّخَذْنا يومها عيدًا. فقال ابن عباس: فإنها نزلت في يوم عيدين اثنين: في يوم جمعة، يوم عرفة١
التخريج
  1. ١أخرجه الترمذي ٥‏/‏٢٨٧-٢٨٨ (٣٢٩٣)، وابن جرير ٨‏/‏٨٧. قال الترمذي ٥‏/‏١٨٧-١٨٨ (٣٢٩٣): «هذا حديث حسن غريب من حديث ابن عباس».
٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق الكلبي عن أبي صالح- قال: مَكَث رسول الله ﷺ بعد نزول هذه الآية إحدى وثمانين يومًا، ثم قبضه الله إليه١٢
التخريج
  1. ١أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٣٢).
تعليقات المحققين
  1. ٢علَّقَ ابنُ جرير (٣/١٠٢) على هذا القول بقوله: «الظاهر أنه عاش -عليه الصلاة والسلام- أكثر بأيام يسيرة».
٥
عن أبي هريرة -من طريق شَهْر بن حَوْشَب- قال: لَمّا كان يومُ غَدِيرِ خُمٍّ١ -وهو يوم ثماني عشر من ذي الحجة- قال النبي ﷺ: «من كنتُ مولاه فعَلِيٌّ مولاه». فأنزل الله: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾٢٣
التخريج
  1. ١غدير خم: هو غدير بين مكة والمدينة بالجحفة. النهاية (خمم).
  2. ٣أخرجه الخطيب في تاريخه ٩‏/‏٢٢١-٢٢٢ (٢٧٧٧)، وابن عساكر في تاريخه ٤٢‏/‏٢٣٤ كلاهما بنحوه. قال الجوزقاني في الأباطيل والمناكير ٢‏/‏٣٦٧ (٧١٤): «هذا حديث باطل». وقال ابن الجوزي في العلل المتناهية ١‏/‏٢٢٣ (٣٥٦): «وهذا حديث لا يجوز الاحتجاج به». وقال الذهبي في رسالة طرق حديث من كنت مولاه فعلي مولاه ص٨٤: «هذا حديث منكر غير صحيح». وقال ابن كثير في البداية والنهاية ٧‏/‏٦٨٠: «فإنه حديث منكر جدًّا، بل كذب». وقال السيوطي في الدر ٥‏/‏١٨٧: «بسند ضعيف». وقال الألوسي في روح المعاني ٣‏/‏٣٦١: «وهو حديث منكر جدًّا». وقال الألباني في الضعيفة ١٠‏/‏٥٩٤: «موضوع».
تعليقات المحققين
  1. ٢انتَقَدَ ابنُ كثير (٣/٢٩) أثر أبي هريرة هذا، وأثر أبي سعيد الذي يليه، فقال: «ولا يصح هذا ولا هذا، بل الصواب الذي لا شك فيه ولا مرية: أنها أنزلت يوم عرفة، وكان يوم جمعة، كما روى ذلك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وأول ملوك الإسلام معاوية بن أبي سفيان، وترجمان القرآن عبد الله بن عباس، وسَمُرَة بن جندب رضي الله عنهم، وأرسله الشعبي، وقتادة بن دعامة، وشَهْر بن حَوْشَب، وغير واحد من الأئمة والعلماء، واختاره ابن جرير الطبري».
٦
عن أبي سعيد الخدري -من طريق أبي هارون العَبْدِيّ- قال: لَمّا نَصَّب رسول الله ﷺ عليًّا يوم غَدِير خُم، فنادى له بالوِلاية؛ هبط جبريل عليه بهذه الآية: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن عساكر في تاريخه ٤٢‏/‏٢٣٧.. وعزاه السيوطي إلى ابن مردويه. قال ابن كثير في البداية والنهاية ١١‏/‏٧٤: «لا يصح». وقال السيوطي في الدر ٥‏/‏١٨٦: «بسند ضعيف».
تعليقات المحققين
  1. ٢انْتَقَدَ ابنُ تيمية (٢/٤٠٢) مستندًا إلى دلالة التاريخ القولَ بنزول الآية يوم غدير خم، فقال: «قد ثبت في الصحاح والمساند والتفسير أنّ هذه الآية نزلت على النبي ﷺ وهو واقف بعرفة، وهذا مستفيض من وجوه، وهو منقول في كتب المسلمين: الصحاح، والمساند، والجوامع، والسير، والتفسير، وغير ذلك. وهذا اليوم كان قبل يوم غدير خم بتسعة أيام؛ فإنه كان يوم الجمعة تاسع ذي الحجة، فكيف يقال: إنها نزلت يوم الغدير؟!».
٧
عن عامر الشَّعْبِيّ -من طريق داود- قال: نزلت هذه الآية: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ على رسول الله ﷺ وهو واقف بعرفات، وقد أطاف به الناس، وتَهَدَّمَت مَنارُ الجاهلية ومناسكهم، واضْمَحَلَّ الشرك، ولم يَطُف بالبيت عُرْيان، ولم يَحُجَّ معه في ذلك العام مشرك؛ فأنزل الله: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٨٤. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٨
عن عامر الشَّعْبِيّ، قال: نزل على النبي ﷺ هذه الآية وهو بعرفة: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾، وكان إذا أعجبته آيات جعلهن صدر السورة. قال: وكان جبريل يعلّمه كيف ينسُك١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عَبد بن حُمَيد.
٩
عن داود، قال: قلت لعامر الشَّعْبِيّ: إنّ اليهود تقول: كيف لم تحفظ العربُ هذا اليوم الذي أكمل الله لها دينها فيه؟ فقال عامر: أو ما حفظته؟ قلت له: فأي يوم هو؟ قال: يوم عرفة، أنزل الله في يوم عرفة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٨٨.
١٠
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾، قال: ذُكِر لنا أنّ هذه الآية نزلت على رسول الله ﷺ يوم عرفة، يوم جمعة، حين نفى الله المشركين عن المسجد الحرام، وأَخْلَصَ للمسلمين حَجَّهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٨٣-٨٤. وأخرج نحوه عبد الرزاق ١‏/‏١٨٤، وابن جرير ٨‏/‏٨١-٨٢ من طريق مَعْمَر. وعزاه السيوطي إلى عَبد بن حُمَيد.
١١
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- في قوله: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾، قال: هذا نزل يوم عرفة، فلم ينزل بعدها حلال ولا حرام، ورجع رسول الله ﷺ، فمات، فقالت أسماءُ بنت عميس: حَجَجْتُ مع رسول الله ﷺ تلك الحجة، فبينما نحن نسير إذ تَجَلّى له جبريل على الرّاحِلة، فلم تُطِق الراحلة من ثِقَل ما عليها من القرآن، فبَرَكَتْ، فأتيتُه، فسَجَّيْتُ عليه بُرْدًا كان عَلَيَّ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٨٠.
١٢
عن عبد الملك ابن جريج -من طريق حَجّاج- قال: مكث النبي ﷺ بعد ما نزلت هذه الآية إحدى وثمانين ليلة؛ قوله: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٨١.
١٣
قال مقاتل بن سليمان: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، يعني: يوم عرفة، فلم ينزل بعدها حلال، ولا حرام، ولا حكم، ولا حَدٌّ، ولا فريضة، غير آيتين من آخر سورة النساء: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ [النساء:١٧٦]. ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ يعني: شرائع دينكم، أمر الحلال والحرام؛ وذلك أنّ الله -جَلَّ ذِكْرُه- كان فَرَض على المؤمنين شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ﷺ، والإيمان بالبعث، والجنة، والنار، والصلاة ركعتين غدوة، وركعتين بالعشي، شيئًا غير مُؤَقَّت، والكف عن القتال قبل أن يُهاجِر النبي ﷺ، وفُرضت الصلوات الخمس ليلة المِعْراج وهو بعدُ بمكة، والزكاة المفروضة بالمدينة، ورمضان، والغُسل من الجنابة، وحج البيت، وكل فريضة، فلما حجَّ حجة الوداع نزلت هذه الآية يوم عرفة، فبَرَكَت ناقة النبي ﷺ؛ لنزول الوحي بجَمْع، وعاش النبي ﷺ بعدها إحدى وثمانين ليلة، ثم مات يوم الاثنين لليلَتَيْن خَلَتا من شهر ربيع الأول، وهي آخر آية نزلت في الحلال والحرام١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٤٥٢-٤٥٣.
١٤
عن سفيان الثوري: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾، قال: نزل يوم عرفة، في يوم جمعة١
التخريج
  1. ١تفسير سفيان الثوري ص٩٩.
١٥
عن عنترة، قال: لَمّا نزلت هذه الآية: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾، وذلك يوم الحج الأكبر؛ بكى عمر، فقال له النبي ﷺ: «ما يُبْكِيك؟». قال: أبكاني أنّا كُنّا في زيادة من ديننا، فأما إذ كَمُل، فإنّه لم يكمل شيء قط إلا نقص، فقال: «صدقت»١
التخريج
  1. ١أخرجه الفاكهي في أخبار مكة ١‏/‏٣٧١ (٧٨٠)، وابن جرير ٨‏/‏٨١. وأورده الثعلبي ٤‏/‏١٦. قال الألباني في الضعيفة ١٢‏/‏٧٨٢: «فعلّة الحديث الإرسال، وفيه نكارة؛ لتفرده بهذا السياق دون سائر الأحاديث الصحيحة».
١٦
عن طارق بن شهاب، قال: قالت اليهود لعمر: إنّكم تقرءون آية في كتابكم، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتَّخَذْنا ذلك اليوم عيدًا. قال: وأيُّ آية؟ قال: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي﴾. قال عمر: والله إني لأعلم اليوم الذي نزلت على رسول الله ﷺ فيه، والساعة التي نزلت فيها، نزلت على رسول الله ﷺ عَشِيَّة عرفة في يوم جمعة١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ١‏/‏١٨ (٤٥)، ٥‏/‏١٧٧ (٤٤٠٧)، ٦‏/‏٥٠ (٤٦٠٦)، ٩‏/‏٩١ (٧٢٦٨)، ومسلم ٤‏/‏٢٣١٢، ٢٣١٣ (٣٠١٧)، وابن جرير ٨‏/‏٨٦. وأورده الثعلبي ٤‏/‏١٦.
١٧
عن أبي العالية، قال: كانوا عند عمر، فذكروا هذه الآية، فقال رجل من أهل الكتاب: لو عَلِمْنا أيَّ يوم نزلت هذه الآية لاتَّخَذْناه عيدًا. فقال عمر: الحمد لله الذي جعله لنا عيدًا واليومَ الثاني، نزلت يوم عرفة، واليوم الثاني يوم النحر، فأكمل لنا الأمر، فعَلِمْنا أنّ الأمر بعد ذلك في انتِقاص١
التخريج
  1. ١أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده -كما في المطالب العالية (٣٩٦٢)-. وعزاه السيوطي إلى عَبد بن حُمَيد.
١٨
عن قَبِيصة بن ذُؤَيْب، قال: قال كعب: لو أنّ غير هذه الأمة نزلت عليهم هذه الآية؛ لنظروا اليوم الذي أُنزِلَت فيه عليهم، فاتَّخَذُوه عيدًا يجتمعون فيه. فقال عمر: وأيُّ آية، يا كعب؟ فقال: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾. فقال عمر: قد علمتُ اليوم الذي أُنزِلت فيه، والمكان الذي أُنزِلت فيه، نزلت في يوم جمعة ويوم عرفة، وكلاهما بحمد الله لنا عيد١٢
التخريج
  1. ٢أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٨٧-٨٨.
تعليقات المحققين
  1. ١علَّقَ ابنُ عطية (٣/١٠٣) على قول عمر هذا، فقال: «ففي ذلك اليوم عيدان لأهل الإسلام إلى يوم القيامة».
١٩
عن عيسى بن حارثة الأنصاري، قال: كُنّا جلوسًا في الدِّيوان، فقال لنا نَصْرانِيٌّ: يا أهل الإسلام، لقد أُنزِلَت عليكم آيةٌ لو أُنزِلَت علينا لاتَّخَذْنا ذلك اليوم وتلك الساعة عيدًا ما بقي مِنّا اثنان: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾. فلم يُجِبْه أحدٌ مِنّا، فلقيتُ محمد بن كعب القرظي، فسألتُه عن ذلك، فقال: ألا رَدَدتُم عليه. فقال: قال عمر بن الخطاب: أُنزِلَت على النبي ﷺ وهو واقف على الجبل يوم عرفة١، فلا يزال ذلك اليوم عيدًا للمسلمين ما بقي منهم أحد٢
التخريج
  1. ٢أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٨٨.
تعليقات المحققين
  1. ١رجَّحَ ابنُ جرير (٨/٩١) أنّ الآية نزلت يوم عرفة يوم الجمعة؛ مستندًا إلى ما صحّ من أقوال السلف، قائلًا: «وأَوْلى الأقوال في وقت نزول الآية القولُ الذي رُوِيَ عن عمر بن الخطّاب: أنّها نزلت يوم عرفة يوم جُمُعَة. لِصِحَّة سنده، ووَهْيِ أسانيد غيره».
٢٠
عن علي بن أبي طالب -من طريق ابنه محمد ابن الحَنَفِيَّة- قال: أُنزِلَت هذه الآية على رسول الله ﷺ وهو قائِم عَشِيَّة عرفة: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن مردويه -كما في تفسير ابن كثير ٣‏/‏٢٥-. وعزاه السيوطي إلى ابن جرير.
٢١
عن سَمُرَة -من طريق الحسن- قال: نزلت هذه الآية: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ على رسول الله ﷺ وهو بعرفة واقفٌ يوم الجمعة١
التخريج
  1. ١أخرجه البزار (٢٢٠٨-كشف). وعزاه السيوطي إلى الطبراني.
٢٢
عن عمرو بن قيس السَّكُونِيّ: أنّه سَمِع معاوية بن أبي سفيان على المنبر يَنزِعُ١ بهذه الآية: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ حتى ختمها، فقال: نزلت في يوم عرفة، في يوم جمعة٢
التخريج
  1. ١ينزع: يتمثل بالآية. اللسان (نزع).
  2. ٢أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٨٩-٩٠، والطبراني (٩٢١). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٧‏/‏١٤: «رجاله ثقات».
٢٣
قال عبد الله بن عباس: كان في ذلك اليوم خمسة أعياد: جمعة، وعرفة، وعيد اليهود، والنصارى، والمجوس، ولم تجتمع أعيادُ أهل الملل في يومٍ قبله ولا بعده١
التخريج
  1. ١تفسير البغوي ٣‏/‏١٣.
٢٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- قال: كان المشركون والمسلمون يَحُجُّون جميعًا، فلما نزلت براءة فنُفِي المشركون عن البيت الحرام، وحَجَّ المسلمون لا يشاركهم في البيت الحرام أحدٌ من المشركين، فكان ذلك من تمام النعمة، وهو قوله: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه الآجري في الشريعة ٢‏/‏٥٥٢، وابن بطة في الإبانة ٢‏/‏٨٢٨-٦٢٩ (٨١٥) مطولًا، وابن جرير ٨‏/‏٨٣ من طريق أبي صالح، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس به. إسناده جيد، وينظر: مقدمة الموسوعة.

قراءات

قولانِ
١
عن عبد الله بن عباس: أنّه قرأ: (وأكِيلُ السَّبُعِ)١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٦٣. وهي قراءة شاذة. انظر: مختصر ابن خالويه ص٣٧، والمحتسب ١‏/‏٢٠٧.
٢
عن أبي ميسرة: أنّه كان يقرأ: (والمَنطُوحَةُ)١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٦١. وهي قراءة شاذة. انظر: مختصر ابن خالويه ص٣٧.
التفسير بالمأثور لسورة المائدة كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٣ من سورة المائدة

٤٤ وقفةً في هذه الآية

  • الدين الإسلامي دين كامل ( اليوم أكملت لكم دينكم ) فمن أخذ بعض الإسلام وركبه على بعض الليبرالية . فقد أتى بمسخ : لا هو الإسلام ولا الليبرالية

    — علي الفيفي

  • يوم_عرفة أكملَ الله فيه الملّة .. وأتمَّ به النعمة.. ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم و أتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ﴾

    — نايف الفيصل

  • ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم و أتممت عليكم نعمتي.... ﴾ قال عمر: قد عرفنا ذلك اليوم الذي نزلت فيه على النبي ﷺ وهو قائم بـ عرفة يوم الجمعة

    — نايف الفيصل

  • الحمد لله .. أجل نعم الله على الإطلاق، التي يستحق عليها الحمد ما تعاقب الليل والنهار نعمة الإسلام. "اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ"

    — فوائد القرآن

  • (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) (المائدة: ٣) كانت شرائع الإسلام تنزل شيئًا فشيئًا، فصار الحجُّ كمالَ الدين، وتمام النعمة، فإذا لم يحج الرجل لم يكن إسلامُه ودينه كاملاً؛ بل يكون ناقصًا.

    — ابن تيمية

  • من مظاهر الإعجاز البلاغي في القرآن إيثار لفظٍ بَدَلَ آخرٍ، فتأمل -مثلًا-: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)، فما السرُّ في التعبير عن الدين بالكمال، وعن النعمة بالتمام؟ السر -والله أعلم- أنَّ الكمال لا زيادة عليه، ومن هنا يعلم أنه لا زيادة في الدين؛ لأنه اكتمل، أما النعمة فعبر عنها بالتمام؛ لأنَّ التمام يقبل الزيادة ليصل إلى الكمال، ودليل ذلك أن النعم تختلف من زمن إلى آخر، فما يتنعم به بعض الفقراء اليوم لم يكن يحلم به هارون الرشيد في زمنه.

    — محمد الصامل

  • (٢٣سنة) هي الفاصلة بين هذه الآية التي نزلت في مثل هذا اليوم: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) وبين نزول:(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) (فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ) الآيات ، فأين الشقي أبو جهل -ومن كان معه في نادي قريش-؟! ليروا جموع الحجيج على صعيد عرفات وقد جاؤوا من كل فج عميق!

    — عمر المقبل

  • في الصحيحين أن يهوديًا قال لعمر: لو علينا نزلت هذه الآية: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي) الآية؛ لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا، فأخبره عمر بعلمه بوقت نزولها(سبق تخريجه. )، والشاهد هنا: أن عمر لم يبتدع عيدًا موافقة لقول اليهودي؛ لعلم الفاروق أن الأعياد مبناها على النص الشرعي.

    — عمر المقبل

  • قال الإمام مالك بن أنس: من أحدث في هذا الأمة شيئًا لم يكن عليه سلفًا، فقد زعم أن الرسول خان الدين؛ لأن الله تعالى يقول: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) فما لم يكن يومئذ دينًا، فلا يكون اليوم دينا.

    — الشاطبي

  • أيام الحج أيام عظيمة، وفي مثلها نزلت آيات عظيمة، يقول بعضهم: «هذا يوم صلة الواصلين: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي)، ويوم قطيعة القاطعين: (أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ) (لتوبة:٣) ويوم إقالة عثر النادمين وقبول توبة التائبين: (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا) (الأعراف:٢٣) ويوم وفد الوافدين: (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا ) (الحج:٢٧)».

    — الرازي

  • ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾ اليوم الذي ماتت فيه الفلسفة وأسدل الستار على تخبطات العقول.

    — عبدالله بلقاسم

  • (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي) فى هذا اليوم عرفة تمت أعظم نعمة فى تاريخ الإنسان قد تكون على موعد مع النعمة الأعظم فى حياتك

    — عبدالله بلقاسم

و٣٢ وقفةً أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.

فتاوى متعلقة بالآية ٣ من سورة المائدة

٣ فتاوى تتعلق بهذه الآية

ترجمات معاني الآية ٣ من سورة المائدة

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(3) Prohibited to you are dead animals,[241] blood, the flesh of swine, and that which has been dedicated to other than Allāh, and [those animals] killed by strangling or by a violent blow or by a head-long fall or by the goring of horns, and those from which a wild animal has eaten, except what you [are able to] slaughter [before its death], and those which are sacrificed on stone altars,[242] and [prohibited is] that you seek decision through divining arrows. That is grave disobedience. This day those who disbelieve have despaired of [defeating] your religion; so fear them not, but fear Me. This day I have perfected for you your religion and completed My favor upon you and have approved for you Islām as religion. But whoever is forced by severe hunger with no inclination to sin - then indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
[241]- See footnote to 2:173.
[242]- In the name of anything other than Allāh.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال