غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
القراءات :﴿ولا يجرمنكم﴾ بالنون الخفيفة : روي عن رويس. الباقون مثقلة. ﴿شنآن﴾ في الموضعين بسكون النون : ابن عامر وإسماعيل وأبو بكر وحماد ويزيد من طريق ابن وردان. الباقون بالفتح. ﴿أن صدّوكم﴾ بكسر الهمز : ابن كثير أبو عمرو. الباقون بالفتح. ﴿ولا تعاونوا﴾ بتشديد التاء : البزي وابن فليح. ﴿الميتة﴾ و ﴿فمن اضطر﴾ كما مر في البقرة. ﴿واخشوني﴾ بالياء في الوقف : سهل ويعقوب. ﴿وأرجلكم﴾ بالنصب : ابن عامر ونافع وعلي والمفضل وحفص ويعقوب والأعشى في اختياره. الباقون بالجر.
الوقوف :﴿بالعقود﴾ ط لاستئناف الفعل. ﴿حرم﴾ ط ﴿ما يريد﴾ ه ﴿ورضواناً﴾ ط ﴿فاصطادوا﴾ ط لابتداء نهي أن تعتدوا لئلاّ يتوهم العطف وحذف التاء من تعاونوا. ﴿والتقوى﴾ ص لعطف المتفقتين. ﴿والعدوان﴾ ص كذلك ﴿واتقوا الله﴾ ط ﴿شديد العقاب﴾ ه ﴿بالأزلام﴾ ط ﴿فسق﴾ ط ﴿واخشوني﴾ ط ﴿ديناً﴾ ط لأنّ الشرط من تمام التحريم لا مما يليه. ﴿لإثم﴾ لا لأن ما بعده جزاء. ﴿رحيم﴾ ه ﴿أحل لهم﴾ ط فصلاً بين السؤال والجواب. ﴿الطيبات﴾ ط للعطف أي وصيد ما علمتم. ﴿مما علمكم الله﴾ ز لفاء التعقيب مع عطف المختلفين. ﴿عليه﴾ ص ﴿واتقوا الله﴾ ط ﴿الحساب﴾ ه ﴿الطيبات﴾ ط لأن ما بعده مبتدأ. ﴿لكم﴾ ص لعطف المتفقتين. ﴿لهم﴾ ز لأن قوله :﴿والمحصنات﴾ عطف على ﴿وطعام الذين﴾ لا على ما يليه. ﴿أخدان﴾ ط ﴿عمله﴾ ز لعطف المختلفين مع أن ما بعده من تمام جزاء الكفر معنى. ﴿الخاسرين﴾ ه ﴿الكعبين﴾ ط لابتداء حكم. ﴿فاطهروا﴾ ط كذلك. ﴿وأيديكم منه﴾ ط ﴿تشكرون﴾ ه ﴿واثقكم به﴾ لا لأن " إذ " ظرف المواثقة. ﴿وأطعنا﴾ ز لعطف المتفقتين مع وقوع العارض. ﴿واتقوا الله﴾ ط ﴿الصدور﴾ ه ﴿بالقسط﴾ ز لعطف المتفقتين مع زيادة نون التأكيد المؤذن بالاستئناف. ﴿أن لا تعدلوا﴾ ط للاستئناف. ﴿اعدلوا﴾ ج وقفة لطيفة لأن الضمير مبتدأ مع شدة اتصال المعنى. ﴿للتقوى﴾ ز ﴿واتقوا الله﴾ ط ﴿بما تعملون﴾ ه ﴿الصالحات﴾ لا لأن ما بعده مفعول الوعد أي أن لهم. ﴿عظيم﴾ ه ﴿الجحيم﴾ ه ﴿أيديهم عنكم﴾ ج لاعتراض الظرف بين المتفقين. ﴿واتقوا الله﴾ ط ﴿المؤمنون﴾ ه.
ثم شرع في تفصيل الاستثناء الموعود تلاوته في قوله :﴿إلاّ ما يتلى عليكم﴾ فقال :﴿حرمت عليكم الميتة﴾ الآية. والمجموع المستثنى أحد عشر نوعاً : الأول الميتة كانوا يقولون إنكم تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل الله. قالت العقلاء : الحكمة في تحريم الميتة أن الدم جوهر لطيف فإذا مات الحيوان حتف أنفه احتبس الدم في عروقه وتعفن فيحصل من أكله مضار كثيرة. الثاني الدم كانوا يأكلون الفصيد وهو دم كان يجعل في معىً من فصد عرق ثم يشوى فيطعمه الضيف في الأزمة ومنه المثل :" لم يحرم من فصد له " أي فصد له البعير وربما يقال :" من فزد له " الثالث لحم الخنزير. قالت العلماء : الغذاء يصير جزءاً من جوهر المغتذي ولا بد أن يحصل للمغتذي أخلاق وصفات من جنس ما كان حاصلاً في الغذاء، والخنزير مطبوع على الحرص والشره فحرم أكله لئلا يتكيف الإنسان بكيفيته. وأما الغنم فإنها في غاية السلامة وكأنها عارية عن جميع الأخلاق فلا تتغير من أكلها أحوال الإنسان. والرابع :﴿ما أهل لغير الله به﴾ والإهلاك رفع الصوت وكانوا يقولون عند الذبح باسم اللات والعزى وقد مر في سورة البقرة سائر ما يتعلق بهذه الأنواع الأربعة فليرجع إليها. الخامس المنخنقة كانوا في الجاهلية يخنقون الشاة فإذا ماتت أكلوها. وقد تنخنق بحبل الصائد وقد يدخل رأسها بين عودين في شجرة فتنخنق فتموت، وبالجملة فبأي وجه انخنقت فهي حرام. السادس الموقوذة وهي المقتولة بالخشب. وقذها إذا ضربها حتى ماتت ومنها ما رمي بالبندق فمات.
السابع المتردية التي تقع في الردى وهو الهلاك، وتردى إذا وقع في بئر أو سقط من موضع مرتفع ويدخل فيه ما إذا أصابه سهم وهو في الجبل فسقط على الأرض فإنه يحرم أكله لأنه لا يعلم أن زهوق روحه بالتردي أو بالسهم. الثامن النطيحة التي نطحتها أخرى فماتت بسببه، ولا يخفى أن هذه الأقسام الأربعة داخلة في الميتة دخول الخاص في العام فأفردت بالذكر لمزيد البيان. والهاء في المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة لأنها صفات الشاة بناء على أغلب ما يأكله الناس وإلاّ فالحكم عام. وإنما أنث النطيحة مع أن " فعيلا " بمعنى " مفعول " لا يدخله الهاء كقولهم : كف خضيب، ولحية دهين، وعين كحيل، لأن الموصوف غير مذكور. تقول : مررت بامرأة قتيل فلان فإذا حذفت الموصوف قلت : بقتيلة فلان لئلاّ يقع الاشتباه. التاسع ما أكل السبع وهو اسم يقع على ما له ناب ويعدو على الإنسان ويفترس الحيوان كالأسد وما دونه. قال قتادة : كان أهل الجاهلية إذا جرح السبع شيئاً فقتله وأكل بعضه أكلوا ما بقي فحرمه الله وفي الآية حذف التقدير : وما أكل منه السبع لأن ما أكله السبع فقد نفد ولا حكم له وإنما الحكم للباقي. قوله :﴿إلاّ ما ذكيتم﴾ الذكاء في اللغة تمام الشيء ومنه الذكاء في الفهم وفي السن التمام فيها، والمذاكي الخيل التي قد أتى عليها بعد قروحها سنة أو سنتان، وتذكية النار رفعها وقوّة اشتعالها، والتذكية كمال الذبح. أما المستثنى منه فعن علي وابن عباس والحسن وقتادة أنه جميع ما تقدم من قوله :﴿والمنخنقة﴾ إلى قوله :﴿وما أكل السبع﴾ والمعنى أنك إن أدركت ذكاته بأن وجدت له عيناً تطرف أو ذنباً يتحرك أو رجلاً تركض فاذبح فهو حلال لأن ذلك ذلك دليل الحياة المستقرة. وقيل : إنه مختص بقوله :﴿وما أكل السبع﴾. وقيل : إنه استثناء منقطع من المحرمات كأنه قيل : لكن ما ذكيتم من غير هذا فهو حلال، أو من التحريم أي حرم عليكم ما مضى إلاّ ما ذكيتم فإنه لكم حلال. العاشر ما ذبح على النصب وهو مفرد وجمعه أنصاب كطنب وأطناب وهو كل ما نصب فعبد من دون الله قاله الجوهري. وضعف بأنه حينئذ يكون كالتكرار لقوله :﴿وما أهل لغير الله به﴾ وقال ابن جريج : النصب ليست بأصنام فإن الأصنام أحجار مصوّرة منقوشة، وهذه النصب أحجار كانوا ينصبونها حول الكعبة وكانوا يذبحون عندها للأصنام وكانوا يلطخونها بتلك الدماء ويشرحون اللحوم عليها، فالمراد ما ذبح على اعتقاد تعظيم النصب، ويحتمل أن يكون الذبح للأصنام واقعاً عليها. وقيل : النصب جمع إما لنصاب كحمر وحمار أو لنصب كسقف وسقف. الحادي عشر ما أبدعه أهل الجاهلية وإن لم يكن من جملة المطاعم أي حرم عليكم بأن تستقسموا بالأزلام، وإنما ذكر مع الذبح على النصب لأنهم كانوا يفعلون كلاً منهما عند البيت ؛ كان أحدهم إذا أراد سفراً أو غزواً أو تجارة أو نكاحاً أو أمراً آخر من معاظم الأمور ضرب القداح وكانوا قد كتبوا على بعضها :" أمرني ربي " وعلى بعضها :" نهاني ربي " وتركوا بعضها غفلاً أي خالياً عن الكتابة.
فإن خرج الأمر أقدم على الفعل وإن خرج النهي أمسك، وإن خرج الغفل أعاد العمل. فمعنى الاستقسام بالأزلام طلب معرفة الخير والشر بواسطة ضرب القداح. وقال كثير من أهل اللغة : الاستقسام ههنا هو الميسر المنهي عنه. والأزلام قداح الميسر والتركيب يدور على التسوية والإجادة. يقال : ما أحسن مازلم سهمه أي سوّاه ورجل مزلم إذا كان مخفف الهيئة وامرأة مزلمة إذا لم تكن طويلة ﴿ذلكم فسق﴾ إشارة إلى جميع ما تقدم من المحرمات أي تناولها فسق، ويحتمل أن يرجع إلى الاستقسام بالإزلام فقط. وكونه فسقاً بمعنى الميسر ظاهر، وأما بمعنى طلب الخير والشر فوجهه أنهم كانوا يجيلونها عند أصنامهم ويعتقدون أن ما خرج من الأمر أو النهي هو إرشاد الأصنام وإعانتها فلذلك كان فسقاً وكفراً. وقال الواحدي : إنما حرم لأنه طلب معرفة الغيب وأنه تعالى مختص بمعرفته، وضعف بأن طلب الظن بالأمارات المتعارفة غير منهي كالتعبير والفأل وكما يدعيه أصحاب الكرامات والفراسات.
ثم إنه سبحانه حرض على التمسك بما شرع فقال :﴿اليوم يئس﴾ قيل : ليس المراد يوماً بعينه وإنما أراد الزمان الحاضر وما يتصل به من الأزمنة الماضية والآتية كقولك : كنت بالأمس شاباً وأنت اليوم شيخ. وقيل : المراد يوم معين وذلك أنها نزلت يوم الجمعة وكان يوم عرفة بعد العصر في حجة الوداع سنة عشر والنبي ﷺ واقف على ناقته العضباء. وعن ابن عباس أنه قرأ الآية ومعه يهودي فقال اليهودي : لو نزلت علينا في يوم لاتخذناه عيداً. فقال ابن عباس : إنها نزلت في عيدين اتفقا في يوم واحد في يوم جمعة وافق يوم عرفة أي يئسوا من أن يحللوا هذه الخبائث بعد أن جعلها الله تعالى محرمة أو يئسوا من أن يغلبوكم على دينكم لأنه حقق وعده بإظهار هذا الدين على سائر الأديان ﴿فلا تخشوهم واخشون﴾ أخلصوا إلى الخشية. قيل : في الآية دليل على أن التقية جائزة عند الخوف لأنه علل إظهار هذه الشرائع بزوال الخوف من الكفار. ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ سئل ههنا إنه يلزم منه أن الدين كان ناقصاً قبل ذلك، وكيف يجوز أن يكون النبي ﷺ مواظباً على الدين الناقص أكثر عمره ؟ وأجيب بأنه كقول الملك إذا استولى على عدوه : اليوم كمل ملكنا. وزيف بأنّ السؤال بعد باقٍ لأنّ ملك ذلك الملك لا بد أن يكون قبل قهر العدوّ ناقصاً.
وقيل : المراد إني أكملت لكم ما تحتاجون إليه في تكاليفكم من تعليم الحلال والحرام وقوانين القياس وأصول الاجتهاد، وضعف بأنه يلزم أن لا يكمل لهم قبل ذلك اليوم ما كانوا محتاجين إليه من الشرائع، وتأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز. والمختار في الجواب أن الدين كان أبداً كاملاً بمعنى أنّ الشرائع النازلة من عند الله في كل وقت - ناسخة أو منسوخة أو مجملة أو مبينة أو غير ذلك - كافية بحسب ذلك الوقت وفي آخر زمان البعثة حكم ببقاء الأحكام على حالها من غير نسخ وزيادة ونقص إلى يوم القيامة. قال نفاة القياس : إكمال الدين أن يكون حكم كل واقعة منصوصاً عليه فلا فائدة في القياس. وأجيب بأن إكماله هو جعل النصوص بحيث يمكن استنباط أحكام نظائرها منها. قالوا : تمكين كل أحد أن يحكم بما غلب على ظنه لا يكون إكمالاً للدين وإنما يكون إلقاء للناس في ورطة الظنون والأوهام. وأجيب بأنه إذا كان تكليف كل مجتهد أن يعمل بمقتضى ظنه كان كل مجتهد قاطعاً بأنه عامل بحكم الله. روي أنه لما نزلت الآية على النبي ﷺ فرح الصحابة وأظهروا السرور إلاّ أكابرهم كأبي بكر الصدّيق وغيره فإنهم حزنوا وقالوا : ليس بعد الكمال إلاّ الزوال. وكان كما ظنوا فإنه لم يعمر بعدها إلاّ أحداَ وثمانين يوماً أو اثنين وثمانين يوماً ولم يحصل في الشريعة بعدها زيادة ولا نسخ ولا نقص. قال العلماء : كان ذلك جارياً مجرى إخبار النبي ﷺ عن قرب وفاته وذلك إخبار بالغيب فيكون معجزاً. واحتجت الأشاعرة بالآية على أن الدين - سواء قيل إنه العمل أو المعرفة أو مجموع الاعتقاد والإقرار والعمل - لا يحصل إلاّ بخلق الله وإيجاده فإنه لن يكون إكمال الدين منه إلاّ وأصله منه. والمعتزلة حملوا ذلك على إكمال بيان الدين وإظهار الشرائع. ثم قال :﴿وأتممت عليكم نعمتي﴾ أي بذلك الإكمال لأنه لا نعمة أتم من نعمة الإسلام، أو نعمتي بفتح مكة ودخولها آمنين ظاهرين ﴿ورضيت﴾ أي اخترت ﴿لكم الإسلام ديناً﴾ نصب على الحال أو مفعول ثان إن ضمن رضيت معنى صيرت. واعلم أن قوله :﴿ذلكم فسق﴾ إلى ههنا اعتراض أكد به معنى التحريم لأنّ تحريم هذه الخبائث من جملة الدين الكامل والنعمة التامة واختيار دين الإسلام للناس من بين سائر الأديان. ثم بين الرخصة بقوله :﴿فمن اضطر في مخمصة﴾ أي في مجاعة وأصل الخمص ضمور البطن ﴿غير متجانف﴾ منصوب باضطرّ أو بمضمر أي فتناول غير منحرف إلى إثم بأن يأكل فوق الشبع أو عاصياً بسفره، وقد مرّ القول في هذه الرخصة مستوفي في سورة البقرة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:التأويل : سماع اسم الله وهو من صفات الهيبة يوجب الفناء والغيبة، وسماع الرحمن الرحيم وهما من صفات اللطف يورث البقاء والقربة ﴿أوفوا﴾ أيها العشاق ﴿بالعقود﴾ التي جرت بيننا يوم الميثاق ليوم التلاق. فمن صبر على عهوده فقد فاز بمقصوده عند بذل وجوده ﴿أحلت لكم﴾ ذبح ﴿بهيمة﴾ النفس التي كالأنعام في طلب المرام إلا النفس المطمئنة التي تليت عليها ﴿ارجعي إلى ربك﴾[الفجر: ٢٨] فتنفرت من الدنيا بما فيها فهي كالصيد في الحرم ﴿وأنتم حرم﴾ بالتوجه إلى كعبة الوصال وإحرام الشوق إلى حضرة الجمال والجلال ﴿إن الله يحكم ما يريد﴾ لمن يريد فيأمر بذبح النفس إذا كانت متصفة بصفة البهيمة وبترك ذبحها إذا كانت مطمئنة بذكر الحق ومتسمة بسمات الملك. ثم أخبر عن تعظيم الشعائر من صدق الضمائر فقال :﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ بشهود القلوب فقصدوا زيارة المحبوب وخرجوا عن أوطان الأوطار وسافروا عن ديار الأغيار ﴿لا تحلوا﴾ معالم الدين والشريعة ومواسم آداب الطريقة والحقيقة، وعظموا الزمان والمكان والإخوان القاصدين كعبة الوصول إلى الرحمن الذين أهدوا للقربان نفوسهم وقلدوها بلحاء الشجرة الطيبة ليأمنوا عن مكر الأعداء الخبيثة ﴿وإذا حللتم﴾ أتممتم مناسك الوصول ﴿فاصطادوا﴾ أرباب الطلب بشبكة الدعوة إلى الله، ولا يحملنكم حسد الحساد الذين يريدون أن يصدّوكم عن الحق على أن تعتدوا على الطالبين فتكونوا قطاع الطريق عليهم في طلب الحق. ﴿حرمت عليكم﴾ يا أهل الحق ﴿الميتة﴾ وهي الدنيا بأسرها ﴿والدم ولحم الخنزير﴾ أي حلالها وحرامها قليلها وكثيرها لأن من الدم ما هو حلال والخنزير كله حرام والدم بالنسبة إلى اللحم قليل ﴿وما أهل به﴾ أي كل طاعة هي ﴿لغير الله والمنخنقة والموقوذة﴾ يعني الذين يخنقون أنفسهم بالمجاهدات ويقذونها بالرياضات رياء وسمعة ﴿والمتردية والنطيحة﴾ الذين يتردون أنفسهم إلى أسفل سافلي الطبيعة بالتناطح مع الأقران والتفاخر بالعلم والزهد بين الإخوان ﴿وما أكل السبع﴾ الظلمة المتهارشون في جيفة الدنيا تهارش الكلاب ﴿إلاّ ما ذكيتم﴾ بالكسب الحلال ووجه صالح بقدر ضرورة الحال ﴿وما ذبح على النصب﴾ ما تذبح عليه النفوس من المطالب الفانية ﴿وأن تستقسموا بالأزلام﴾ أي أن تكونوا مترددين في طلب المرام، فإذا انتهيتم عن هذه المناهي وتخلصتم عن هذه الدواهي فقد عاد ليلكم نهاراً وظلمتكم أنواراً. ﴿اليوم يئس الذين كفروا﴾ من النفس وصفاتها والدنيا وشهواتها ﴿من دينكم فلا تخشوهم واخشون﴾ فإن كيدي متين. ﴿اليوم﴾ أي في الأزل ﴿أكملت لكم دينكم﴾ ولكن ظهر الأمر في حجة الوداع يوم عرفة. ﴿وأتممت عليكم نعمتي﴾ وهي أسباب تحصيل الكمال ببعثة النبي ﷺ ﴿فمن اضطر﴾ فمن ابتلى بالتفات لشيء من الدنيا والآخرة غير مائل إليه للإعراض عن الحق ولكن من فترة للطالبين أو وقفة للسالكين. ﴿يسألونك ماذا أحل﴾ لأرباب السلوك إذا الدنيا حرام على أهل الآخرة والآخرة حرام على أهل الدنيا وهما حرام على أهل الله الطيبات كل مأكول ومشروب وملبوس يكون سبباً للقيام بأداء الحقوق.
﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾ تناولوا ما اصطادت النفوس المطمئنة المعلمة بعلوم الشريعة المؤدبة بآداب الطريقة المنورة بأنوار الحقيقة. ﴿واذكروا﴾ عند تناول كل ما ورد عليكم من الأمور الدنيوية والأخروية ﴿اسم الله﴾ أي لا تتصرفوا فيه إلاّ لله بالله في الله ﴿اليوم﴾ يعني الذي فيه ظهر كمالية الدين الأزلية وهو يوم عرفة. وهذه فائدة التكرار ﴿أحل لكم الطيبات﴾ ﴿أحل لكم الطيبات﴾ التي تتعلق بسعادة الدارين بل أحل لكم التخلق بالأخلاق الطيبات وهي أخلاق الله المنزهات عن الكميات والكيفيات ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب﴾ وهم الأنبياء ﴿حل لكم﴾ أي غذيتم بلبان الولاية كما غذوا بلبان النبوة ﴿وطعامكم حل لهم﴾ أي منبع لبن النبوة والولاية واحد وإن كان الثدي اثنين ﴿قد علم كل أناس مشربهم﴾[البقرة: ٦٠] وللنبي وراء ذلك كله مشرب " أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني " ﴿والمحصنات من المؤمنات﴾ وهي أبكار حقائق القرآن ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب﴾ أبكار حقائق الكتب المنزلة على الأمم السالفة أي التي أدرجت في القرآن ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرّة أعين﴾[السجدة: ١٧] ﴿إذا آتيتموهن أجورهن﴾ وهي بذل الوجود محصنين في هذا البذل ليكون على وجه الحق ﴿غير مسافحين﴾ على وجه الطبع ﴿ولا متخذي أخدان﴾ غير ملتفتين إلى شيء من الأكوان ﴿ومن يكفر بالإيمان﴾ بهذه المقامات ﴿فقد حبط عمله﴾ الذي عمل من دون المكاشفات. ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ إيماناً حقيقياً عند خطاب ألست بربكم ﴿إذا قمتم﴾ من نوم الغفلة ﴿إلى الصلاة﴾ وهي معراجكم للرجوع إلى مكامن قربكم ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾ التي توجهتم بها إلى الدنيا ولطختموها بالنظر إلى الأغيار بماء التوبة والاستغفار ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾ أي اغسلوا أيديكم من التمسك بالدارين حتى الصديق الموافق والرفيق المرافق ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ ببذل نفوسكم ﴿وأرجلكم إلى الكعبين﴾ من طين طبيعتكم والقيام بأنانيتكم ﴿ولا يجرمنكم﴾ ولا يحملنكم حسد الحساد وعداوة الأنذال ﴿على أن لا تعدلوا﴾ مع أنفسكم ﴿إذ هم قوم﴾ من الشيطان والنفس والهوى ﴿أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم﴾ والله خير موفق ومعين.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى