البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
المنخنقة : هي التي تحتبس نفسها حتى تموت، سواء أكان حبسها بحبل أم يد أم غير ذلك.
الوقد : ضرب الشيء حتى يسترخي ويشرف على الموت.
وقيل : الموقوذة المضروبة بعصا أو حجر لا حد له، فتموت بلا ذكاة.
ويقال : وقذه النعاس غلبه، ووقذه الحكم سكنه.
التردّي : السقوط في بئر أو التهوّر من جبل.
ويقال : ردى وتردّى أي هلك، ويقال : ما أدري أين ردي ؟ أي ذهب.
النطيحة : هي التي ينطحها غيرها فتموت بالنطح، وهي فعيلة بمعنى مفعولة صفة جرت مجرى الأسماء فوليت العوامل، ولذلك ثبت فيها الهاء.
السبع : كل ذي ناب وظفر من الحيوان : كالأسد، والنمر، والدب، والذئب، والثعلب، والضبع، ونحوها.
وقد أطلق على ذوات المخالب من الطير سباع.
قال الشاعر :
وسباع الطير تغدو بطاناتتخطاهم فما تستقل
ومن العرب من يخص السبع بالأسد، وسكون الباء لغة نجدية، وسمع فتحها، ولعل ذلك لغة.
التذكية : الذبح، وتذكية النار رفعها، وذكى الرجل وغيره أسن.
قال الشاعر :
على أعراقه تجري المذاكيوليس على تقلبه وجهده
النصب، قيل جمع نصاب، وهي حجارة منصوبة حول الكعبة كان أهل الجاهلية يعظمونها ويذبحون عليها لآلهتهم، ولها أيضاً وتلطخ بالدماء، ويوضع عليها اللحم قطعاً قطعاً ليأكل منها الناس.
وقيل : النصب مفرد.
قال الأعشى : وذا النصب المنصوب لا تقربنه.
الأزلام : القداح واحدها زلم وزُلم بضم الزاي وفتحها وهي السهام، كان أحدهم إذا أراد سفراً أو غزواً أو تجارة أو نكاحاً أو أمراً من معاظم الأمور ضرب بالقداح، وهي مكتوب على بعضها نهاني ربي، وعلى بعضها أمرني ربي، وبعضها غفل، فإن خرج الآمر مضى لطلبته، وإن خرج الناهي أمسك، وإن خرج الغفل أعاد الضرب.
اليأس : قطع الرجاء.
يقال : يئس ييئس وييئس، ويقال : أيس وهو مقلوب من يئس، ودليل القلب تخلف الحكم عن ما ظاهره أنه موجب له.
ألا ترى أنهم لم يقلبوا ياءه ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها فلم يقولوا آس كما قالوا هاب.
المخمصة : المجاعة التي يخمص فيها البطون أي تضمر، والخمص ضمور البطن، والخلقة منه حسنة في النساء ومنه يقال : خمصانة، وبطن خميص، ومنه أخمص القدم.
ويستعمل كثيراً في الجوع والغرث.
قال الأعشى :
تبيتون في المشتى ملاء بطونكموجاراتكم غرثى يبتن خمائصا
وقال آخر :
كلوا في بعض بطنكم تعفوافإن زمانكم زمن خميص
﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهلّ لغير الله به﴾ تقدم مثل هذه الجملة في البقرة.
وقال هنا ابن عطية : ولحم الخنزير مقتض لشحمه بإجماع انتهى.
وليس كذلك، فقد خالف فيه داود وغيره، وتكلمنا على ذلك في البقرة، وتأخر هنا به وتقدم هناك تفنناً في الكلام واتساعاً، ولكون الجلالة وقعت هناك فصلاً أولاً كالفصل، وهنا جاءت معطوفات بعدها، فليست فصلاً ولا كالفصل، وما جاء كذلك يقتضي في أكثر المواضع المد.
﴿والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع﴾ تقدم شرح هذه الألفاظ في المفردات.
قال ابن عباس وقتادة : كان أهل الجاهلية يخنقون الشاة وغيرها، فإذا ماتت أكلوها.
وقال أبو عبد الله : ليس الموقوذة إلا في ملك، وليس في صيد وقيذ.
وقال مالك وغيره من الفقهاء في : الصيد ما حكمه حكم الوقيذ، وهو نص في قول النبي ﷺ في المعراض :« وإذا أصاب بعرضه فلا تأكل فإنه وقيذ ».
وقال ابن عباس، وقتادة، والسدي، والضحاك : النطيحة الشاة تنطحها أخرى فيموتان، أو الشاة تنطحها البقر والغنم.
وقال قوم : النطيحة المناطحة، لأن الشاتين قد يتناطحان فيموتان.
قال ابن عطية : كل ما مات ضغطاً فهو نطيح.
وقرأ عبد الله وأبو ميسرة : والمنطوحة والمعنى في قوله وما أكل السبع : ما افترسه فأكل منه.
ولا يحمل على ظاهره، لأن ما فرض أنه أكله السبع لا وجود له فيحرم أكله، ولذلك قال الزمخشري : وما أكل السبع بعضه، وهذه كلها كان أهل الجاهلية يأكلونها.
وقرأ الحسن والفياض، وطلحة بن سلمان، وأبو حيوة : السبع بسكون الباء، ورويت عن أبي بكر عن عاصم في غير المشهور، ورويت عن أبي عمرو.
وقرأ عبد الله : وأكيلة السبع.
وقرأ ابن عباس : وأكيل السبع وهما بمعنى مأكول السبع، وذكر هذه المحرمات هو تفصيل لما أجمل في عموم قوله :﴿إلا ما يتلى عليكم﴾ وبهذا صار المستثنى منه والمستثنى معلومين.
﴿إلا ما ذكيتم﴾ قال علي، وابن عباس، والحسن، وقتادة، وابراهيم، وطاووس، وعبيد بن عمير، والضحاك، وابن زيد، والجمهور : هو راجع إلى المذكورات أي من قوله : والمنخنقة إلى وما أكل السبع.
فما أدرك منها بطرف بعض، أو بضرب برجل، أو يحرك ذنباً.
وبالجملة ما تيقنت فيه حياة ذكي وأكل.
وقال بهذا مالك في قول، والمشهور عنه وعن أصحابه المدنيين : أنّ الذكاة في هذه المذكورات هي ما لم ينفذ مقاتلها ويتحقق أنها لا تعيش، ومتى صارت إلى ذلك كانت في حكم الميتة.
وعلى هذين القولين فالاستثناء متصل، لكنه خلاف في الحال التي يؤثر فيها الذكاة في المذكورات.
وكان الزمخشري مال إلى مشهور قول مالك فإنه قال : إلا ما أدركتم ذكاته وهو يضطرب اضطراب المذبوح وتشخب وداجه.
وقيل : الاستثناء متصل عائد إلى أقرب مذكور وهو ما أكل السبع ومختص به، والمعنى : إلا ما أدركتم فيه حياة مما أكل السبع فذكيتموه، فإنه حلال.
وقيل : هو استثناء منقطع والتقدير : لكنْ ما ذكيتم من غير هذه فكلوه.
وكان هذا القائل رأى أنّ هذه الأوصاف وجدت فيما مات بشيء منها، إما بالخنق، وإما بالوقذ، أو التردي، أو النطح، أو افتراس السبع، ووصلت إلى حد لا تعيش فيه بسب بوصف من هذه الأوصاف على مذهب من اعتبر ذلك، فلذلك كان الاستثناء منقطعاً.
والظاهر أنه استثناء متصل، وإنما نص على هذه الخمسة وإن كان في حكم الميتة، ولم يكتف بذكر الميتة لأن العرب كانت تعتقد أنّ هذه الحوادث على المأكول كالذكاة، وأن الميتة ما ماتت بوجع دون سبب يعرف من هذه الأسباب.
وظاهر قوله : إلا ما ذكيتم، يقتضي أنّ ما لا يدرك لا يجوز أكله كالجنين إذا خرج من بطن أمه المذبوحة ميتاً، إذا كان استثناء منقطعاً فيندرج في عموم الميتة، وهذا مذهب أبي حنيفة.
وذهب الجمهور إلى جواز أكله.
والحديث الذي استنبطوا منه الجواز حجة لأبي حنيفة لا لهم.
وهو « إذكاة الجنين ذكاة أمه » المعنى على التشبيه أي ذكاة الجنين مثل ذكاة أمه كما ذكاتها الذبح فكذلك ذكاته الذبح ولو كان كما زعموا لكان التركيب ذكاة أم الجنين ذكاته.
﴿وما ذبح على النصب﴾ قال مجاهد وقتادة وغيرهما : هي حجارة كان أهل الجاهلية يذبحون عليها.
قال ابن عباس : ويحلون عليها.
قال ابن جريج : وليست بأصنام، الصنم مصور، وكانت العرب تذبح بمكة وينضحون بالدم ما أقبل من البيت، ويشرحون اللحم ويضعونه على الحجارة، فلما جاء الإسلام قال المسلمون : نحن أحق أنْ نعظم هذا البيت بهذه الأفعال، فكره ذلك الرسول ﷺ فنزلت.
وما ذبح على النصب ونزل أن ينال الله لحومها ولا دماؤها انتهى.
وكانت للعرب في بلادها أنصاب حجارة يعبدونها، ويحلون عليها أنصاب مكة، ومنها الحجر المسمى بسعد.
قال ابن زيد : ما ذبح على النصب، وما أهل به لغير الله شيء واحد.
وقال ابن عطية : ما ذبح على النصب جزء مما أهل به لغير الله، لكنْ خص بالذكر بعد جنسه لشهرة الأمر وشرف الموضع وتعظيم النفوس له.
وقد يقال للصنم أيضاً : نصب، لأنه ينصب انتهى.
وقرأ الجمهور : النُصُب بضمتين.
وقرأ طلحة بن مصرف : بضم النون، وإسكان الصاد.
وقرأ عيسى بن عمر : بفتحتين، وروي عنه كالجمهور.
وقرأ الحسن : بفتح النون، وإسكان الصاد.
﴿وأن تستقسموا بالأزلام﴾ هذا معطوف على ما قبله أي : وحرم عليكم الاستقسام بالأزلام، وهو طلب معرفة القسم، وهو النصيب أو القسم، وهو المصدر.
قال ابن جريج : معناه أن تطلبوا على ما قسم لكم بالأزلام، أو ما لم يقسم لكم انتهى.
وقال مجاهد : هي كعاب فارس والروم التي كانوا يتقامرون بها.
وروي عنه أيضاً : أنها سهام العرب، وكعاب فارس، وقال سفيان ووكيع : هي الشطرنج.
وقيل : الأزلام حصى كانوا يضربون بها، وهي التي أشار إليها الشاعر بقوله :
لعمرك ما تدري الضوارب بالحصىولا زاجرات الطير ما الله صانع
وروي هذا عن ابن جبير قالوا : وأزلام العرب ثلاثة أنواع : أحدها : الثلاثة التي يتخذها كل إنسان لنفسه في أحدها افعل وفي الآخر لا تفعل والثالث غفل فيجعلها في خريطة، فإذا أراد فعل شيء دخل يده في الخريطة منسابة، وائتمر بما خرج له من الآمر أو الناهي.
وإن خرج الغفل أعاد الضرب.
والثاني : سبعة قداح كانت عندها في جوف الكعبة، في أحدها العقل في أمر الديات من يحمله منهم فيضرب بالسبعة، فمن خرج عليه قدح العقل لزمه العقل، وفي آخر تصح، وفي آخر لا، فإذا أرادوا أمراً ضرب فيتبع ما يخرج، وفي آخر منكم، وفي آخر من غيركم، وفي آخر ملصق، فإذا اختلفوا في إنسان أهو منهم أمْ من غيرهم ضربوا فاتبعوا ما خرج، وفي سائرها لأحكام المياه إذا أرادوا أن يحفروا لطلب المياه ضربوا بالقداح، وفيها ذلك القداح، فحيث ما خرج عملوا به.
وهذه السبعة أيضاً متخذة عند كل كاهن من كهان العرب وحكامهم على ما كانت في الكعبة عند هبل.
والثالث : قداح الميسر وهي عشرة، وتقدم شرح الميسر في سورة البقرة.
﴿ذلكم فسق﴾ الظاهر أنّ الإشارة إلى الاستقسام خاصة، ورواه أبو صالح عن ابن عباس.
وقال الزمخشري : إشارة إلى الاستقسام، وإلى تناول ما حرم عليهم، لأن المعنى : حرم عليهم تناول الميتة وكذا وكذا.
( فإن قلت ) : لم كان استقسام المسافر وغيره بالأزلام ليعرف الحال فسقاً ؟ ( قلت ) : لأنه دخول في علم الغيب الذي استأثر به علام الغيوب، وقال :
﴿لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله﴾ واعتقاد أن إليه طريقاً وإلى استنباطه.
وقوله : أمرني ربي ونهاني ربي افتراء على الله تعالى، وما يبديه أنه أمره أو نهاه الكهنة والمنجمون بهذه المثابة، وإن كان أراد بالرب الصنم.
فقد روي أنهم كانوا يحلون بها عند أصنامهم، وأمره ظاهر انتهى.
قال الزمخشري في اسم الإشارة رواه عن ابن عباس عليّ بن أبي طلحة، وهو قول ابن جبير.
قال الطبري : ونهى الله عن هذه الأمور التي يتعاطاها الكهان والمنجمون، لما يتعلق بها من الكلام في المغيبات.
وقال غيره : العلة في تحريم الاستقسام بالأزلام كونها يؤكل بها المال بالباطل، وكانوا إذا أرادوا أن يختنوا غلاماً أو ينكحوا أو يدفنوا ميتاً أو شكوا في نسب، ذهبوا إلى هبل بمائة درهم وجزور، فالمائة للضارب بالقداح، والجزور ينحر ويؤكل، ويسمون صاحبهم ويقولون لهبل : يا إلهنا هذا فلان أردنا به كذا وكذا فأخرج الحق فيه، ويضرب صاحب القداح فما خرج عمل به، فإن خرج لا أخروه عامهم حتى يأتوا به مرة أخرى، ينتهون في كل أمورهم إلى ما خرجت به القداح.
﴿اليوم يئس الذين كفروا من دينكم﴾ الألف واللام فيه للعهد وهو يوم عرفة قاله : مجاهد، وابن زيد.
وهو يوم نزولها بعد العصر في حجة الوداع يوم الجمعة

تفسير هذه الآية من كتب أخرى