مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام﴾.
اعلم أنه تعالى قال في أول السورة ﴿أحلت لكم بهيمة الأنعام﴾ ثم ذكر فيه استثناء أشياء تتلى عليكم، فهاهنا ذكر الله تعالى تلك الصور المستثناة من ذلك العموم، وهي أحد عشر نوعا : الأول : الميتة : وكانوا يقولون : إنكم تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل الله.
واعلم أن تحريم الميتة موافق لما في العقول، لأن الدم جوهر لطيف جدا، فإذا مات الحيوان حتف أنفه احتبس الدم في عروقه وتعفن وفسد وحصل من أكله مضار عظيمة. والثاني : الدم : قال صاحب الكشاف : كانوا يملؤون المعي من الدم ويشوونه ويطعمونه الضيف، فالله تعالى حرم ذلك عليهم. والثالث : لحم الخنزير، قال أهل العلم : الغذاء يصير جزءا من جوهر المغتذى، ف لابد أن يحصل للمغتذى أخلاق وصفات من جنس ما كان حاصلا في الغذاء، والخنزير مطبوع على حرص عظيم ورغبة شديدة في المشتهيات، فحرم أكله على الإنسان لئلا يتكيف بتلك الكيفية، وأما الشاة فإنها حيوان في غاية السلامة، فكأنها ذات عارية عن جميع الأخلاق، فلذلك لا يحصل للإنسان بسبب أكل لحمها كيفية أجنبية عن أحوال الإنسان. الرابع : ما أهل لغير الله به، والإهلال رفع الصوت، ومنه يقال أهل فلان بالحج إذا لبى به، ومنه استهل الصبي وهو صراخة إذا ولد، وكانوا يقولون عند الذبح : باسم اللات والعزى فحرم الله تعالى ذلك. والخامس : المنخنقة، يقال : خنقه فاختنق، والخنق والاختناق انعصار الحلق.
واعلم أن المنخنقة على وجوه : منها أن أهل الجاهلية كانوا يخنقون الشاة فإذا ماتت أكلوها، ومنها ما يخنق بحبل الصائد، ومنها ما يدخل رأسها بين عودين في شجرة فتختنق فتموت، وبالجملة فبأي وجه اختنقت فهي حرام.
واعلم أن هذه المنخنقة من جنس الميتة، لأنها لما ماتت وما سال دمها كانت كالميت حتف أنفه. والسادس : الموقوذة، وهي التي ضربت إلى أن ماتت يقال : وقذها وأوقذها إذا ضربها إلى أن ماتت، ويدخل في الموقوذة ما رمي بالبندق فمات، وهي أيضا في معنى الميتة وفي معنى المنخنقة فإنها ماتت ولم يسل دمها. السابع : المتردية، والمتردي هو الواقع في الردى وهو الهلاك. قال تعالى :﴿وما يغنى عنه ماله إذا تردى﴾ أي وقع في النار، ويقال : فلان تردى من السطح، فالمتردية هي التي تسقط من جبل أو موضع مشرف فتموت، وهذا أيضا من الميتة لأنها ماتت وما سال منها الدم، ويدخل فيه ما إذا أصابه سهم وهو في الجبل فسقط على الأرض فإنه يحرم أكله لأنه لا يعلم أنه مات بالتردي أو بالسهم. والثامن : النطيحة، وهي المنطوحة إلى أن ماتت، وذلك مثل شاتين تناطحا إلى أن ماتا أو مات أحدهما، وهذا أيضا داخل في الميتة لأنها ماتت من غير سيلان الدم.
واعلم أن دخول الهاء في هذه الكلمات الأربع، أعني : المنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، إنما كان لأنها صفات لموصوف مؤنث وهو الشاة، كأنه قيل : حرمت عليكم الشاة المنخنقة والموقوذة، وخصت الشاة لأنها من أعم ما يأكله الناس، والكلام يخرج على الأعم الأغلب ويكون المراد هو الكل.
فإن قيل : لم أثبت الهاء في النطيحة مع أنها كانت في الأصل منطوحة فعدل بها إلى النطيحة، وفي مثل هذا الموضع تكون الهاء محذوفة، كقولهم : كف خضيب، ولحية دهين، وعين كحيل.
قلنا : إنما تحذف الهاء من الفعلية إذا كانت صفة لموصوف يتقدمها، فإذا لم يذكر الموصوف وذكرت الصفة وضعتها موضع الموصوف، تقول : رأيت قتيلة بني فلان بالهاء لأنك إن لم تدخل الهاء لم يعرف أرجل هو أو امرأة، فعلى هذا إنما دخلت الهاء في النطيحة لأنها صفة لمؤنث غير مذكور وهو الشاة، والتاسع : قوله ﴿وما أكل السبع إلا ذكيتم﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى : السبع : اسم يقع على ما له ناب ويعدو على الإنسان والدواب ويفترسها، مثل الأسد وما دونه، ويجوز التخفيف في سبع فيقال : سبع وسبعة، وفي رواية عن أبي عمرو : السبع بسكون الباء، وقرأ ابن عباس : وأكيل السبع.
المسألة الثانية : قال قتادة : كان أهل الجاهلية إذا جرح السبع شيئا فقتله وأكل بعضه أكلوا ما بقي، فحرمه الله تعالى. وفي الآية محذوف تقديره : وما أكل منه السبع لأن ما أكله السبع فقد نفد ولا حكم له، وإنما الحكم للباقي.
المسألة الثالثة : أصل الذكاء في اللغة إتمام الشيء، ومنه الذكاء في الفهم وهو تمامه، ومنه الذكاء في السن، وقيل : جري المذكيات غلاب، أي جري المسنات التي قد أسنت، وتأويل تمام السن النهاية في الشباب، فإذا نقص عن ذلك أو زاد فلا يقال له الذكاء في السن، ويقال ذكيت النار أي أتممت إشعالها.
إذا عرفت هذا الأصل فنقول : الاستثناء المذكور في قوله ﴿إلا ما ذكيتم﴾ فيه أقوال : الأول : أنه استثناء من جميع ما تقدم من قوله ﴿والمنخنقة﴾ إلى قوله ﴿وما أكل السبع﴾ وهو قول علي وابن عباس والحسن وقتادة، فعلى هذا أنك إن أدركت ذكاته بأن وجدت له عينا تطرف أو ذنبا يتحرك أو رجلا تركض فاذبح فإنه حلال، فإنه لولا بقاء الحياة فيه لما حصلت هذه الأحوال، فلما وجدتها مع هذه الأحوال دل على أن الحياة بتمامها حاصلة فيه.
والقول الثاني : أن هذا الاستثناء مختص بقوله ﴿وما أكل السبع﴾.
والقول الثالث : أنه استثناء منقطع كأنه قيل : لكن ما ذكيتم من غير هذا فهو حلال.
والقول الرابع : أنه استثناء من التحريم لا من المحرمات، يعني حرم عليكم ما مضى إلا ما ذكيتم فإنه لكم حلال. وعلى هذا التقدير يكون الاستثناء منقطعا أيضا. العاشر : من المحرمات المذكورة في هذه الآية قوله تعالى :﴿وما ذبح على النصب﴾ وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : النصب يحتمل أن يكون جمعا وأن يكون واحدا، فإن قلنا إنه جمع ففي واحده ثلاثة أوجه : الأول : أن واحده نصاب، فقولنا : نصاب ونصب كقولنا : حمار وحمر. الثاني : أن واحده النصب، فقولنا نصب ونصب كقولنا : سقف وسقف ورهن ورهن، وهو قول ابن الأنباري. والثالث : أن واحدة النصبة. قال الليث : النصب جمع النصبة، وهي علامة تنصب للقوم، أما إن قلنا : أن النصب واحد فجمعه أنصاب، قفولنا : نصب وأنصاب كقولنا طنب وأطناب. قال الأزهري : وقد جعل الأعشى النصب واحدا فقال :
المسألة الثانية : من الناس من قال : النصب هي الأوثان، وهذا بعيد لأن هذا معطوف على قوله ﴿وما أهل لغير الله به﴾ وذلك هو الذبح على اسم الأوثان، ومن حق المعطوف أن يكون مغايرا للمعطوف عليه. وقال ابن جريج : النصب ليس بأصنام فإن الأصنام أحجار مصورة منقوشة، وهذه النصب أحجار كانوا ينصبونها حول الكعبة، وكانوا يذبحون عندها للأصنام، وكانوا يلطخونها بتلك الدماء ويضعون اللحوم عليها، فقال المسلمون : يا رسول الله كان أهل الجاهلية يعظمون البيت بالدم، فنحن أحق أن نعظمه، وكان النبي ﷺ لم ينكره، فأنزل الله تعالى :﴿لن ينال الله لحومها ولا دماؤها﴾.
واعلم أن ﴿ما﴾ في قوله ﴿وما ذبح﴾ في محل الرفع لأنه عطف على قوله ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ إلى قوله ﴿وما أكل السبع﴾.
واعلم أن قوله ﴿وما ذبح على النصب﴾ فيه وجهان : أحدهما : وما ذبح على اعتقاد تعظيم النصب، والثاني : وما ذبح للنصب، و ( اللام ) و( على ) يتعاقبان، قال تعالى :﴿فسلام لك من أصحاب اليمين﴾ أي فسلام عليك منهم، وقال ﴿وإن أسأتم فلها﴾ أي فعليها.
النوع الحادي عشر : قوله تعالى :﴿وأن تستقسموا بالأزلام﴾ قال القفال رحمه الله : ذكر هذا في جملة المطاعم لأنه مما أبدعه أهل الجاهلية وكان موافقا لما كانوا فعلوه في المطاعم، وذلك أن الذبح على النصب إنما كان يقع عند البيت، وكذا الإستقسام بالأزلام كانوا يوقعونه عند البيت إذا كانوا هناك، وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : في الآية قولان : الأول : كان أحدهم إذا أراد سفرا أو غزوا أو تجارة أو نكاحا أو أمرا آخر من معاظم الأمور ضرب بالقداح، وكانوا قد كتبوا على بعضها : أمرني ربي، وعلى بعضها : نهاني ربي، وتركوا بعضها خاليا عن الكتابة، فإن خرج الأمر أقدم على الفعل، وإن خرج النهي أمسك، وإن خرج الغفل أعاد العمل مرة أخرى، فمعنى الاستقسام بالأزلام طلب معرفة الخير والشر بواسطة ضرب القداح. الثاني : قال المؤرخ وكثير من أهل اللغة : الاستقسام هنا هو الميسر المنهى عنه، والأزلام قداح الميسر، والقول الأول اختيار الجمهور.
المسألة الثانية : الأزلام القداح واحدها زلم، ذكره الأخفش. وإنما سميت القداح بالأزلام لأنها زلمت أي سويت. ويقال : رجل مزلم وامرأة مزلمة إذا كان خفيفا قليل العلائق، ويقال قدح مزلم وزلم إذا ظرف وأجيد قده وصنعته، وما أحسن ما زلم سهمه، أي سواه، ويقال لقوائم البقر أزلام، شبهت بالقداح للطافتها.
ثم قال تعالى :﴿ذلكم فسق﴾ وفيه وجهان : الأول : أن يكون راجعا إلى الاستقسام بالأزلام فقط ومقتصرا عليه. والثاني : أن يكون راجعا إلى جميع ما تقدم ذكره من التحليل والتحريم، فمن خالف فيه رادا على الله تعالى كفر.
فإن قيل : على القول الأول لم صار الاستقسام بالأزلام فسقا ؟ أليس أنه ﷺ كان يحب الفأل، وهذا أيضا من جملة الفأل فلم صار فسقا ؟
قلنا : قال الواحدي : إنما يحرم ذلك لأنه طلب لمعرفة الغيب، وذلك حرام لقوله تعالى :﴿وما تدرى نفس ماذا تكسب غدا﴾ وقال ﴿قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله﴾ وروى أبو الدرداء عن رسول الله ﷺ أنه قال :«من تكهن أو استقسم أو تطير طيرة ترده عن سفره لم ينظر إلى الدرجات العلى من الجنة يوم القيامة ».
ولقائل أن يقول : لو كان طلب الظن بناء على الإمارات المتعارفة طلبا لمعرفة الغيب لزم أن يكون علم التعبير غيبا أو كفرا لأنه طلب للغيب، ويلزم أن يكون التمسك بالفأل كفرا لأنه طلب للغيب، ويتعين أن يكون أصحاب الكرامات المدعون للإلهامات كفارا، ومعلوم أن ذلك كله باطل، وأيضا فالآيات إنما وردت في العلم، والمستقسم بالأزلام نسلم أنه لا يستفيد من ذلك علما وإنما يستفيد من ذلك ظنا ضعيفا، فلم يكن ذلك داخلا تحت هذه الآيات. وقال قوم آخرون أنهم كانوا يحملون تلك الأزلام عند الأصنام ويعتقدون أن ما يخرج من الأمر والنهي على تلك الأزلام فبإرشاد الأصنام وإعانتهم، فلهذا السبب كان ذلك فسقا وكفرا، وهذا القول عندي أولى وأقرب.
قوله تعالى :﴿اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون﴾.
اعلم أنه تعالى لما عدد فيما مضى ما حرمه من بهيمة الأنعام وما أحله منها ختم الكلام فيها بقوله ﴿ذلكم فسق﴾ والغرض منه تحذير المكلفين عن مثل تلك الأعمال، ثم حرضهم على التمسك بما شرع لهم بأكمل ما يكون فقال ﴿اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم﴾ أي فلا تخافوا المشركين في خلافكم إياهم في الشرائع والأديان، فإني أنعمت عليكم بالدولة القاهرة والقوة العظيمة وصاروا مقهورين لكم ذليلين عندكم، وحصل لهم اليأس من أن يصيروا قاهرين لكم مستولين علي
اعلم أنه تعالى قال في أول السورة ﴿أحلت لكم بهيمة الأنعام﴾ ثم ذكر فيه استثناء أشياء تتلى عليكم، فهاهنا ذكر الله تعالى تلك الصور المستثناة من ذلك العموم، وهي أحد عشر نوعا : الأول : الميتة : وكانوا يقولون : إنكم تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل الله.
واعلم أن تحريم الميتة موافق لما في العقول، لأن الدم جوهر لطيف جدا، فإذا مات الحيوان حتف أنفه احتبس الدم في عروقه وتعفن وفسد وحصل من أكله مضار عظيمة. والثاني : الدم : قال صاحب الكشاف : كانوا يملؤون المعي من الدم ويشوونه ويطعمونه الضيف، فالله تعالى حرم ذلك عليهم. والثالث : لحم الخنزير، قال أهل العلم : الغذاء يصير جزءا من جوهر المغتذى، ف لابد أن يحصل للمغتذى أخلاق وصفات من جنس ما كان حاصلا في الغذاء، والخنزير مطبوع على حرص عظيم ورغبة شديدة في المشتهيات، فحرم أكله على الإنسان لئلا يتكيف بتلك الكيفية، وأما الشاة فإنها حيوان في غاية السلامة، فكأنها ذات عارية عن جميع الأخلاق، فلذلك لا يحصل للإنسان بسبب أكل لحمها كيفية أجنبية عن أحوال الإنسان. الرابع : ما أهل لغير الله به، والإهلال رفع الصوت، ومنه يقال أهل فلان بالحج إذا لبى به، ومنه استهل الصبي وهو صراخة إذا ولد، وكانوا يقولون عند الذبح : باسم اللات والعزى فحرم الله تعالى ذلك. والخامس : المنخنقة، يقال : خنقه فاختنق، والخنق والاختناق انعصار الحلق.
واعلم أن المنخنقة على وجوه : منها أن أهل الجاهلية كانوا يخنقون الشاة فإذا ماتت أكلوها، ومنها ما يخنق بحبل الصائد، ومنها ما يدخل رأسها بين عودين في شجرة فتختنق فتموت، وبالجملة فبأي وجه اختنقت فهي حرام.
واعلم أن هذه المنخنقة من جنس الميتة، لأنها لما ماتت وما سال دمها كانت كالميت حتف أنفه. والسادس : الموقوذة، وهي التي ضربت إلى أن ماتت يقال : وقذها وأوقذها إذا ضربها إلى أن ماتت، ويدخل في الموقوذة ما رمي بالبندق فمات، وهي أيضا في معنى الميتة وفي معنى المنخنقة فإنها ماتت ولم يسل دمها. السابع : المتردية، والمتردي هو الواقع في الردى وهو الهلاك. قال تعالى :﴿وما يغنى عنه ماله إذا تردى﴾ أي وقع في النار، ويقال : فلان تردى من السطح، فالمتردية هي التي تسقط من جبل أو موضع مشرف فتموت، وهذا أيضا من الميتة لأنها ماتت وما سال منها الدم، ويدخل فيه ما إذا أصابه سهم وهو في الجبل فسقط على الأرض فإنه يحرم أكله لأنه لا يعلم أنه مات بالتردي أو بالسهم. والثامن : النطيحة، وهي المنطوحة إلى أن ماتت، وذلك مثل شاتين تناطحا إلى أن ماتا أو مات أحدهما، وهذا أيضا داخل في الميتة لأنها ماتت من غير سيلان الدم.
واعلم أن دخول الهاء في هذه الكلمات الأربع، أعني : المنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، إنما كان لأنها صفات لموصوف مؤنث وهو الشاة، كأنه قيل : حرمت عليكم الشاة المنخنقة والموقوذة، وخصت الشاة لأنها من أعم ما يأكله الناس، والكلام يخرج على الأعم الأغلب ويكون المراد هو الكل.
فإن قيل : لم أثبت الهاء في النطيحة مع أنها كانت في الأصل منطوحة فعدل بها إلى النطيحة، وفي مثل هذا الموضع تكون الهاء محذوفة، كقولهم : كف خضيب، ولحية دهين، وعين كحيل.
قلنا : إنما تحذف الهاء من الفعلية إذا كانت صفة لموصوف يتقدمها، فإذا لم يذكر الموصوف وذكرت الصفة وضعتها موضع الموصوف، تقول : رأيت قتيلة بني فلان بالهاء لأنك إن لم تدخل الهاء لم يعرف أرجل هو أو امرأة، فعلى هذا إنما دخلت الهاء في النطيحة لأنها صفة لمؤنث غير مذكور وهو الشاة، والتاسع : قوله ﴿وما أكل السبع إلا ذكيتم﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى : السبع : اسم يقع على ما له ناب ويعدو على الإنسان والدواب ويفترسها، مثل الأسد وما دونه، ويجوز التخفيف في سبع فيقال : سبع وسبعة، وفي رواية عن أبي عمرو : السبع بسكون الباء، وقرأ ابن عباس : وأكيل السبع.
المسألة الثانية : قال قتادة : كان أهل الجاهلية إذا جرح السبع شيئا فقتله وأكل بعضه أكلوا ما بقي، فحرمه الله تعالى. وفي الآية محذوف تقديره : وما أكل منه السبع لأن ما أكله السبع فقد نفد ولا حكم له، وإنما الحكم للباقي.
المسألة الثالثة : أصل الذكاء في اللغة إتمام الشيء، ومنه الذكاء في الفهم وهو تمامه، ومنه الذكاء في السن، وقيل : جري المذكيات غلاب، أي جري المسنات التي قد أسنت، وتأويل تمام السن النهاية في الشباب، فإذا نقص عن ذلك أو زاد فلا يقال له الذكاء في السن، ويقال ذكيت النار أي أتممت إشعالها.
إذا عرفت هذا الأصل فنقول : الاستثناء المذكور في قوله ﴿إلا ما ذكيتم﴾ فيه أقوال : الأول : أنه استثناء من جميع ما تقدم من قوله ﴿والمنخنقة﴾ إلى قوله ﴿وما أكل السبع﴾ وهو قول علي وابن عباس والحسن وقتادة، فعلى هذا أنك إن أدركت ذكاته بأن وجدت له عينا تطرف أو ذنبا يتحرك أو رجلا تركض فاذبح فإنه حلال، فإنه لولا بقاء الحياة فيه لما حصلت هذه الأحوال، فلما وجدتها مع هذه الأحوال دل على أن الحياة بتمامها حاصلة فيه.
والقول الثاني : أن هذا الاستثناء مختص بقوله ﴿وما أكل السبع﴾.
والقول الثالث : أنه استثناء منقطع كأنه قيل : لكن ما ذكيتم من غير هذا فهو حلال.
والقول الرابع : أنه استثناء من التحريم لا من المحرمات، يعني حرم عليكم ما مضى إلا ما ذكيتم فإنه لكم حلال. وعلى هذا التقدير يكون الاستثناء منقطعا أيضا. العاشر : من المحرمات المذكورة في هذه الآية قوله تعالى :﴿وما ذبح على النصب﴾ وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : النصب يحتمل أن يكون جمعا وأن يكون واحدا، فإن قلنا إنه جمع ففي واحده ثلاثة أوجه : الأول : أن واحده نصاب، فقولنا : نصاب ونصب كقولنا : حمار وحمر. الثاني : أن واحده النصب، فقولنا نصب ونصب كقولنا : سقف وسقف ورهن ورهن، وهو قول ابن الأنباري. والثالث : أن واحدة النصبة. قال الليث : النصب جمع النصبة، وهي علامة تنصب للقوم، أما إن قلنا : أن النصب واحد فجمعه أنصاب، قفولنا : نصب وأنصاب كقولنا طنب وأطناب. قال الأزهري : وقد جعل الأعشى النصب واحدا فقال :
| ولا النصب المنصوب لا تنسكنه | لعاقبة والله ربك فاعبدا |
واعلم أن ﴿ما﴾ في قوله ﴿وما ذبح﴾ في محل الرفع لأنه عطف على قوله ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ إلى قوله ﴿وما أكل السبع﴾.
واعلم أن قوله ﴿وما ذبح على النصب﴾ فيه وجهان : أحدهما : وما ذبح على اعتقاد تعظيم النصب، والثاني : وما ذبح للنصب، و ( اللام ) و( على ) يتعاقبان، قال تعالى :﴿فسلام لك من أصحاب اليمين﴾ أي فسلام عليك منهم، وقال ﴿وإن أسأتم فلها﴾ أي فعليها.
النوع الحادي عشر : قوله تعالى :﴿وأن تستقسموا بالأزلام﴾ قال القفال رحمه الله : ذكر هذا في جملة المطاعم لأنه مما أبدعه أهل الجاهلية وكان موافقا لما كانوا فعلوه في المطاعم، وذلك أن الذبح على النصب إنما كان يقع عند البيت، وكذا الإستقسام بالأزلام كانوا يوقعونه عند البيت إذا كانوا هناك، وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : في الآية قولان : الأول : كان أحدهم إذا أراد سفرا أو غزوا أو تجارة أو نكاحا أو أمرا آخر من معاظم الأمور ضرب بالقداح، وكانوا قد كتبوا على بعضها : أمرني ربي، وعلى بعضها : نهاني ربي، وتركوا بعضها خاليا عن الكتابة، فإن خرج الأمر أقدم على الفعل، وإن خرج النهي أمسك، وإن خرج الغفل أعاد العمل مرة أخرى، فمعنى الاستقسام بالأزلام طلب معرفة الخير والشر بواسطة ضرب القداح. الثاني : قال المؤرخ وكثير من أهل اللغة : الاستقسام هنا هو الميسر المنهى عنه، والأزلام قداح الميسر، والقول الأول اختيار الجمهور.
المسألة الثانية : الأزلام القداح واحدها زلم، ذكره الأخفش. وإنما سميت القداح بالأزلام لأنها زلمت أي سويت. ويقال : رجل مزلم وامرأة مزلمة إذا كان خفيفا قليل العلائق، ويقال قدح مزلم وزلم إذا ظرف وأجيد قده وصنعته، وما أحسن ما زلم سهمه، أي سواه، ويقال لقوائم البقر أزلام، شبهت بالقداح للطافتها.
ثم قال تعالى :﴿ذلكم فسق﴾ وفيه وجهان : الأول : أن يكون راجعا إلى الاستقسام بالأزلام فقط ومقتصرا عليه. والثاني : أن يكون راجعا إلى جميع ما تقدم ذكره من التحليل والتحريم، فمن خالف فيه رادا على الله تعالى كفر.
فإن قيل : على القول الأول لم صار الاستقسام بالأزلام فسقا ؟ أليس أنه ﷺ كان يحب الفأل، وهذا أيضا من جملة الفأل فلم صار فسقا ؟
قلنا : قال الواحدي : إنما يحرم ذلك لأنه طلب لمعرفة الغيب، وذلك حرام لقوله تعالى :﴿وما تدرى نفس ماذا تكسب غدا﴾ وقال ﴿قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله﴾ وروى أبو الدرداء عن رسول الله ﷺ أنه قال :«من تكهن أو استقسم أو تطير طيرة ترده عن سفره لم ينظر إلى الدرجات العلى من الجنة يوم القيامة ».
ولقائل أن يقول : لو كان طلب الظن بناء على الإمارات المتعارفة طلبا لمعرفة الغيب لزم أن يكون علم التعبير غيبا أو كفرا لأنه طلب للغيب، ويلزم أن يكون التمسك بالفأل كفرا لأنه طلب للغيب، ويتعين أن يكون أصحاب الكرامات المدعون للإلهامات كفارا، ومعلوم أن ذلك كله باطل، وأيضا فالآيات إنما وردت في العلم، والمستقسم بالأزلام نسلم أنه لا يستفيد من ذلك علما وإنما يستفيد من ذلك ظنا ضعيفا، فلم يكن ذلك داخلا تحت هذه الآيات. وقال قوم آخرون أنهم كانوا يحملون تلك الأزلام عند الأصنام ويعتقدون أن ما يخرج من الأمر والنهي على تلك الأزلام فبإرشاد الأصنام وإعانتهم، فلهذا السبب كان ذلك فسقا وكفرا، وهذا القول عندي أولى وأقرب.
قوله تعالى :﴿اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون﴾.
اعلم أنه تعالى لما عدد فيما مضى ما حرمه من بهيمة الأنعام وما أحله منها ختم الكلام فيها بقوله ﴿ذلكم فسق﴾ والغرض منه تحذير المكلفين عن مثل تلك الأعمال، ثم حرضهم على التمسك بما شرع لهم بأكمل ما يكون فقال ﴿اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم﴾ أي فلا تخافوا المشركين في خلافكم إياهم في الشرائع والأديان، فإني أنعمت عليكم بالدولة القاهرة والقوة العظيمة وصاروا مقهورين لكم ذليلين عندكم، وحصل لهم اليأس من أن يصيروا قاهرين لكم مستولين علي