فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان
عن الكتاب
﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم ( ٣ )﴾
﴿حرمت عليكم﴾ هذا شروع في تفصيل المحرمات التي أشار إليها سبحانه بقوله ﴿إلا ما يتلى عليكم﴾ بالإجمال، وحاصل ما ذكر في هذا البيان أحد عشر شيئا كلها من قبيل المطعوم إلا الأخير، وهو الاستسقام بالأزلام.
﴿الميتة﴾ المراد البهيمة التي تموت حتف أنفها أي أكلها ﴿والدم﴾ وما هنا من تحريم مطلق الدم مقيد بكونه مسفوحا كما تقدم، حملا للمطلق على المقيد، وقد ورد في السنة تخصيص الميتة بقوله ﷺ :( أحل لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالحوت والجراد وأما الدمان فالكبد والطحال ) (١) أخرجه الشافعي وأحمد وابن ماجه والدارقطني والبيهقي وفي إسناده مقال، ويقويه حديث وهو الطهور ماؤه والحل ميتته(٢) وهو عند أحمد وأهل السنن وغيرهم وصححه جماعة منهم خزيمة وابن حبان، وقد أطال الشوكاني الكلام عليه في شرحه للمنتقى.
﴿ولحم الخنزير﴾ قيل كله نجس، وإنما خص اللحم لأنه معظم المقصود بالأكل ﴿وما أهل لغير الله به﴾ أي ما ذكر على ذبحه أو عند الحاجة غير اسم الله تعالى، والإهلال رفع الصوت لغير الله كان يقول باسم اللات والعزى ونحو ذلك، فحرمه الله بهذه الآية وبقوله ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾.
قال شيخ الإسلام تقي الدين بن تميمة رحمه الله في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم في الكلام على هذه الآية : إن ظاهرها أنه ما ذبح لغير الله سواء لفظ به أو لم يلفظ، وتحريم هذا أظهر من تحريم ما ذبحه وقال فيه باسم المسيح ونحوه، كما أن ما ذبحناه متقربين به إلى الله كان أزكى مما ذبحناه للحم وقلنا عليه باسم الله، فإن عبادة الله بالصلاة والنسك له أعظم من الاستعانة باسمه في فواتح الأمور، والعبادة لغير الله أعظم من الاستعانة بغير الله، فلو ذبح لغير الله متقربا إليه لحرم وإن قال فيه باسم الله، كما قد يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة، وإن كان هؤلاء مرتدين لا تباح ذبيحتهم بحال لكن تجتمع في الذبيحة مانعات، ومن هذا ما يفعل بمكة وغيرها من الذبح ١ه.
وكلامه في هذا الباب واسع جدا وكذلك كلام غيره من أهل العلم، ولا حاجة بنا هنا إلى تكرير ما قد أسلفناه في سورة البقرة من أحكام هذه الأربعة ففيه ما لا يحتاج الناظر فيه إلى غيره.
﴿والمنخنقة﴾ هي التي تموت بالخنق، وهو حبس النفس سواء كان ذلك بفعلها كأن تدخل رأسها في حبل أو بين عودين أو بفعل آدمي أو غيره، وقد كان أهل الجاهلية يخنقون الشاة فإذا ماتت أكلوها، والفرق بينهما أن الميتة تموت بلا سبب أحد والمنخنقة تموت بسبب الخنق.
﴿والموقوذة﴾ هي التي تضرب بحجر أو عصا حتى تموت من غير تذكية، يقال وقذه يقذه فهو وقيذ، والوقذ شدة الضرب حتى يسترخي ويشرف على الموت وبابه وعد، وشاة موقوذة قتلت بالخشب، وفلان وقيذ أي مثخن ضربا، وقد كان أهل الجاهلية يفعلون ذلك فيضربون الأنعام بالخشب لآلهتم حتى تموت ثم يأكلونها.
وقال ابن عبد البر : واختلف العلماء قديما في الصيد بالبندق والحجر والمعراض، ويعني بالبندق قوس البندقية، وبالمعراض السهم الذي لا ريش له أو العصا التي رأسها محدود، قال : فمن ذهب إلى أنه وقيذ لم يجزه إلا ما أدرك ذكاته وما روى عن ابن عمر وهو قول مالك وأبي حنيفة وأصحابه والثوري والشافعي، وخالفهم الشاميون في ذلك.
قال الأوزاعي : في المعراض كله خزق أو لم يخزق كان أبو الدرداء وفضالة بن عبيد وابن عبد الله بن عمر ومكحول لا يرون به بأسا، قال ابن عبد البر : هكذا ذكر الأوزاعي عن عبد الله بن عمر، والمعروف عن ابن عمر ما ذكر مالك بن نافع، قال : والأصل في هذا الباب والذي عليه العمل وفيه الحجة حديث عدي بن حاتم وفيه ما أصاب بعرضه فلا تأكل فإنه وقيذ انتهى.
﴿قلت﴾ والحديث في الصحيحين وغيرهما عن عدي قال : قلت يا رسول الله إني أرمي بالمعراض الصيد فأصيب فقال : إذا رميت بالمعراض فخزق فكله وإن أصاب بعرضة فإنما هو وقيذ فلا تأكله(٣)، فقد اعتبر النبي ﷺ الخزق وعدمه، فالحق أنه لا يحل إلا ما خزق لا ما صدم، فلا بد من التذكية قبل الموت وإلا كان وقيذا.
قال الشوكاني : وأما البنادق المعروفة الآن وهي بنادق الحديد التي يجعل فيها البارود والرصاص ويرمى بها فلم يتكلم عليها أهل العلم لتأخر حدوثها فإنها لم تصل إلى الديار اليمنية إلا في المائة العاشرة من الهجرة، وقد سألني جماعة من أهل العلم عن الصيد بها إذا مات ولم يتمكن الصائد من تذكيته حيا، والذي يظهر لي أنه حلال لأنها تخزق وتدخل في الغالب من جانب منه وتخرج من الجانب الآخر وقد قال ﷺ في الحديث الصحيح السابق :( إذا رميت بالمعراض فخزق فكله )، فاعتبر الخزق في تحليل الصيد انتهى.
والحاصل أن جملة ما يحل الصيد به من الآلات هذه البنادق الجديدة التي يرمى بها البارود والرصاص، فإن الرصاصة يحصل بها خزق زائد على خزق السهم والرمح والسيف، ولها في ذلك عمل يفوق كل آلة، ويظهر لك ذلك بأنك لو وضعت ريشا أو نحوه فوق رماد دقيق أو تراب وغرزت فيه شيئا يسيرا من أصلها ثم ضربتها بالسيف المحدد أو نحو ذلك من الآلات لم يقطعها وهي على هذه الحالة ولو رميتها بهذه البنادق لقطعتها.
فلا وجه لجعلها قاتلة بالصدم لا من عقل ولا من نقل من النهي عن أكل ما رمd بالبندقية، كما في رواية من حديث عدي بن حاتم عند أحمد بلفظ ولا تأكل من البندقة إلا ما ذكيت، فالمراد بالبندقة هنا هي التي تتخذ من طين فيرمى بها بعد أن تيبس.
وفي صحيح البخاري قال ابن عمر في المقتولة بالبندقة تلك الموقوذة، وكرهه سالم والقاسم ومجاهد وإبراهيم وعطاء والحسن، وهكذا من صيد بحصى الخذف فقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث عبد الله بن المغفل أن رسول الله ﷺ نهى عن الخذف وقال : إنها لا تصيد صيدا ولا تنكيء عدوا لكنها تكسر السن وتفقأ العين(٤)، ومثل هذا ما قتل بالرمي بالحجارة غير المحدودة إذا لم تخزق فإنه وقيذ لا يحل، وأما إذا خزقت حل.
﴿والمتردية﴾ هي التي تتردى من علو كالسطح والجبل ونحوهما إلى سفل فتموت من غير فرق بين أن تردى من جبل أو بئر أو مدفن أو غيرهما، والتردي مأخوذ من الردى وهو الهلاك، وسواء تردت بنفسها أو رداها غيرها.
﴿والنطيحة﴾ هي فعيلة بمعنى مفعولة وهي التي تنطحها أخرى فتموت من دون تذكية، وقال قوم : إن فعيلة بمعنى فاعلة لأن الدابتين تتناطحان فتموتان وقال نطيحة ولم يقل نطيح مع أنه قياس فعيل لأن لزوم الحذف مختص بما كان من هذا الباب صفة لموصوف مذكور، فإن لم يذكر ثبتت التاء للنقل من الوصفية إلى الاسمية، وفي القاموس نطحه كمنعه وضربه أصابه بقرنه.
﴿وما أكل السبع﴾ أي ما افترسه منه ذو ناب كالأسد والنمر والذئب والفهد والضبع ونحوهما، والمراد من أكل بعضه السبع لأن ما أكله السبع كله قد فني فلا حكم له، وإنما الحكم لما بقي منه، والسبع اسم يقع على كل حيوان له ناب ويعدو على الناس والدواب فيفترس بنابه، ومن العرب من يخص اسم السبع بالأسد، وكانت العرب إذا أكل السبع شاة ثم خلصوها منه أكلوها وإن ماتت ولم يذكوها.
﴿إلا ما ذكيتم﴾ استثناء متصل عند الجمهور وهو راجع على ما أدركت ذكاته من المذكورات سابقا وفيه حياة، وقال المدنيون وهو المشهور من مذهب مالك وهو أحد قولي الشافعي أنه إذا بلغ السبع منها إلى ما لا حياة معه فإنها لا تؤكل.
وحكاه في الموطأ عن زيد بن ثابت وإليه ذهب إسماعيل القاضي فيكون الاستثناء على هذا منقطعا أي حرمت عليكم هذه الأشياء لكن ما ذكيتم فهو الذي يحل ولا يحرم، والأول أولى، والذكاة في كلام العرب الذبح، قاله قطرب وغيره.
وأصل الذكاة في اللغة التمام أي تمام استكمال القوة، والذكاء حدة القلب وسرعة الفطنة، والذكاة ما تذكى منه النار، ومنه أذكيت الحرب والنار أوقدتهما، وذكاء اسم الشمس، والمراد هنا إلا ما أدركتم ذكاته على التمام، والتذكية في الشرع عبارة عن انهار الدم وفري الأوداج في المذبوح، والتنحر في المنحور، والعقر في غير المقدور، مقرونا بالقصد لله وذكر اسمه عليه.
وأما الآلة التي يقع بها الذكاة فذهب الجمهور إلى أن كل ما أنهر الدم وفرى الأوداج فهو آلة للذكاة ما خلا السن والعظم، وبهذا جاءت الأحاديث الصحيحة.
﴿و﴾ حرم ﴿ما ذبح على النصب﴾ أي ما قصد بذبحه النصب، ولم يذكر اسمها عند ذبحه قصد تعظيمها بذبحه ف ﴿على﴾ بمعنى اللام فليس هذا مكررا مع ما سبق، إذ ذاك فيما ذكر عند ذبحه اسم الصنم، وهذا قصد بذبحه تعظيم الصنم من غير ذكره، وقال ابن فارس : النصب حجر كان ينصب فيعبد وتصب عليه دماء الذبائح، والنصاب حجارة تنصب حوالي شفير البئر فتجعل عضائد، وقيل النصب جمع واحده نصاب كحمار وحمرة، وقرأ الجحدري كالحبل والجمل والجمع أنصاب كالأحبال والأجمال.
قال مجاهد : هي حجارة كانت حوالي مكة يذبحون عليها، وقيل كان حول الكعبة ثلثمائة وستون حجرا منصوبة قال ابن عباس : هن الأصنام المنصوبة، قال ابن جريج : كانت العرب تذبح بمكة وتنضح بالدم ما أقبل من البيت ويشرحون اللحم ويضعونه على الحجارة، فلما جاء الإسلام قال المسلمون للنبي ﷺ : نحن أحق أن نعظم هذا البيت بهذه الأفعال فأنزل الله ﴿وما ذبح على النصب﴾.
والمعنى والنية بذلك تعظيم النصب إلا أن الذبح عليها جائز، ولهذا قيل : إن على بمعنى اللام أي لأجلها، قاله قطرب، وهو على هذا داخل فيما أهل به لغير الله وخص بالذكر لتأكيد تحريمه، ولدفع ما كانوا يظنون من أن ذلك لتشريف البيت وتعظيمه.
﴿وأن تستقسموا بالأزلام﴾ وهو قداح الميسر، واحدهما زلم، والأزلام للعرب ثلاثة أنواع أحدهما مكتوب فيه افعل والآخر مكتوب فيه لا تفعل والثالث مهمل لا شيء عليه فيجعلها في خريطة معه، فإذا فعل شيء أدخل يده وهي متشابهة فأخرج واحدا منها فإن خرج الأول فعل ما عزم عليه، وإن خرج الثاني تركه وإن خرج الثالث أعاد الضرب حتى يخرج واحد من الأولين.
وإنما قيل لهذا الفعل استقسام لأنهم يستقسمون به الرزق وما يريدون فعله كما يقال استسقى أي استدعى السقيا، فالاستقسام طلب القسم والنصيب والحكم من القداح، وجملة قداح الميسر عشرة يضربون بها في المقامرة.
وقيل إن الأزلام كعاب فارس والروم التي يتقامرون بها، وقيل هي النرد وقيل الشطرنج، وإنما حرم الله الاستقسام بالأزلام لأنه تعرض لدعوى علم الغيب وضرب من الكهانة، قال الزجاج : لا فرق بين هذا وبين قول المنجمين لا تخرج من أجل نجم كذا وأخرج لطلوع نجم كذا، وأنكر ذلك في شرح التأويلات بما لا يسمن ولا يغني من جوع.
﴿ذلكم﴾ إشارة إلى الاستسقام بالأزلام خاصة أو إلى المحرمات المذكورة هنا ﴿فسق﴾ لأنه وإن أشبه القرعة فهو دخول في علم الغيب وذلك حرام لقوله تعالى ﴿وما تدري نفس ماذا تكسب غدا﴾ وقال { لا يعلم من في السماوا
﴿حرمت عليكم﴾ هذا شروع في تفصيل المحرمات التي أشار إليها سبحانه بقوله ﴿إلا ما يتلى عليكم﴾ بالإجمال، وحاصل ما ذكر في هذا البيان أحد عشر شيئا كلها من قبيل المطعوم إلا الأخير، وهو الاستسقام بالأزلام.
﴿الميتة﴾ المراد البهيمة التي تموت حتف أنفها أي أكلها ﴿والدم﴾ وما هنا من تحريم مطلق الدم مقيد بكونه مسفوحا كما تقدم، حملا للمطلق على المقيد، وقد ورد في السنة تخصيص الميتة بقوله ﷺ :( أحل لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالحوت والجراد وأما الدمان فالكبد والطحال ) (١) أخرجه الشافعي وأحمد وابن ماجه والدارقطني والبيهقي وفي إسناده مقال، ويقويه حديث وهو الطهور ماؤه والحل ميتته(٢) وهو عند أحمد وأهل السنن وغيرهم وصححه جماعة منهم خزيمة وابن حبان، وقد أطال الشوكاني الكلام عليه في شرحه للمنتقى.
﴿ولحم الخنزير﴾ قيل كله نجس، وإنما خص اللحم لأنه معظم المقصود بالأكل ﴿وما أهل لغير الله به﴾ أي ما ذكر على ذبحه أو عند الحاجة غير اسم الله تعالى، والإهلال رفع الصوت لغير الله كان يقول باسم اللات والعزى ونحو ذلك، فحرمه الله بهذه الآية وبقوله ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾.
قال شيخ الإسلام تقي الدين بن تميمة رحمه الله في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم في الكلام على هذه الآية : إن ظاهرها أنه ما ذبح لغير الله سواء لفظ به أو لم يلفظ، وتحريم هذا أظهر من تحريم ما ذبحه وقال فيه باسم المسيح ونحوه، كما أن ما ذبحناه متقربين به إلى الله كان أزكى مما ذبحناه للحم وقلنا عليه باسم الله، فإن عبادة الله بالصلاة والنسك له أعظم من الاستعانة باسمه في فواتح الأمور، والعبادة لغير الله أعظم من الاستعانة بغير الله، فلو ذبح لغير الله متقربا إليه لحرم وإن قال فيه باسم الله، كما قد يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة، وإن كان هؤلاء مرتدين لا تباح ذبيحتهم بحال لكن تجتمع في الذبيحة مانعات، ومن هذا ما يفعل بمكة وغيرها من الذبح ١ه.
وكلامه في هذا الباب واسع جدا وكذلك كلام غيره من أهل العلم، ولا حاجة بنا هنا إلى تكرير ما قد أسلفناه في سورة البقرة من أحكام هذه الأربعة ففيه ما لا يحتاج الناظر فيه إلى غيره.
﴿والمنخنقة﴾ هي التي تموت بالخنق، وهو حبس النفس سواء كان ذلك بفعلها كأن تدخل رأسها في حبل أو بين عودين أو بفعل آدمي أو غيره، وقد كان أهل الجاهلية يخنقون الشاة فإذا ماتت أكلوها، والفرق بينهما أن الميتة تموت بلا سبب أحد والمنخنقة تموت بسبب الخنق.
﴿والموقوذة﴾ هي التي تضرب بحجر أو عصا حتى تموت من غير تذكية، يقال وقذه يقذه فهو وقيذ، والوقذ شدة الضرب حتى يسترخي ويشرف على الموت وبابه وعد، وشاة موقوذة قتلت بالخشب، وفلان وقيذ أي مثخن ضربا، وقد كان أهل الجاهلية يفعلون ذلك فيضربون الأنعام بالخشب لآلهتم حتى تموت ثم يأكلونها.
وقال ابن عبد البر : واختلف العلماء قديما في الصيد بالبندق والحجر والمعراض، ويعني بالبندق قوس البندقية، وبالمعراض السهم الذي لا ريش له أو العصا التي رأسها محدود، قال : فمن ذهب إلى أنه وقيذ لم يجزه إلا ما أدرك ذكاته وما روى عن ابن عمر وهو قول مالك وأبي حنيفة وأصحابه والثوري والشافعي، وخالفهم الشاميون في ذلك.
قال الأوزاعي : في المعراض كله خزق أو لم يخزق كان أبو الدرداء وفضالة بن عبيد وابن عبد الله بن عمر ومكحول لا يرون به بأسا، قال ابن عبد البر : هكذا ذكر الأوزاعي عن عبد الله بن عمر، والمعروف عن ابن عمر ما ذكر مالك بن نافع، قال : والأصل في هذا الباب والذي عليه العمل وفيه الحجة حديث عدي بن حاتم وفيه ما أصاب بعرضه فلا تأكل فإنه وقيذ انتهى.
﴿قلت﴾ والحديث في الصحيحين وغيرهما عن عدي قال : قلت يا رسول الله إني أرمي بالمعراض الصيد فأصيب فقال : إذا رميت بالمعراض فخزق فكله وإن أصاب بعرضة فإنما هو وقيذ فلا تأكله(٣)، فقد اعتبر النبي ﷺ الخزق وعدمه، فالحق أنه لا يحل إلا ما خزق لا ما صدم، فلا بد من التذكية قبل الموت وإلا كان وقيذا.
قال الشوكاني : وأما البنادق المعروفة الآن وهي بنادق الحديد التي يجعل فيها البارود والرصاص ويرمى بها فلم يتكلم عليها أهل العلم لتأخر حدوثها فإنها لم تصل إلى الديار اليمنية إلا في المائة العاشرة من الهجرة، وقد سألني جماعة من أهل العلم عن الصيد بها إذا مات ولم يتمكن الصائد من تذكيته حيا، والذي يظهر لي أنه حلال لأنها تخزق وتدخل في الغالب من جانب منه وتخرج من الجانب الآخر وقد قال ﷺ في الحديث الصحيح السابق :( إذا رميت بالمعراض فخزق فكله )، فاعتبر الخزق في تحليل الصيد انتهى.
والحاصل أن جملة ما يحل الصيد به من الآلات هذه البنادق الجديدة التي يرمى بها البارود والرصاص، فإن الرصاصة يحصل بها خزق زائد على خزق السهم والرمح والسيف، ولها في ذلك عمل يفوق كل آلة، ويظهر لك ذلك بأنك لو وضعت ريشا أو نحوه فوق رماد دقيق أو تراب وغرزت فيه شيئا يسيرا من أصلها ثم ضربتها بالسيف المحدد أو نحو ذلك من الآلات لم يقطعها وهي على هذه الحالة ولو رميتها بهذه البنادق لقطعتها.
فلا وجه لجعلها قاتلة بالصدم لا من عقل ولا من نقل من النهي عن أكل ما رمd بالبندقية، كما في رواية من حديث عدي بن حاتم عند أحمد بلفظ ولا تأكل من البندقة إلا ما ذكيت، فالمراد بالبندقة هنا هي التي تتخذ من طين فيرمى بها بعد أن تيبس.
وفي صحيح البخاري قال ابن عمر في المقتولة بالبندقة تلك الموقوذة، وكرهه سالم والقاسم ومجاهد وإبراهيم وعطاء والحسن، وهكذا من صيد بحصى الخذف فقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث عبد الله بن المغفل أن رسول الله ﷺ نهى عن الخذف وقال : إنها لا تصيد صيدا ولا تنكيء عدوا لكنها تكسر السن وتفقأ العين(٤)، ومثل هذا ما قتل بالرمي بالحجارة غير المحدودة إذا لم تخزق فإنه وقيذ لا يحل، وأما إذا خزقت حل.
﴿والمتردية﴾ هي التي تتردى من علو كالسطح والجبل ونحوهما إلى سفل فتموت من غير فرق بين أن تردى من جبل أو بئر أو مدفن أو غيرهما، والتردي مأخوذ من الردى وهو الهلاك، وسواء تردت بنفسها أو رداها غيرها.
﴿والنطيحة﴾ هي فعيلة بمعنى مفعولة وهي التي تنطحها أخرى فتموت من دون تذكية، وقال قوم : إن فعيلة بمعنى فاعلة لأن الدابتين تتناطحان فتموتان وقال نطيحة ولم يقل نطيح مع أنه قياس فعيل لأن لزوم الحذف مختص بما كان من هذا الباب صفة لموصوف مذكور، فإن لم يذكر ثبتت التاء للنقل من الوصفية إلى الاسمية، وفي القاموس نطحه كمنعه وضربه أصابه بقرنه.
﴿وما أكل السبع﴾ أي ما افترسه منه ذو ناب كالأسد والنمر والذئب والفهد والضبع ونحوهما، والمراد من أكل بعضه السبع لأن ما أكله السبع كله قد فني فلا حكم له، وإنما الحكم لما بقي منه، والسبع اسم يقع على كل حيوان له ناب ويعدو على الناس والدواب فيفترس بنابه، ومن العرب من يخص اسم السبع بالأسد، وكانت العرب إذا أكل السبع شاة ثم خلصوها منه أكلوها وإن ماتت ولم يذكوها.
﴿إلا ما ذكيتم﴾ استثناء متصل عند الجمهور وهو راجع على ما أدركت ذكاته من المذكورات سابقا وفيه حياة، وقال المدنيون وهو المشهور من مذهب مالك وهو أحد قولي الشافعي أنه إذا بلغ السبع منها إلى ما لا حياة معه فإنها لا تؤكل.
وحكاه في الموطأ عن زيد بن ثابت وإليه ذهب إسماعيل القاضي فيكون الاستثناء على هذا منقطعا أي حرمت عليكم هذه الأشياء لكن ما ذكيتم فهو الذي يحل ولا يحرم، والأول أولى، والذكاة في كلام العرب الذبح، قاله قطرب وغيره.
وأصل الذكاة في اللغة التمام أي تمام استكمال القوة، والذكاء حدة القلب وسرعة الفطنة، والذكاة ما تذكى منه النار، ومنه أذكيت الحرب والنار أوقدتهما، وذكاء اسم الشمس، والمراد هنا إلا ما أدركتم ذكاته على التمام، والتذكية في الشرع عبارة عن انهار الدم وفري الأوداج في المذبوح، والتنحر في المنحور، والعقر في غير المقدور، مقرونا بالقصد لله وذكر اسمه عليه.
وأما الآلة التي يقع بها الذكاة فذهب الجمهور إلى أن كل ما أنهر الدم وفرى الأوداج فهو آلة للذكاة ما خلا السن والعظم، وبهذا جاءت الأحاديث الصحيحة.
﴿و﴾ حرم ﴿ما ذبح على النصب﴾ أي ما قصد بذبحه النصب، ولم يذكر اسمها عند ذبحه قصد تعظيمها بذبحه ف ﴿على﴾ بمعنى اللام فليس هذا مكررا مع ما سبق، إذ ذاك فيما ذكر عند ذبحه اسم الصنم، وهذا قصد بذبحه تعظيم الصنم من غير ذكره، وقال ابن فارس : النصب حجر كان ينصب فيعبد وتصب عليه دماء الذبائح، والنصاب حجارة تنصب حوالي شفير البئر فتجعل عضائد، وقيل النصب جمع واحده نصاب كحمار وحمرة، وقرأ الجحدري كالحبل والجمل والجمع أنصاب كالأحبال والأجمال.
قال مجاهد : هي حجارة كانت حوالي مكة يذبحون عليها، وقيل كان حول الكعبة ثلثمائة وستون حجرا منصوبة قال ابن عباس : هن الأصنام المنصوبة، قال ابن جريج : كانت العرب تذبح بمكة وتنضح بالدم ما أقبل من البيت ويشرحون اللحم ويضعونه على الحجارة، فلما جاء الإسلام قال المسلمون للنبي ﷺ : نحن أحق أن نعظم هذا البيت بهذه الأفعال فأنزل الله ﴿وما ذبح على النصب﴾.
والمعنى والنية بذلك تعظيم النصب إلا أن الذبح عليها جائز، ولهذا قيل : إن على بمعنى اللام أي لأجلها، قاله قطرب، وهو على هذا داخل فيما أهل به لغير الله وخص بالذكر لتأكيد تحريمه، ولدفع ما كانوا يظنون من أن ذلك لتشريف البيت وتعظيمه.
﴿وأن تستقسموا بالأزلام﴾ وهو قداح الميسر، واحدهما زلم، والأزلام للعرب ثلاثة أنواع أحدهما مكتوب فيه افعل والآخر مكتوب فيه لا تفعل والثالث مهمل لا شيء عليه فيجعلها في خريطة معه، فإذا فعل شيء أدخل يده وهي متشابهة فأخرج واحدا منها فإن خرج الأول فعل ما عزم عليه، وإن خرج الثاني تركه وإن خرج الثالث أعاد الضرب حتى يخرج واحد من الأولين.
وإنما قيل لهذا الفعل استقسام لأنهم يستقسمون به الرزق وما يريدون فعله كما يقال استسقى أي استدعى السقيا، فالاستقسام طلب القسم والنصيب والحكم من القداح، وجملة قداح الميسر عشرة يضربون بها في المقامرة.
وقيل إن الأزلام كعاب فارس والروم التي يتقامرون بها، وقيل هي النرد وقيل الشطرنج، وإنما حرم الله الاستقسام بالأزلام لأنه تعرض لدعوى علم الغيب وضرب من الكهانة، قال الزجاج : لا فرق بين هذا وبين قول المنجمين لا تخرج من أجل نجم كذا وأخرج لطلوع نجم كذا، وأنكر ذلك في شرح التأويلات بما لا يسمن ولا يغني من جوع.
﴿ذلكم﴾ إشارة إلى الاستسقام بالأزلام خاصة أو إلى المحرمات المذكورة هنا ﴿فسق﴾ لأنه وإن أشبه القرعة فهو دخول في علم الغيب وذلك حرام لقوله تعالى ﴿وما تدري نفس ماذا تكسب غدا﴾ وقال { لا يعلم من في السماوا
١ الدارقطني٤/٢٧٢..
٢ صحيح الجامع٦٩٢٥..
٣ مسلم١٩٢٩، والبخاري١٤١..
٤ مسلم١٩٥٤، والبخاري٢٠٤٦..
٢ صحيح الجامع٦٩٢٥..
٣ مسلم١٩٢٩، والبخاري١٤١..
٤ مسلم١٩٥٤، والبخاري٢٠٤٦..