اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله :﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ : يجُوزُ أن يكُونَ مُكَرَّراً للتَّوْكيدِ إنْ كان مِنْ وصف المنافقينَ، وغَيْرَ مُكرَّرٍ إنْ كانَ مِنْ وصف بَنِي إسْرائيلِ.
وإعْرَابُ مفرداتِهِ تقدَّم، ورفْعُه على خبرِ ابْتَداءٍ مُضْمَرٍ، أيْ : هُمْ سمَّاعون.
وكذلك " أكَّالُونَ لِلسُّحْتِ " في " اللاَّمِ " الوجهانِ المذكورانِ في قوله :" لِلْكَذِبِ ".
و " السُّحْتُ " الحَرَامُ، سُمِّي بذلك ؛ لأنَّه يُذْهِبُ البَرَكَةَ ويَمْحَقُها، يُقالُ : سَحَتَهُ اللَّهُ، وأسْحَتَهُ : أيْ : أهْلكهُ وأذهَبَهُ.
قال الزَّجَّاجُ : أصلُهُ مِنْ : سَحَتُّهُ إذ اسْتَأصَلته، قال تعالى :﴿فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ﴾ [طه: ٦٢] أيْ : يَسْتأصلهمْ، أوْ لأنَّه مَسْحوتُ البَرَكَةِ.
قال الله تعالى :﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الْرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٦].
وقال اللَّيْثُ بنُ سَعْدٍ : إنَّهُ حرامٌ يحصلُ مِنْه العار.
وعن الفرَّاءِ :" السُّحْتُ " : شدَّةُ الجُوعِ، يُقال : رجلٌ مَسْحُوتُ المعدةِ إذا كان أكُولاً، لا يُلْفَى إلاَّ جائعاً أبداً وهو راجعٌ إلى الهلكة.
وقد قُرِئ قوله تعالى :" فَيُسْحِتَكُمْ " بالوجهين : مهن سَحَتُّهُ، وأسْحَتُّهُ.
وقال الفرزدقُ :[ الطويل ]
وقرأ نافعٌ وابنُ عامرٍ، وعاصمٌ، وحمزةُ(٢) :" السُّحْت " بضَمِّ السِّينِ وسكون الحاء، والباقون بضمهما، وزيد بن علي، وخارجة بن مصعب عن نافع بالفتح وسكون الحاء، وعبيد بن عمير بالكسر والسكون وقُرئ بفَتْحتيْنِ(٣)، فالضمتانِ : اسمٌ للشيء المسحُوتِ، والضمةُ والسكونُ تخفيفُ هذا الأصْلِ، والفتحتانِ والكَسْرِ والسُّكُونِ اسمٌ له أيضاً.
وأمَّا المفتوحُ السينِ السَّاكن الحاءِ، فمصدرٌ أُريدَ بِهِ اسمُ المفعولِ، كالصَّيْد بمعنى المصيدِ، ويجوزُ أنْ يكُونَ تَخْفِيفاً مِنَ المَفتُوحِ، وهُوَ ضعيفٌ.
والمرادُ بالسُّحْتِ : الرَّشْوَةُ في الحُكْمِ(٤)، ومَهْرُ البَغِيّ(٥)، وعَسِيبُ الفَحْلِ(٦)، وكَسْبُ الحجامِ(٧)، وثَمنُ الكَلْبِ(٨)، وثمنُ الخمرِ(٩)، وثمنُ المَيْتَةِ(١٠)، وحُلوانُ الكَاهِنِ(١١)، والاستعجالُ في المعصية(١٢)، رُوِيَ ذلك عَنْ عُمَرَ وعَليٍّ وابن عباسٍ وأبِي هُريرةَ ومجاهدٍ، وزاد بعضهُم، ونقص بعضهم.
وقال الأخْفَش(١٣) : السُّحْتُ كُلُّ كَسْبٍ لا يَحقُّ.
قال الحسنُ : كان الحاكِمُ منهم إذا أتاهُ أحَدٌ برشْوَةٍ جعلها في كُمِّهِ، فَيُريها إيَّاهُ، وكان يَتَكلَّمُ بحاجتِهِ، فَيُسْمعُ مِنْه، ولا ينظرُ إلى خَصْمهِ، فَيَسْمَعُ الكذبَ، ويأكُلُ الرشْوَةَ(١٤).
وقال أيضاً : إنَّما ذلك في الحُكْم إذا رشوتَهُ ليحقَّ لك باطلاً، أو يُبْطل عنك حقاً، فأمَّا أنْ يُعْطِيَ الرجلُ الوالِيَ يَخافُ ظُلْمَهُ لِيَدْرَأ به عَن نفسه فلا بأسَ، والسُّحْتُ هو الرَّشْوَةُ فِي الحكمِ على قول الحسن وسُفيانِ وقتادةَ والضَّحَّاكِ.
وقال ابنُ مسعودٍ - رضي الله عنه - هو الرشوةُ في كُلِّ شيْءٍ، مَنْ يشفعُ شفاعَةً ليَرُدَّ بِهَا حَقًّا أو يدفَعَ بها ظُلْماً، فأهدي له فَقَبِلَ، فهو سُحْتٌ.
فقيل له : يا أبَا عَبْد الرَّحْمنِ، ما كُنَّا نَرَى ذلك إلاَّ الأخْذَ على الحُكْمِ، فقال : الأخذُ على الحُكْمِ كُفْرٌ(١٥) ؛ قال الله تعالى :﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤].
وقال بَعْضُهُم(١٦) : كان فقراؤهُم يأخُذُونَ مِنْ أغْنِيائِهم مالاً ليقيمُوا على ما هُمْ عليه من اليَهُوديَّة، فالفقراءُ كانُوا يسمعُونَ أكاذيبَ الأغنياءِ، ويأكُلُونَ السُّحْتَ الذي يأخذوه مِنْهُم.
وقيل : سمَّاعُون للأكاذِيبِ التي كانوا يَنْسِبُونَها إلى التوراةِ، أكَّالُونَ لِلرِّبَا لقوله تعالى :﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ﴾ [النساء: ١٦١].
وقال عمرُ بن الخطَّابِ - رضي الله عنه - رَشْوَةُ الحاكم من السُّحْتِ(١٧). وعن رسُولِ الله صلَّى الله عليه وعلى آله وسلم أنَّه قال :" كُلُّ لَحْمٍ نبتَ بالسُّحْتِ فالنَّارُ أوْلَى به " قالُوا : يا رسولَ الله، ومَا السُّحْتُ ؟ قال :" الرشوةُ في الحُكْمِ " (١٨).
وعن ابْنِ مَسْعُودٍ - رضي الله عنه - أيْضَاً أنَّهُ قال : السحتُ أنْ يَقْضِيَ الرجلُ لأخيه حَاجَةً، فيُهْدِي إلَيْهِ هديَّةً فَيَقْبَلهَا(١٩).
وقال بعضُ العلماءِ(٢٠) : من السحتِ أنْ يأكلَ الرجلُ بجاهِهِ، بأنْ يكون للرجل حاجةٌ عند السلطانِ، فيسألَهُ أنْ يَقْضِيَها له، فلا يَقْضِيهَا له إلاَّ بِرشْوَةٍ يأخُذُها. انتهى.
وقال أبُو حَنيفَةَ [ - رضي الله عنه - ] : إذا ارْتَشَى الحاكمُ انعزَلَ في الوقْتِ، وإنْ لم يُعزلْ بطلَ كُلُّ حُكْمٍ حَكَمَ به بَعْدَ ذلك.
قال القرطُبي(٢١) : وهذا لا يجوزُ أن يُخْتلفَ فيه إنْ شاء الله ؛ لأنَّ أخْذَ الرشوة فِسْقٌ والفاسِقُ لا يَنْفُذُ حُكْمُهُ.
قوله تعالى :﴿فَإِن جَآءُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾.
خيَّره تعالى بَيْنَ الحُكْمِ وبَيْنَ الإعراضِ عنهم، واختلفُوا فيه على قولَيْنِ :
الأولُ : أنَّهُ في أمرٍ خاصٍّ، ثُم اختلف هؤلاءِ.
فقال ابنُ عباسٍ، والحسنُ، والزهريُّ - رضي الله عنهم - : إنَّهُ في أمر زنا المُحْصَنِ(٢٢)، وقيل : في قَتيلٍ قُتل من اليهودِ في بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِير كما تقدم، فتحاكمُوا إلى النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - فجعل الدِّيَّةَ سَواءً(٢٣).
وقيل : هذا التخييرُ مُخْتص بالمعاهدينَ الذين لا ذمَّةَ لهم، فإن شاء حكم بينهم، وإنْ شاء أعْرض عنْهُم.
والقول الثاني : أنَّ الآيةَ عامةٌ في كل مَنْ جاء من الكُفار، ثم اختلفُوا : فمنهم من قال : إنَّ الحُكمَ ثابتٌ في سَائِرِ الأحكامَ غيرُ(٢٤) منسُوخٍ وهو قولُ النَّخَعِيِّ والشَّعْبِيِّ وقتادة، وعطاء، وأبِي بَكْرٍ الأصَمِّ، وأبِي مُسْلِمٍ(٢٥).
وحكامُ المسلمينِ بالخيارِ في الحُكم بين أهْل الكتابِ، ومنهم مَنْ قال : إنه منسوخٌ بقوله تعالى :﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] وهو قولُ ابن عباسٍ، والحسنِ، ومجاهد، وعكرِمَة(٢٦) [ رضي الله عنهم ]، ومذهبُ الشافعيِّ - رضي الله عنه - أنَّه يجبُ على حاكمِ المسلمينَ أنْ يحكمَ بينَ أهْل الذِّمَةِ إنْ تَحاكمُوا إليه، لأنَّ في إمضاء حُكْمِ الإسلام علَيْهم صَغَاراً لَهُم.
فأمَّا المعاهدُ إلى مُدَّةٍ، فلا يجبُ على الحاكمِ أنْ يحكمَ بينهم، بل يتخيَّرُ في ذلك.
قال ابنُ عباس(٢٧) - رضي الله عنهما - : لم يُنْسَخْ مِنَ المائِدَةِ إلاَّ آيتَانِ : قوله تعالى :﴿لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٢] نسخَهَا قوله :﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥].
وقوله تعالى :﴿فَإِن جَآءُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ نسخها قوله تعالى :﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] فأمَّا إذا تحاكَمَ مسلمٌ وذميٌّ يجبُ علينا الحكمُ بَيْنَهُمَا بلا خلافٍ، لأنَّهُ لا يجُوزُ للمسلم الانقيادُ لحكم أهْلِ الذِّمَّةِ.
ثُمَّ قال :﴿وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً﴾ والمعنى أنهم كانوا لا يتحاكمون إليه إلا لطلب الأسهل والأخف كالجلد مكان الرجم، فإذا لم يحكم بينهم وأعرض عنهم شق عليهم، وصاروا أعداءً لَهُ، فبين تعالى أنَّهُ لا تَضره عداوتُهُمْ له.
ثُمَّ قال تعالى :﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ﴾ أيْ بالعَدْلِ :﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ أيْ : العادِلينَ.
وإعْرَابُ مفرداتِهِ تقدَّم، ورفْعُه على خبرِ ابْتَداءٍ مُضْمَرٍ، أيْ : هُمْ سمَّاعون.
وكذلك " أكَّالُونَ لِلسُّحْتِ " في " اللاَّمِ " الوجهانِ المذكورانِ في قوله :" لِلْكَذِبِ ".
و " السُّحْتُ " الحَرَامُ، سُمِّي بذلك ؛ لأنَّه يُذْهِبُ البَرَكَةَ ويَمْحَقُها، يُقالُ : سَحَتَهُ اللَّهُ، وأسْحَتَهُ : أيْ : أهْلكهُ وأذهَبَهُ.
قال الزَّجَّاجُ : أصلُهُ مِنْ : سَحَتُّهُ إذ اسْتَأصَلته، قال تعالى :﴿فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ﴾ [طه: ٦٢] أيْ : يَسْتأصلهمْ، أوْ لأنَّه مَسْحوتُ البَرَكَةِ.
قال الله تعالى :﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الْرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٦].
وقال اللَّيْثُ بنُ سَعْدٍ : إنَّهُ حرامٌ يحصلُ مِنْه العار.
وعن الفرَّاءِ :" السُّحْتُ " : شدَّةُ الجُوعِ، يُقال : رجلٌ مَسْحُوتُ المعدةِ إذا كان أكُولاً، لا يُلْفَى إلاَّ جائعاً أبداً وهو راجعٌ إلى الهلكة.
وقد قُرِئ قوله تعالى :" فَيُسْحِتَكُمْ " بالوجهين : مهن سَحَتُّهُ، وأسْحَتُّهُ.
وقال الفرزدقُ :[ الطويل ]
| وعَضُّ زَمَانٍ يَا بْنَ مَرْوَانَ لَمْ يَدَعْ | مِنَ المَالِ إلاَّ مُسْحَتاً أوْ مُجَلَّفُ(١) |
وأمَّا المفتوحُ السينِ السَّاكن الحاءِ، فمصدرٌ أُريدَ بِهِ اسمُ المفعولِ، كالصَّيْد بمعنى المصيدِ، ويجوزُ أنْ يكُونَ تَخْفِيفاً مِنَ المَفتُوحِ، وهُوَ ضعيفٌ.
والمرادُ بالسُّحْتِ : الرَّشْوَةُ في الحُكْمِ(٤)، ومَهْرُ البَغِيّ(٥)، وعَسِيبُ الفَحْلِ(٦)، وكَسْبُ الحجامِ(٧)، وثَمنُ الكَلْبِ(٨)، وثمنُ الخمرِ(٩)، وثمنُ المَيْتَةِ(١٠)، وحُلوانُ الكَاهِنِ(١١)، والاستعجالُ في المعصية(١٢)، رُوِيَ ذلك عَنْ عُمَرَ وعَليٍّ وابن عباسٍ وأبِي هُريرةَ ومجاهدٍ، وزاد بعضهُم، ونقص بعضهم.
وقال الأخْفَش(١٣) : السُّحْتُ كُلُّ كَسْبٍ لا يَحقُّ.
فصل
قال الحسنُ : كان الحاكِمُ منهم إذا أتاهُ أحَدٌ برشْوَةٍ جعلها في كُمِّهِ، فَيُريها إيَّاهُ، وكان يَتَكلَّمُ بحاجتِهِ، فَيُسْمعُ مِنْه، ولا ينظرُ إلى خَصْمهِ، فَيَسْمَعُ الكذبَ، ويأكُلُ الرشْوَةَ(١٤).
وقال أيضاً : إنَّما ذلك في الحُكْم إذا رشوتَهُ ليحقَّ لك باطلاً، أو يُبْطل عنك حقاً، فأمَّا أنْ يُعْطِيَ الرجلُ الوالِيَ يَخافُ ظُلْمَهُ لِيَدْرَأ به عَن نفسه فلا بأسَ، والسُّحْتُ هو الرَّشْوَةُ فِي الحكمِ على قول الحسن وسُفيانِ وقتادةَ والضَّحَّاكِ.
وقال ابنُ مسعودٍ - رضي الله عنه - هو الرشوةُ في كُلِّ شيْءٍ، مَنْ يشفعُ شفاعَةً ليَرُدَّ بِهَا حَقًّا أو يدفَعَ بها ظُلْماً، فأهدي له فَقَبِلَ، فهو سُحْتٌ.
فقيل له : يا أبَا عَبْد الرَّحْمنِ، ما كُنَّا نَرَى ذلك إلاَّ الأخْذَ على الحُكْمِ، فقال : الأخذُ على الحُكْمِ كُفْرٌ(١٥) ؛ قال الله تعالى :﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤].
وقال بَعْضُهُم(١٦) : كان فقراؤهُم يأخُذُونَ مِنْ أغْنِيائِهم مالاً ليقيمُوا على ما هُمْ عليه من اليَهُوديَّة، فالفقراءُ كانُوا يسمعُونَ أكاذيبَ الأغنياءِ، ويأكُلُونَ السُّحْتَ الذي يأخذوه مِنْهُم.
وقيل : سمَّاعُون للأكاذِيبِ التي كانوا يَنْسِبُونَها إلى التوراةِ، أكَّالُونَ لِلرِّبَا لقوله تعالى :﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ﴾ [النساء: ١٦١].
وقال عمرُ بن الخطَّابِ - رضي الله عنه - رَشْوَةُ الحاكم من السُّحْتِ(١٧). وعن رسُولِ الله صلَّى الله عليه وعلى آله وسلم أنَّه قال :" كُلُّ لَحْمٍ نبتَ بالسُّحْتِ فالنَّارُ أوْلَى به " قالُوا : يا رسولَ الله، ومَا السُّحْتُ ؟ قال :" الرشوةُ في الحُكْمِ " (١٨).
وعن ابْنِ مَسْعُودٍ - رضي الله عنه - أيْضَاً أنَّهُ قال : السحتُ أنْ يَقْضِيَ الرجلُ لأخيه حَاجَةً، فيُهْدِي إلَيْهِ هديَّةً فَيَقْبَلهَا(١٩).
وقال بعضُ العلماءِ(٢٠) : من السحتِ أنْ يأكلَ الرجلُ بجاهِهِ، بأنْ يكون للرجل حاجةٌ عند السلطانِ، فيسألَهُ أنْ يَقْضِيَها له، فلا يَقْضِيهَا له إلاَّ بِرشْوَةٍ يأخُذُها. انتهى.
وقال أبُو حَنيفَةَ [ - رضي الله عنه - ] : إذا ارْتَشَى الحاكمُ انعزَلَ في الوقْتِ، وإنْ لم يُعزلْ بطلَ كُلُّ حُكْمٍ حَكَمَ به بَعْدَ ذلك.
قال القرطُبي(٢١) : وهذا لا يجوزُ أن يُخْتلفَ فيه إنْ شاء الله ؛ لأنَّ أخْذَ الرشوة فِسْقٌ والفاسِقُ لا يَنْفُذُ حُكْمُهُ.
قوله تعالى :﴿فَإِن جَآءُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾.
خيَّره تعالى بَيْنَ الحُكْمِ وبَيْنَ الإعراضِ عنهم، واختلفُوا فيه على قولَيْنِ :
الأولُ : أنَّهُ في أمرٍ خاصٍّ، ثُم اختلف هؤلاءِ.
فقال ابنُ عباسٍ، والحسنُ، والزهريُّ - رضي الله عنهم - : إنَّهُ في أمر زنا المُحْصَنِ(٢٢)، وقيل : في قَتيلٍ قُتل من اليهودِ في بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِير كما تقدم، فتحاكمُوا إلى النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - فجعل الدِّيَّةَ سَواءً(٢٣).
وقيل : هذا التخييرُ مُخْتص بالمعاهدينَ الذين لا ذمَّةَ لهم، فإن شاء حكم بينهم، وإنْ شاء أعْرض عنْهُم.
والقول الثاني : أنَّ الآيةَ عامةٌ في كل مَنْ جاء من الكُفار، ثم اختلفُوا : فمنهم من قال : إنَّ الحُكمَ ثابتٌ في سَائِرِ الأحكامَ غيرُ(٢٤) منسُوخٍ وهو قولُ النَّخَعِيِّ والشَّعْبِيِّ وقتادة، وعطاء، وأبِي بَكْرٍ الأصَمِّ، وأبِي مُسْلِمٍ(٢٥).
وحكامُ المسلمينِ بالخيارِ في الحُكم بين أهْل الكتابِ، ومنهم مَنْ قال : إنه منسوخٌ بقوله تعالى :﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] وهو قولُ ابن عباسٍ، والحسنِ، ومجاهد، وعكرِمَة(٢٦) [ رضي الله عنهم ]، ومذهبُ الشافعيِّ - رضي الله عنه - أنَّه يجبُ على حاكمِ المسلمينَ أنْ يحكمَ بينَ أهْل الذِّمَةِ إنْ تَحاكمُوا إليه، لأنَّ في إمضاء حُكْمِ الإسلام علَيْهم صَغَاراً لَهُم.
فأمَّا المعاهدُ إلى مُدَّةٍ، فلا يجبُ على الحاكمِ أنْ يحكمَ بينهم، بل يتخيَّرُ في ذلك.
قال ابنُ عباس(٢٧) - رضي الله عنهما - : لم يُنْسَخْ مِنَ المائِدَةِ إلاَّ آيتَانِ : قوله تعالى :﴿لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٢] نسخَهَا قوله :﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥].
وقوله تعالى :﴿فَإِن جَآءُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ نسخها قوله تعالى :﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] فأمَّا إذا تحاكَمَ مسلمٌ وذميٌّ يجبُ علينا الحكمُ بَيْنَهُمَا بلا خلافٍ، لأنَّهُ لا يجُوزُ للمسلم الانقيادُ لحكم أهْلِ الذِّمَّةِ.
ثُمَّ قال :﴿وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً﴾ والمعنى أنهم كانوا لا يتحاكمون إليه إلا لطلب الأسهل والأخف كالجلد مكان الرجم، فإذا لم يحكم بينهم وأعرض عنهم شق عليهم، وصاروا أعداءً لَهُ، فبين تعالى أنَّهُ لا تَضره عداوتُهُمْ له.
ثُمَّ قال تعالى :﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ﴾ أيْ بالعَدْلِ :﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ أيْ : العادِلينَ.
١ تقدم..
٢ ينظر: السبعة ٢٤٣، والحجة ٣/٢٢١، وحجة القراءات ٢٢٥، وإعراب القراءات ١/١٤٥، والعنوان ٨٧، وشرح شعلة ٣٤٩، وإتحاف ١/٥٣٥ والشواذ ٣٩.
ينظر: المحرر الوجيز ٢/١٩٣، والبحر المحيط ٣/٥٠١، والدر المصون ٢/٢٧..
٣ ينظر: البحر المحيط ٣/٥٠١، والدر المصون ٢/٥٢٧..
٤ أخرجه الطبري في تفسيره(٤/٥٧٩-٥٨٠) عن ابن مسعود ومجاهد وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٥٠٢) عن ابن مسعود وزاد نسبته لعبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن المنذر وأبي الشيخ عن ابن مسعود.
وأخرجه الطبري (٤/٥٨١) وعبد بن حميد وابن مردويه كما في "الدر المنثور" (٢/٥٠٢) عن ابن عمر مرفوعا بلفظ وما السحت؟ قال: الرشوة في الحكم..
٥ أخرجه الطبري (٤/٥٨١) عن ابن هريرة موقوفا وذكره السيوطي في "الدر المنثور"(٢/٥٠٣) وزاد نسبته للفريابي بلفظ: من السحت مهر الزانية... وأخرجه الطبري (٤/٥٨١) عن عبد الله بن هبيرة قال: من السحت ثلاثة: مهر البغي.
وأخرجه ابن مردويه والديلمي عن أبي هريرة كما في "الدر المنثور"(٢/٥٠٣) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ست خصال من السحت: رشوة الإمام وثمن الكلب وعسب الفحل ومهر البغي وكسب الحجام وحلوان الكاهن.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور"(٢/٥٠٢) عن علي وعزاه لأبي الشيخ بلفظ: أبواب السحت ثمانية: رأس السحت رشوة الحاكم وكسب البغي وعسب الفحل وثمن الميتة وثمن الخمر وثمن الكلب وكسب الحجام وأجر الكاهن..
٦ ينظر: المصدر السابق..
٧ ينظر: المصدر السابق..
٨ ينظر: المصدر السابق..
٩ ينظر: المصدر السابق..
١٠ ينظر: المصدر السابق..
١١ ينظر: المصدر السابق..
١٢ ينظر: المصدر السابق..
١٣ ينظر: تفسير البغوي ٢/ ٣٩..
١٤ ينظر: تفسير الفخر الرازي (١١/١٨٥)..
١٥ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٤/٥٧٩) عن ابن مسعود وذكره السيوطي في "الدر المنثور"(٢/٥٠٢) وزاد نسبته لابن أبي حاتم وأبي الشيخ والبيهقي في "شعب الإيمان"..
١٦ ينظر: الفخر الرازي ١١/١٨٥..
١٧ تقدم..
١٨ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٤/٥٨١) عن عبد الله بن عمر وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٥٠٢) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن مردويه..
١٩ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٤/٥٧٩) وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في "شعب الإيمان" كما في الدر المنثور" (٢٨/٥٠٢)..
٢٠ ذكره القرطبي منسوبا لابن خويزمنداد. ينظر: تفسير القرطبي ٦/١١٩..
٢١ ينظر: تفسير القرطبي ٦/١١٩..
٢٢ أخرجه الطبري (٤/٥٨٢) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٥٠٤) عن ابن شهاب وزاد نسبته لابن إسحاق..
٢٣ تقدم في سورة النساء..
٢٤ في أ: الحكم..
٢٥ ينظر: تفسير الرازي ١١/١٨٦..
٢٦ ذكره السيوطي في "الدر المنثور"(٢/٥٠٤) وعزاه لأبي عبيد وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس..
٢٧ تقدم في بداية السورة آية ٢..
٢ ينظر: السبعة ٢٤٣، والحجة ٣/٢٢١، وحجة القراءات ٢٢٥، وإعراب القراءات ١/١٤٥، والعنوان ٨٧، وشرح شعلة ٣٤٩، وإتحاف ١/٥٣٥ والشواذ ٣٩.
ينظر: المحرر الوجيز ٢/١٩٣، والبحر المحيط ٣/٥٠١، والدر المصون ٢/٢٧..
٣ ينظر: البحر المحيط ٣/٥٠١، والدر المصون ٢/٥٢٧..
٤ أخرجه الطبري في تفسيره(٤/٥٧٩-٥٨٠) عن ابن مسعود ومجاهد وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٥٠٢) عن ابن مسعود وزاد نسبته لعبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن المنذر وأبي الشيخ عن ابن مسعود.
وأخرجه الطبري (٤/٥٨١) وعبد بن حميد وابن مردويه كما في "الدر المنثور" (٢/٥٠٢) عن ابن عمر مرفوعا بلفظ وما السحت؟ قال: الرشوة في الحكم..
٥ أخرجه الطبري (٤/٥٨١) عن ابن هريرة موقوفا وذكره السيوطي في "الدر المنثور"(٢/٥٠٣) وزاد نسبته للفريابي بلفظ: من السحت مهر الزانية... وأخرجه الطبري (٤/٥٨١) عن عبد الله بن هبيرة قال: من السحت ثلاثة: مهر البغي.
وأخرجه ابن مردويه والديلمي عن أبي هريرة كما في "الدر المنثور"(٢/٥٠٣) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ست خصال من السحت: رشوة الإمام وثمن الكلب وعسب الفحل ومهر البغي وكسب الحجام وحلوان الكاهن.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور"(٢/٥٠٢) عن علي وعزاه لأبي الشيخ بلفظ: أبواب السحت ثمانية: رأس السحت رشوة الحاكم وكسب البغي وعسب الفحل وثمن الميتة وثمن الخمر وثمن الكلب وكسب الحجام وأجر الكاهن..
٦ ينظر: المصدر السابق..
٧ ينظر: المصدر السابق..
٨ ينظر: المصدر السابق..
٩ ينظر: المصدر السابق..
١٠ ينظر: المصدر السابق..
١١ ينظر: المصدر السابق..
١٢ ينظر: المصدر السابق..
١٣ ينظر: تفسير البغوي ٢/ ٣٩..
١٤ ينظر: تفسير الفخر الرازي (١١/١٨٥)..
١٥ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٤/٥٧٩) عن ابن مسعود وذكره السيوطي في "الدر المنثور"(٢/٥٠٢) وزاد نسبته لابن أبي حاتم وأبي الشيخ والبيهقي في "شعب الإيمان"..
١٦ ينظر: الفخر الرازي ١١/١٨٥..
١٧ تقدم..
١٨ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٤/٥٨١) عن عبد الله بن عمر وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٥٠٢) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن مردويه..
١٩ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٤/٥٧٩) وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في "شعب الإيمان" كما في الدر المنثور" (٢٨/٥٠٢)..
٢٠ ذكره القرطبي منسوبا لابن خويزمنداد. ينظر: تفسير القرطبي ٦/١١٩..
٢١ ينظر: تفسير القرطبي ٦/١١٩..
٢٢ أخرجه الطبري (٤/٥٨٢) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٥٠٤) عن ابن شهاب وزاد نسبته لابن إسحاق..
٢٣ تقدم في سورة النساء..
٢٤ في أ: الحكم..
٢٥ ينظر: تفسير الرازي ١١/١٨٦..
٢٦ ذكره السيوطي في "الدر المنثور"(٢/٥٠٤) وعزاه لأبي عبيد وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس..
٢٧ تقدم في بداية السورة آية ٢..