غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
القراءات :﴿السحت﴾ بضمتين : ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب ويزيد وعلي. الباقون بسكون العين. ﴿واخشوني﴾ بالياء في الحالين : سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل وافق أبو عمرو ويزيد وإسماعيل في الوصل ﴿والعين﴾ وما بعده بالرفع علي وافق أبو عمرو وابن كثير وابن عامر ويزيد في ﴿والجروح﴾ بالرفع. ﴿والأذن﴾ وبابه بسكون العين : نافع. ﴿وليحكم﴾ بالنصب : حمزة. الباقون بالجزم.
الوقوف :﴿قلوبهم﴾ ج أي ومن الذين هادوا قوم سماعون، وإن شئت عطفت ﴿ومن الذين هادوا﴾ على ﴿من الذين قالوا آمنا﴾ ووقفت على ﴿هادوا﴾ واستأنفت بقوله ﴿سماعون﴾ راجعاً إلى الفئتين، والأول أجود لأن التحريف محكي عنهم وهو مختص باليهود ﴿آخرين﴾ لا لأن ما بعده صفة لهم. ﴿لم يأتوك﴾ ط ﴿مواضعه﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف. ﴿فاحذروا﴾ ط ﴿شيئاً﴾ ط ﴿قلوبهم﴾ ط ﴿عظيم﴾ ه ﴿للسحت﴾ ط لأن المشروط غير مخصوص بما يليه ﴿أعرض عنهم﴾ ج ﴿شيئاً﴾ ط ﴿بالقسط﴾ ط ﴿المقسطين﴾ ه ﴿ذلك﴾ ط لتناهي الاستفهام ﴿بالمؤمنين﴾ ه ﴿ونور﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿شهداء﴾ ط لاختلاف النظم مع فاء التعقيب ﴿قليلاً﴾ ط ﴿الكافرون﴾ ه ﴿بالنفس﴾ ط لمن قرأ ﴿والعين﴾ وما بعده بالرفع ﴿بالسن﴾ ط لمن قرأ ﴿والجروح﴾ بالرفع ﴿قصاص﴾ ط لابتداء الشرط ﴿كفارة له﴾ ط ﴿الظالمون﴾ ه ﴿من التوراة﴾ الأولى ص لطول الكلام ﴿ونور﴾ ط لأن الحال بعده معطوف على محل الجملة قبله الواقعة حالاً. ﴿للمتقين﴾ ط لمن قرأ ﴿وليحكم﴾ بالنصب ﴿فيه﴾ ط ﴿الفاسقون﴾ ه.
ثم وصف اليهود بقوله :﴿سماعون للكذب أكالون للسحت﴾ وهو الحرام وكل ما لا يحل كسبه من سحته وأسحته أي استأصله لأنه مسحوت البركة، ومال مسحوت أي مذهب. قال الليث : السحت حرام يحصل منه العار وذلك أنه يسحت فضيلة الإنسان ويستأصلها. ورجل مسحوت المعدة إذا كان أكولاً لا يلفى إلاّ جائعاً أبداً كأنه يستأصل كل ما يصل إليه من الطعام. والسحت الرشوة في الحكم ومهر البغي وعسب الفحل وكسب الحجام وثمن الكلب وثمن الخمر وثمن الميتة وحلوان الكاهن والاستكساب في المعصية روي ذلك عن علي رضي الله عنه وعمر عثمان وابن عباس وأبي هريرة ومجاهد، وزاد بعضهم ونقص بعضهم وكل ذلك يرجع إلى الحرام الخسيس الذي لا يكون فيه بركة ويكون فيه عار بحيث يخفيه صاحبه لا محالة. قال الحسن : كان الحاكم في بني إسرائيل إذا أتاه من كان مبطلاً في دعواه برشوة سمع كلامه ولا يلتفت إلى خصمه فكان يسمع الكذب ويأكل السحت. وقيل : كان فقراؤهم يأخذون من أغنيائهم مالاً ليقيموا على ما هم عليه من اليهودية فكانوا يسمعون أكاذيب الأغنياء ويأكلون السحت. وقيل : سماعون للأكاذيب التي كانوا ينسبونها إلى التوراة، أكالون للربا لقوله تعالى :﴿وأخذهم الربا﴾[النساء: ١٦١]. ﴿فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم﴾ خيره الله تعالى بين الحكم والإعراض. فقيل : إن هذا الخبر مختص بالمعاهدين الذين لا ذمة لهم.
وقيل : إنه في أمر خاص وهو رجم المحصن قاله ابن عباس والحسن ومجاهد والزهري : وقيل : في قتيل قتل من اليهود في بني قريظة والنضير وكان في بني النضير شرف وكانت ديتهم كاملة وفي قريظة نصف دية، فتحاكموا إلى النبي ﷺ فجعل الدية سواء. وعن النخعي والشعبي وقتادة وعطاء وأبي بكر الأصم وأبي مسلم أن الآية عامة في كل ما جاء من الكفار، وأن الحكم ثابت في سائر الأحكام غير منسوخ. وعن ابن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة وهو مذهب الشافعي أن هذا التخيير منسوخ في حق غير المعاهدين بقوله تعالى :﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾[المائدة: ٤٩] فيجب على حاكم المسلمين أن يحكم بين أهل الذمة إذا تحاكموا إليه لأن في إمضاء حكم الإسلام عليهم صغاراً لهم. وأهل الحجاز بعضهم لا يرون إقامة الحدود عليهم يذهبون إلى أنهم قد صولحوا على شركهم وهو أعظم من الحدود ويقولون : إن النبي ﷺ رجم اليهوديين قبل نزول الجزية، ثم إنهم كانوا لا يتحاكمون إليه إلاّ لطلب الأسهل والأخف كالجلد مكان الرجم، فإذا أعرض ﷺ عنهم وأبى الحكومة بينهم شق عليهم وعادوا فآمنه الله بقوله :﴿وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئاً وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط﴾ بالعدل والاحتياط كما حكمت في الرجم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:التأويل : سماعون لكذبات الشيطان في وساوسه والنفس في هواجسها ﴿سماعون لقوم آخرين﴾ يسنون السنة السيئة لغيرهم ﴿يحرفون﴾ يغيرون قوانين الشريعة بتمويهات الطبيعة وهذه حال مؤوّلي القرآن والأحاديث على وفق أهوائهم ﴿سماعون للكذب أكالون للسحت﴾ لأن الأخلاق الردية أورثتهم الأعمال الدينية.
فالأخلاق نتائج الأعمال والأعمال نتائج الأخلاق وكلها من نتائج الاستعداد الفطري ﴿فإن جاءوك فاحكم بينهم﴾ مداوياً لدائهم إن رأيت التداوي سبباً لشفائهم أو أعرض عنهم إن تيقنت إعواز الشفاء لشقائهم ﴿وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط﴾ داوهم على ما يستحقون من دائهم ﴿بما استحفظوا من كتاب الله﴾ الفرق بين بني إسرائيل وبين هذه الأمة أنهم استحفظوا التوراة فضيعوها وحرفوها، وقال في حقنا :﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾[الحجر: ٩] ﴿وكتبنا عليهم﴾ كما أن في إهلاك النفس هلاك نفس المهلك ففي إحياء نفس الطالب بحياة الدين حياة نفس محييها، وفي معالجة عين قلبه وأنف قلبه وأذن قلبه وسن قلبه معالجة هذه الأعضاء بمزيد الإدراك. ﴿فمن تصدق﴾ بهذا الإحياء ﴿فهو كفارة له﴾ فيما فرط من إحياء نفسه ومعالجة قلبه طرفة عين. ﴿ومن لم يحكم﴾ على نفسه ﴿بما أنزل الله﴾ في تزكيتها وتحليتها فأولئك الذين ظلموا أنفسهم بوضع الحظوظ مقام الحقوق والله أعلم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى