الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
قوله :( سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِن جَاءُوكَ ) الآية [ ٤٤ ].
السحت : فيه لغتان(١) : إسكان الحاء(٢) وضمها(٣).
وروى خارجة(٤) عن نافع : " السَّحْت " بفتح السين وإسكان الحاء(٥)، جعله مصدر : " سحته سحتاً " (٦).
ومعنى الآية : أن الله زاد في وصف من تقدم وصفه من اليهود أنهم ( سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ اخَرِينَ لَمْ يَاتُوكَ )، فذكر أيضاً أنهم ( سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ ) على التأكيد. ويجوز أن يكون الأول معناه : أنهم يسمعون " مِن " (٧) قول مَن يقول لهم : " محمد ليس بنبي(٨) "، ويقول لهم : " ليس على المحصن رجم إذا زنى/ "، ويكون الثاني معناه : أنهم يستمعون(٩) إليك ليكذبوا عليك –وقد قيل ذلك في معنى الأول، وقد ذكرته(١٠)- ثم وصفهم تعالى بأنهم(١١) :( أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ ) وهو الرّشا في الحكم.
قال قتادة والحسن :( سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ ) هم حكام اليهود، يسمعون الكذب ويقبلون الرشا(١٢).
والسحت –في اللغة- : كل حرام يسحت الطاعات أي : يذهبها، يقال : سحته(١٣) : إذا أذهبه قليلاً(١٤)، ويقال للحالق(١٥) : " اِسْحَتْ " أي : استأصل(١٦).
وقيل : السحت : الرشا في الأحكام، وأكل ثمن الخمر، وأكل ثمن الميتة، وثمن جلدها الذي لم يُدْبَغ، وأكل ما نهى النبي عن أكله من كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير(١٧). وأدخل قوم في السحت أكل ( أموال الناس )(١٨) بالباطل(١٩).
وقوله :( فَإِن جَاءُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُمُ أَوَاَعْرِضْ عَنْهُمْ ) معناه : فإن جاءك(٢٠) قوم المرأة –الذين ذكر أنهم لم يأتوا(٢١) بَعْدُ-، فاحكم بينهم إن شئت بالحق، وإن شئت فأعرض عنهم، أي : دع الحكم بينهم إن شئت(٢٢).
وقيل : نزلت في الدية في بني النضير(٢٣) وقريظة، كانت دية النضيري(٢٤) كاملة(٢٥)، ودية القرظي(٢٦) نصف دية لشرف [ النضيري ](٢٧)، فتحاكموا إلى النبي ﷺ، فأمره الله أن يحكم بينهم بالحق، ثم خيّره في الترك، قاله ابن عباس(٢٨).
( و )(٢٩) قال ابن زيد : كان في حكم حيي بن أخطب للنضيري(٣٠) ديتان، وللقرظي(٣١) دية، فلما علمت [ قريظة ](٣٢) بحكم النبي قالوا : لا نرضى إلا بحكم محمد، فخيّر الله نبيه ﷺ في الحكم بينهم(٣٣).
١ - "سحته وأسحته: لغتان" تفسير الطبري ١٠/٣٢٤..
٢ - هي قراةء نافع وعاصم وابن عامر وحمزة في السبعة ٢٤٣..
٣ - هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو والكسائي في السبعة ٢٤٣، "وهما لغتان" حجة ابن زنجلة ٢٢٥، والكشف ١/٤٠٨..
٤ - هو أبو الحجاج خارجة بن مصعب الضبعي السرخسي، أخذ القراءة عن نافع وأبي عمرو، وله عنهما شذوذ كثير. روى عنه ابن الفضل وغيره. توفي سنة ١٦٨هـ. انظر: الغاية ١/٢٦٨..
٥ - انظر: السبعة ٢٤٣..
٦ - انظر: إعراب النحاس ١/٤٩٨..
٧ - ساقطة من ب ج د..
٨ - ب: نبى..
٩ - د: يسمعون..
١٠ - انظر: ما ذكر قبيل تفسير قوله (يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ) من الآية السابقة..
١١ - ج: بانكم..
١٢ - وهو قول مجاهد، وابن مسعود، وعمر، وإبراهيم، والضحاك، والسدي، وابن عباس، وابن هبييرة، وعلي، وأنس أيضاً، في تفسير الطبري ١٠/٣١٨ وما بعدها..
١٣ - ج: أسحته..
١٤ - انظر: معاني الزجاج ٢/١٧٧، وإعراب النحاس ١/٤٩٨، والكشف ١/٤٠٨..
١٥ - ب: للخالق..
١٦ - انظر: تفسير الطبري ١٠/٣٢٤، وانظر: معاني الزجاج ٢/١٧٧..
١٧ - انظر: قول علي في تفسير الطبري ١٠/٣٢٢، ٣٢٣..
١٨ - ب ج د: الأموال..
١٩ - انظر: قول ابن مسعود وغيره في تفسير الطبري ١٠/٣١٩ وما بعدها..
٢٠ - ب: جاءوك..
٢١ - ج د: يأتوك..
٢٢ - هو قول مجاهد، وابن شهاب، وابن عباس، وابن كثير في تفسير الطبري ١٠/٣٢٥، ٣٢٦..
٢٣ - ب: النظير..
٢٤ - ب: النظير في..
٢٥ - ب ج د: دية كاملة..
٢٦ - ب: القرطبي، ج: القرضي..
٢٧ - أ: النضري، ب ج: النظيري..
٢٨ - انظر: تفسير الطبري ١٠/٣٢٦ و٣٢٧..
٢٩ - ساقطة من ب ج د..
٣٠ - أ: للنضري. ب: للنظيري..
٣١ - ب: القرطبي. ج: القريظي. د: القريطي..
٣٢ - أ: قرظية..
٣٣ - ب: نبيهم. وانظر: تفسير الطبري ١٠/٣٢٧ و٣٢٨..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى