تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني

عن الكتاب
قوله - تعالى - :( إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا ) أي : أسلموا لأمر الله، كما قال لإبراهيم :( أسلم قال أسلمت لرب العالمين ) (١) أي : سلمت لأمر رب العالمين، وأراد به : النبيين الذين بعثوا بعد موسى ؛ ليحكموا على حكم التوراة، وقوله :( للذين هادوا ) فيه تقديم وتأخير، وتقديره : فيها هدى، ونور للذين هادوا، ثم قال :( يحكم بها النبيون الذين أسلموا والربانيون ) وقيل : هو على موضعه، ومعناه : يحكم بها النبيون الذين أسلموا على الذين هادوا، وهو مثل قوله :( أولئك لهم اللعنة ) (٢) أي : عليهم اللعنة، وقال ﷺ لعائشة :«اشترطي لهم الولاء »(٣) أي : عليهم الولاء كذا قال النحاس(٤)، وقيل : فيه حذف، كأنه قال : للذين هادوا على الذين هادوا ؛ فحذف أحدهما ؛ اختصارا ( والربانيون ) قال أبو رزين : هم العلماء الحكماء، وأصل الرباني : رب العلم، فزيد فيه الألف والنون ؛ للمبالغة، وقيل : الربانيون من النصارى، والأحبار من اليهود، وقيل : كلاهما من اليهود، والربانيون فوق الأبار. قال المبرد : والأحبار : مأخوذ من التحبير، وهو التحسين، ومنه الحديث :«يخرج من النار رجل قد ذهب حبره وسبره »(٥) أي حسنه وجماله، وقيل : هو من التحبير بمعنى التأثير، ومنه الحَبْر، فسمى العالم : حبرا ؛ لتأثير علمه فيه وفي غيره، كأنه العالم العامل، والحَبْرُ والحِبْرُ واحد، وجمعه الأحبار، قال الفراء : وأكثر ما سمعت : الحبر - بكسر الحاء - وجمعه أحبار.
( بما استحفظوا ) أي : بما استودعوا ( من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ).
( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) قال البراء بن عازب - وهو قول الحسن - : الآية في المشركين. قال ابن عباس : الآية في المسلمين، وأراد به كفر دون كفر، واعلم أن الخوارج يستدلون بهذه الآية، ويقولون : من لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر، وأهل السنة قالوا : لا يكفر بترك الحكم، وللآية تأويلان : أحدهما معناه : ومن لم يحكم بما أنزل الله ردا وجحدا فأولئك هم الكافرون. والثاني معناه : ومن لم يحكم بكل ما أنزل الله فأولئك هم الكافرون، والكافر هو الذي يترك الحكم بكل ما أنزل الله دون المسلم.
١ - الرعد: ٢٥..
٢ - متفق عليه، فرواه البخاري (٥/٢٢٥ رقم ٢٥٦٣، ومسلم (١٠/١٩٨ رقم ١٥٠٤)..
٣ - واعترض الحافظ ابن حجر في الفتح (٥/٢٢٦) على هذا التأويل وقال: وسياق الحديث يأبى ذلك، ونقل عن المزني أنه قال: لا يصح، وعن النووي أنه قال: تأويل اللام بمعنى على هنا ضعيف..
٤ - ذكره أبو عبيد في الغريب (١/٢٢٠) وقال: وفي الحديث اختلاف، وبعضهم يرفعه، وبعضهم لا يرفعه وكذلك ذركه ابن الأثير في غريب الحديث (١/٣٢٧)، وأعاده في (٢/٣٣٣)..
٥ - قرأ الكسائي بالرفع في الخمسة، ووافقه في "الجروح" خاصة ابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر، وابن عامر. وقرأ الباقون بالنصب. انظر النشر (٢/٢٥٤)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى