غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
القراءات :﴿ولا يجرمنكم﴾ بالنون الخفيفة : روي عن رويس. الباقون مثقلة. ﴿شنآن﴾ في الموضعين بسكون النون : ابن عامر وإسماعيل وأبو بكر وحماد ويزيد من طريق ابن وردان. الباقون بالفتح. ﴿أن صدّوكم﴾ بكسر الهمز : ابن كثير أبو عمرو. الباقون بالفتح. ﴿ولا تعاونوا﴾ بتشديد التاء : البزي وابن فليح. ﴿الميتة﴾ و ﴿فمن اضطر﴾ كما مر في البقرة. ﴿واخشوني﴾ بالياء في الوقف : سهل ويعقوب. ﴿وأرجلكم﴾ بالنصب : ابن عامر ونافع وعلي والمفضل وحفص ويعقوب والأعشى في اختياره. الباقون بالجر.
الوقوف :﴿بالعقود﴾ ط لاستئناف الفعل. ﴿حرم﴾ ط ﴿ما يريد﴾ ه ﴿ورضواناً﴾ ط ﴿فاصطادوا﴾ ط لابتداء نهي أن تعتدوا لئلاّ يتوهم العطف وحذف التاء من تعاونوا. ﴿والتقوى﴾ ص لعطف المتفقتين. ﴿والعدوان﴾ ص كذلك ﴿واتقوا الله﴾ ط ﴿شديد العقاب﴾ ه ﴿بالأزلام﴾ ط ﴿فسق﴾ ط ﴿واخشوني﴾ ط ﴿ديناً﴾ ط لأنّ الشرط من تمام التحريم لا مما يليه. ﴿لإثم﴾ لا لأن ما بعده جزاء. ﴿رحيم﴾ ه ﴿أحل لهم﴾ ط فصلاً بين السؤال والجواب. ﴿الطيبات﴾ ط للعطف أي وصيد ما علمتم. ﴿مما علمكم الله﴾ ز لفاء التعقيب مع عطف المختلفين. ﴿عليه﴾ ص ﴿واتقوا الله﴾ ط ﴿الحساب﴾ ه ﴿الطيبات﴾ ط لأن ما بعده مبتدأ. ﴿لكم﴾ ص لعطف المتفقتين. ﴿لهم﴾ ز لأن قوله :﴿والمحصنات﴾ عطف على ﴿وطعام الذين﴾ لا على ما يليه. ﴿أخدان﴾ ط ﴿عمله﴾ ز لعطف المختلفين مع أن ما بعده من تمام جزاء الكفر معنى. ﴿الخاسرين﴾ ه ﴿الكعبين﴾ ط لابتداء حكم. ﴿فاطهروا﴾ ط كذلك. ﴿وأيديكم منه﴾ ط ﴿تشكرون﴾ ه ﴿واثقكم به﴾ لا لأن " إذ " ظرف المواثقة. ﴿وأطعنا﴾ ز لعطف المتفقتين مع وقوع العارض. ﴿واتقوا الله﴾ ط ﴿الصدور﴾ ه ﴿بالقسط﴾ ز لعطف المتفقتين مع زيادة نون التأكيد المؤذن بالاستئناف. ﴿أن لا تعدلوا﴾ ط للاستئناف. ﴿اعدلوا﴾ ج وقفة لطيفة لأن الضمير مبتدأ مع شدة اتصال المعنى. ﴿للتقوى﴾ ز ﴿واتقوا الله﴾ ط ﴿بما تعملون﴾ ه ﴿الصالحات﴾ لا لأن ما بعده مفعول الوعد أي أن لهم. ﴿عظيم﴾ ه ﴿الجحيم﴾ ه ﴿أيديهم عنكم﴾ ج لاعتراض الظرف بين المتفقين. ﴿واتقوا الله﴾ ط ﴿المؤمنون﴾ ه.
﴿يسألونك ماذا أحل لهم﴾ كأنهم حين تلي عليهم ما حرّم عليهم من خبيثات المآكل سألوا عما أحل لهم والسؤال في معنى القول. وإنما لم يقل ماذا أحل لنا على حكاية قولهم نظراً إلى ضمير الغائب في :﴿يسألونك﴾ ومثل هذا يجوز فيه الوجهان. تقول : أقسم زيد ليفعلن أو لأفعلن. أما سبب النزول فعن أبي رافع أن جبريل عليه السلام جاء إلى النبي ﷺ فاستأذن عليه فأذن له فلم يدخل، فخرج رسول الله ﷺ فقال جبريل : إنا لا ندخل بيتاً فيه كلب ولا صورة. فنظروا فإذا في بعض بيوتهم جرو. قال أبو رافع : فأمرني أن لا أدع بالمدينة كلباً إلاّ قتلته حتى بلغت العوالي فإذا امرأة عندها كلب يحرسها فرحمتها فتركته فأتيت النبي ﷺ فأخبرته فأمرني بقتله، فرجعت إلى الكلب فقتلته، فجاء ناس فقالوا : يا رسول الله ماذا يحل لنا من هذه الأمة التي تقتلها فسكت رسول الله ﷺ إلى أن نزلت هذه الآية. فأمر بقتل الكلب الكلب والعقور وما يضر ويؤذي وأذن في اقتناء الكلاب التي ينتفع بها. وقال سعيد بن جبير : نزلت في عدي بن حاتم وزيد الخيل الذي سماه رسول الله ﷺ زيد الخير حين قالا : يا رسول الله إنا قوم نصيد بالكلاب والبزاة وإنها تأخذ البقر والحمر والظباء والضب فمنه ما ندرك ذكاته ومنه ما نقتل فلا ندرك وقد حرّم الله الميتة فماذا يحل لنا منها فنزل :﴿قل أحل لكم الطيبات﴾ أي ما ليس بخبيث منها وهو ما لم يأت تحريمه في كتاب أو سنة أو قياس مجتهد، أو أحل لكم كل ما يستلذ ويشتهى عند أهل المروءة والأخلاق الجميلة، واعلم أن الأصل في الأعيان الحل لأنها خلقت لمنافع العباد ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً﴾[البقرة: ٢٩] واستثنى من ذلك أصول : الأوّل : تنصيص الكتاب على تحريمه كالميتة والدم وغيرهما. الثاني : تنصيص السنة كما روي عن جميع من الصحابة أن النبي ﷺ نهى عام خيبر عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية والبغال كالحمير. ولا تحرم الخيل عند الشافعي لما روي عن جابر أنه قال : نهانا رسول الله ﷺ عن البغال والحمير ولم ينهنا عن الخيل. الثالث : ما هو في معنى المنصوص كالنبيذ فإنه مسكر كالخمر فيشاركها في التحريم. الرابع : كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطيور وقد مر معنى السبع عن قريب فلا يحل بموجب هذا الأصل الكلب والأسد والذئب والنمر والفهد والدب والببر والقرد والفيل لأنها تعدو بأنيابها، ولا يحل من الطيور البازي والشاهين والصقر والعقاب وجميع جوارح الطير. الخامس : ما أمر بقتله من الحيوانات فهو حرام لأنّ الأمر بقتله إسقاط لحرمته ومنع من اقتنائه.
ولو كان مأكولاًَ لجاز اقتناؤه للتسمين وإعداده للأكل وقت الحاجة. ومنه الفواسق الخمس. روي أنه ﷺ قال :" خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم الحية والفأرة والغراب الأبقع والكلب والحدأة ". السادس ما ورد النهي عن قتله فهو حرام لأنه لو كان مأكولاً لجاز ذبحه ليؤكل كما روي أنه ﷺ نهى عن قتل الخطاطيف، وكذا الصرد والنملة والنحلة والهدهد والخفاش. السابع : الاستطابة والاستخباث لقوله تعالى :﴿قل أحل لكم الطيبات﴾ قال العلماء : فيبعد الرجوع إلى طبقات الناس وتنزيل كل قوم على ما يستطيبون ويستخبثون لأن ذلك يوجب اختلاف الأحكام في الحل والحرمة وذلك يخالف موضوع الشرع. فالعرب أولى أمة بالاعتبار لأنّ الدين عربي وهم المخاطبون أوّلاً وليس لهم ترفه وتنعم يورث تضييق المطاعم على الناس، ولكن المعتبر استطابة سكان القرى والبلاد دون أجلاف البوادي الذين لا تمييز لهم. وأيضاً يعتبر أصحاب اليسار والترفه دون أصحاب الضرورات والحاجات. وأيضاً المعتبر حال الخصب والرفاهية دون حال الجدب والشدة. والحشرات بأسرها مستخبثة كالذباب والخنفساء والجعلان وحمار قبان إلاّ الضب فإنه ﷺ قال :" لا آكله ولا أحرمه ". ومن الأصول أنه لا يجوز أكل الأعيان النجسة في حال الاختيار وكذا أكل الطاهر إذا نجس بملاقاة النجاسة كالدهن والسمن الذائب والدبس والخل. ومن الأصول الكسب بمخامرة النجاسة ولكن كسب الحجام حلال عند الشافعي، ومن الأصول ما يضر كالزجاج والسم والنبات المسكر أو المجنن. قوله سبحانه :﴿وما علمتم من الجوارح﴾ معناه أحل لكم صيد ما علمتم على حذف المضاف لدلالة ﴿فكلوا مما أمسكن عليه﴾ ويجوز أن تكون " ما " شرطية والجزاء ﴿فكلوا﴾ وعلى هذا يجوز الوقف على ﴿الطيبات﴾. والجوارح الكواسب من سباع البهائم والطير كالكلب والفهد والبازي والصقر. قال تعالى :﴿ويعلم ما جرحتم بالنهار﴾[الأنعام: ٦] أي كسبتم. وجوّز بعضهم أن يكون من الجراحة. وقال : ما أخذ من الصيد فلم يسل منه دم لم يحل. وانتصاب ﴿مكلبين﴾ على الحال من ﴿علمتم﴾. وفائدة هذه الحال مع الاستغناء عنها ب ﴿علمتم﴾ أن معلم الجوارح ينبغي أن يكون ماهراً في علمه مدرباً فيه موصوفاً بالتكليب. نقل عن ابن عمر والضحاك والسدي أن ما صادها غير الكلاب فلم يدرك ذكاته لم يجز أكله لأنّ قوله :﴿مكلبين﴾ يدل على كون هذا الحكم مخصوصاً بالكلب. والجمهور على أنّ الجوارح يدخل فيه ما يمكن الاصطياد به من السباع. قالوا : المكلب مؤدب الجوارح ورائضها لأنّ تصطاد لصاحبها وإنما اشتق من الكلب لكثرة هذا المعنى في جنسه، أو لأنّ كل سبع يسمى كلباً كقوله ﷺ :" اللهم سلّط عليه كلباً من كلابك فأكله الأسد ".
أو من الكلب الذي هو بمعنى الضراوة. يقال : فلان كلب بكذا إذا كان حريصاً عليه. وهب أن المذكور في الآية إباحة الصيد بالكلب لكن تخصيصه بالذكر لا ينفي حل غيره لجواز الاصطياد بالرمي وبالشبكة ونحوها مع سكوت الآية عنها. ﴿تعلمونهن﴾ حال ثانية أو استئناف مما علمكم الله من علم التكليب لأنّ بعضه إلهام من الله أو مما عرفكم أن تعلموه من إتباع الصيد بإرسال صاحبه وإنزجاره بزجره. واعلم أنه يعتبر في صيرورة الكلب معلماً أمور منها : أن ينزجر بزجر صاحبه في ابتداء الأمر وكذا إذا انطلق واشتد عدوه وحدّته، يشترط أن ينزجر بزجره أيضاً على الأشبه فبه يظهر التأدب. ومنها أن يسترسل بإرسال صاحبه أي إذا أغري بالصيد هاج. ومنها أن يمسك الصيد لقوله :﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾ وفي هذا اعتبار وصفين : أحدهما أن يحفظه ولا يخليه، والثاني أن لا يأكل منه لقوله ﷺ لعدي بن حاتم : فإن أكل فلا تأكل منه فإنما أمسكه على نفسه. وجوارح الطير يشترط فيها أن تهيج عند الإغراء وأن تترك الأكل ولكن لا مطمع في انزجارها بعد الطيران. ويشترط عند الشافعي تكرر هذه الأمور بحيث يغلب على الظن تأدب الجارحة بها وأقله ثلاث مرات. ولم يقدر الأكثرون عدد المرات كأنهم رأوا العرف مضطرباً، وطباع الجوارح مختلفة فيرجع إلى أهل الخبرة بطباعها. وعن سلمان الفارسي وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وأبي هريرة أنه يحل وإن أكل فعندهم الإمساك هو أن يحفظه ولا يتركه. ومعنى الآية كلوا مما تبقي لكم الجوارح وإن كان بعد أكلها منه. و " من " في ﴿مما أمسكن﴾ قيل زائدة نحو ﴿كلوا من ثمره﴾[الأنعام: ١٤١] وقيل مفيدة وذلك أن بعض الصيد لا يؤكل كالعظم والدم والريش. وقال سعيد بن جبير وأبو حنيفة والمزني : يؤكل ما بقي من جوارح الطير ولا يؤكل ما بقي من الكلب. والفرق أن تأديب الكلب بالضرب على الأكل ممكن وتأديب الطير غير ممكن. ولا خلاف أنه إذا كانت الجارحة معلمة ثم تصيد صيدا وجرحته وقتلته وأدركه الصائد ميتا فهو حلال، وجرح الجارحة كالذبح وإن قتلته بالفم من غير جرح ففي حله خلاف. أما قوله سبحانه :﴿واذكروا اسم الله عليه﴾ فالضمير إما أن يعود إلى ﴿ما أمسكن﴾ أي سموا عليه إذا أدركتم ذكاته، أو إلى ﴿ما علمتم﴾ أي سموا عليه عند إرساله أو إلى الأكل، وعلى هذا فلا كلام. وعلى الأول فالتسمية محمولة على الندب عند الشافعي، وعلى الوجوب عند أبي حنيفة وسيجيء تمام المسألة في سورة الأنعام إن شاء الله تعالى.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل : سماع اسم الله وهو من صفات الهيبة يوجب الفناء والغيبة، وسماع الرحمن الرحيم وهما من صفات اللطف يورث البقاء والقربة ﴿أوفوا﴾ أيها العشاق ﴿بالعقود﴾ التي جرت بيننا يوم الميثاق ليوم التلاق. فمن صبر على عهوده فقد فاز بمقصوده عند بذل وجوده ﴿أحلت لكم﴾ ذبح ﴿بهيمة﴾ النفس التي كالأنعام في طلب المرام إلا النفس المطمئنة التي تليت عليها ﴿ارجعي إلى ربك﴾[الفجر: ٢٨] فتنفرت من الدنيا بما فيها فهي كالصيد في الحرم ﴿وأنتم حرم﴾ بالتوجه إلى كعبة الوصال وإحرام الشوق إلى حضرة الجمال والجلال ﴿إن الله يحكم ما يريد﴾ لمن يريد فيأمر بذبح النفس إذا كانت متصفة بصفة البهيمة وبترك ذبحها إذا كانت مطمئنة بذكر الحق ومتسمة بسمات الملك. ثم أخبر عن تعظيم الشعائر من صدق الضمائر فقال :﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ بشهود القلوب فقصدوا زيارة المحبوب وخرجوا عن أوطان الأوطار وسافروا عن ديار الأغيار ﴿لا تحلوا﴾ معالم الدين والشريعة ومواسم آداب الطريقة والحقيقة، وعظموا الزمان والمكان والإخوان القاصدين كعبة الوصول إلى الرحمن الذين أهدوا للقربان نفوسهم وقلدوها بلحاء الشجرة الطيبة ليأمنوا عن مكر الأعداء الخبيثة ﴿وإذا حللتم﴾ أتممتم مناسك الوصول ﴿فاصطادوا﴾ أرباب الطلب بشبكة الدعوة إلى الله، ولا يحملنكم حسد الحساد الذين يريدون أن يصدّوكم عن الحق على أن تعتدوا على الطالبين فتكونوا قطاع الطريق عليهم في طلب الحق. ﴿حرمت عليكم﴾ يا أهل الحق ﴿الميتة﴾ وهي الدنيا بأسرها ﴿والدم ولحم الخنزير﴾ أي حلالها وحرامها قليلها وكثيرها لأن من الدم ما هو حلال والخنزير كله حرام والدم بالنسبة إلى اللحم قليل ﴿وما أهل به﴾ أي كل طاعة هي ﴿لغير الله والمنخنقة والموقوذة﴾ يعني الذين يخنقون أنفسهم بالمجاهدات ويقذونها بالرياضات رياء وسمعة ﴿والمتردية والنطيحة﴾ الذين يتردون أنفسهم إلى أسفل سافلي الطبيعة بالتناطح مع الأقران والتفاخر بالعلم والزهد بين الإخوان ﴿وما أكل السبع﴾ الظلمة المتهارشون في جيفة الدنيا تهارش الكلاب ﴿إلاّ ما ذكيتم﴾ بالكسب الحلال ووجه صالح بقدر ضرورة الحال ﴿وما ذبح على النصب﴾ ما تذبح عليه النفوس من المطالب الفانية ﴿وأن تستقسموا بالأزلام﴾ أي أن تكونوا مترددين في طلب المرام، فإذا انتهيتم عن هذه المناهي وتخلصتم عن هذه الدواهي فقد عاد ليلكم نهاراً وظلمتكم أنواراً. ﴿اليوم يئس الذين كفروا﴾ من النفس وصفاتها والدنيا وشهواتها ﴿من دينكم فلا تخشوهم واخشون﴾ فإن كيدي متين. ﴿اليوم﴾ أي في الأزل ﴿أكملت لكم دينكم﴾ ولكن ظهر الأمر في حجة الوداع يوم عرفة. ﴿وأتممت عليكم نعمتي﴾ وهي أسباب تحصيل الكمال ببعثة النبي ﷺ ﴿فمن اضطر﴾ فمن ابتلى بالتفات لشيء من الدنيا والآخرة غير مائل إليه للإعراض عن الحق ولكن من فترة للطالبين أو وقفة للسالكين. ﴿يسألونك ماذا أحل﴾ لأرباب السلوك إذا الدنيا حرام على أهل الآخرة والآخرة حرام على أهل الدنيا وهما حرام على أهل الله الطيبات كل مأكول ومشروب وملبوس يكون سبباً للقيام بأداء الحقوق.
﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾ تناولوا ما اصطادت النفوس المطمئنة المعلمة بعلوم الشريعة المؤدبة بآداب الطريقة المنورة بأنوار الحقيقة. ﴿واذكروا﴾ عند تناول كل ما ورد عليكم من الأمور الدنيوية والأخروية ﴿اسم الله﴾ أي لا تتصرفوا فيه إلاّ لله بالله في الله ﴿اليوم﴾ يعني الذي فيه ظهر كمالية الدين الأزلية وهو يوم عرفة. وهذه فائدة التكرار ﴿أحل لكم الطيبات﴾ ﴿أحل لكم الطيبات﴾ التي تتعلق بسعادة الدارين بل أحل لكم التخلق بالأخلاق الطيبات وهي أخلاق الله المنزهات عن الكميات والكيفيات ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب﴾ وهم الأنبياء ﴿حل لكم﴾ أي غذيتم بلبان الولاية كما غذوا بلبان النبوة ﴿وطعامكم حل لهم﴾ أي منبع لبن النبوة والولاية واحد وإن كان الثدي اثنين ﴿قد علم كل أناس مشربهم﴾[البقرة: ٦٠] وللنبي وراء ذلك كله مشرب " أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني " ﴿والمحصنات من المؤمنات﴾ وهي أبكار حقائق القرآن ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب﴾ أبكار حقائق الكتب المنزلة على الأمم السالفة أي التي أدرجت في القرآن ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرّة أعين﴾[السجدة: ١٧] ﴿إذا آتيتموهن أجورهن﴾ وهي بذل الوجود محصنين في هذا البذل ليكون على وجه الحق ﴿غير مسافحين﴾ على وجه الطبع ﴿ولا متخذي أخدان﴾ غير ملتفتين إلى شيء من الأكوان ﴿ومن يكفر بالإيمان﴾ بهذه المقامات ﴿فقد حبط عمله﴾ الذي عمل من دون المكاشفات. ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ إيماناً حقيقياً عند خطاب ألست بربكم ﴿إذا قمتم﴾ من نوم الغفلة ﴿إلى الصلاة﴾ وهي معراجكم للرجوع إلى مكامن قربكم ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾ التي توجهتم بها إلى الدنيا ولطختموها بالنظر إلى الأغيار بماء التوبة والاستغفار ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾ أي اغسلوا أيديكم من التمسك بالدارين حتى الصديق الموافق والرفيق المرافق ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ ببذل نفوسكم ﴿وأرجلكم إلى الكعبين﴾ من طين طبيعتكم والقيام بأنانيتكم ﴿ولا يجرمنكم﴾ ولا يحملنكم حسد الحساد وعداوة الأنذال ﴿على أن لا تعدلوا﴾ مع أنفسكم ﴿إذ هم قوم﴾ من الشيطان والنفس والهوى ﴿أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم﴾ والله خير موفق ومعين.
الوقوف :﴿بالعقود﴾ ط لاستئناف الفعل. ﴿حرم﴾ ط ﴿ما يريد﴾ ه ﴿ورضواناً﴾ ط ﴿فاصطادوا﴾ ط لابتداء نهي أن تعتدوا لئلاّ يتوهم العطف وحذف التاء من تعاونوا. ﴿والتقوى﴾ ص لعطف المتفقتين. ﴿والعدوان﴾ ص كذلك ﴿واتقوا الله﴾ ط ﴿شديد العقاب﴾ ه ﴿بالأزلام﴾ ط ﴿فسق﴾ ط ﴿واخشوني﴾ ط ﴿ديناً﴾ ط لأنّ الشرط من تمام التحريم لا مما يليه. ﴿لإثم﴾ لا لأن ما بعده جزاء. ﴿رحيم﴾ ه ﴿أحل لهم﴾ ط فصلاً بين السؤال والجواب. ﴿الطيبات﴾ ط للعطف أي وصيد ما علمتم. ﴿مما علمكم الله﴾ ز لفاء التعقيب مع عطف المختلفين. ﴿عليه﴾ ص ﴿واتقوا الله﴾ ط ﴿الحساب﴾ ه ﴿الطيبات﴾ ط لأن ما بعده مبتدأ. ﴿لكم﴾ ص لعطف المتفقتين. ﴿لهم﴾ ز لأن قوله :﴿والمحصنات﴾ عطف على ﴿وطعام الذين﴾ لا على ما يليه. ﴿أخدان﴾ ط ﴿عمله﴾ ز لعطف المختلفين مع أن ما بعده من تمام جزاء الكفر معنى. ﴿الخاسرين﴾ ه ﴿الكعبين﴾ ط لابتداء حكم. ﴿فاطهروا﴾ ط كذلك. ﴿وأيديكم منه﴾ ط ﴿تشكرون﴾ ه ﴿واثقكم به﴾ لا لأن " إذ " ظرف المواثقة. ﴿وأطعنا﴾ ز لعطف المتفقتين مع وقوع العارض. ﴿واتقوا الله﴾ ط ﴿الصدور﴾ ه ﴿بالقسط﴾ ز لعطف المتفقتين مع زيادة نون التأكيد المؤذن بالاستئناف. ﴿أن لا تعدلوا﴾ ط للاستئناف. ﴿اعدلوا﴾ ج وقفة لطيفة لأن الضمير مبتدأ مع شدة اتصال المعنى. ﴿للتقوى﴾ ز ﴿واتقوا الله﴾ ط ﴿بما تعملون﴾ ه ﴿الصالحات﴾ لا لأن ما بعده مفعول الوعد أي أن لهم. ﴿عظيم﴾ ه ﴿الجحيم﴾ ه ﴿أيديهم عنكم﴾ ج لاعتراض الظرف بين المتفقين. ﴿واتقوا الله﴾ ط ﴿المؤمنون﴾ ه.
﴿يسألونك ماذا أحل لهم﴾ كأنهم حين تلي عليهم ما حرّم عليهم من خبيثات المآكل سألوا عما أحل لهم والسؤال في معنى القول. وإنما لم يقل ماذا أحل لنا على حكاية قولهم نظراً إلى ضمير الغائب في :﴿يسألونك﴾ ومثل هذا يجوز فيه الوجهان. تقول : أقسم زيد ليفعلن أو لأفعلن. أما سبب النزول فعن أبي رافع أن جبريل عليه السلام جاء إلى النبي ﷺ فاستأذن عليه فأذن له فلم يدخل، فخرج رسول الله ﷺ فقال جبريل : إنا لا ندخل بيتاً فيه كلب ولا صورة. فنظروا فإذا في بعض بيوتهم جرو. قال أبو رافع : فأمرني أن لا أدع بالمدينة كلباً إلاّ قتلته حتى بلغت العوالي فإذا امرأة عندها كلب يحرسها فرحمتها فتركته فأتيت النبي ﷺ فأخبرته فأمرني بقتله، فرجعت إلى الكلب فقتلته، فجاء ناس فقالوا : يا رسول الله ماذا يحل لنا من هذه الأمة التي تقتلها فسكت رسول الله ﷺ إلى أن نزلت هذه الآية. فأمر بقتل الكلب الكلب والعقور وما يضر ويؤذي وأذن في اقتناء الكلاب التي ينتفع بها. وقال سعيد بن جبير : نزلت في عدي بن حاتم وزيد الخيل الذي سماه رسول الله ﷺ زيد الخير حين قالا : يا رسول الله إنا قوم نصيد بالكلاب والبزاة وإنها تأخذ البقر والحمر والظباء والضب فمنه ما ندرك ذكاته ومنه ما نقتل فلا ندرك وقد حرّم الله الميتة فماذا يحل لنا منها فنزل :﴿قل أحل لكم الطيبات﴾ أي ما ليس بخبيث منها وهو ما لم يأت تحريمه في كتاب أو سنة أو قياس مجتهد، أو أحل لكم كل ما يستلذ ويشتهى عند أهل المروءة والأخلاق الجميلة، واعلم أن الأصل في الأعيان الحل لأنها خلقت لمنافع العباد ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً﴾[البقرة: ٢٩] واستثنى من ذلك أصول : الأوّل : تنصيص الكتاب على تحريمه كالميتة والدم وغيرهما. الثاني : تنصيص السنة كما روي عن جميع من الصحابة أن النبي ﷺ نهى عام خيبر عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية والبغال كالحمير. ولا تحرم الخيل عند الشافعي لما روي عن جابر أنه قال : نهانا رسول الله ﷺ عن البغال والحمير ولم ينهنا عن الخيل. الثالث : ما هو في معنى المنصوص كالنبيذ فإنه مسكر كالخمر فيشاركها في التحريم. الرابع : كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطيور وقد مر معنى السبع عن قريب فلا يحل بموجب هذا الأصل الكلب والأسد والذئب والنمر والفهد والدب والببر والقرد والفيل لأنها تعدو بأنيابها، ولا يحل من الطيور البازي والشاهين والصقر والعقاب وجميع جوارح الطير. الخامس : ما أمر بقتله من الحيوانات فهو حرام لأنّ الأمر بقتله إسقاط لحرمته ومنع من اقتنائه.
ولو كان مأكولاًَ لجاز اقتناؤه للتسمين وإعداده للأكل وقت الحاجة. ومنه الفواسق الخمس. روي أنه ﷺ قال :" خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم الحية والفأرة والغراب الأبقع والكلب والحدأة ". السادس ما ورد النهي عن قتله فهو حرام لأنه لو كان مأكولاً لجاز ذبحه ليؤكل كما روي أنه ﷺ نهى عن قتل الخطاطيف، وكذا الصرد والنملة والنحلة والهدهد والخفاش. السابع : الاستطابة والاستخباث لقوله تعالى :﴿قل أحل لكم الطيبات﴾ قال العلماء : فيبعد الرجوع إلى طبقات الناس وتنزيل كل قوم على ما يستطيبون ويستخبثون لأن ذلك يوجب اختلاف الأحكام في الحل والحرمة وذلك يخالف موضوع الشرع. فالعرب أولى أمة بالاعتبار لأنّ الدين عربي وهم المخاطبون أوّلاً وليس لهم ترفه وتنعم يورث تضييق المطاعم على الناس، ولكن المعتبر استطابة سكان القرى والبلاد دون أجلاف البوادي الذين لا تمييز لهم. وأيضاً يعتبر أصحاب اليسار والترفه دون أصحاب الضرورات والحاجات. وأيضاً المعتبر حال الخصب والرفاهية دون حال الجدب والشدة. والحشرات بأسرها مستخبثة كالذباب والخنفساء والجعلان وحمار قبان إلاّ الضب فإنه ﷺ قال :" لا آكله ولا أحرمه ". ومن الأصول أنه لا يجوز أكل الأعيان النجسة في حال الاختيار وكذا أكل الطاهر إذا نجس بملاقاة النجاسة كالدهن والسمن الذائب والدبس والخل. ومن الأصول الكسب بمخامرة النجاسة ولكن كسب الحجام حلال عند الشافعي، ومن الأصول ما يضر كالزجاج والسم والنبات المسكر أو المجنن. قوله سبحانه :﴿وما علمتم من الجوارح﴾ معناه أحل لكم صيد ما علمتم على حذف المضاف لدلالة ﴿فكلوا مما أمسكن عليه﴾ ويجوز أن تكون " ما " شرطية والجزاء ﴿فكلوا﴾ وعلى هذا يجوز الوقف على ﴿الطيبات﴾. والجوارح الكواسب من سباع البهائم والطير كالكلب والفهد والبازي والصقر. قال تعالى :﴿ويعلم ما جرحتم بالنهار﴾[الأنعام: ٦] أي كسبتم. وجوّز بعضهم أن يكون من الجراحة. وقال : ما أخذ من الصيد فلم يسل منه دم لم يحل. وانتصاب ﴿مكلبين﴾ على الحال من ﴿علمتم﴾. وفائدة هذه الحال مع الاستغناء عنها ب ﴿علمتم﴾ أن معلم الجوارح ينبغي أن يكون ماهراً في علمه مدرباً فيه موصوفاً بالتكليب. نقل عن ابن عمر والضحاك والسدي أن ما صادها غير الكلاب فلم يدرك ذكاته لم يجز أكله لأنّ قوله :﴿مكلبين﴾ يدل على كون هذا الحكم مخصوصاً بالكلب. والجمهور على أنّ الجوارح يدخل فيه ما يمكن الاصطياد به من السباع. قالوا : المكلب مؤدب الجوارح ورائضها لأنّ تصطاد لصاحبها وإنما اشتق من الكلب لكثرة هذا المعنى في جنسه، أو لأنّ كل سبع يسمى كلباً كقوله ﷺ :" اللهم سلّط عليه كلباً من كلابك فأكله الأسد ".
أو من الكلب الذي هو بمعنى الضراوة. يقال : فلان كلب بكذا إذا كان حريصاً عليه. وهب أن المذكور في الآية إباحة الصيد بالكلب لكن تخصيصه بالذكر لا ينفي حل غيره لجواز الاصطياد بالرمي وبالشبكة ونحوها مع سكوت الآية عنها. ﴿تعلمونهن﴾ حال ثانية أو استئناف مما علمكم الله من علم التكليب لأنّ بعضه إلهام من الله أو مما عرفكم أن تعلموه من إتباع الصيد بإرسال صاحبه وإنزجاره بزجره. واعلم أنه يعتبر في صيرورة الكلب معلماً أمور منها : أن ينزجر بزجر صاحبه في ابتداء الأمر وكذا إذا انطلق واشتد عدوه وحدّته، يشترط أن ينزجر بزجره أيضاً على الأشبه فبه يظهر التأدب. ومنها أن يسترسل بإرسال صاحبه أي إذا أغري بالصيد هاج. ومنها أن يمسك الصيد لقوله :﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾ وفي هذا اعتبار وصفين : أحدهما أن يحفظه ولا يخليه، والثاني أن لا يأكل منه لقوله ﷺ لعدي بن حاتم : فإن أكل فلا تأكل منه فإنما أمسكه على نفسه. وجوارح الطير يشترط فيها أن تهيج عند الإغراء وأن تترك الأكل ولكن لا مطمع في انزجارها بعد الطيران. ويشترط عند الشافعي تكرر هذه الأمور بحيث يغلب على الظن تأدب الجارحة بها وأقله ثلاث مرات. ولم يقدر الأكثرون عدد المرات كأنهم رأوا العرف مضطرباً، وطباع الجوارح مختلفة فيرجع إلى أهل الخبرة بطباعها. وعن سلمان الفارسي وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وأبي هريرة أنه يحل وإن أكل فعندهم الإمساك هو أن يحفظه ولا يتركه. ومعنى الآية كلوا مما تبقي لكم الجوارح وإن كان بعد أكلها منه. و " من " في ﴿مما أمسكن﴾ قيل زائدة نحو ﴿كلوا من ثمره﴾[الأنعام: ١٤١] وقيل مفيدة وذلك أن بعض الصيد لا يؤكل كالعظم والدم والريش. وقال سعيد بن جبير وأبو حنيفة والمزني : يؤكل ما بقي من جوارح الطير ولا يؤكل ما بقي من الكلب. والفرق أن تأديب الكلب بالضرب على الأكل ممكن وتأديب الطير غير ممكن. ولا خلاف أنه إذا كانت الجارحة معلمة ثم تصيد صيدا وجرحته وقتلته وأدركه الصائد ميتا فهو حلال، وجرح الجارحة كالذبح وإن قتلته بالفم من غير جرح ففي حله خلاف. أما قوله سبحانه :﴿واذكروا اسم الله عليه﴾ فالضمير إما أن يعود إلى ﴿ما أمسكن﴾ أي سموا عليه إذا أدركتم ذكاته، أو إلى ﴿ما علمتم﴾ أي سموا عليه عند إرساله أو إلى الأكل، وعلى هذا فلا كلام. وعلى الأول فالتسمية محمولة على الندب عند الشافعي، وعلى الوجوب عند أبي حنيفة وسيجيء تمام المسألة في سورة الأنعام إن شاء الله تعالى.
﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾ تناولوا ما اصطادت النفوس المطمئنة المعلمة بعلوم الشريعة المؤدبة بآداب الطريقة المنورة بأنوار الحقيقة. ﴿واذكروا﴾ عند تناول كل ما ورد عليكم من الأمور الدنيوية والأخروية ﴿اسم الله﴾ أي لا تتصرفوا فيه إلاّ لله بالله في الله ﴿اليوم﴾ يعني الذي فيه ظهر كمالية الدين الأزلية وهو يوم عرفة. وهذه فائدة التكرار ﴿أحل لكم الطيبات﴾ ﴿أحل لكم الطيبات﴾ التي تتعلق بسعادة الدارين بل أحل لكم التخلق بالأخلاق الطيبات وهي أخلاق الله المنزهات عن الكميات والكيفيات ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب﴾ وهم الأنبياء ﴿حل لكم﴾ أي غذيتم بلبان الولاية كما غذوا بلبان النبوة ﴿وطعامكم حل لهم﴾ أي منبع لبن النبوة والولاية واحد وإن كان الثدي اثنين ﴿قد علم كل أناس مشربهم﴾[البقرة: ٦٠] وللنبي وراء ذلك كله مشرب " أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني " ﴿والمحصنات من المؤمنات﴾ وهي أبكار حقائق القرآن ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب﴾ أبكار حقائق الكتب المنزلة على الأمم السالفة أي التي أدرجت في القرآن ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرّة أعين﴾[السجدة: ١٧] ﴿إذا آتيتموهن أجورهن﴾ وهي بذل الوجود محصنين في هذا البذل ليكون على وجه الحق ﴿غير مسافحين﴾ على وجه الطبع ﴿ولا متخذي أخدان﴾ غير ملتفتين إلى شيء من الأكوان ﴿ومن يكفر بالإيمان﴾ بهذه المقامات ﴿فقد حبط عمله﴾ الذي عمل من دون المكاشفات. ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ إيماناً حقيقياً عند خطاب ألست بربكم ﴿إذا قمتم﴾ من نوم الغفلة ﴿إلى الصلاة﴾ وهي معراجكم للرجوع إلى مكامن قربكم ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾ التي توجهتم بها إلى الدنيا ولطختموها بالنظر إلى الأغيار بماء التوبة والاستغفار ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾ أي اغسلوا أيديكم من التمسك بالدارين حتى الصديق الموافق والرفيق المرافق ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ ببذل نفوسكم ﴿وأرجلكم إلى الكعبين﴾ من طين طبيعتكم والقيام بأنانيتكم ﴿ولا يجرمنكم﴾ ولا يحملنكم حسد الحساد وعداوة الأنذال ﴿على أن لا تعدلوا﴾ مع أنفسكم ﴿إذ هم قوم﴾ من الشيطان والنفس والهوى ﴿أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم﴾ والله خير موفق ومعين.