جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتابالقول في تأويل قوله تعالى :
﴿يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطّهّرُواْ وَإِن كُنتُم مّرْضَىَ أَوْ عَلَىَ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مّنْكُمْ مّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمّمُواْ صَعِيداً طَيّباً فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مّنْهُ مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مّنْ حَرَجٍ وَلََكِن يُرِيدُ لِيُطَهّرَكُمْ وَلِيُتِمّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. .
يعني بذلك جل ثناؤه : يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم على غير طهر الصلاة، فاغسلوا وجوهكم بالماء، وأيديكم إلى المرافق.
ثم اختلف أهل التأويل في قوله : إذَا قُمْتُمْ إلى الصّلاةِ أمراد به كلّ حال قام إليها، أو بعضها ؟ وأيّ أحوال القيام إليها ؟ فقال بعضهم في ذلك بنحو ما قلنا فيه من أنه معنىّ به بعض أحوال القيام إليها دون كلّ الأحوال، وأن الحال التي عني بها حال القيام إليها على غير طهر. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يحيى بن واضح، قال : حدثنا عبيد الله، قال : سئل عكرمة عن قول الله : إذَا قُمْتُمْ إلى الصّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وأيْدِيكُمْ إلى المَرَافقِ فكلّ ساعة يتوضأ ؟ فقال : قال ابن عباس : لا وضوء إلاّ من حدث.
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، قال : سمعت مسعود بن عليّ الشيباني، قال : سمعت عكرمة، قال : كان سعد بن أبي وَقّاص يصلي الصلوات بوضوء واحد.
حدثنا حميد بن مسعدة، قال : حدثنا سفيان بن حبيب، عن مسعود بن عليّ، عن عكرمة، قال : كان سعد بن أبي وقاص يقول : صلّ بطهورك ما لم تحدث.
حدثنا أحمد بن عبدة الضبي، قال : أخبرنا سليم بن أخضر، قال : أخبرنا ابن عون عن محمد، قال : قلت لعبيدة السلماني : ما يوجب الوضوء ؟ قال : الحدث.
حدثنا حميد ين مسعدة، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، عن واقع بن سحبان، عن يزيد ابن طريف أو طريف بن يزيد أنهم كانوا مع أبي موسى على شاطىء دجلة، فتوضئوا فصلوا الظهر، فلما نودي بالعصر، قام رجال يتوضئون من دجلة، فقال : إنه لا وضوء إلاّ على من أحدث.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا ابن أبي عديّ، عن سعيد، عن قتادة، عن طريف بن زياد أو زياد بن طريف عن واقع بن سحبان : أنه شهد أبا موسى صلّى بأصحابه الظهر، ثم جلسوا حلقا على شاطىء دجلة، فنُودي بالعصر، فقام رجال يتوضئون، فقال أبو موسى : لا وضوء إلاّ على من أحدث.
حدثنا ابن بشار وابن المثنى، قالا : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، قال : سمعت قتادة يحدث عن واقع بن سحبان، عن طريف بن يزيد أو يزيد بن طريف قال : كنت مع أبي موسى بشاطئ دجلة فذكر نحوه.
حدثنا ابن بشار وابن المثنى، قالا : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال : حدثنا شعبة، عن قتادة، عن واقع بن سحبان، عن طريف بن يزيد أو يزيد بن طريف عن أبي موسى، مثله.
حدثنا حميد بن مسعدة، قال : حدثنا يزيد بن زريع، قال : حدثنا أبو خالد، قال : توضأت عند أبي العالية الظهر أو العصر، فقلت : أصلي بوضوئي هذا، فإني لا أرجع إلى أهلي إلى العتمة ؟ قال أبو العالية : لا حرج. وعلّمنا : إذا توضأ الإنسان فهو في وضوئه حتى يحدث حدثا.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا ابن هلال، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، قال : الوضوء من غير حدث اعتداء.
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا أبو داود، حدثنا أبو هلال، عن قتادة، عن سعيد، مثله.
حدثني أبو السائب، قال : حدثنا أبو معاوية عن الأعمش، قال : رأيت إبراهيم صلّى بوضوء واحد، الظهر والعصر والمغرب.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا عثام، قال : حدثنا الأعمش، قال : كنت مع يحيى، فأصلي الصلوات بوضوء واحد، قال : وإبراهيم مثل ذلك.
حدثنا سوّار بن عبد الله، قال : حدثنا بشر بن المفضل، قال : حدثنا يزيد بن إبراهيم، قال : سمعت الحسن سئل عن الرجل يتوضأ فيصلي الصلوات كلها بوضوء واحد، فقال : لا بأس به ما لم يحدث.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يحيى بن واضح، قال : حدثنا عبيد، عن الضحاك، قال : يصلي الصلوات بالوضوء الواحد ما لم يحدث.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال حدثنا زائدة عن الأعمش، عن عمارة، قال : كان الأسود يصلي الصلوات بوضوء واحد.
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن مفضل، قال : حدثنا أساط، عن السديّ : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا إذَا قُمْتُمْ إلى الصّلاةِ يقول : قمتم وأنتم على غير طهر.
حدثنا أبو السائب، قال : حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمارة، عن الأسود : أنه كان له قَعْبٌ قدر رِيّ رجل، فكان يتوضأ ثم يصلي بوضوئه ذلك الصلوات كلها.
حدثنا محمد بن عباد بن موسى، قال : أخبرنا زياد بن عبد الله بن الطفيل البكائي، قال : حدثنا الفضل بن المبشر، قال : رأيت جابر بن عبد الله يصلي الصلوات بوضوء واحد، فإذا بال أو أحدث توضأ ومسح بفضل طهوره الخفين. فقلت : أبا عبد الله أشيء تصنعه برأيك ؟ قال : بل رأيت رسول الله ﷺ يصنعه، فأنا أصنعه كما رأيت رسول الله ﷺ يصنع.
وقال آخرون : معنى ذلك : يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم من نومكم إلى الصلاة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني من سمع مالك بن أنس، يحدث عن زيد بن أسلم، قوله : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا إذَا قُمْتُمْ إلى الصّلاةِ قال : يعني : إذا قمتم من النوم.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب أن مالك بن أنس، أخبره عن زيد بن أسلم، بمثله.
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن مفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، قوله : إذَا قُمْتُمْ إلى الصّلاة فاغْسِلُوا وُجُوهُكُمْ قال : فقال : قمتم إلى الصلاة من النوم.
وقال آخرون : بل ذلك معنىّ به كل حال قيام المرء إلى صلاته أن يجدّد لها طهرا. ذكر من قال ذلك :
حدثنا حميد بن مسعدة : حدثنا سفيان بن حبيب، عن مسعود بن عليّ، قال : سألت عكرمة، قال : قلت يا أبا عبد الله، أتوضأ لصلاة الغد ثم آتي السوق فتحضر صلاة الظهر فأصلي ؟ قال : كان عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه يقول : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا إذَا قُمْتُمْ إلى الصّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وأيْدِيَكُمْ إلى المَرَافِقِ.
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، قال : سمعت مسعود بن عليّ الشيباني، قال : سمعت عكرمة يقول : كان عليّ رضي الله عنه يتوضأ عند كلّ صلاة، ويقرأ هذه الآية : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا إذَا قُمْتُمْ إلى الصّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُم. . . الاَية.
حدثنا حدثنا زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال : حدثنا أزهر، عن ابن عون، عن ابن سيرين : أن الخلفاء كانوا يتوضئون لكلّ صلاة.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا ابن أبي عديّ، عن حميد، عن أنس، قال : توضأ عمر بن الخطاب وضوءا فيه تجوّز خفيفا، فقال : هذا وضوء من لم يُحْدِث.
حدثنا ابن المثنى، قال : ثني وهب بن جرير، قال : أخبرنا شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة عن النزال، قال : رأيت عليّا صلّى الظهر ثم قعد للناس في الرّحْبة، ثم أُتي بماء فغسل وجهه ويديه، ثم مسح برأسه ورجليه، وقال : هذا وضوء من لم يُحْدِثْ.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم : أن عليّا اكتال من حُبْ فتوضأ وضوءا فيه تجوّز، فقال : هذا وضوء من لم يُحْدِث.
وقال آخرون : بل كان هذا أمرا من الله عزّ ذكره نبيه ﷺ والمؤمنين به أن يتوضئوا لكلّ صلاة، ثم نسخ ذلك بالتخفيف. ذكر من قال ذلك :
حدثني عبد الله بن أبي زياد القطواني، قال : حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا أبي، عن ابن إسحاق قال : ثني محمد بن يحيى بن حبان الأنصاري ثم المازنيّ، مازن بني النجار، فقال لعبيد الله بن عبد الله بن عمر : أخبرني عن وضوء عبد الله لكل صلاة، طاهرا كان أو غير طاهر، عمن هو ؟ قال : حدثَتْنيه أسماء ابنة زيد بن الخطاب، أن عبد الله بن زيد بن حنظلة بن أبي عامر الغسيل حدثها : أن النبيّ ﷺ أمر بالوضوء عند كلّ صلاة، فشقّ ذلك عليه، فأمر بالسواك، ورفع عنه الوضوء إلاّ من حدث. فكان عبد الله يرى أن به قوّة عليه، فكان يتوضأ.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة بن الفضل، عن ابن إسحاق، عن محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة قال : ثني محمد بن يحيى بن حبان الأنصاري، قال : قلت لعبيد الله بن عبد الله بن عمر، أخبرني عن وضوء عبد الله لكل صلاة ثم ذكر نحوه.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا يحيى وعبد الرحمن، قالا : حدثنا سفيان، عن علقمة بن مرثَد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه قال : كان رسول الله ﷺ يتوضأ لكل صلاة، فلما كان عام الفتح، صلّى الصلوات بوضوء واحد، ومسح على خفيه، فقال عمر : إنك فعلت شيئاٍ لم تكن تفعله قال :«عَمْدا فَعَلْتُهُ ».
٨٨٨١حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا وكيع، عن سفيان، عن محارب بن دثار، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه : أن رسول الله ﷺ كان يتوضأ لكل صلاة، فلما كان يوم فتح مكة، صلّى الصلوات كلها بوضوء واحد.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن محارب، بن دثار، عن سليمان بن بريدة : أن النبيّ ﷺ كان يتوضأ، فذكر نحوه.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا معاوية بن هشام، عن سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن ابن بريدة، عن أبيه، قال : صلّى رسول الله ﷺ الصلوات كلها بوضوء واحد، فقال له عمر : يا رسول الله، صنعت شيئا لم تكن تصنعه ؟ فقال :«عَمْدا فَعَلْته يا عمَرُ ».
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا معاوية، عن سفيان، عن محارب بن دثار، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، قال : كان رسول الله ﷺ يتوضأ لكل صلاة، فلما فتح مكة، صلّى الظهر والعصر والمغرب والعشاء بوضوء واحد.
حدثنا محمد بن عبيد المحاربي، قال : حدثنا الحكم بن ظهير، عن مسعر، عن محارب بن دثار، عن ابن عمر : أن رسول الله صلّى ﷺ الظهر والعصر والمغرب والعشاء بوضوء واحد.
فإن ظنّ ظان أن في الحديث الذي ذكرناه عن عبد الله بن حنظلة، أن النبيّ ﷺ أمر بالوضوء عند كلّ صلاة، دلالة على خلاف ما قلنا من أن ذلك كان ندبا للنبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه، وخيل إليه أن ذلك كان على الوجوب فقد ظنّ غير الصواب، وذلك أن قول القائل : أمر الله نبيه ﷺ بكذا وكذا، محتمل من وجوه لأمر الإيجاب والإرشاد والندب والإباحة والإطلاق، وإذ كا