اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ الآية : ناداه المولى سبحانه بأشْرَفِ الصِّفَات البشرية، وقوله :﴿بَلِّغْ مَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [ وهو قد بَلَّغَ ! ! ] فأجابَ الزمخشريُّ(١) بأن المعنى : جميعَ ما أُنزِلَ إليْكَ، أي : أيَّ شيءٍ أُنْزِلَ غير مُرَاقِبٍ في تبليغِهِ أحَداً، ولا خائفٍ أنْ يَنَالَكَ مَكْرُوهٌ، وأجاب ابن عطية(٢) بقريبٍ منه، قال :" أمَر الله رسوله بالتبليغِ على الاسْتِيفَاءِ والكمالِ ؛ لأنه كان قَدْ بَلَّغَ "، وأجاب غيرُهما بأنَّ المعنى على الديمومة ؛ كقوله :﴿يأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ١] ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ﴾ [النساء: ١٣٦].
وقوله :" مَا " يحتملُ أن تكون اسميةً بمعنى " الَّذِي " ولا يجوز أن تكون نكرةً موصوفةً ؛ لأنه مأمورٌ بتبليغِ الجميعِ كما مَرَّ، والنكرةُ لا تَفِي بذلك ؛ فإن تقديرها :" بَلِّغْ شَيْئاً أُنْزِلَ إليْكَ "، وفي " أُنْزِلَ " ضميرٌ مرفوعٌ يعودُ على ما قام مقام الفاعلِ، وتحتملُ على بُعْدٍ أن تكون " مَا " مصدريَّةً ؛ وعلى هذا ؛ فلا ضمير في " أُنْزِلَ " ؛ لأنَّ " مَا " المصدرية حرفٌ على الصَّحيح ؛ فلا بُدَّ من شيءٍ يقومُ مقامَ الفاعلِ، وهو الجارُّ بعده ؛ وعلى هذا : فيكونُ التقديرُ : بَلِّغِ الإنْزَالَ، ولكنَّ الإنزالَ لا يُبَلَّغُ فإنه معنى، إلا أن يُراد بالمصدر : أنه واقعٌ موقع المفعول به، ويجوز أن يكون المعنى :" اعلم بتبليغ الإنْزَالِ "، فيكونُ مصدراً على بابه.
والمعنى أظهر تَبْلِيغَهُ، كقوله تعالى :﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤].
روي عن مَسْروق [ قال ](٣) : قالتْ عائِشَةُ - رضي الله عنها - :" من حدَّثَكَ أنَّ مُحَمَّداً - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - كتَم شَيئاً ممّا أنْزل الله، فقد كذب " وهو سبحانه وتعالى يقول :﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ الآية(٤).
ورُوِيَ عن الحسن : أنَّ الله لمَّا بَعَثَ رسولَهُ، وعرف أنَّ مِنَ النَّاس من يُكَذِّبُه، فَنَزَلَتْ هذه الآية(٥)، وقيل : نَزَلَتْ في عيب من اليَهُود وذلك(٦) أنَّ النبيَّ - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - دَعَاهُم إلى الإسلام، فقالوا : أسْلَمْنَا قَبْلَكَ(٧)، وجعلوا يَسْتهْزِئُون بِهِ فَيَقُولُون : تريد أن نَتَّخِذَكَ حَنَاناً كما اتَّخَذَ النَّصَارى عِيسى حَنَاناً، فلمَّا رأى النَّبيُّ - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - ذلك سَكَت، فنزَلَتْ هذه الآية(٨)، فأمَرَهُ أنْ يقُولَ لأهْلِ الكِتَاب :﴿لَسْتُم عَلَى شَيْءٍ﴾ الآية.
وقيل : بلِّغ الإنْزَال ما أُنْزِلَ إليك من الرَّجْمِ(٩) والقِصَاصِ في قصَّةِ اليهود، وقيل : نَزَلَتْ في أمرِ زَيْنَب بِنْتِ جَحْشٍ ونِكَاحها(١٠).
وقيل : نزلت في الجِهَاد(١١) وذلك أنَّ المُنَافِقِين كَرِهُوه، كما قال تعالى :﴿فَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [محمد: ٢٠] فكرهَهُ بَعْضُ المُؤمِنين.
قال تعالى :﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ﴾ [النساء: ٧٧] الآية، وكان النَّبِيُّ - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - يمسك في بعض الأحَايِين عن الحثِّ عن الجهاد لِمَا يَعْلمُ من كَرَاهَةِ بعضهم فأنزَلُ اللَّهُ تعالى هذه الآية، والمَعْنَى : بَلِّغْ واصْبِر على تَبْلِيغ ما أنْزَلَهُ إلَيْك من كَشْفِ أسْرَارهم وفَضَائحِ أفعالهم، فإنَّ الله تعالى يَعْصِمُك من كَيْدِهِم ومَكْرِهِم، وقيل : نزلتَ في حجَّة الوَدَاع، لمَّا بيَّن الشَّرائِع والمَنَاسِكَ قال : هل بلَّغْتُ ؟ قالُوا : نَعَمْ قال : اللَّهُم فاشْهَدْ(١٢)، وقِيلَ : لمَّا نزلَتْ آيَة التَّخْيِير وهِيَ قوْلُه تعالى :﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ [الأحزاب: ٢٨] فلم يَعْرِضْهَا عليهنَّ خَوْفاً من اختيارِهِنَّ للدُّنْيَا فنزلت.
قوله تعالى :﴿وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾، أي : وإنْ لم تفعل التبليغ، فحذف المفعول به، ولم يقل :" وإن لم تبلّغْ فما بلّغتَ " لما تقدَّم في قوله تعالى :﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ﴾ في البقرة [ آية : ٢٤ ]، والجوابُ لا بُدَّ أن يكون مغايراً للشرط ؛ لتحصُل الفائدةُ، ومتى اتَّحدَا، اختلَّ الكلامُ، لو قلتَ :" إنْ أتَى زيدٌ، فقدْ جَاءَ "، لم يَجُزْ، وظاهرُ قوله :" وإنْ لَمْ تَفْعَلْ، فما بَلَّغْتَ " اتحادُ الشرطِ والجزاء، فإن المعنى يَئُولُ ظاهراً إلى قوله : وإن لم تفعل، لم تفعل، وأجاب الناسُ عن ذلك بأجوبةٍ ؛ أسَدُّها : ما قاله الزمخشريُّ، وقد أجاب بجوابَيْنِ :
أحدهما : أنه إذا لم يمتثلْ أمر اللَّهِ في تبليغِ الرِّسالاتِ وكتَمَها كُلَّها ؛ كأنه لم يُبْعَثْ رَسُولاً - كان أمراً شنيعاً لا خَفَاء بشناعته، فقيل : إنْ لم تُبَلِّغْ أدنَى شيء، وإن كلمةً واحدةً، فكنْتَ كمَنْ رَكِبَ الأمر الشنيعَ الذي هو كتمانُ كُلِّهَا، كما عَظَّمَ قَتْلَ النفْسِ في قوله :﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً﴾ [المائدة: ٣٢].
والثاني : المراد : وإنْ لَمْ تَفْعَلْ ذلك، فلك ما يُوجِبُ كتْمَانَ الوَحْي كلِّه من العقابِ، فوضَع السَّبَبَ مَوْضِعَ المُسَبِّبِ ؛ ويؤيده :" فأوْحَى الله إليَّ : إنْ لَمْ تُبَلِّغْ رسَالاَتِي، عَذَّبْتُكَ ".
وأجاب ابن عطية(١٣) : أي : وإنْ تركْتَ شيئاً، فقد تركْتَ الكلَّ، وصار ما بَلَّغْتَ غيرَ معتدٍّ به، فمعنى " وإنْ لَمْ تَفْعَلْ " :" وإنْ لَمْ تَسْتَوْفِ " ؛ ونحوُ هذا قولُ الشاعر :[ الطويل ]
أي : فلم تُعْطِ ما يُعَدُّ نَائِلاً، وإلاَّ يتكاذَبِ البيتُ، يعني بالتكاذُب أنه قد قال :" فَلَمْ تَبْخَلْ " فيتضمَّن أنه أعطى شيئاً، فقوله بعد ذلك :" ولَمْ تُعْطِ نَائِلاً " لو لم يقدِّر نَائِلاً يُعْتَدُّ به، تكاذَبَ، وفيه نظرٌ ؛ فإن قوله " لَمْ تَبْخَلْ وَلَمْ تُعْطِ " لم يتواردا على محلٍّ واحد ؛ حتَّى يتكاذَبا، فلا يلزمُ من عدمِ التقدير الذي قدَّره ابن عطية كَذبُ البيت، وبهذا الذي ذكرتُه يتعيَّنُ فسادُ قولِ مَنْ زعَمَ أنَّ هذا البيتَ مِمَّا تنازعَ فيه ثلاثةُ عواملَ : سُئِلْتَ وتَبْخَلْ وتُعْطِ، وذلك لأن قوله :" وَلَمْ تَبْخَلْ " على قولِ هذا القائلِ متسلِّطٌ على طائِل، فكأنه قيل : فلم تَبْخَلْ بطائلٍ، وإذا لم يبخَلْ به، فقد بذله وأعطاه، فيناقضُه قوله بعد ذلك " ولَمْ تُعْطِ نَائِلاً ".
وقد أفسد ابنُ الخطيب(١٥) جواب ابنِ عطيَّة فقال :" أجَابَ الجمهُور ب " إنْ لَمْ تُبَلِّغْ وَاحِداً مِنْهَا، كُنْت كَمَنْ لَمْ يُبَلِّغْ شَيْئاً "، وهذا ضعيفٌ ؛ لأنَّ مَنْ ترك البعضَ وأتَى بالبعض، فإن قيل : إنه ترك الكلَّ، كان كذباً، ولو قيل : إن مقدار الجُرْمِ في ترك البعْضِ مثلُ الجرم في ترك الكل، فهذا هو المُحالُ الممتنعُ ؛ فسقط هذا الجوابُ، والأصحُّ عندي : أن يقال : خرج هذا الجوابُ على قانون قوله :[ الرجز ]
أنَا أبُو النَّجْمِ وشِعْرِي شِعْرِي(١٦) ***. . .
ومعناه : أنَّ شِعْرِي قد بلغَ في الكمالِ والفصَاحَةِ والمتانَةِ إلى حيْثُ متى قيل : إنه شِعْرِي، فقد انتهى مدحُه إلى الغايَةِ التي لا يُزَادُ عليها، وهذا الكلامُ يفيد المبالغةَ التامَّةَ من هذا الوجهِ، فكذا هنا، كأنه قال : فإن لم تبلِّغْ رسالاتِه، فما بلَّغْتَ رسالاته، يعني : أنه لا يمكنُ أن يوصَفَ ترْكُ التبليغِ بتهديدٍ أعظمَ من أنه ترك التبليغ، فكان ذلك تنبيهاً على غايةِ التهديد والوعيد ".
قال أبو حيان(١٧) :" وما ضعَّفَ به جوابَ الجُمْهور لا يُضَعَّفُ به ؛ لأنه قال :" فإنْ قيل : إنه تركَ الكُلَّ، كان كذباً "، ولم يقولوا ذلك، إنما قالوا : إنَّ بعضها ليس أوْلَى بالأداء مِن بعضٍ، فإن لم تُؤدِّ بعضها، فكأنَّك أغْفَلْتَ أداءَها جميعَها، كما أن مَنْ لم يؤمِنْ ببعضها كان كَمَنْ لم يؤمنْ بكلِّها ؛ لإدلاءِ كلٍّ منها بما يُدْلِي به غيرُها، وكونُها كذلك في حكْمِ شيءٍ واحدٍ، والشيءُ الواحدُ لا يكون مبلَّغاً غير مبلَّغ، مُؤمَناً به غيرَ مؤمنٍ به ؛ فصار ذلك التبليغُ للبعضِ غير معتدٍّ به "، قال شهاب الدين(١٨) : وهذا الكلام الأنِيقُ، أعني : ما وقع به الجواب عن اعتراضِ الرَّازِيِّ كلامُ الزمخشري أخَذَه ونقله إلى هنا، وتمامُ كلام الزمخشريِّ : أن قال بعد قوله :" غَيْرَ مُؤمَنٍ "، وعن ابن عبَّاسٍ - رضي الله عنه - :" إنْ كَتَمْتَ آيَةً لَمْ تُبَلِّغْ رِسَالاَتِي " (١٩)، وروي عن رسول الله ﷺ أنه قال :" بَعَثَنِي الله بِرِسَالاتِهِ، فَضِقْتُ بِهَا ذَرْعاً، فأوْحَى الله إلَيَّ : إنْ لَمْ تُبَلِّغْ رِسَالاتِي، عَذَّبْتُكَ وضَمِنَ لِي العِصْمَةِ ؛ فقَوِيتُ " (٢٠)، قال أبو حيَّان(٢١) :" وأما ما ذكر من أن مقدار الجُرْمِ في تَرْكِ البعْضِ مثلُ الجُرْم في ترك الكلِّ مُحالٌ ممتنعٌ، فلا استحالة فيه ؛ لأن لله تعالى أن يرتِّب على الذنْبِ اليسيرِ العقابَ العظيمَ، وبالعكس، ثم مَثَّلَ بالسارقِ الآخِذِ خفيةً يُقْطَعُ ويُرَدُّ ما أخَذَ، وبالغاصبِ يُؤخَذُ منه ما أخذ دونَ قَطْعٍ ".
وقال الواحديُّ : أي : إنْ يَتْرُك إبلاغَ البعْضِ، كان كَمَنْ لَمْ يُبَلِّغْ ؛ لأنَّ تَرْكه البعضَ مُحْبِطٌ لإبلاغِ ما بلَّغَ، وجُرْمَهُ في كتمانِ البعضِ كجُرْمِهِ في كتمان الكلِّ ؛ في أنه يستحقُّ العقوبة من ربِّهِ، وحاشا لرسُولِ الله ﷺ أن يكتُمَ شيئاً مِمَّا أوْحَى الله تعالى إليه، وقد قالت عائشةُ - رضي الله عنها - :" مَنْ زَعَمَ أنَّ رسُولَ الله ﷺ كَتَمَ شَيْئاً من الوحْي، فقَدْ أعْظَمَ عَلى الله الفِرْيَةَ، والله تعالى يقول :﴿يا أيُّهَا الرسُولُ بَلِّغْ﴾، ولو كَتَم رسُول الله ﷺ شَيْئاً من الوحْيِ، لَكَتَمَ قولَهُ تعالى :﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧] الآية "، وهذا قَريبٌ من الأجوبة المتقدِّمة ؛ ونظيرُ هذه الآيةِ في السؤالِ المتقدِّم الحديثُ الصحيحُ عن عُمر بن الخطَّاب - رضي الله تعالى عنه - :" فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتَهُ إلى الله ورسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلى الله ورسُولِه " فإنَّ نفس الجواب هو نفسُ الشرطِ، وأجابوا عنه بأنه لا بد من تقديرٍ تحْصُلُ به المغايرةُ، فقالوا : تقدِيرُهُ : فمنْ كانَتْ هجرتُهُ إلى الله ورسُولِهِ نيَّةً وقصْداً فهجرتُه إلى الله ورسُولِهِ حُكْماً وشَرْعاً، ويمكنُ أن يأتِيَ فيه جوابُ الرَّ
وقوله :" مَا " يحتملُ أن تكون اسميةً بمعنى " الَّذِي " ولا يجوز أن تكون نكرةً موصوفةً ؛ لأنه مأمورٌ بتبليغِ الجميعِ كما مَرَّ، والنكرةُ لا تَفِي بذلك ؛ فإن تقديرها :" بَلِّغْ شَيْئاً أُنْزِلَ إليْكَ "، وفي " أُنْزِلَ " ضميرٌ مرفوعٌ يعودُ على ما قام مقام الفاعلِ، وتحتملُ على بُعْدٍ أن تكون " مَا " مصدريَّةً ؛ وعلى هذا ؛ فلا ضمير في " أُنْزِلَ " ؛ لأنَّ " مَا " المصدرية حرفٌ على الصَّحيح ؛ فلا بُدَّ من شيءٍ يقومُ مقامَ الفاعلِ، وهو الجارُّ بعده ؛ وعلى هذا : فيكونُ التقديرُ : بَلِّغِ الإنْزَالَ، ولكنَّ الإنزالَ لا يُبَلَّغُ فإنه معنى، إلا أن يُراد بالمصدر : أنه واقعٌ موقع المفعول به، ويجوز أن يكون المعنى :" اعلم بتبليغ الإنْزَالِ "، فيكونُ مصدراً على بابه.
والمعنى أظهر تَبْلِيغَهُ، كقوله تعالى :﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤].
فصل
روي عن مَسْروق [ قال ](٣) : قالتْ عائِشَةُ - رضي الله عنها - :" من حدَّثَكَ أنَّ مُحَمَّداً - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - كتَم شَيئاً ممّا أنْزل الله، فقد كذب " وهو سبحانه وتعالى يقول :﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ الآية(٤).
ورُوِيَ عن الحسن : أنَّ الله لمَّا بَعَثَ رسولَهُ، وعرف أنَّ مِنَ النَّاس من يُكَذِّبُه، فَنَزَلَتْ هذه الآية(٥)، وقيل : نَزَلَتْ في عيب من اليَهُود وذلك(٦) أنَّ النبيَّ - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - دَعَاهُم إلى الإسلام، فقالوا : أسْلَمْنَا قَبْلَكَ(٧)، وجعلوا يَسْتهْزِئُون بِهِ فَيَقُولُون : تريد أن نَتَّخِذَكَ حَنَاناً كما اتَّخَذَ النَّصَارى عِيسى حَنَاناً، فلمَّا رأى النَّبيُّ - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - ذلك سَكَت، فنزَلَتْ هذه الآية(٨)، فأمَرَهُ أنْ يقُولَ لأهْلِ الكِتَاب :﴿لَسْتُم عَلَى شَيْءٍ﴾ الآية.
وقيل : بلِّغ الإنْزَال ما أُنْزِلَ إليك من الرَّجْمِ(٩) والقِصَاصِ في قصَّةِ اليهود، وقيل : نَزَلَتْ في أمرِ زَيْنَب بِنْتِ جَحْشٍ ونِكَاحها(١٠).
وقيل : نزلت في الجِهَاد(١١) وذلك أنَّ المُنَافِقِين كَرِهُوه، كما قال تعالى :﴿فَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [محمد: ٢٠] فكرهَهُ بَعْضُ المُؤمِنين.
قال تعالى :﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ﴾ [النساء: ٧٧] الآية، وكان النَّبِيُّ - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - يمسك في بعض الأحَايِين عن الحثِّ عن الجهاد لِمَا يَعْلمُ من كَرَاهَةِ بعضهم فأنزَلُ اللَّهُ تعالى هذه الآية، والمَعْنَى : بَلِّغْ واصْبِر على تَبْلِيغ ما أنْزَلَهُ إلَيْك من كَشْفِ أسْرَارهم وفَضَائحِ أفعالهم، فإنَّ الله تعالى يَعْصِمُك من كَيْدِهِم ومَكْرِهِم، وقيل : نزلتَ في حجَّة الوَدَاع، لمَّا بيَّن الشَّرائِع والمَنَاسِكَ قال : هل بلَّغْتُ ؟ قالُوا : نَعَمْ قال : اللَّهُم فاشْهَدْ(١٢)، وقِيلَ : لمَّا نزلَتْ آيَة التَّخْيِير وهِيَ قوْلُه تعالى :﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ [الأحزاب: ٢٨] فلم يَعْرِضْهَا عليهنَّ خَوْفاً من اختيارِهِنَّ للدُّنْيَا فنزلت.
قوله تعالى :﴿وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾، أي : وإنْ لم تفعل التبليغ، فحذف المفعول به، ولم يقل :" وإن لم تبلّغْ فما بلّغتَ " لما تقدَّم في قوله تعالى :﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ﴾ في البقرة [ آية : ٢٤ ]، والجوابُ لا بُدَّ أن يكون مغايراً للشرط ؛ لتحصُل الفائدةُ، ومتى اتَّحدَا، اختلَّ الكلامُ، لو قلتَ :" إنْ أتَى زيدٌ، فقدْ جَاءَ "، لم يَجُزْ، وظاهرُ قوله :" وإنْ لَمْ تَفْعَلْ، فما بَلَّغْتَ " اتحادُ الشرطِ والجزاء، فإن المعنى يَئُولُ ظاهراً إلى قوله : وإن لم تفعل، لم تفعل، وأجاب الناسُ عن ذلك بأجوبةٍ ؛ أسَدُّها : ما قاله الزمخشريُّ، وقد أجاب بجوابَيْنِ :
أحدهما : أنه إذا لم يمتثلْ أمر اللَّهِ في تبليغِ الرِّسالاتِ وكتَمَها كُلَّها ؛ كأنه لم يُبْعَثْ رَسُولاً - كان أمراً شنيعاً لا خَفَاء بشناعته، فقيل : إنْ لم تُبَلِّغْ أدنَى شيء، وإن كلمةً واحدةً، فكنْتَ كمَنْ رَكِبَ الأمر الشنيعَ الذي هو كتمانُ كُلِّهَا، كما عَظَّمَ قَتْلَ النفْسِ في قوله :﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً﴾ [المائدة: ٣٢].
والثاني : المراد : وإنْ لَمْ تَفْعَلْ ذلك، فلك ما يُوجِبُ كتْمَانَ الوَحْي كلِّه من العقابِ، فوضَع السَّبَبَ مَوْضِعَ المُسَبِّبِ ؛ ويؤيده :" فأوْحَى الله إليَّ : إنْ لَمْ تُبَلِّغْ رسَالاَتِي، عَذَّبْتُكَ ".
وأجاب ابن عطية(١٣) : أي : وإنْ تركْتَ شيئاً، فقد تركْتَ الكلَّ، وصار ما بَلَّغْتَ غيرَ معتدٍّ به، فمعنى " وإنْ لَمْ تَفْعَلْ " :" وإنْ لَمْ تَسْتَوْفِ " ؛ ونحوُ هذا قولُ الشاعر :[ الطويل ]
| سُئِلْتَ فَلَمْ تَبْخَلْ، وَلَمْ تُعْطِ نَائِلاً | فَسِيَّان لا حَمْدٌ عَلَيْكَ وَلاَ ذَمُّ(١٤) |
وقد أفسد ابنُ الخطيب(١٥) جواب ابنِ عطيَّة فقال :" أجَابَ الجمهُور ب " إنْ لَمْ تُبَلِّغْ وَاحِداً مِنْهَا، كُنْت كَمَنْ لَمْ يُبَلِّغْ شَيْئاً "، وهذا ضعيفٌ ؛ لأنَّ مَنْ ترك البعضَ وأتَى بالبعض، فإن قيل : إنه ترك الكلَّ، كان كذباً، ولو قيل : إن مقدار الجُرْمِ في ترك البعْضِ مثلُ الجرم في ترك الكل، فهذا هو المُحالُ الممتنعُ ؛ فسقط هذا الجوابُ، والأصحُّ عندي : أن يقال : خرج هذا الجوابُ على قانون قوله :[ الرجز ]
أنَا أبُو النَّجْمِ وشِعْرِي شِعْرِي(١٦) ***. . .
ومعناه : أنَّ شِعْرِي قد بلغَ في الكمالِ والفصَاحَةِ والمتانَةِ إلى حيْثُ متى قيل : إنه شِعْرِي، فقد انتهى مدحُه إلى الغايَةِ التي لا يُزَادُ عليها، وهذا الكلامُ يفيد المبالغةَ التامَّةَ من هذا الوجهِ، فكذا هنا، كأنه قال : فإن لم تبلِّغْ رسالاتِه، فما بلَّغْتَ رسالاته، يعني : أنه لا يمكنُ أن يوصَفَ ترْكُ التبليغِ بتهديدٍ أعظمَ من أنه ترك التبليغ، فكان ذلك تنبيهاً على غايةِ التهديد والوعيد ".
قال أبو حيان(١٧) :" وما ضعَّفَ به جوابَ الجُمْهور لا يُضَعَّفُ به ؛ لأنه قال :" فإنْ قيل : إنه تركَ الكُلَّ، كان كذباً "، ولم يقولوا ذلك، إنما قالوا : إنَّ بعضها ليس أوْلَى بالأداء مِن بعضٍ، فإن لم تُؤدِّ بعضها، فكأنَّك أغْفَلْتَ أداءَها جميعَها، كما أن مَنْ لم يؤمِنْ ببعضها كان كَمَنْ لم يؤمنْ بكلِّها ؛ لإدلاءِ كلٍّ منها بما يُدْلِي به غيرُها، وكونُها كذلك في حكْمِ شيءٍ واحدٍ، والشيءُ الواحدُ لا يكون مبلَّغاً غير مبلَّغ، مُؤمَناً به غيرَ مؤمنٍ به ؛ فصار ذلك التبليغُ للبعضِ غير معتدٍّ به "، قال شهاب الدين(١٨) : وهذا الكلام الأنِيقُ، أعني : ما وقع به الجواب عن اعتراضِ الرَّازِيِّ كلامُ الزمخشري أخَذَه ونقله إلى هنا، وتمامُ كلام الزمخشريِّ : أن قال بعد قوله :" غَيْرَ مُؤمَنٍ "، وعن ابن عبَّاسٍ - رضي الله عنه - :" إنْ كَتَمْتَ آيَةً لَمْ تُبَلِّغْ رِسَالاَتِي " (١٩)، وروي عن رسول الله ﷺ أنه قال :" بَعَثَنِي الله بِرِسَالاتِهِ، فَضِقْتُ بِهَا ذَرْعاً، فأوْحَى الله إلَيَّ : إنْ لَمْ تُبَلِّغْ رِسَالاتِي، عَذَّبْتُكَ وضَمِنَ لِي العِصْمَةِ ؛ فقَوِيتُ " (٢٠)، قال أبو حيَّان(٢١) :" وأما ما ذكر من أن مقدار الجُرْمِ في تَرْكِ البعْضِ مثلُ الجُرْم في ترك الكلِّ مُحالٌ ممتنعٌ، فلا استحالة فيه ؛ لأن لله تعالى أن يرتِّب على الذنْبِ اليسيرِ العقابَ العظيمَ، وبالعكس، ثم مَثَّلَ بالسارقِ الآخِذِ خفيةً يُقْطَعُ ويُرَدُّ ما أخَذَ، وبالغاصبِ يُؤخَذُ منه ما أخذ دونَ قَطْعٍ ".
وقال الواحديُّ : أي : إنْ يَتْرُك إبلاغَ البعْضِ، كان كَمَنْ لَمْ يُبَلِّغْ ؛ لأنَّ تَرْكه البعضَ مُحْبِطٌ لإبلاغِ ما بلَّغَ، وجُرْمَهُ في كتمانِ البعضِ كجُرْمِهِ في كتمان الكلِّ ؛ في أنه يستحقُّ العقوبة من ربِّهِ، وحاشا لرسُولِ الله ﷺ أن يكتُمَ شيئاً مِمَّا أوْحَى الله تعالى إليه، وقد قالت عائشةُ - رضي الله عنها - :" مَنْ زَعَمَ أنَّ رسُولَ الله ﷺ كَتَمَ شَيْئاً من الوحْي، فقَدْ أعْظَمَ عَلى الله الفِرْيَةَ، والله تعالى يقول :﴿يا أيُّهَا الرسُولُ بَلِّغْ﴾، ولو كَتَم رسُول الله ﷺ شَيْئاً من الوحْيِ، لَكَتَمَ قولَهُ تعالى :﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧] الآية "، وهذا قَريبٌ من الأجوبة المتقدِّمة ؛ ونظيرُ هذه الآيةِ في السؤالِ المتقدِّم الحديثُ الصحيحُ عن عُمر بن الخطَّاب - رضي الله تعالى عنه - :" فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتَهُ إلى الله ورسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلى الله ورسُولِه " فإنَّ نفس الجواب هو نفسُ الشرطِ، وأجابوا عنه بأنه لا بد من تقديرٍ تحْصُلُ به المغايرةُ، فقالوا : تقدِيرُهُ : فمنْ كانَتْ هجرتُهُ إلى الله ورسُولِهِ نيَّةً وقصْداً فهجرتُه إلى الله ورسُولِهِ حُكْماً وشَرْعاً، ويمكنُ أن يأتِيَ فيه جوابُ الرَّ
١ ينظر: الكشاف ١/٦٥٨..
٢ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٢١٧..
٣ سقط في أ..
٤ ذكره القرطبي في "تفسيره" (٦/١٥٧)، والبغوي ٢/٥١..
٥ ذكره السيوطي في "الدر المنثور"(٢/٥٢٨) وعزاه لأبي الشيخ عن الحسن والأثر في "تفسير الرازي" (١٢/٤١) عن الحسن..
٦ في ب: واستهزائهم الدين وذلك..
٧ في أ: قبلنا..
٨ ذكره الرازي في "التفسير الكبير" (١٢/٤٢)..
٩ انظر المصدر السابق..
١٠ انظر المصدر السابق..
١١ انظر المصدر السابق..
١٢ المصدر السابق..
١٣ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٢١٨..
١٤ ينظر: البحر المحيط ٣/٥٣٩، المحرر الوجيز ٢/٢١٨، الدر المصون ٢/٥٧٠..
١٥ ينظر: الرازي ١٢/٤٨..
١٦ تقدم ٩٩٦..
١٧ ينظر: البحر المحيط ٣/٥٣٩..
١٨ ينظر: الدر المصون ٢/٥٧١..
١٩ ذكره القرطبي في تفسيره (٦/١٥٧) عن ابن عباس..
٢٠ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٥٢٨) وعزاه لأبي الشيخ عن الحسن مرسلا..
٢١ ينظر: البحر المحيط ٣/٥٣٩..
٢ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٢١٧..
٣ سقط في أ..
٤ ذكره القرطبي في "تفسيره" (٦/١٥٧)، والبغوي ٢/٥١..
٥ ذكره السيوطي في "الدر المنثور"(٢/٥٢٨) وعزاه لأبي الشيخ عن الحسن والأثر في "تفسير الرازي" (١٢/٤١) عن الحسن..
٦ في ب: واستهزائهم الدين وذلك..
٧ في أ: قبلنا..
٨ ذكره الرازي في "التفسير الكبير" (١٢/٤٢)..
٩ انظر المصدر السابق..
١٠ انظر المصدر السابق..
١١ انظر المصدر السابق..
١٢ المصدر السابق..
١٣ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٢١٨..
١٤ ينظر: البحر المحيط ٣/٥٣٩، المحرر الوجيز ٢/٢١٨، الدر المصون ٢/٥٧٠..
١٥ ينظر: الرازي ١٢/٤٨..
١٦ تقدم ٩٩٦..
١٧ ينظر: البحر المحيط ٣/٥٣٩..
١٨ ينظر: الدر المصون ٢/٥٧١..
١٩ ذكره القرطبي في تفسيره (٦/١٥٧) عن ابن عباس..
٢٠ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٥٢٨) وعزاه لأبي الشيخ عن الحسن مرسلا..
٢١ ينظر: البحر المحيط ٣/٥٣٩..