جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿يََأَيّهَا الرّسُولُ بَلّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رّبّكَ وَإِن لّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ إِنّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾. .
وهذا أمر من الله تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ، بإبلاغ هؤلاء اليهود والنصارى من أهل الكتابين الذين قصّ الله تعالى قصصهم في هذه السورة وذكر فيها معايبهم وخبث أديانهم واجتراءهم على ربهم وتوثبهم على أنبيائهم وتبديلهم كتابه وتحريفهم إياه ورداءة مطاعمهم ومآكلهم وسائر المشركين غيرهم، ما أنزل عليه فيهم من معايبهم والإزراء عليهم والتقصير بهم والتهجين لهم، وما أمرهم به ونهاهم عنه، وأن لا يشعر نفسه حذرا منهم أن يصيبه في نفسه مكروه، ما قام فيهم بأمر الله، ولا جزعا من كثرة عددهم وقلة عدد من معه، وأن لا يتقى أحدا في ذات الله، فإن الله تعالى كافيه كلّ أحد من خلقه، ودافعٌ عنه مكروه كل من يتقي مكروهه. وأعلمه تعالى ذكره أنه إن قصر عن إبلاغ شيء مما أنزل إليه إليهم، فهو في تركه تبليغ ذلك وإن قلّ ما لم يبلغ منه، فهو في عظيم ما ركب بذلك من الذنب بمنزلته لو لم يبلغ من تنزيله شيئا.
وبما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله : يا أيّها الرّسُولُ بَلّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبّكَ وَإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلّغْتَ رسالَتَهُ يعني : إن كتمت آية مما أنزل عليك من ربك، لم تبلغ رسالتي.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : يا أيّها الرّسُولُ بَلّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبّكَ. . . الآية، أخبر الله نبيه ﷺ أنه سيكفيه الناس ويعصمه منهم، وأمره بالبلاغ. ذكِر لنا أن نبيّ الله ﷺ قيل له : لو احتجبت فقال :«واللّهِ لأُبْدِيَنّ عَقِبي للنّاسِ ما صَاحَبْتُهُمْ ».
حدثني الحارث بن محمد، قال : حدثنا عبد العزيز، قال : حدثنا سفيان الثوريّ، عن رجل، عن مجاهد، قال : لما نزلت : بَلّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبّكَ قال :«إنّما أنا وَاحِدٌ، كَيْفَ أصْنَعُ ؟ تَجْتَمِعُ عليّ الناسُ » فنزلت : وَإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلّغْتَ رسالَتَهُ. . . الاَية.
حدثنا هناد وابن وكيع، قالا : حدثنا جرير، عن ثعلبة، عن جعفر، عن سعيد بن جبير، قال : لمّا نزلت : يا أيّها الرّسُولُ بَلّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبّكَ وَإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلّغْتَ رسالَتَهُ واللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ قال رسول الله ﷺ :«لا تَحْرُسُونِي إنّ رَبيّ قَدْ عَصَمَنِي ».
حدثني يعقوب بن إبراهيم وابن وكيع، قالا : حدثنا ابن عُلَية، عن الجريري، عن عبد الله بن شقيق : أن رسول الله ﷺ كان يعتقبه ناس من أصحابه، فلما نزلت : وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ خرج فقال :«يا أيّها النّاسُ الْحَقُوا بِمَلاحِقِكُمْ، فإنّ اللّهَ قَدْ عَصَمَنِي مِنَ النّاسِ ».
حدثنا هناد، قال : حدثنا وكيع، عن عاصم بن محمد، عن محمد بن كعب القرظي، قال : كان النبيّ ﷺ يتحارسه أصحابه، فأنزل الله : يا أيّها الرّسُولُ بَلّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبّكَ وَإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلّغْتَ رَسالَتَهُ. . . إلى آخرها.
حدثني المثنى، قال : حدثنا مسلم بن إبراهيم، قال : حدثنا الحارث بن عبيدة أبو قدامة الإيادي، قال : حدثنا سعيد الجريري، عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة، قالت : كان النبيّ ﷺ يُحرس، حتى نزلت هذه الاَية : وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ قالت : فأخرج النبيّ ﷺ رأسه من القبة، فقال :«أيّها النّاسُ انْصَرِفُوا، فإنّ اللّهَ قَدْ عَصَمَنِي ».
حدثنا عمرو بن عبد الحميد، قال : حدثنا سفيان، عن عاصم، عن القرظي : أن رسول الله ﷺ ما زال يحرس حتى أنزل الله : وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ.
واختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله نزلت هذه الاَية، فقال بعضهم : نزلت بسب أعرابيّ كان همّ بقتل رسول الله ﷺ، فكفاه الله إياه. ذكر من قال ذلك :
حدثني الحارث، قال : حدثنا عبد العزيز، قال : حدثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب القرظي وغيره، قال : كان رسول الله ﷺ إذا نزل منزلاً اختار له أصحابه شجرة ظليلة، فيقيل تحتها، فأتاه أعرابي، فاخترط سيفه ثم قال : من يمنعك مني ؟ قال :«الله ». فرعدت يد الأعرابي، وسقط السيف منه. قال : وضرب برأسه الشجرة حتى انتثر دماغه، فأنزل الله : وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ.
وقال آخرون : بل نزلت لأنه كان يخاف قريشا، فأومن من ذلك. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : كان النبيّ ﷺ يهاب قريشا، فلما نزلت : وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ استلقى ثم قال :«مَنْ شاءَ فَلْيَخْذُلْنِي » مرّتين أو ثلاثا.
حدثنا هناد، قال : حدثنا وكيع، عن أبي خالد، عن عامر، عن مسروق، قال : قالت عائشة : من حدّثك أن رسول الله ﷺ كتم شيئا من الوحي فقد كذب. ثم قرأت :«يا أيّها الرّسُولُ بَلّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ. . . الاَية.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن المغيرة، عن الشعبيّ، قال : قالت عائشة : من قال إن محمدا ﷺ كتم فقد كذب وأعظم الفرية على الله، قال الله : يا أيّها الرّسُولُ بَلّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبّكَ. . . الاَية.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا ابن علية، قال : أخبرنا داود بن أبي هند، عن الشعبيّ، عن مسروق، قال : قال عائشة : من زعم أن محمدا ﷺ كتم شيئا من كتاب الله فقد أعظم على الله الفرية، والله يقول : يا أيّها الرّسُولُ بَلّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبّك. . . الاَية.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني الليث، قال : ثني خالد، عن سعيد بن أبي هلال، عن محمد بن الحميم، عن مسروق بن الأجدع، قال : دخلت على عائشة يوما، فسمعتها تقول : لقد أعظم الفرية من قال : إن محمدا كتم شيئا من الوحي، والله يقول : يا أيّها الرّسُولُ بَلّغْ ما أنْزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبّكَ.
ويعني بقوله : وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ : يمنعك من أن ينالوك بسوء، وأصله من عصام القربة، وهو ما توكأ به من سير وخيط، ومنه قول الشاعر :
| وَقُلْتُ عَلَيْكُمْ مالِكا إنّ مالِكا | سيَعْصِمُكْم إنْ كانَ فِي النّاسِ عاصِمُ |
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
قال أبو جعفر: وهذا أمر من الله تعالى ذكره نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم، (١) بإبلاغ هؤلاء اليهود والنصارى من أهل الكتابين الذين قصَّ تعالى ذكره قَصَصهم في هذه السورة، وذكر فيها معايبهم وخُبْثَ أديانهم، واجتراءَهم على ربهم، وتوثُّبهم على أنبيائهم، وتبديلَهم كتابه، وتحريفَهم إياه، ورداءةَ مطاعِمهم ومآكلهم= وسائرِ المشركين غيرِهم، (٢) ما أنزل عليه فيهم من معايبهم، والإزراء عليهم، والتقصير بهم، والتهجين لهم، وما أمرهم به ونهاهم عنه، وأن لا يُشْعر نفسَه حذرًا منهم أن يُصيبوه في نفسه بمكروهٍ ما قام فيهم بأمر الله، (٣) ولا جَزعًا من كثرة عددهم وقلّة عدد من معه، وأن لا يتّقى أحدًا في ذات الله، فإن الله تعالى ذكره كافيه كلَّ أحد من خلقه، ودافعٌ عنه مكروهَ كل من يبغي مكروهه. (٤) وأعلمه تعالى ذكره أنه إن قصَّر عن إبلاغ شيء مما أنزل إليه إليهم، فهو في تركه تبليغ ذلك= وإن قلّ ما لم يبلّغ منه= فهو في عظيم ما ركب بذلك من الذَّنب بمنزلته لو لم يبلِّغ من تنزيله شيئًا.
* * *
وبما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
(٢) قوله: "وسائر المشركين" مجرور معطوف على قوله: "بإبلاغ هؤلاء اليهود والنصارى... " ومفعول قوله: "بإبلاغ هؤلاء... " هو: "ما أنزل عليه فيهم".
(٣) في المطبوعة: "أن يصيبه في نفسه مكروه"، غير ما في المخطوطة على غير طائل.
(٤) في المطبوعة والمخطوطة: "كل من يتقي مكروهه"، وهو فاسد جدًا، صوابه ما أثبت.
١٢٢٧١ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك"، الآية، أخبر الله نبيَّه ﷺ أنه سيكفيه الناس، ويعصمه منهم، وأمره بالبلاغ. ذكر لنا أن نبيَّ الله ﷺ قيل له: لو احتجبت! فقال: والله لأبديَنَّ عَقِبي للناس ما صاحبتهم. (٢)
١٢٢٧٢ - حدثني الحارث بن محمد قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان الثوري، عن رجل، عن مجاهد قال: لما نزلت:"بلغ ما أنزل إليك من ربك"، قال: إنما أنا واحد، كيف أصنع؟ تجَمَّع عليّ الناس! (٣) فنزلت:"وإن لم تفعل فما بلغت رسالته"، الآية.
١٢٢٧٣ - حدثنا هناد وابن وكيع قالا حدثنا جرير، عن ثعلبة، عن جعفر، عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت:"يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس"، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تحرسوني، إنّ ربّي قد عَصَمني. (٤)
(٢) قوله: "احتجبت"، أي: احتجبت عن الناس حتى لا يدرك منه من يبغيه الغوائل. و"العقب" هنا"عقب القدم"، وهي مؤخرها، وهي مؤنثة. يعني بذلك: لأظهرن لهم سائرًا بينهم لا أحتجب. وكل من خرج إلى الناس، فقد بدا لهم عقبه، وهو يسير بينهم. وهذه كناية حسنة. وقوله: "ما صاحبتهم"، للتأييد، كأنه قال: "ما عشت".
(٣) في المطبوعة: "تجتمع على الناس"، وأثبت ما في المخطوطة. ومعنى قوله: "تجمع على الناس"، أي: تألبوا عليه وعادوه من جراء دعوته إلى دين الله. وهذا تعجب.
(٤) الأثر: ١٢٢٧٣-"جرير"، هو"جرير بن عبد الحميد الضبي"، مضى مرارًا كثيره.
و"ثعلبة" هو"ثعلبة بن سهيل التميمي الطهوي"، كان متطببًا، ثقة، لا بأس به، مترجم في التهذيب.
و"جعفر" هو"جعفر بن أبي المغيرة الخزاعي"، مضى برقم: ٨٧، ٦١٧، ٤٣٤٧، ٧٢٦٩.
وهذا خبر مرسل. انظر تفسير ابن كثير ٣: ١٩٦.
١٢٢٧٥ - حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع، عن عاصم بن محمد، عن محمد بن كعب القرظي قال: كان النبي ﷺ يتحارسه أصحابه، فأنزل الله تعالى ذكره:"يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته"، إلى آخرها.
١٢٢٧٦ - حدثني المثنى قال، حدثنا مسلم بن إبراهيم قال، حدثنا الحارث بن عبيدة أبو قدامة الإيادي قال، حدثنا سعيد الجريري، عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ يُحْرَس، حتى نزلت هذه الآية:"والله يعصمك من الناس"، قالت: فأخرج النبي ﷺ رأسه من القُبَّة فقال:"أيها الناس، انصرفوا، فقد عصمني الله. (٢)
و"عبد الله بن شقيق العقيلي"، تابعي ثقة، مضى برقم: ١٩٦، وهذا الخبر مرسل أيضًا، وسيأتي موصولا برقم: ١٢٢٧٦
وقوله: "يعتقبه ناس من أصحابه": أي يتناوبون حراسته ويتداولونها، من"العقبة" وهي النوبة، يقال: "جاءت عقبة فلان"، أي نوبته.
وقوله: "ألحقوا بملاحقكم"، يأمرهم أن يوافوا أماكنهم التي يرجعون إليها إذا أبوا. ولم أجد هذا التعبير في غير هذا الخبر، ولا قيده أصحاب غريب الحديث. و"الملاحق" جمع"ملحق" (بفتح الميم وسكون اللام وفتح الحاء) : أي الموضع الذي ينزلونه عند مرجعهم.
(٢) الأثر: ١٢٢٧٦-"الحارث بن عبيد الإيادي"، "أبو قدامة"، قال أحمد: "مضطرب الحديث"، وقال ابن معين: "ضعيف"، وقال أبو حاتم: "ليس بالقوي، يكتب حديثه ولا يحتج به". وقال ابن حبان: "كان ممن كثر وهمه، حتى خرج عن جملة من يحتج به إذا انفرد". مترجم في التهذيب. والكبير ١/ ٢/ ٢٧٣.
وهذا الخبر رواه الترمذي في كتاب التفسير وقال: "هذا حديث غريب، وروى بعضهم هذا الحديث عن الجريري، عن عبد الله بن شقيق، ولم يذكر فيه عائشة".
ورواه الحاكم في المستدرك ٢: ٣١٣، من هذه الطريق نفسها ثم قال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي.
وكان في المطبوعة: "فإن الله قد عصمني"، خالف نص المخطوطة لغير شيء. وما في المخطوطة هو المطابق لروايته في الترمذي والمستدرك.
* * *
واختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله نزلت هذه الآية.
فقال بعضهم: نزلت بسب أعرابيّ كان همَّ بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكفاه الله إياه.
ذكر من قال ذلك:
١٢٢٧٨ - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب القرظي وغيره قال: كان رسول الله ﷺ إذا نزل منزلا اختار له أصحابه شجرة ظليلة، فيَقِيل تحتها. فأتاه أعرابي فاخترط سيفه ثم قال (١) من يمنعك مني؟ قال: الله! فرُعِدت يد الأعرابيّ وسقط السيف منه، (٢) قال: وضرب برأسه الشجرة حتى انتثر دُماغه، فأنزل الله:"والله يعصمك من الناس". (٣)
* * *
(٢) هكذا جاءت الرواية"فرعدت يد الأعرابي" بالبناء للمجهول، ولم أجد من"الرعدة" ثلاثيًا"رعد" بالبناء للمجهول، بل الذي رووه وأطبقوا عليه"أرعد" (بالبناء للمجهول). فإن صح هذا الخبر، فالثلاثي المبني للمجهول مما يزاد على مادة اللغة.
(٣) الأثر: ١٢٢٧٨- انظر خبر هذا الأعرابي فيما سلف رقم: ١١٥٦٥، والتعليق عليه هناك، وليس فيه أنه ضرب برأسه الشجرة حتى انتثر دماغه.
ذكر من قال ذلك:
١٢٢٧٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: كان النبي ﷺ يهاب قريشًا، فلما نزلت:"والله يعصمك من الناس"، استلقى ثم قال:"من شاء فليخذلني= مرتين أو ثلاثًا.
١٢٢٨٠ - حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع، عن ابن أبي خالد، عن عامر، عن مسروق قال، قالت عائشة: من حدثك أن رسول الله ﷺ كتم شيئًا من الوحي فقد كذب! ثم قرأت:"يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك"، الآية. (١)
١٢٢٨١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن المغيرة، عن الشعبي قال، قالت عائشة: من قال إن محمدًا ﷺ كتم، فقد كذبَ وأعظم الفرية على الله! قال الله تعالى ذكره:"يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك" الآية.
١٢٢٨٢ - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قال: أخبرنا داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن مسروق قال، قالت عائشة: من زعم أنّ محمدًا ﷺ كتم شيئًا من كتاب الله، فقد أعظم على الله الفرية! والله يقول:"يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك"، الآية. (٢)
١٢٢٨٣ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني الليث قال، حدثني خالد، عن سعيد بن أبي هلال، عن محمد بن الجهم،
وهذا الخبر رواه أبو جعفر من أربع طرق، سيأتي تخريجها بعد.
(٢) الأثر: ١٢٢٨٢- رواه مسلم مطولا في صحيحه، من طريق إسماعيل بن علية، عن داود.
وهذه الأخبار الثلاثة السالفة، خبر واحد بأسانيد ثلاثة. رواه البخاري (الفتح ٨: ٢٠٦) من طريق سفيان، عن إسمعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن مسروق. ثم رواه من هذه الطريق، ومن طريق أبي عامر العقدي، عن شعبة، عن إسمعيل بن أبي خالد، عن الشعبي (الفتح ١٣: ٤٢٢)، مختصرا.
* * *
ويعني بقوله:"والله يعصمك من الناس"، يمنعك من أن ينالوك بسوء. وأصله من"عِصَام القربة"، وهو ما تُوكىَ به من سير وخيط، (٢)
ومنه قول الشاعر: (٣)
وَقُلْتُ:
| عَلَيْكُمْ مَالِكًا، إنَّ مَالِكًا | سَيَعْصِمُكُمُ، إنْ كَانَ فِي النَّاسِ عَاصِمُ (٤) |
* * *
وأما قوله:"إن الله لا يهدي القوم الكافرين"، فإنه يعني: إن الله لا يوفِّق للرُّشْد من حاد عن سبيل الحق، وجار عن قصد السبيل، وجحد ما جئته به من عند الله، ولم ينته إلى أمر الله وطاعته فيما فرض عليه وأوجبه. (٥)
* * *
و"خالد"، هو: "خالد بن يزيد الجمحي المصري"، الفقيه المفتي، ثقة، مضى برقم: ٣٩٦٥، ٥٤٦٥، ٩١٨٥، ٩٥٠٧.
و"سعيد بن أبي هلال الليثي المصري"، ثقة. مضى برقم: ١٤٩٥، ٣٩٦٥، ٥٤٦٥.
(٢) انظر تفسير"عصم" و"عصام" فيما سلف ٧: ٦٢، ٦٣، ٧٠/٩: ٣٤١.
(٣) لم أعرف قائله.
(٤) مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ١٧١. و"عليك" اسم فعل للإغراء، يقال: "عليك زيدًا" و"عليك بزيد".
(٥) انظر تفسير"هدى" فيما سلف من فهارس اللغة.