فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
العموم الكائن في ما أنزل يفيد أنه يجب عليه ﷺ أن يبلغ جميع ما أنزله الله إليه، لا يكتم منه شيئاً. وفيه دليل على أنه لم يسر إلى أحد مما يتعلق بما أنزل الله إليه شيئاً، ولهذا ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : من زعم أن محمداً ﷺ كتم شيئاً من الوحي فقد كذب. وفي صحيح البخاري من حديث أبي جحيفة وهب بن عبد الله السوائي قال : قلت لعليّ ابن أبي طالب رضي الله عنه : هل عندكم شيء من الوحي مما ليس في القرآن ؟ فقال : لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا فهماً يعطيه الله رجلاً في القرآن وما في هذه الصحيفة، قلت : وما في هذه الصحيفة ؟ قال : العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر. ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَل﴾ ما أمرت به من تبليغ الجميع، بل كتمت ولو بعضاً من ذلك ﴿فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالاتَهُ﴾. قرأ أبو عمرو، وأهل الكوفة إلا شعبة :«رسالته » على التوحيد. وقرأ أهل المدينة وأهل الشام «رسالاته » على الجمع، قال النحاس : والجمع أبين لأن رسول الله ﷺ كان ينزل عليه الوحي شيئاً فشيئاً، ثم يبينه انتهى. وفيه نظر، فإن نفي التبليغ عن الرسالة الواحدة أبلغ من نفيه عن الرسالات، كما ذكره علماء البيان على خلاف في ذلك، وقد بلغ رسول الله ﷺ لأمته ما نزل إليهم، وقال لهم في غير موطن : هل بلغت ؟ فيشهدون له بالبيان، فجزاه الله عن أمته خيراً ؛ ثم إن الله سبحانه وعده بالعصمة من الناس دفعاً لما يظنّ أنه حامل على كتم البيان، وهو خوف لحوق الضرر من الناس، وقد كان ذلك بحمد الله، فإنه بين لعباد الله ما نزل إليهم على وجه التمام، ثم حمل من أبى من الدخول في الدين على الدخول فيه طوعاً أو كرهاً، وقتل صناديد الشرك وفرّق جموعهم وبدّد شملهم، وكانت كلمة الله هي العليا، فأسلم كل من نازعه ممن لم يسبق فيه السيف العذل، حتى قال يوم الفتح لصناديد قريش وأكابرهم : ما تظنون أني فاعل بكم ؟ فقالوا : أخ كريم وابن أخ كريم فقال : اذهبوا فأنتم الطلقاء. وهكذا من سبقت له العناية من علماء هذه الأمة يعصمه الله من الناس، إن قام ببيان حجج الله، وإيضاح براهينه، وصرخ بين ظهراني من ضادّ الله وعانده ولم يمتثل لشرعه كطوائف المبتدعة، وقد رأينا من هذا في أنفسنا وسمعناه في غيرنا ما يزيد المؤمن إيماناً وصلابة في دين الله وشدّة شكيمة في القيام بحجة الله، وكل ما يظنه متزلزلو الأقدام، ومضطربو القلوب، من نزول الضرر بهم وحصول المحن عليهم فهو خيالات مختلة وتوهمات باطلة، فإن كل محنة في الظاهر هي منحة في الحقيقة، لأنها لا تأتي إلا بخير في الأولى والأخرى
﴿إِنَّ فِي ذلك لذكرى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السمع وَهُوَ شَهِيدٌ﴾. قوله :﴿إِنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الكافرين﴾. جملة متضمنة لتعليل ما سبق من العصمة أي إن الله لا يجعل لهم سبيلاً إلى الإضرار بك، فلا تخف وبلغ ما أمرت بتبليغه.
وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد قال : لما نزلت :﴿بَلّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبّكَ﴾ قال :" يا رب إنما أنا واحد كيف أصنع ؟ يجتمع عليّ الناس "، فنزلت :﴿وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾. وأخرج أبو الشيخ، عن الحسن، أن رسول الله ﷺ قال :" إن الله بعثني برسالته فضقت بها ذرعاً وعرفت أن الناس مكذبيّ، فوعدني لأبلغن أو ليعذبني، فأنزلت :﴿يا أيها الرسول بَلّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبّكَ﴾. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله :﴿وَإِن لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ يعني : إن كتمت آية مما أنزل إليك لم تبلغ رسالته.
وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، وابن عساكر، عن أبي سعيد الخدري قال : نزلت هذه الآية :﴿يا أيها الرسول بَلّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ على رسول الله ﷺ يوم غدير خمّ، في عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه. وأخرج ابن مردويه، عن ابن مسعود قال : كنا نقرأ على عهد رسول الله ﷺ :«يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك إن عليا مولى المؤمنين وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس ». وأخرج ابن أبي حاتم، عن عنترة، قال : كنت عند ابن عباس فجاءه رجل فقال : إن ناساً يأتونا فيخبرونا أن عندكم شيئاً لم يبده رسول الله ﷺ للناس، فقال : ألم تعلم أنّ الله قال :﴿يا أيها الرسول بَلّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبّكَ﴾ والله ما ورّثنا رسول الله ﷺ سوداء في بيضاء.
وأخرج ابن مردويه، والضياء في المختارة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ سئل : أيّ آية أنزلت من السماء أشدّ عليك ؟ فقال :" كنت بمنى أيام موسم، فاجتمع مشركو العرب وأفناء الناس في الموسم، فأنزل عليّ جبريل " فقال :﴿يا أيها الرسول بَلّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ الآية، قال :" فقمت عند العقبة فناديت يا أيها الناس من ينصرني على أن أبلغ رسالة ربي وله الجنة، أيها الناس قولوا لا إله إلا الله وأنا رسول الله إليكم، تفلحوا وتنجحوا ولكم الجنة "، قال :«فما بقي رجل ولا امرأة ولا صبيّ إلا يرمون بالتراب والحجارة ويبزقون في وجهي ويقولون : كذاب صابئ، فعرض عليّ عارض " فقال : يا محمد إن كنت رسول الله فقد آن لك أن تدعو عليهم كما دعا نوح على قومه بالهلاك »، فقال النبيّ ﷺ :«اللهمّ اهد قومي فإنهم لا يعلمون »، فجاء العباس عمه فأنقذه منهم وطردهم عنه. قال الأعمش : فبذلك يفتخر بنو العباس ويقولون فيهم نزلت :﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ولكن الله يَهْدِي مَن يَشَاء﴾ هوى النبيّ ﷺ أبا طالب، وشاء الله عباس بن عبد المطلب.
وأخرج عبد بن حميد، والترمذي وابن جرير وابن المنذر، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، والحاكم، وابن مردويه، وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل، عن عائشة قالت : كان رسول الله ﷺ يحرس حتى نزلت :﴿والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس﴾ فأخرج رأسه من القبة فقال :«أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله » قال الحاكم في المستدرك : صحيح الإسناد ولم يخرّجاه. وأخرج الطبراني، وابن مردويه من حديث أبي سعيد. وقد روي في هذا المعنى أحاديث. وأخرج ابن أبي حاتم عن جابر بن عبد الله قال : لما غزا رسول الله ﷺ بني أنمار نزل ذات الرقيع بأعلى نخل، فبينما هو جالس على رأس بئر قد دلى رجليه، فقال الوارث من بني النجار : لأقتلنّ محمداً، فقال له أصحابه : كيف تقتله ؟ قال : أقول له أعطني سيفك فإذا أعطانيه قتلته به ؛ فأتاه فقال : يا محمد أعطني سيفك أشمه، فأعطاه إياه، فرعدت يده حتى سقط من يده، فقال رسول الله ﷺ :«حال الله بينك وبين ما تريد »، فأنزل الله سبحانه :﴿يا أيها الرسول بَلّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ الآية. قال ابن كثير : وهذا حديث غريب من هذا الوجه. وأخرج ابن حبان في صحيحه، وابن مردويه عن أبي هريرة نحو هذه القصة، ولم يسمّ الرجل. وأخرج ابن جرير من حديث محمد بن كعب القرظي نحوه، وفي الباب روايات. وقصة غورث بن الحارث ثابتة في الصحيح، وهي معروفة مشهورة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى