محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي

عن الكتاب
[ ٦٧ ] ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين ( ٦٧ )﴾.
﴿يا أيها الرسول﴾ نودي ﷺ بعنوان الرسالة تشريفا له وإيذانا بأنها من موجبات الإتيان بما أمر به من التبليغ ﴿بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾ مما يفصل مساوئ الكفار، ومن قتالهم، والدعوة إلى الإسلام، غير مراقب في التبليغ أحدا، ولا خائف أن ينالك مكروه ﴿وإن لم تفعل﴾ أي : ما تؤمر به من تبليغ الجميع، سترا لبعض / مساوئهم ﴿فما بلغت رسالته﴾ أي : شيئا مما أرسلت به. لما أن بعضها ليس أولى بالأداء من بعض. فإذا لم تؤد بعضها فكأنك أغفلت أداءها جميعا. كما أن من لم يؤمن ببعضها، كان كمن لم يؤمن بكلها.
قال في ( الانتصاف ) : ولما كان عدم تبليغ الرسالة أمرا معلوما عند الناس، مستقرا في الأفهام أنه عظيم شنيع، ينقم على مرتكبه، بل عدم نشر العلم من العالم أمر فظيع، فضلا عن كتمان الرسالة من الرسول- استغنى عن ذكر الزيادات التي يتفاوت بها الشرط والجزاء، للصوقها بالجزاء في الأفهام. وإن كل من سمع عدم تبليغ الرسالة، فهم ما وراءه من الوعيد والتهديد. وحسن هذا الأسلوب في الكتاب العزيز بذكر الشرط عاما بقوله ﴿وإن لم تفعل﴾ ولم يقل : فإن لم تبلغ الرسالة فما بلغت الرسالة. حتى يكون اللفظ متغايرا ؛ وهذه المغايرة اللفظية- وإن كان المعنى واحدا- أحسن رونقا وأظهر طلاوة، من تكرار اللفظ الواحد في الشرط والجزاء. وهذا الفصل كاللباب من علم البيان.
وقوله تعالى :﴿والله يعصمك من الناس﴾ عدة منه تعالى بحفظه من لحوق ضرر بروحه الشريفة، باعث له على الجد فيما أمر به من التبليغ وعدم الاكتراث بعداوتهم وكيدهم ﴿إن الله لا يهدي القوم الكافرين﴾ تعلل لعصمته، أي : لا يهديدهم طريق الإساءة إليك، فما عذرك في مراقبتهم ؟.
تنبيهات
الأول : لا خفاء في أن النبي ﷺ قد بلغ البلاغ التام، وقام به أتم القيام، وثبت في الشدائد وهو مطلوب، وصبر على البأساء والضراء وهو مكروب ومحروب، وقد لقي بمكة من قريش ما يشيب النواصي، ويهد الصياصي. وهو، مع الضعف، يصابر صبر المستعلي، ويثبت ثبات المستولي. ثم انتصب لجهاد الأعداء وقد أحاطوا بجهاته، وأحدقوا بجنباته، وصار بإثخانه في الأعداء محذورا، وبالرعب منه منصورا، حتى أصبح سراج الدين وهاجا، ودخل الناس في دين الله أفواجا.
روى البخاري(١) ومسلم وغيرهما عن عائشة رضي الله عنها :" قالت لمسروق : من حدثك أن محمدا كتم شيئا مما أنزل الله عليه فقد كذب، والله يقول :﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك...﴾ الآية ".
وفي ( الصحيحين ) (٢) عنهما أيضا أنها قالت :" لو كان محمد ﷺ كاتما شيئا من القرآن لكتم هذه الآية :﴿وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه﴾ ".
وروى البخاري(٣) وغيره عن أبي جحيفة قال :" قلت لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه : هل عندكم شيء من الوحي مما ليس في القرآن ؟ فقال : لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة  ! إلا فهما يعطيه الله رجلا في القرآن، وما في هذه الصحيفة. قلت : وما في هذه الصحيفة ؟ قال : العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر ".
وقال البخاري(٤) : قال الزهري : من الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم.
قال ابن كثير : وقد شهدت له ﷺ أمته بإبلاغ الرسالة، وأداء الأمانة، واستنطقهم بذلك في أعظم المحافل في خطبته يوم حجة الوداع، وقد كان هناك من أصحابه نحو من أربعين ألفا. كما ثبت في ( صحيح مسلم ) (٥) عن جابر بن عبد الله :" أن رسول الله/ ﷺ قال في خطبته يومئذ : أيها الناس  ! إنكم مسؤولون عني فما أنتم قائلون ؟ / قالوا : نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت. فجعل يرفع رأسه ويرفع يده إلى السماء وينكبها إليهم ويقول : اللهم  ! هل بلغت ؟ ".
وروى الإمام أحمد(٦) عن ابن عباس قال :" قال رسول الله ﷺ في حجة/ الوداع : يا أيها الناس  ! أي يوم هذا ؟ قالوا : يوم حرام. قال : أي بلد هذا ؟ قالوا : بلد حرام. قال فأي شهر هذا ؟ قالوا : شهر حرام. قال : فإن أموالكم ودماءكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا. ثم أعادها مرارا. ثم رفع إصبعه إلى السماء فقال : اللهم  ! هل بلغت ؟ مرارا ( قال بن عباس : والله  ! إنها لوصية إلى ربه عز وجل ) ثم قال : ألا فليبلغ الشاهد الغائب. لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض..   ! ". وقد روى البخاري(٧) نحوه  !.
الثاني : تضمن قوله تعالى :﴿والله يعصمك من الناس﴾ معجزة كبرى لرسوله ﷺ.
قال الإمام الماوردي في كتابه ( أعلام النبوة ) في الباب الثامن في معجزاته. عصمته ﷺ. ما نصه :
أظهر الله تعالى لرسوله ﷺ من أعلام نبوته بعد ثبوتها بمعجز القرآن، واستغنائه عما سواه من البرهان، ما جعله زيادة استبصار يحج بها من قلت فطنته، ويذهن لها من ضعفت بصيرته، ليكون إعجاز القرآن مدركا بالخواطر الثاقبة تفكرا واستدلالا، وإعجاز العيان معلوما ببداية الحواس احتياطا واستظهارا، فيكون البليد مقهورا بوهمه وعيانه، واللبيب محجوبا بفهمه وبيانه. لأن لكل فريق من الناس طريقا هي عليهم أقرب، ولهم أجذب، فكان ما جمع انقياد الفرق أوضح سبيلا، وأعم دليلا. فمن معجزاته عصمته من أعدائه وهم الجم الغفير، والعدد الكثير، وهم على أتم حنق عليه، وأشد طلب لنفسه. وهو بينهم مسترسل قاهر، ولهم مخالط ومكاثر، ترمقه أبصارهم شزرا، وترتد عنه أيديهم ذرعا، وقد هاجر عنه أصحابه حذرا، حتى استكمل مدته فيهم ثلاث عشرة سنة. ثم خرج عنهم / سليما لم يكلم في نفس ولا جسد. وما كان ذلك إلا بعصمة إلهية وعده الله تعالى بها فحققها حيث يقول :﴿والله يعصمك من الناس﴾. فعصمه منهم.
ثم قال الماوردي رحمه الله تعالى : وإن قريشا(٨) اجتمعت في دار الندوة. وكان فيهم النضر بن الحارث بن كنانة، وكان زعيم القوم. وساعده عبد الله بن الزبعرى وكان شاعر القوم. فحضهم على قتل محمد ﷺ وقال لهم : الموت خير لكم من الحياة. فقال بعضهم : كيف نصنع ؟ فقال أبو جهل : هل محمد إلا رجل واحد ؟ وهل بنو هاشم إلا قبيلة من قبائل قريش ؟ فليس فيكم من يزهد في الحياة فيقتل محمدا ويريح قومه ؟ وأطرق مليا. فقالوا : من فعل هذا ساد. فقال أبو جهل : ما محمد بأقوى من رجل منا. وإني أقوم إليه فأشدخ رأسه بحجر. فإن قتلت أرحت قومي، وإن بقيت فذاك الذي أوثر. فخرجوا على ذلك. فلما اجتمعوا في الحطيم، خرج عليهم سول الله ﷺ، فقالوا : قد جاء. فتقدم من الركن فقام يصلي. فنظروا إليه يطيل الركوع والسجود، فقال أبو جهل : فإني أقوم فأريحكم منه، فأخذ مهراسا عظيما. ودنا من رسول الله ﷺ وهو ساجد لا يلتفت ولا يهابه، وهو يراه. فلما دنا منه ارتعد وأرسل الحجر على رجله. فرجع وقد شدخت أصابعه وهو يرتعد، وقد دوخت أوداجه. ورسول الله ﷺ ساجد، فقال أبو جهل لأصحابه : خذوني إليكم. فالتزموه وقد غشي عليه ساعة. فلما أفاق قال له أصحابه : ما الذي أصابك ؟ قال : لما دنوت منه، أقبل علي من رأسه فحل فاغر فاه. فحمل علي أسنانه. فلم أتمالك. وإني أرى محمدا محجوبا. فقال له أصحابه : يا أبا الحكم  ! رغبت وأحببت الحياة ورجعت. قال : ما تغروني عن نفسي. قال النضر بن الحرث : فإن رجع غدا فأنا له. قالوا له : يا أبا سهم  ! لئن فعلت هذا لتسودن. فلما كان من الغد اجتمعوا في الحطيم منتظرين رسول الله ﷺ. فلما أشرف عليهم قاموا / بأجمعهم فواثبوه. فأخذ حفنة من تراب وقال : شاهت الوجوه. وقال : حم لا ينصرون، فتفرقوا عنه.
وهذا دفع إلهي وثق به من الله تعالى. فصبر عليه حتى وقاه الله، وكان من أقوى شاهد على صدقه.
( ومن أعلامه ) : أن معمر بن يزيد، وكان أشجع قومه، استغاثت به قريش وشكوا إليه أمر رسول الله ﷺ. وكانت بنو كنانة تصدر عن رأيه وتطيع أمره، فلما شكوا إليه قال لهم : إني قادم إلى ثلاث وأريحكم منه. وعندي عشرون ألف مدجج(٩) فلا أرى هذا الحي من بني هاشم يقدر على حربي. وإن سألوني الدية أعطيتهم عشر ديات، ففي مالي سعة. وكان يتقلد بسيف طوله سبعة أشبار في عرض شبر، وقصته في العرب مشهورة بالشجاعة والبأس. فلبس، يوم وعده قريشا، سلاحه وظاهر بين درعين. فوافقهم بالحطيم ورسول الله ﷺ في الحجر يصلي. وقد عرف ذلك فما التفت ولا تزعزع ولا قصر في الصلاة. فقيل له : هذا محمد ساجد. فأهوى إليه. وقد سل سيفه وأقبل نحوه. فلما دنا منه رمى بسيفه وعاد. فلما صار إلى باب الصفا عثر في درعه فسقط فقام، وقد أدمى وجهه بالحجارة، يعدو كأشد العدو. حتى بلغ البطحاء ما يلتفت إلى خلف. فاجتمعوا وغسلوا عن وجهه الدم وقالوا : ماذا أصابك ؟ قال : ويحكم  ! المغرور من غررتموه. قالوا : ما شأنك ؟ قال : ما رأيت كاليوم. دعوني ترجع إلي نفسي. فتركوه ساعة وقالوا : ما أصابك ؟ يا أبا الليث  ! قال إني لما دنوت من محمد فأردت أن أهوي بسيفي إليه أهوى إلي من عند رأسه شجاعان أقرعان ينفخان بالنيران، وتلمع من أبصارهما. فعدوت. فما كنت لأعود في شيء من مساءة محمد.
( ومن أعلامه ) : أن كلدة بن أسد، أبا الأشد، وكان من القوة بمكان، خاطر قريشا يوما في قتل رسول الله ﷺ. فأعظموا له الخطر إن هو كفاهم. فرأى رسول الله ﷺ في الطريق يريد المسجد ما بين دار عقيل وعقال. فجاء كلدة ومعه المزراق. فرجع المزراق في صدره. فرجع فزعا. فقالت له قريش : مالك ؟ يا أبا الأشد  ! فقال : ويحكم  ! / ما ترون الفحل خلفي ؟ قالوا : ما نرى شيئا. قال : ويحكم  ! فإني أراه. فلم يزل يعدو حتى بلغ الطائف. فاستهزأت به ثقيف، فقال : أنا أعذركم، لو رأيتم ما رأيت لهلكتم.
( ومن أعلامه ) : أن أبا لهب خرج يوما، وقد اجتمعت قريش فقالوا له : يا أبا عتبة  ! إنك سيدنا وأنت أولى بمحمد منا. وإن أبا طالب هو الحائل بيننا وبينه. ولو قتلته لم ينكر أبو طالب ولا حمزة منك شيئا. وأنت بريء من دمه فنؤدي نحن الدية وتسود قومك. فقال : فإني أكفيكم  !. ففرحوا بذلك ومدحته خطباؤهم. فلما كان في تلك الليلة وكان مشرفا عليه، نزل أبو لهب، وهو يصلي. وتسلقت امرأته أم جميل الحائط، حتى وقفت على رسول الله ﷺ، وهو ساجد. فصاح به أبو لهب فلم يلتفت إليه، وهما كانا لا ينقلان قدما ولا يقدران على شيء حتى تفجر الصبح. وفرغ رسول الله ﷺ. فقال له أبو لهب : يا محمد  ! أطلق عنا. فقال : ما كنت لأطلق عنكما أو تضمنا لي أنكما لا تؤذياني. قالا : قد فعلنا. فدعا ربه فرجعا.
( ومن أعلامه ) : أن قريشا(١٠) اجتمعوا في الحطيم. فخطبهم. عتبة بن ربيعة فقال : إن هذا ابن عبد المطلب قد نغص علينا عيشنا وفرق جماعتنا وبدد شملنا وعاب ديننا وسفه أحلامنا وضلل آباءنا. وكان في القوم الوليد بن المغيرة وأبو جهل بن هشام وشيبة بن ربيعة والنضر بن الحرث ومنبه ونبيه ابنا الحجاج، وأمية و
١ - أخرجه البخاري في: ٦٥- كتاب التفسير، ٥- سورة المائدة، ٧- باب ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك﴾، حديث ١٥٢٨.
وأخرجه مسلم في: ١- كتاب الإيمان، حديث ٢٧٨ (طبعتنا)..

٢ - هذه القطعة من الحديث لم يروها إلا مسلم في: ١- كتاب الإيمان، حديث ٢٨٨ (طبعتنا).
وما رواها قط البخاري في صحيحه عن عائشة..

٣ - أخرجه البخاري في: ٥٦- كتاب الجهاد، ١٧١- باب فكاك الأسير، حديث ٩٥..
٤ - أخرجه البخاري في: ٩٧- كتاب التوحيد، ٤٦- باب قول الله تعالى: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته﴾..
٥ - هذا أطول وأصح حديث في وصف حجته صلى الله عليه وسلم. وقد آثرت إثباته هنا برمته، وذلك لقيمته ولتيسير الاطلاع عليه.
أخرجه مسلم في: ١٥- كتاب الحج، ١٩- باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم، حديث ١٤٧ (طبعتنا) ونصه:
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم. جميعا عن حاتم. قال أبو بكر: حدثنا حاتم بن إسماعيل المدني عن جعفر بن محمد عن أبيه، قال: دخلنا على جابر بن عبد الله. فسأل عن القوم حتى انتهى إلي. فقلت: أنا محمد بن علي بن حسين. فأهوى بيده إلى رأسي فنزع زري الأعلى (أي أخرجه من عروته لينكشف صدري عن القميص) ثم نزع زري الأسفل. ثم وضع كفه بين ثديي وأنا يومئذ غلام شاب. فقال: مرحبا بك، يا ابن أخي ! سل عما شئت. فسألته، وهو أعمى. وحضر وقت الصلاة فقام في نساجة (في النهاية: هي ضرب من الملاحف منسوجة) ملتحفا بها. كلما وضعها على منكبيه رجع طرفاها إليه من صغرها. ورداؤه إلى جنبه على المشجب (هو عيدان تضم رؤوسها ويفرج بين قوائمها، توضع عليها الثياب) فصلى بنا. فقلت: أخبرني عن حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال بيده (أي: أشار بها) فعد تسعا، فقال: إن رسول الله ﷺ مكث تسع سنين لم يحج. ثم أذن في الناس في العاشرة؛ أن رسول الله ﷺ حاج. فقدم المدينة بشر كثير. كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعمل مثل عمله. فخرجنا معه. حتى أتينا ذا الحليفة. فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر. فأرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف أصنع؟ قال: "اغتسلي واستثفري (الاستثفار هو أن تشد في وسطها شيئا، وتأخذ خرقة عريضة تجعلها محل الدم وتشد طرفيها، من قدامها ومن ورائها، في ذلك المشدود في وسطها. وهو شبيه بثفر الدابة الذي يجعل تحت ذنبها) بثوب وأحرمي".
فصلى رسول الله ﷺ في المسجد، ثم ركب القصواء. حتى استوت به ناقته على البيداء نظرت على مد بصري بين يديه. من راكب وماش. وعن يمينه مثل ذلك. وعن يساره مثل ذلك. ومن خلفه مثل ذلك. ورسول الله ﷺ بين أظهرنا. وعليه ينزل القرآن. وهو يعرف تأويله. وما عمل به من شيء عملنا به. فأهل بالتوحيد: "لبيك اللهم ! لبيك. لبيك لا شريك لك لبيك. إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك".
وأهل الناس بهذا الذي يهلون به. فلم يرد رسول الله ﷺ شيئا منه. ولزم رسول الله ﷺ تلبيته.
قال جابر: لسنا ننوي إلا الحج. لسنا نعرف العمرة. حتى أتينا البيت معه، استلم الركن. فرمل (الرمل إسراع في المشي مع تقارب الخطا، وهو الخبب) ثلاثا ومشى أربعا. ثم نفذ على مقام إبراهيم عليه السلام. فقرأ: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ [٢/ البقرة/ ١٢٥] فجعل المقام بينه وبين البيت. فكان أبي يقول: (ولا أعلمه ذكره إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم): كان يقرأ في الركعتين: ﴿قل هو الله أحد. وقل يا أيها الكافرون﴾.
ثم رجع إلى الركن فاستلمه. ثم خرج من الباب إلى الصفا. فلما دنا من الصفا قرأ: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ [٢/ البقرة/ ١٥٨] "أبدأ بما بدأ الله به".
فبدأ بالصفا. فرقى عليه. حتى رأى البيت فاستقبل القبلة. فوحد الله وكبره. وقال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. لا إله إلا الله وحده. أنجز وعده. ونصر عبده. وهزم الأحزاب وحده".
ثم دعا بين ذلك. قال مثل هذا ثلاث مرات.
ثم نزل إلى المروة ففعل على المروة كما فعل على الصفا.
حتى إذا كان آخر طوافه على المروة قال: "لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة. فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل، وليجعلها عمرة".
فقام سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول الله ! ألعامنا هذا أم لأبد؟ فشبك رسول الله ﷺ أصابعه واحدة في الأخرى وقال: "دخلت العمرة في الحج" مرتين: "لا. بل لأبد أبد".
وقدم علي من اليمن ببدن النبي صلى الله عليه وسلم، فوجد فاطمة رضي الله عنها ممن حل، ولبست ثيابا صبيغا واكتحلت فأنكر ذلك عليها. فقالت: إن أبي أمرني بهذا.
قال، فكان علي يقول، بالعراق: فذهبت إلى رسول الله ﷺ محرشا على فاطمة للذي صنعت. مستفتيا لرسول الله ﷺ فيما ذكرت عنه: فأخبرته أني أنكرت ذلك عليها. فقال: "صدقت. صدقت. ماذا قلت، حين فرضت الحج؟" قال، قلت: اللهم ! إني أهل بما أهل به رسولك. قال: "فإن معي الهدي فلا تحل".
قال فكان جماعة الهدي الذي قدم به علم من اليمن، والذي أتى به النبي ﷺ مائة.
قال، فحل الناس كلهم وقصروا. إلا النبي ﷺ ومن كان معه هدي.
فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى. فأهلوا بالحج. وركب رسول الله ﷺ بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر. ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس. وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة (موضع بجنب عرفات).
فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام. كما كانت قريش تصنع في الجاهلية.
فأجاز رسول الله ﷺ حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة - قال ياقوت ناحية بعرفة-، فنزل بها. حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له. فأتى بطن الوادي، فخطب الناس فقال:
"إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا. في شهركم هذا. في بلدكم هذا. ألا كل شيء من أمر الجاهلية، تحت قدمي موضوع. ودماء الجاهلية موضوعة. وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث. كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل. وربا الجاهلية موضوع. وأول ربا أضع ربانا. ربا عباس بن عبد المطلب. فإنه موضوع كله. فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله. واستحللتم فروجهن بكلمة الله. ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه. فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح. ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف. وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به. كتاب الله. وأنتم تسألون عني. فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت. فقال بإصبعه السبابة، يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: "اللهم ! اشهد. اللهم ! اشهد" ثلاث مرات. ثم أذن. ثم أقام فصلى الظهر. ثم أقام فصلى العصر. ولم يصل بينهما شيئا.
ثم ركب رسول الله ﷺ حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات (هي صخرات مفترشات في أسفل جبل الرحمة) وجعل حبل المشاة بين يديه (حبل المشاة أي مجتمعهم) واستقبل القبلة. فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص. وأردف أسامة خلفه. ودفع رسول الله ﷺ وقد شنق للقصواء الزمام. حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله. ويقول بيده اليمنى: "أيها الناس ! السكنية السكينة".
كلما أتى حبلا من الحبال (الحبل هو التل اللطيف من الرمل الضخم) أرخى لها قليلا، حتى تصعد. حتى أتى المزدلفة. فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين. ولم يسبح بينهما شيئا. ثم اضطجع رسول الله ﷺ حتى طلع الفجر. وصلى الفجر حين تبين له الصبح، بأذان وإقامة.
ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام. فاستقبل القبلة. فدعاه وكبره وهلله ووحده.
فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا. فدفع قبل أن تطلع الشمس. وأردف الفضل بن عباس. وكان رجلا حسن الشعر أبيض وسيما. فلما دفع رسول الله ﷺ مرت به ظعن يجرين. فطفق الفضل ينظر إليهن. فوضع رسول الله ﷺ يده على وجه الفضل. فحول الفضل وجهه إلى الشق الآخر ينظر. فحول رسول الله ﷺ يده من الشق الآخر على وجه الفضل. يصرف وجهه إلى الشق الآخر ينظر.
حتى أتى بطن محسر. فحرك قليلا. ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى. حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة. فرماها بسبع حصيات. يكبر مع كل حصاة منها. حصى الخذف.
رمى من بطن الوادي، ثم انصرف إلى المنحر، فنحر ثلاثا وستين بيده. ثم أعطى عليا فنحر ما غبر. وأشركه في هديه. ثم أمر من كل بدنة ببضعة، فجعلت في قدر، فطبخت. فأكلا من لحمها وشربا من مرقها. ثم ركب رسول الله ﷺ فأفاض إلى البيت. فصلى بمكة الظهر.
فأتى بني عبد المطلب يسقون على زمزم. فقال: "انزعوا، بني عبد المطلب ! فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم، لنزعت معكم".
فناولوا دلوا فشرب منه..

٦ - أخرجه في المسند بالصفحة رقم ٢٣٠ من الجزء الأول (طبعة الحلبي) والحديث رقم ٢٠٣٦ (المعارف)..
٧ - أخرجه البخاري في: ٢٥- كتاب الحج، ١٣٢- باب الخطبة أيام منى، حديث ٨٩٢..
٨ - انظر سيرة ابن هشام، الصفحة رقم ٣١٩ من الجزء الأول (طبعة الحلبي) والصفحة رقم ١٩٠ (طبعة جوتنجن)..
٩ - الشاك في السلاح، أي: الداخل "قاموس"- المؤلف..
١٠ - انظر سيرة ابن هشام، رقم ٣١٣ من الجزء الأول (طبعة الحلبي) والصفحة رقم ١٨٥ و ١٨٦ (طبعة جوتنجن)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى