تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور
عن الكتاب
إنّ موضع هذه الآية في هذه السورة معضل، فإنّ سورة المائدة من آخر السور نزولاً إن لم تكن آخرها نزولاً، وقد بلّغ رسول الله ﷺ الشريعة وجميعَ ما أنزل إليه إلى يوم نزولها، فلو أنّ هذه الآية نزلت في أوّل مدّة البعثة لقلنا هي تثبيت للرسول وتخفيف لأعباء الوحي عنه، كما أنزل قوله تعالى :﴿فاصْدَعْ بما تؤمر وأعرض عن المشركين إنّا كفيناك المستهزئين﴾ [الحجرات: ٩٤، ٩٥] وقوله :{ إنّا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً إلى قوله { واصبِر على ما يقولون } [ المزمل : ٥ ١٠ ] الآيات، فأمّا وهذه السورة من آخر السور نزولاً وقد أدّى رسول الله الرسالة وأُكْمِل الدّينُ فليس في الحال ما يقتضي أن يؤمر بتبليغ، فنحن إذنْ بين احتمالين :
أحدهما : أن تكون هذه الآية نزلت بسبب خاصّ اقتضى إعادة تثبيت الرسول على تبليغ شيء ممّا يثقل عليه تبليغه.
وثانيهما : أن تكون هذه الآية نزلت من قبلِ نزول هذه السورة، وهو الّذي تواطأت عليه أخبار في سبب نزولها.
فأمّا هذا الاحتمال الثّاني فلا ينبغي اعتباره لاقتضائه أن تكون هذه الآية بقيت سنين غير ملحقة بسورة، ولا جائز أن تكون مقروءة بمفردها، وبذلك تندحض جميع الأخبار الواردة في أسباب النزول الّتي تَذْكُر حوادث كلَّها حصلت في أزمان قبل زمن نزول هذه السورة. وقد ذكر الفخر عشرة أقوال في ذلك، وذكر الطبري خبرين آخرين، فصارت اثني عشر قولاً.
وقال الفخر بعد أن ذكر عشرة الأقوال : إنّ هذه الروايات وإن كثرت فإنّ الأوْلى حمل الآية على أنّ الله آمنَه مكر اليهود والنّصارى، لأنّ ما قبلها وما بعدها كان كلاماً مع اليهود والنّصارى فامتنع إلقاء هذه الآية الواحدة في البين فتكونُ أجنبية عمّا قبلها وما بعدها اهـ. وأمّا ما ورد في الصّحيح أنّ رسول الله كان يُحرَس حتّى نزل ﴿والله يعصمك من النّاس﴾ فلا يدلّ على أنّ جميع هذه الآية نزلت يومئذٍ، بل اقتصر الراوي على جزء منها، وهو قوله :﴿والله يعصمك من النّاس﴾ فلعلّ الّذي حدّثت به عائشة أنّ الله أخبر رسوله بأنّه عصمه من النّاس فلمّا حكاه الراوي حكاه باللّفظ الواقع في هذه الآية.
فتعيّن التعويل على الاحتمال الأوّل : فإمّا أن يكون سبب نزولها قضية ممّا جرى ذكره في هذه السورة، فهي على وتيرة قوله تعالى :﴿يأيّها الرسول لا يحزنك الّذي يسارعون في الكفر﴾ [المائدة: ٤١] وقوله :﴿ولا تتّبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك﴾ [المائدة: ٤٩] فكما كانت تلك الآية في وصف حال المنافقين تليتْ بهذه الآية لوصف حال أهل الكتاب. والفريقان متظاهران على الرسول ﷺ فريق مجاهر، وفريق متستر، فعاد الخطاب للرسول ثانية بتثبيت قلبه وشرْح صدره بأن يدوم على تبليغ الشريعة ويجهد في ذلك ولا يكترث بالطاعنين من أهل الكتاب والكفّار، إذ كان نزول هذه السورة في آخر مدّة النّبيء ﷺ لأنّ الله دائم على عصمته من أعدائه وهم الّذين هوّن أمرهم في قوله :
﴿يأيّها الرسول لا يحزنك الّذين يسارعون في الكفر﴾ [المائدة: ٤١] فهم المعنيّون من ﴿الناس﴾ في هذه الآية، فالمأمور بتبليغه بعض خاصّ من القرآن.
وقد علم من خُلق النّبيء ﷺ أنّه يحبّ الرفق في الأمور ويقول : إنّ الله رفيق يحبّ الرفق في الأمر كلّه ( كما جاء في حديث عائشة حين سلَّم اليهود عليه فقالوا : السامُ عليكم، وقالت عائشة لهم : السامُ عليكم واللّعنة )، فلمّا أمره الله أن يقول لأهل الكتاب ﴿وأنّ أكثركَم فاسقون قل هل أنبّئكم بشرّ من ذلك مثوبة عند الله مَن لعنه الله وغضب عليه﴾ [المائدة: ٥٩، ٦٠] الآية، وكان ذلك القول مجاهرة لهم بسوءٍ أعلمه الله بأنّ هذا لا رفق فيه فلا يدخل فيما كان يعاملهم به من المجادلة بالّتي هي أحسن، فتكون هذه الآية مخصّصة لما في حديث عائشة وتدخل في الاستثناء الّذي في قوله تعالى :﴿لا يحبّ الله الجهر بالسوء من القول إلاّ من ظُلم﴾ [النساء: ١٤٨].
ولذلك أعيد افتتاح الخطاب له بوصف الرسول المشعِر بمنتهى شرفه، إذ كان واسطة بين الله وخلقه، والمذكِّر له بالإعراض عمّن سوى من أرسله.
ولهذا الوصف في هذا الخطاب الثّاني موقع زائد على موقعه في الخطَاب الأول، وهو ما فيه من الإيماء إلى وجه بناء الكلام الآتي بعده، وهو قوله :﴿وإن لم تفعل فما بلّغت رسالاته﴾، كما قال تعالى :﴿ما على الرسول إلاّ البلاغ﴾ [المائدة: ٩٩].
فكما ثبّت جَنَانُه بالخطاب الأوّل أن لا يهتمّ بمكائد أعدائه، حُذّر بالخطاب الثّاني من ملاينتهم في إبلاغهم قوارع القرآن، أو من خشيته إعراضهم عنه إذا أنزل من القرآن في شأنهم، إذ لعلّه يزيدهم عناداً وكفراً، كما دلّ عليه قوله في آخر هذه الآية ﴿وليزيدنّ كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربّك طغياناً وكفراً فلا تأس على القوم الكافرين﴾ [المائدة: ٦٨].
ثم عُقّب ذلك أيضاً بتثبيت جنانه بأن لا يهتمّ بكيدهم بقوله :﴿والله يعصمك من النّاس﴾ وأنّ كيدهم مصروف عنه بقوله :﴿إنّ الله لا يهدي القوم الكافرين﴾. فحصل بآخر هذا الخطاب ردّ العجز على الصدر في الخطاب الأوّل الّتي تضمّنه قوله :﴿لا يحزنك الّذين يسارعون في الكفر﴾ [المائدة: ٤١] فإنّهم هم القوم الكافرون والّذين يسارعون في الكفر. فالتّبليغ المأمور به على هذا الوجه تبليغُ ما أنزل من القرآن في تقريع أهل الكتاب. وما صدق ﴿ما أنزل إليك من ربّك﴾ شيء معهود من آي القرآن، وهي الآي المتقدّمة على هذه الآية. وما صدقُ ﴿ما أنزل إليك من ربّك﴾ هو كلّ ما نزل من القرآن قبل ذلك اليوم.
والتّبليغ جعل الشيء بالغاً. والبلوغ الوصول إلى المكان المطلوب وصوله، وهو هنا مجاز في حكاية الرّسالة للمرسل بها إليه من قولهم : بَلَغ الخبر وبلغَت الحاجة. والأمر بالتّبليغ مستعمل في طلب الدّوام، كقوله تعالى :﴿يأيّها الّذين آمَنوا آمِنوا بالله ورسوله﴾ [النساء: ١٣٦]. ولمّا كان نزول الشريعة مقصوداً به عمل الأمّة بها ( سواء كان النّازل متعلّقاً بعمل أم كان بغير عمل، كالّذي ينزل ببيان أحوال المنافقين أو فضائل المؤمنين أو في القصص ونحوها، لأنّ ذلك كلّه إنّما نزل لفوائد يتعيّن العلم بها لحصول الأغراض الّتي نزلت لأجلها، على أنّ للقرآن خصوصية أخرى وهي ما له من الإعجاز، وأنّه متعبَّد بتلاوته، فالحاجة إلى جميع ما ينزل منه ثابتة بقطع النّظر عمّا يحويه من الأحكام وما به من مواعظ وعبر )، كان معنى الرّسالة إبلاغ ما أنزل إلى مَن يراد علمه به وهو الأمّة كلّها، ولأجل هذا حذف متعلِّق ﴿بلِّغ﴾ لقصد العموم، أي بلّغ ما أنزل إليك جميع من يحتاج إلى معرفته، وهو جميع الأمّة، إذ لا يُدرى وقت ظهور حاجة بعض الأمّة إلى بعض الأحكام، على أنّ كثيراً من الأحكام يحتاجها جميع الأمّة.
والتّبليغ يحصل بما يكفل للمحتاج إلى معرفة حكممٍ تَمكُّنَه من معرفته في وقت الحاجة أو قبله، لذلك كان الرسول عليه الصّلاة والسّلام يقرأ القرآن على النّاس عند نزول الآية ويأمر بحفظها عن ظهر قلب وبكتابتها، ويأمر النّاس بقراءته وبالاستماع إليه. وقد أرسل مصعباً بن عُمير إلى المدينة قبل هجرته ليعلّم الأنصار القرآن. وكان أيضاً يأمر السامع مقالتَه بإبلاغها مَن لم يسمعها، ممّا يكفل ببلوغ الشّريعة كلّها للأجيال من الأمّة. ومن أجل ذلك كان الخلفاء مِن بعدِه يعطون النّاس العطاءَ على قدر ما معهم من القرآن. ومن أجل ذلك أمر أبو بكر بكتابة القرآن في المصحف بإجماع الصّحابة، وأكمل تلك المزيّة عثمان بن عفّان بانتساخ القرآن في المصاحف وإرسالها إلى أمصار الإسلام، وقد كان رسول الله عيَّن لأهل الصّفَّة الانقطاع لحفظ القرآن.
والّذي ظهر من تتبّع سيرة رسول الله ﷺ أنّه كان يبادر بإبلاغ القرآن عند نزوله، فإذا نزل عليه ليلاً أخبر به عند صلاة الصّبح. وفي حديث عمر، قال رسول الله : " لقد أنزِلت عليّ اللّيلة سورة لَهِي أحبّ إليّ ممّا طلعتْ عليه الشّمس " ثمّ قرأ :﴿إنّا فتحنا لك فتحاً مبيناً﴾ [الفتح: ١]. وفي حديث كعب بن مالك في تخلّفه عن غزوة تبوك « فأنزل الله توبتنا على نبيّه حين بقي الثلثُ الآخر من اللّيل ورسُولُ الله عند أمّ سلمة، فقال : يأمّ سلمة تِيب على كعب بن مالك، قالت : أفَلا أرْسِلُ إليه فأبشِّرَهُ، قال :« إذاً يَحطمُكم النّاسُ فيمنعونَكم النّومَ سائر اللَّيلة.
حتّى إذا صلّى رسول الله صلاة الفجر آذَنَ بتوبة الله علينا ». وفي حديث ابن عبّاس : أنّ رسول الله نزلت عليه سورة الأنعام جملة واحدة بمكّة ودعا رسول الله الكتَّاب فكتبوها من ليلتهم.
وفي الإتيان بضمير المخاطب في قوله :﴿إليك من ربّك﴾ إيماء عظيم إلى تشريف الرسول ﷺ بمرتبة الوساطة بين الله والنّاس، إذ جَعل الإنزال إليه ولم يقل إليكم أو إليهم، كما قال في آية [آل عمران: ١٩٩] ﴿وإنّ من أهل الكتاب لَمَنْ يؤمن بالله وما أنزل إليكم﴾ وقوله :﴿لتُبيّن للنّاس ما نُزّل إليهم﴾ [ النحا : ٤٤ ]. وفي تعليق الإنزال بأنّه من الرّب تشريف للمنزّل.
والإتيان بلفظ الرّب هنا دون اسم الجلالة لما في التذكير بأنّه ربّه من معنى كرامته، ومن معنى أداء ما أراد إبلاغه، كما ينبغي من التعجيل والإشاعة والحثّ على تناوله والعمل بما فيه.
وعلى جميع الوجوه المتقدّمة دلّت الآية على أنّ الرسول مأمور بتبليغ ما أنزل إليه كلِّه، بحيث لا يتوهّم أحد أنّ رسول الله قد أبقى شيئاً من الوحي لم يبلِّغه. لأنّه لو ترك شيئاً منه لم يبلّغه لكان ذلك ممّا أنزل إليه ولم يَقَع تبليغه، وإذ قد كانت هذه الآية من آخر ما نَزَل من القرآن علمنا أنّ من أهمّ مقاصدها أنّ الله أراد قطْع تخرّص من قد يزعمون أنّ الرسول قد استبقى شيئاً لم يبلِّغه، أو أنّه قد خصّ بعض النّاس بإبلاغ شيء من الوحي لم يبلِّغه للنّاس عامّة. فهي أقطع آية لإبطال قول الرافضة بأنّ القرآن آكثرُ ممّا هو في المصحف الّذي جمَعه أبو بكر ونسخَه عثمان، وأنّ رسول الله اختصّ بكثير من القرآن عليّاً بن أبي طالب وأنّه أورثه أبناءه وأنّه يبلُغ وقرَ بعير، وأنّه اليوم مختزن عند الإمام المعصوم الّذي يلقّبه بعض الشيعة بالمهدي المنتظر وبالوصيّ.
وكانت هذه الأوهام ألَمَّتْ بأنفس بعض المتشيّعين إلى عليّ رضي الله عنه في مدّة حياته، فدعا ذلك بعض النّاس إلى سؤاله عن ذلك. روى البخاري أنّ أبا جُحَيْفة سأل عليّاً : هل عندكم شيء ما ليس في القرآن وما ليس عند النّاس، فقال :« لا والّذي فلق الحبّة وبرأ النّسمة ما عندنا إلاّ ما في القرآن إلاّ فهما يُعطَى رجل في كتاب الله وما في الصحيفة، قلت : وما في الصّحيفة، قال : العقل، وفَكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر ». وحديث مسروق عن عائشة الّذي سنذكره ينبىءُ بأنّ هذا الهاجس قد ظهر بين العامّة في زمانها. وقد يخُصّ الرّسولُ بعض النّاس ببيان شيء من الأحكام ليس من القرآن المنزّل إليه لحاجة دعت إلى تخصيصه، كما كَتب إلى عليّ ببيان العَقْل، وفَكَاك الأسير، وأن لا يُقتل مسلم بكافر، لأنّه كان يومئذٍ قاضياً باليمن، وكما كتب إلى عمرو بن حزم كتاب نصاب الزّكاة لأنّه كان بعثه لذلك، فذ
أحدهما : أن تكون هذه الآية نزلت بسبب خاصّ اقتضى إعادة تثبيت الرسول على تبليغ شيء ممّا يثقل عليه تبليغه.
وثانيهما : أن تكون هذه الآية نزلت من قبلِ نزول هذه السورة، وهو الّذي تواطأت عليه أخبار في سبب نزولها.
فأمّا هذا الاحتمال الثّاني فلا ينبغي اعتباره لاقتضائه أن تكون هذه الآية بقيت سنين غير ملحقة بسورة، ولا جائز أن تكون مقروءة بمفردها، وبذلك تندحض جميع الأخبار الواردة في أسباب النزول الّتي تَذْكُر حوادث كلَّها حصلت في أزمان قبل زمن نزول هذه السورة. وقد ذكر الفخر عشرة أقوال في ذلك، وذكر الطبري خبرين آخرين، فصارت اثني عشر قولاً.
وقال الفخر بعد أن ذكر عشرة الأقوال : إنّ هذه الروايات وإن كثرت فإنّ الأوْلى حمل الآية على أنّ الله آمنَه مكر اليهود والنّصارى، لأنّ ما قبلها وما بعدها كان كلاماً مع اليهود والنّصارى فامتنع إلقاء هذه الآية الواحدة في البين فتكونُ أجنبية عمّا قبلها وما بعدها اهـ. وأمّا ما ورد في الصّحيح أنّ رسول الله كان يُحرَس حتّى نزل ﴿والله يعصمك من النّاس﴾ فلا يدلّ على أنّ جميع هذه الآية نزلت يومئذٍ، بل اقتصر الراوي على جزء منها، وهو قوله :﴿والله يعصمك من النّاس﴾ فلعلّ الّذي حدّثت به عائشة أنّ الله أخبر رسوله بأنّه عصمه من النّاس فلمّا حكاه الراوي حكاه باللّفظ الواقع في هذه الآية.
فتعيّن التعويل على الاحتمال الأوّل : فإمّا أن يكون سبب نزولها قضية ممّا جرى ذكره في هذه السورة، فهي على وتيرة قوله تعالى :﴿يأيّها الرسول لا يحزنك الّذي يسارعون في الكفر﴾ [المائدة: ٤١] وقوله :﴿ولا تتّبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك﴾ [المائدة: ٤٩] فكما كانت تلك الآية في وصف حال المنافقين تليتْ بهذه الآية لوصف حال أهل الكتاب. والفريقان متظاهران على الرسول ﷺ فريق مجاهر، وفريق متستر، فعاد الخطاب للرسول ثانية بتثبيت قلبه وشرْح صدره بأن يدوم على تبليغ الشريعة ويجهد في ذلك ولا يكترث بالطاعنين من أهل الكتاب والكفّار، إذ كان نزول هذه السورة في آخر مدّة النّبيء ﷺ لأنّ الله دائم على عصمته من أعدائه وهم الّذين هوّن أمرهم في قوله :
﴿يأيّها الرسول لا يحزنك الّذين يسارعون في الكفر﴾ [المائدة: ٤١] فهم المعنيّون من ﴿الناس﴾ في هذه الآية، فالمأمور بتبليغه بعض خاصّ من القرآن.
وقد علم من خُلق النّبيء ﷺ أنّه يحبّ الرفق في الأمور ويقول : إنّ الله رفيق يحبّ الرفق في الأمر كلّه ( كما جاء في حديث عائشة حين سلَّم اليهود عليه فقالوا : السامُ عليكم، وقالت عائشة لهم : السامُ عليكم واللّعنة )، فلمّا أمره الله أن يقول لأهل الكتاب ﴿وأنّ أكثركَم فاسقون قل هل أنبّئكم بشرّ من ذلك مثوبة عند الله مَن لعنه الله وغضب عليه﴾ [المائدة: ٥٩، ٦٠] الآية، وكان ذلك القول مجاهرة لهم بسوءٍ أعلمه الله بأنّ هذا لا رفق فيه فلا يدخل فيما كان يعاملهم به من المجادلة بالّتي هي أحسن، فتكون هذه الآية مخصّصة لما في حديث عائشة وتدخل في الاستثناء الّذي في قوله تعالى :﴿لا يحبّ الله الجهر بالسوء من القول إلاّ من ظُلم﴾ [النساء: ١٤٨].
ولذلك أعيد افتتاح الخطاب له بوصف الرسول المشعِر بمنتهى شرفه، إذ كان واسطة بين الله وخلقه، والمذكِّر له بالإعراض عمّن سوى من أرسله.
ولهذا الوصف في هذا الخطاب الثّاني موقع زائد على موقعه في الخطَاب الأول، وهو ما فيه من الإيماء إلى وجه بناء الكلام الآتي بعده، وهو قوله :﴿وإن لم تفعل فما بلّغت رسالاته﴾، كما قال تعالى :﴿ما على الرسول إلاّ البلاغ﴾ [المائدة: ٩٩].
فكما ثبّت جَنَانُه بالخطاب الأوّل أن لا يهتمّ بمكائد أعدائه، حُذّر بالخطاب الثّاني من ملاينتهم في إبلاغهم قوارع القرآن، أو من خشيته إعراضهم عنه إذا أنزل من القرآن في شأنهم، إذ لعلّه يزيدهم عناداً وكفراً، كما دلّ عليه قوله في آخر هذه الآية ﴿وليزيدنّ كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربّك طغياناً وكفراً فلا تأس على القوم الكافرين﴾ [المائدة: ٦٨].
ثم عُقّب ذلك أيضاً بتثبيت جنانه بأن لا يهتمّ بكيدهم بقوله :﴿والله يعصمك من النّاس﴾ وأنّ كيدهم مصروف عنه بقوله :﴿إنّ الله لا يهدي القوم الكافرين﴾. فحصل بآخر هذا الخطاب ردّ العجز على الصدر في الخطاب الأوّل الّتي تضمّنه قوله :﴿لا يحزنك الّذين يسارعون في الكفر﴾ [المائدة: ٤١] فإنّهم هم القوم الكافرون والّذين يسارعون في الكفر. فالتّبليغ المأمور به على هذا الوجه تبليغُ ما أنزل من القرآن في تقريع أهل الكتاب. وما صدق ﴿ما أنزل إليك من ربّك﴾ شيء معهود من آي القرآن، وهي الآي المتقدّمة على هذه الآية. وما صدقُ ﴿ما أنزل إليك من ربّك﴾ هو كلّ ما نزل من القرآن قبل ذلك اليوم.
والتّبليغ جعل الشيء بالغاً. والبلوغ الوصول إلى المكان المطلوب وصوله، وهو هنا مجاز في حكاية الرّسالة للمرسل بها إليه من قولهم : بَلَغ الخبر وبلغَت الحاجة. والأمر بالتّبليغ مستعمل في طلب الدّوام، كقوله تعالى :﴿يأيّها الّذين آمَنوا آمِنوا بالله ورسوله﴾ [النساء: ١٣٦]. ولمّا كان نزول الشريعة مقصوداً به عمل الأمّة بها ( سواء كان النّازل متعلّقاً بعمل أم كان بغير عمل، كالّذي ينزل ببيان أحوال المنافقين أو فضائل المؤمنين أو في القصص ونحوها، لأنّ ذلك كلّه إنّما نزل لفوائد يتعيّن العلم بها لحصول الأغراض الّتي نزلت لأجلها، على أنّ للقرآن خصوصية أخرى وهي ما له من الإعجاز، وأنّه متعبَّد بتلاوته، فالحاجة إلى جميع ما ينزل منه ثابتة بقطع النّظر عمّا يحويه من الأحكام وما به من مواعظ وعبر )، كان معنى الرّسالة إبلاغ ما أنزل إلى مَن يراد علمه به وهو الأمّة كلّها، ولأجل هذا حذف متعلِّق ﴿بلِّغ﴾ لقصد العموم، أي بلّغ ما أنزل إليك جميع من يحتاج إلى معرفته، وهو جميع الأمّة، إذ لا يُدرى وقت ظهور حاجة بعض الأمّة إلى بعض الأحكام، على أنّ كثيراً من الأحكام يحتاجها جميع الأمّة.
والتّبليغ يحصل بما يكفل للمحتاج إلى معرفة حكممٍ تَمكُّنَه من معرفته في وقت الحاجة أو قبله، لذلك كان الرسول عليه الصّلاة والسّلام يقرأ القرآن على النّاس عند نزول الآية ويأمر بحفظها عن ظهر قلب وبكتابتها، ويأمر النّاس بقراءته وبالاستماع إليه. وقد أرسل مصعباً بن عُمير إلى المدينة قبل هجرته ليعلّم الأنصار القرآن. وكان أيضاً يأمر السامع مقالتَه بإبلاغها مَن لم يسمعها، ممّا يكفل ببلوغ الشّريعة كلّها للأجيال من الأمّة. ومن أجل ذلك كان الخلفاء مِن بعدِه يعطون النّاس العطاءَ على قدر ما معهم من القرآن. ومن أجل ذلك أمر أبو بكر بكتابة القرآن في المصحف بإجماع الصّحابة، وأكمل تلك المزيّة عثمان بن عفّان بانتساخ القرآن في المصاحف وإرسالها إلى أمصار الإسلام، وقد كان رسول الله عيَّن لأهل الصّفَّة الانقطاع لحفظ القرآن.
والّذي ظهر من تتبّع سيرة رسول الله ﷺ أنّه كان يبادر بإبلاغ القرآن عند نزوله، فإذا نزل عليه ليلاً أخبر به عند صلاة الصّبح. وفي حديث عمر، قال رسول الله : " لقد أنزِلت عليّ اللّيلة سورة لَهِي أحبّ إليّ ممّا طلعتْ عليه الشّمس " ثمّ قرأ :﴿إنّا فتحنا لك فتحاً مبيناً﴾ [الفتح: ١]. وفي حديث كعب بن مالك في تخلّفه عن غزوة تبوك « فأنزل الله توبتنا على نبيّه حين بقي الثلثُ الآخر من اللّيل ورسُولُ الله عند أمّ سلمة، فقال : يأمّ سلمة تِيب على كعب بن مالك، قالت : أفَلا أرْسِلُ إليه فأبشِّرَهُ، قال :« إذاً يَحطمُكم النّاسُ فيمنعونَكم النّومَ سائر اللَّيلة.
حتّى إذا صلّى رسول الله صلاة الفجر آذَنَ بتوبة الله علينا ». وفي حديث ابن عبّاس : أنّ رسول الله نزلت عليه سورة الأنعام جملة واحدة بمكّة ودعا رسول الله الكتَّاب فكتبوها من ليلتهم.
وفي الإتيان بضمير المخاطب في قوله :﴿إليك من ربّك﴾ إيماء عظيم إلى تشريف الرسول ﷺ بمرتبة الوساطة بين الله والنّاس، إذ جَعل الإنزال إليه ولم يقل إليكم أو إليهم، كما قال في آية [آل عمران: ١٩٩] ﴿وإنّ من أهل الكتاب لَمَنْ يؤمن بالله وما أنزل إليكم﴾ وقوله :﴿لتُبيّن للنّاس ما نُزّل إليهم﴾ [ النحا : ٤٤ ]. وفي تعليق الإنزال بأنّه من الرّب تشريف للمنزّل.
والإتيان بلفظ الرّب هنا دون اسم الجلالة لما في التذكير بأنّه ربّه من معنى كرامته، ومن معنى أداء ما أراد إبلاغه، كما ينبغي من التعجيل والإشاعة والحثّ على تناوله والعمل بما فيه.
وعلى جميع الوجوه المتقدّمة دلّت الآية على أنّ الرسول مأمور بتبليغ ما أنزل إليه كلِّه، بحيث لا يتوهّم أحد أنّ رسول الله قد أبقى شيئاً من الوحي لم يبلِّغه. لأنّه لو ترك شيئاً منه لم يبلّغه لكان ذلك ممّا أنزل إليه ولم يَقَع تبليغه، وإذ قد كانت هذه الآية من آخر ما نَزَل من القرآن علمنا أنّ من أهمّ مقاصدها أنّ الله أراد قطْع تخرّص من قد يزعمون أنّ الرسول قد استبقى شيئاً لم يبلِّغه، أو أنّه قد خصّ بعض النّاس بإبلاغ شيء من الوحي لم يبلِّغه للنّاس عامّة. فهي أقطع آية لإبطال قول الرافضة بأنّ القرآن آكثرُ ممّا هو في المصحف الّذي جمَعه أبو بكر ونسخَه عثمان، وأنّ رسول الله اختصّ بكثير من القرآن عليّاً بن أبي طالب وأنّه أورثه أبناءه وأنّه يبلُغ وقرَ بعير، وأنّه اليوم مختزن عند الإمام المعصوم الّذي يلقّبه بعض الشيعة بالمهدي المنتظر وبالوصيّ.
وكانت هذه الأوهام ألَمَّتْ بأنفس بعض المتشيّعين إلى عليّ رضي الله عنه في مدّة حياته، فدعا ذلك بعض النّاس إلى سؤاله عن ذلك. روى البخاري أنّ أبا جُحَيْفة سأل عليّاً : هل عندكم شيء ما ليس في القرآن وما ليس عند النّاس، فقال :« لا والّذي فلق الحبّة وبرأ النّسمة ما عندنا إلاّ ما في القرآن إلاّ فهما يُعطَى رجل في كتاب الله وما في الصحيفة، قلت : وما في الصّحيفة، قال : العقل، وفَكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر ». وحديث مسروق عن عائشة الّذي سنذكره ينبىءُ بأنّ هذا الهاجس قد ظهر بين العامّة في زمانها. وقد يخُصّ الرّسولُ بعض النّاس ببيان شيء من الأحكام ليس من القرآن المنزّل إليه لحاجة دعت إلى تخصيصه، كما كَتب إلى عليّ ببيان العَقْل، وفَكَاك الأسير، وأن لا يُقتل مسلم بكافر، لأنّه كان يومئذٍ قاضياً باليمن، وكما كتب إلى عمرو بن حزم كتاب نصاب الزّكاة لأنّه كان بعثه لذلك، فذ