المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية
عن الكتاب
وقوله تعالى :﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾ إلى قوله ﴿على القوم الكافرين﴾ هذه الآية أمر من الله ورسوله بالتبليغ على الاستيفاء والكمال. لأنه قد كان بلغ، فإنما أمر في هذه الآية بأن لا يتوقف عن شيء مخافة أحد، وذلك أن رسالته ﷺ تضمنت الطعن على أنواع الكفرة وبيان فساد حالهم فكان يلقى منهم عنتاً وربما خافهم أحياناً قبل نزول هذه الآية، فقال الله له ﴿بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾ أي كاملاً متمماً، ثم توعده تعالى بقوله :﴿وإن لم تفعل فما بلغت رسالاته﴾، أي إنك إن تركت شيئاً فكأنما قد تركت الكل، وصار ما بلغت غير معتدّ به، فقوله تعالى :﴿وإن لم تفعل﴾ معناه وإن لم تستوف، ونحو هذا قول الشاعر :
أي ولم تعط ما يعد نائلاً، وإلا فيتكاذب البيت، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي «فما بلغت رسالته » على الإفراد، وقرؤوا في الأنعام ﴿حيث يجعل رسالته﴾(٢) على الجمع، وكذلك في الأعراف ﴿برسالاتي﴾(٣)، وقرأ ابن كثير في المواضع الثلاثة بإفراد الرسالة، وقرأ نافع «رسالاته » بالجمع، وكذلك في الأنعام، وأفرد في الأعراف، وقرأ ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر بجمع الرسالة في المواضع الثلاثة، وروى حفص عن عاصم الإفراد في العقود والأنعام، والجمع في الأعراف، فمن أفرد الرسالة فلأن الشرع كله شيء واحد وجملة بعضها من بعض، ومن جمع فمن حيث الشرع معان كثيرة وورد دفعاً في أزمان مختلفة، وقالت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها : من زعم أن محمداً كتم شيئاً من الوحي فقد أعظم الفرية، والله تعالى يقول :﴿يا أيها الرسول﴾ الآية(٤)، وقال عبد الله بن شقيق : كان رسول الله ﷺ يتعقبه أصحابه يحرسونه، فلما نزلت ﴿والله يعصمك من الناس﴾ خرج فقال : يا أيها الناس ألحقوا بملاحقكم فإن الله قد عصمني )(٥) وقال محمد بن كعب القرظي : نزلت :﴿والله يعصمك من الناس﴾ بسبب الأعرابي الذي اخترط سيف النبي ﷺ ليقتله به.
قال القاضي أبو محمد : هو غورث بن الحارث، والقصة في غزوة ذات الرقاع(٦)، وقال ابن جريج كان رسول الله ﷺ يهاب قريشاً فلما نزلت هذه الآية إلى قوله ﴿والله يعصمك من الناس﴾ استلقى وقال : من شاء فليخذلني، مرتين أو ثلاثاً(٧).
و﴿يعصمك﴾ معناه يحفظك ويجعل عليك وقاية، ومنه قوله تعالى :﴿يعصمني من الماء﴾(٨) ومنه قول الشاعر :
فقلت عليكم مالكاً إن مالكاً. . . سيعصمكم إن كان في الناس عاصم(٩)
وهذه العصمة التي في الآية هي من المخاوف التي يمكن أن توقف عن شيء من التبليغ كالقتل والأسر والأذى في الجسم ونحوه، وأما أقوال الكفار ونحوها فليست في الآية، وقوله تعالى :﴿لا يهدي القوم الكافرين﴾ إما على الخصوص فيمن سبق في علم لا يؤمن، وإما على العموم على أن لا هداية في الكفر، ولا يهدي الله الكافر في سبل كفره.
| سئلت فلم تمنع ولم تعط نائلاً | فسيان لا ذم عليك ولا حمد(١) |
قال القاضي أبو محمد : هو غورث بن الحارث، والقصة في غزوة ذات الرقاع(٦)، وقال ابن جريج كان رسول الله ﷺ يهاب قريشاً فلما نزلت هذه الآية إلى قوله ﴿والله يعصمك من الناس﴾ استلقى وقال : من شاء فليخذلني، مرتين أو ثلاثاً(٧).
و﴿يعصمك﴾ معناه يحفظك ويجعل عليك وقاية، ومنه قوله تعالى :﴿يعصمني من الماء﴾(٨) ومنه قول الشاعر :
فقلت عليكم مالكاً إن مالكاً. . . سيعصمكم إن كان في الناس عاصم(٩)
وهذه العصمة التي في الآية هي من المخاوف التي يمكن أن توقف عن شيء من التبليغ كالقتل والأسر والأذى في الجسم ونحوه، وأما أقوال الكفار ونحوها فليست في الآية، وقوله تعالى :﴿لا يهدي القوم الكافرين﴾ إما على الخصوص فيمن سبق في علم لا يؤمن، وإما على العموم على أن لا هداية في الكفر، ولا يهدي الله الكافر في سبل كفره.
١ - النائل: ما ينال ويُدرك، أو العطية، فكلام ابن عطية يتفق تماما مع قصد الشاعر، وإلا كذّب الكلام بعضه بعضا..
٢ - من الآية (١٢٤) من سورة (الأنعام)..
٣ - من قوله تعالى في الآية (١٤٤) من سورة الأعراف: ﴿إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي﴾..
٤ - الحديث في الصحيحين بلفظ: (فقد كذب)، وفي الطبري عن مسروق الأجدع بلفظ: (لقد أعظم الفرية). "فتح القدير والطبري"..
٥ - أخرجه ابن جرير، وابن مردويه- عن عبد الله بن شقيق- "الدر المنثور"- والأحاديث المروية في هذا كثيرة وهي ثابتة في الصحاح..
٦ - أخرج ابن أبي حاتم عن جابر بن عبد الله قال: لما غزا رسول الله ﷺ بني أنمار نزل بذات الرقاع بأعلى نخل، فبينا هو جالس على رأس بئر قد دلى رجليه، قال غورث ابن الحارث: لأقتلن محمدا، فقال له أصحابه: كيف تقتله؟ قال: أقول له: أعطني سيفك فإذا أعطانيه قتلته به، فأتاه فقال: يا محمد، أعطني سيفك أشمه، فأعطاه إياه، فرعدت يده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حال الله بينك وبين ما تريد، فأنزل الله: ﴿يا أيها الرسول بلغ..﴾ الآية..
٧ - أخرجه ابن جرير عن ابن جريج (الدر المنثور)..
٨ -من الآية (٤٣) من سورة (هود) – في قوله تعالى: ﴿قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء﴾.
٩ - لم نقف على نسبة البيت- والعاصم هو الحامي من الأعداء، أو من أحداث الزمان، وقوله: عليكم مالكا- أي: الزموه وقت الشدائد والمحن فإنه يحميكم ويدفع عنكم غائلات الزمان..
٢ - من الآية (١٢٤) من سورة (الأنعام)..
٣ - من قوله تعالى في الآية (١٤٤) من سورة الأعراف: ﴿إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي﴾..
٤ - الحديث في الصحيحين بلفظ: (فقد كذب)، وفي الطبري عن مسروق الأجدع بلفظ: (لقد أعظم الفرية). "فتح القدير والطبري"..
٥ - أخرجه ابن جرير، وابن مردويه- عن عبد الله بن شقيق- "الدر المنثور"- والأحاديث المروية في هذا كثيرة وهي ثابتة في الصحاح..
٦ - أخرج ابن أبي حاتم عن جابر بن عبد الله قال: لما غزا رسول الله ﷺ بني أنمار نزل بذات الرقاع بأعلى نخل، فبينا هو جالس على رأس بئر قد دلى رجليه، قال غورث ابن الحارث: لأقتلن محمدا، فقال له أصحابه: كيف تقتله؟ قال: أقول له: أعطني سيفك فإذا أعطانيه قتلته به، فأتاه فقال: يا محمد، أعطني سيفك أشمه، فأعطاه إياه، فرعدت يده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حال الله بينك وبين ما تريد، فأنزل الله: ﴿يا أيها الرسول بلغ..﴾ الآية..
٧ - أخرجه ابن جرير عن ابن جريج (الدر المنثور)..
٨ -من الآية (٤٣) من سورة (هود) – في قوله تعالى: ﴿قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء﴾.
٩ - لم نقف على نسبة البيت- والعاصم هو الحامي من الأعداء، أو من أحداث الزمان، وقوله: عليكم مالكا- أي: الزموه وقت الشدائد والمحن فإنه يحميكم ويدفع عنكم غائلات الزمان..