زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ ذكر المفسرون أن هذه الآية نزلت على أسباب، روى الحسن أن النبي ﷺ قال :( لما بعثني الله برسالته، ضقت بها ذرعا، وعرفت أن من الناس من يكذبني ) وكان رسول الله ﷺ، يهاب قريشا واليهود والنصارى، فأنزل الله هذه الآية. وقال مجاهد : لما نزلت ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ﴾ قال :( يا رب كيف أصنع ؟ إنما أنا وحدي يجتمع علي الناس ) فأنزل الله ﴿وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾. وقال مقاتل : لما دعا اليهود، وأكثر عليهم، جعلوا يستهزؤون به، فسكت عنهم، فحُرّض بهذه الآية. وقال ابن عباس : كان رسول الله ﷺ يُحرس فيرسل معه أبو طالب كل يوم رجالا من بني هاشم يحرسونه حتى نزلت عليه هذه الآية، فقال :( يا عماه إن الله قد عصمني من الجن والإنس ). وقال أبو هريرة : نزل رسول الله ﷺ ذات يوم تحت شجرة وعلق سيفه فيها، فجاء رجل فأخذه، فقال : يا محمد من يمنعني منك ؟ فقال :( الله )، فنزل قوله :﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾. قالت عائشة : سهر رسول الله ﷺ ذات ليلة، فقلت : ما شأنك ؟ قال :( ألا رجل صالح يحرسني الليلة )، فبينما نحن في ذلك إذ سمعت صوت السلاح، فقال :( من هذا ) ؟ فقال : سعد وحذيفة جئنا نحرسك، فنام رسول الله ﷺ حتى سمعت غطيطه، فنزلت ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ فأخرج رسول الله ﷺ رأسه من قبة أدم وقال :( انصرفوا أيها الناس فقد عصمني الله تعالى ). قال الزجاج : قوله :﴿بَلّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ معناه : بلغ جميع ما أنزل إليك، ولا تراقبن أحدا، ولا تتركن شيئا منه مخافة أن ينالك مكروه، فإن تركت منه شيئا، فما بلغت. قال ابن قتيبة : يدل على هذا المحذوف قوله :﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ﴾ وقال ابن عباس : إن كتمت آية فما بلغت رسالتي. وقال غيره : المعنى : بلغ جميع ما أنزل إليك جهرا، فإن أخفيت شيئا منه لخوف أذى يلحقك، فكأنك ما بلغت شيئا. وقرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي :﴿رسالته﴾ على التوحيد. وقرأ نافع ﴿رسالاته﴾ على الجمع.
قوله تعالى :﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ قال ابن قتيبة : أي : يمنعك منهم. وعصمة الله : منعه للعبد من المعاصي، ويقال : طعام لا يعصم، أي : لا يمنع من الجوع. فإن قيل : فأين ضمان العصمة وقد شُج جبينه، وكسرت رباعيته، وبولغ في أذاه ؟ فعنه جوابان :
أحدهما : أنه عصمه من القتل والأسر وتلف الجملة، فأما عوارض الأذى، فلا تمنع عصمة الجملة. والثاني : أن هذه الآية نزلت بعدما جرى عليه ذلك، لأن " المائدة " من أواخر ما نزل.
قوله تعالى :﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ فيه قولان :
أحدهما : لا يهديهم إلى الجنة. والثاني : لا يعينهم على بلوغ غرضهم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى