اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
وهذا النَّوْعُ الثَّانِي من الأحْكام المذْكُورَةِ، ووَجْهُ المُنَاسِبَةِ بَيْنَ هذا الحُكْم والَّذِي قَبْلَهُ حتى حَسُنَ ذِكْرُهُ عَقِيبَهُ، أنَّا ذكرنَا أنَّ سبب نزول الآية : أنَّ قوماً من الصَّحابَةِ - رضي الله عنهم أجمعين - حرَّموا على أنْفُسِهِمُ المطاعِمَ والمَلاَذَّ، واخْتَارُوا الرَّهْبَانِيَّةَ، وحَلَفُوا على ذلك، فلما نَهَاهُمُ اللَّهُ تعالى عنْ ذلك قالُوا : يا رسُول اللَّه، فَكَيْفَ نَصْنَعُ بأيْمَانِنَا ؟ فأنْزَلَ اللَّهُ هذه الآيَة، وقدْ تقدَّم إعرابُ نَظيرهَا في البَقَرةِ واشْتِقَاق مُفْرَدَاتِها.
قوله تعالى :﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ﴾.
قرأ(١) حمزة والكسائيُّ وأبو بكْرٍ عن عاصم :" عَقَدتُمْ " بتخفيف القاف دون ألف بعد العين، وابن ذَكْوَان عن ابن عامر :" عَاقَدتُّمْ " بزنة " فاعَلْتُمْ " والباقون :" عَقَّدتُّمْ " بتشديد القاف، فأمَّا التخفيفُ، فهو الأصل، وأمَّا التشديدُ، فيحتمل أوجهاً :
أحدها : أنه للتكثير ؛ لأنَّ المخاطبَ به جماعةٌ.
والثاني : أنه بمعنى المجرَّدِ، فيوافِقُ القراءة الأولى، ونحوه : قَدَّرَ وقَدَرَ.
والثالث : أنه يَدُلُّ على توكيد اليمين، نحو :" واللَّهِ الَّذِي لا إلهَ إلاَّ هُوَ ".
والرابع : أنه يدلُّ على تأكيد العزم بالالتزام.
الخامس : أنه عِوَضٌ من الألف في القراءة الأخرى، وقال شهاب الدين(٢) : ولا أدري ما معناه ولا يجوز أن يكون لتكرير اليمين، فإنَّ الكفارةَ تَجِبُ ولو بمَرَّةٍ واحدةٍ.
وقد تَجَرَّأ أبو عُبَيْدٍ على هذه القراءةِ وزيَّفَها، فقال :" التشديدُ للتكريرِ مرةً من بعد مرَّة، ولستُ آمَنُ أن تُوجِبَ هذه القراءةُ سقوطَ الكفَّارةِ في اليمينِ الواحدة ؛ لأنها لم تُكَرَّرْ ". وقد وَهَّموه الناسُ في ذلك، وذكروا تلك المعاني المتقدِّمة.
وأجَاب الواحِدِي(٣) بوجْهَيْن :
الأول : أنَّ بعضَهُم قال : عَقَدْتُم بالتَّخفيفِ وبالتَّشْديدِ واحدٌ في المعنى.
والثاني : هَبْ أنَّها تُفِيدُ التكرير، كَمَا في قوله تعالى :﴿وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ﴾ [يوسف: ٢٣]، إلاَّ أنَّ هذا التكريرَ يحصل بأن يَعْقِدَهَا بقَلْبِهِ ولِسَانِه، ومتَى جَمَعَ بَيْنَ القَلْبِ واللِّسَانِ فَقَدْ حَصَلَ التَّكْرِيرُ، أمَّا لَوْ عُقِدَ اليَمِينُ بأحَدِهِمَا دُونَ الآخَر لَمْ يَكُن منعقداً لَهَا فَسَلِمَتِ القِرَاءَةُ تِلاوَةً ولِلَّهِ الحَمْدُ.
وأمَّا " عَاقَدَتْ "، فيُحتملُ أن تكون بمعنى [ المجرَّد نحو ] :" جَاوَزْتُ الشَّيءَ وَجُزْتُهُ "، وقال الفارسيُّ :" عَاقَدتُمْ " يحتمل أمرين :
أحدهما : أن يكون بمعنى " فَعَلَ "، كطَارَقْتُ النَّعْلَ، وعَاقَبْتُ اللِّصَّ.
والآخر : أن يُرَادَ به " فاعَلْتُ " التي تقتضي فاعلين ؛ كأن المعنى : بما عَاقَدتُّمْ علَيْهِ الأيْمَانَ، عَدَّاه ب " عَلَى " لمَّا كان بمعنى عَاهَدَ، قال :﴿بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ﴾
[الفتح: ١٠] ؛ كما عَدَّى :﴿نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ﴾ [المائدة: ٥٨] ب " إلَى "، وبابُها أن تقول : نَادَيْتُ زَيْداً، نحو :﴿وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ﴾ [مريم: ٥٢] لمَّا كانت بمعنى دَعَوْتُ إلى كذا، قال :﴿مِّمَّن دَعَآ إِلَى اللَّهِ﴾ [فصلت: ٣٣] ثم اتُّسِعَ فحُذِفَ الجارُّ، ونُقِلَ الفعلُ إلى المفعْول، ثم حُذِفَ الضميرُ العائد من الصلة إلى الموصُول ؛ إذ صار :" بِمَا عَاقَدتُّمُوهُ الأيمانَ " كما من حُذِف من قوله :﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤]، قال شهاب الدين : يريد - رحمه الله - أن يبيِّنَ معنى " المُفَاعَلَةِ "، فأتى بهذه النظائر للتضمين، ولحذفِ العائدِ على التدريج، والمعنى : بِمَا عَاقَدتُّمْ عليه الأيْمَانَ، وعاقَدَتْكُمُ الأيْمَانُ عليه، فنَسَبَ المعاقَدَةَ إلى الأيْمَانِ مجازاً، ولقائل أن يقول : قد لا نَحْتَاجُ إلى عائدٍ حتَّى نحتاجَ إلى هذا التكلُّفِ الكثير، وذلك بأن نجعل " مَا " مصدريةً، والمفعولُ محذوفٌ، تقديرُه : بِمَا عَاقَدتُّمْ غيْرَكُمُ الأيْمَانَ، أيْ : بمُعَاقدتِكُمْ غيرَكُمُ الأيْمَانَ، ونخلُصُ من مجازٍ آخر، وهو نسبةُ المعاقدةِ إلى الأيمان ؛ فإنَّ في هذا الوجه نسبة المعاقَدَةِ للغَيْرِ، وهي نسبةٌ حقيقية، وقد نَصَّ على هذا الوجه - جماعةٌ.
قالُوا(٤) :" مَا " مَعَ الفِعْلِ بِمَنْزِلةِ المصْدَرِ، ولكِن يُؤاخِذُكُم بِعَقْدِكُمْ، أوْ بِتَعْقِيدِكُمْ، أو بِمُعَاقَدَتِكُم الأيْمَان إذا خنتم، فحذف وقتاً لمؤاخَذَة ؛ لأنَّه مَعْلُومٌ، أو يَنْكُثُ ما عَاقَدْتُمْ، فَحَذَفَ المُضَافَ.
وقد تعقَّبَ أبو حيان على أبي عليٍّ كلامَهُ ؛ فقال :" قوله : إنَّه مثل " طارَقْتُ النَّعْلَ " و " عَاقَبْتُ اللِّصَّ "، ليس مثله ؛ لأنَّك لا تقول : طَرَقْتُ ولا عَقَبْتُ، وتقول : عاقدتُّ اليمينَ، وعقدتُّهَا "، وهذا غيرُ لازم لأبي عليٍّ ؛ لأنّ مرادَه أنه مثلُه من حَيْثُ إنَّ " المُفَاعَلَةَ " بمعنى أن المشاركة من اثنين منتفيةٌ عنه ؛ كانتفائها من عاقَبْتُ وطارَقْتُ، أمَّا كونُه يقالُ فيه أيضاً كذا، فلا يضُرُّه ذلك في التشبيه، وقال أيضاً :" تقديرُه حذف حَرْفِ الجرِّ، ثم الضمير على التدرُّج - بعيدٌ، وليس بنظيرِ :﴿فاصْدَعْ بِمَا تُؤمرُ﴾ ؛ لأن " أمَرَ " بتعدَّى بنفسِه تارةً، وبحرف الجرِّ أخرى، وإن كان الأصلُ الحَرْفَ، وأيضاً ف " مَا " في " فَاصْدَعْ بِمَا " لا يتعيَّن أن تكون بمعنى " الَّذي " بل الظاهر أنها مصدريَّةٌ، [ وكذلك ههنا الأحسنُ : أن تكون مصدريةً ] لمقابلتها بالمصْدرِ، وهو اللَّغْوُ ".
قال الوَاحِدِي(٥) : يُقَالُ : عَقَدَ فلانٌ اليمينَ والعهدَ والحبلَ عَقْداً، إذَا وكَّده وأحْكَمَهُ، ومثل ذلك أيضاً " عَقَّدَ " بالتَّشْديد إذا وكَّدَ، ومثله : عَاقَد بالألفِ.
وقد تقدم الكلامُ في سورة النِّساء عند قوله تعالى :﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [ الآية : ٣٣ ] و " عاقَدت "، وذُكِرَ في هذه ثلاثُ قراءاتٍ في المشْهُور، وفي تِيكَ قراءتانِ، وقد تقدم في النساء أنه رُوِيَ عن حمزة :" عَقَّدَتْ " بالتشديد فيكون فيها أيضاً ثلاثُ قراءاتٍ، وهو اتفاقٌ غريبٌ، فإنَّ حمزة من أصحابِ التخفيفِ في هذه السورة، وقد رُوِيَ عنه التثقيلُ في النساء.
والمرادُ بقوله :" عقَّدتم، وعاقَدْتُم " أي : قَصَدْتُم وتَعمَّدْتُم، وتقدَّم الكلامُ على ذلك في سُورةِ البَقَرةِ.
قوله تعالى :﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ﴾ مبتدأ وخبر، والضميرُ في " فَكَفَّارتُهُ " فيه أربعةُ أوجه :
أحدها : أنه يعودُ على الحِنْثِ الدَّالِّ عليه سياقُ الكلام، وإنْ لم يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ، أي : فكفَّارةُ الحِنْثِ.
الثاني : أنه يعود على " مَا " إنْ جَعَلْنَاهَا موصولةً اسميَّةً، وهو على حذف مضافٍ، أي : فكفارة نُكْثِهِ، كذا قدَّره الزمخشريُّ(٦).
والثالث : أنه يعودُ على العَقْدِ ؛ لتقدُّمِ الفعْلِ الدالِّ عليه.
الرابع : أنه يعود على اليمين، وإن كانت مؤنثة ؛ لأنها بمعنى الحَلْفِ، قالهما أبو البقاء(٧)، وليسا بظاهَرْين.
و " إطْعَامُ " مصدرٌ مضافٌ لمفعوله، وهو مقدَّرٌ بحرفٍ وفعلٍ مبنيٍّ للفاعل، أي : فكفَّارته أن يُطْعِمَ الحَانِثُ عشرة، وفاعلُ المصدرِ يُحْذَفُ كثيراً، ولا ضرورة تدعو إلى تقديره بفعلٍ مبنيٍّ للمفعولِ، أي : أن يُطْعَمَ عشرةٌ ؛ لأنَّ في ذلك خلافاً تقدَّم التنبيه عليه ؛ فعلى الأول : يكونُ محلُّ " عشرة " نصباً ؛ وعلى الثاني : يكون محلُّها رفعاً على ما لم يُسَمَّ فاعلُهُ، ولذلك فائدةٌ تَظْهر في التابع، فإذا قلت :" يُعْجِبُنِي أكْلُ الخُبْزِ " فإن قدَّرته مبنياً للفاعل، فتتبع " الخُبْز " بالجرِّ على اللفظ، والنَّصْبِ على المحلِّ، وإنْ قَدَّرْتَه مبنيًّا للمفعول، أتْبَعْتَهُ جرًّا ورفعاً، فتقول :" يُعْجِبُني أكْلُ الخُبْزِ والسَّمْنِ والسَّمْنَ والسَّمْنُ "، وفي الحديث :" نَهَى عن قَتْلِ الأبْتَرِ وذُو الطُّفَيَتَيْنِ " برفع " ذُو " على معنى : أنْ يُقْتَلَ الأبْتَرُ، قال أبو البقاء(٨) :" والجَيِّدُ أن يُقَدَّرَ - أي المصدرُ - بفعلٍ قد سُمِّي فاعلُه ؛ لأنَّ ما قبله وما بعده خطابٌ "، يعني : فهذه قرينةٌ تُقَوِّي ذلك ؛ لأنَّ المعنى : فكفَّارَتُهُ أنْ تُطْعِمُوا أنْتُمْ أيها الحَالِفُونَ، وقد تقدم أنَّ تقديره بالمبنيِّ للفاعلِ هو الراجحُ، ولو لم تُوجَدُ قرينةٌ ؛ لأنه الأصلُ.
قوله تعالى :" مِنْ أوسطِ " فيه وجهان :
أحدهما : أنه في محلِّ رفعِ خبراً لمبتدأ محذوفٍ يبيِّنه ما قبله، تقديرُه : طعامُهُمْ مِنْ أوسطِ، ويكون الكلامُ قد تَمَّ عِنْدَ قوله :" مَسَاكِينَ "، وسيأتي له مزيد بيان قريباً إن شاء الله تعالى.
والثاني : أنه في موضعِ نصْبٍ ؛ لأنه صفةٌ للمفعول الثاني، والتقديرُ : قوتاً أو طعاماً كائناً من أوسطِ، وأما المفعولُ الأوَّل فهو " عَشَرَة " المضافُ إليه المصدرُ، و " مَا " موصولةٌ اسميَّةٌ، والعائدُ محذوفٌ، أي : من أوْسَطِ الذي تطعمُونَهُ، وقَدَّره أبو البقاء(٩) مجروراً ب " مِنْ "، فقال :" الَّذِي تُطْعَمُونَ مِنْهُ "، وفيه نظرٌ ؛ لأنَّ من شرط العائد المجرورِ في الحذف : أنْ يتَّحِدَ الحرفانِ والمتعلَّقانِ، والحرفان هنا، وإن اتفقا وهما " مِنْ " و " مِنْ " إلا أنَّ العامل اختلف ؛ فإنَّ " مِن " الثانيةَ متعلِّقةٌ ب " تُطْعِمُون "، والأولى متعلِّقةٌ بمحذوفٍ، وهو الكون المطلقُ ؛ لأنها وقعت صفة للمفعول المحذوف، وقد يقالُ : إنَّ الفعلَ لَمَّا كان مُنْصَباً على قوله :" مِنْ أوْسَطِ "، فكأنه عاملٌ فيه، وإنما قدَّرْنَا مفعولاً لضرورة الصِّناعة، فإن قيل : الموصولُ لم ينجرَّ ب " مِنْ " إنما انجرَّ بالإضافةِ، فالجوابُ : أنَّ المضافَ إلى الموصول كالموصولِ في ذلك ؛ نحو :" مُرَّ بِغُلامٍ الَّذي مَرَرْتُ ".
و " أهلِيكُمْ " مفعولٌ أول ل " تُطْعِمُونَ "، والثاني محذوفٌ ؛ كما تقدم، أي : تُطْعِمُونَهُ أهْلِيكُمْ، و " أهْلِيكُمْ " جمعُ سلامةٍ، ونَقَصَهُ من الشروط كونُه ليس عَلَماً ولا صفةً، والذي حسَّن ذلك : أنه كثيراً ما يُستعملُ استعمال " مُسْتَحِقٌّ لِكَذَا " في قولهم :" هُوَ أهْلٌ لِكَذَا "، أي : مُسْتَحِقٌّ له، فأشبه الصفاتِ، فجُمِعَ جمعَها، وقال تعالى :﴿شَغَلَتْنَآ أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا﴾ [الفتح: ١١] ﴿قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ [التحريم: ٦]، وفي الحديث :" إنَّ لله أهلينَ " قيل : يا رسُول الله : مَنْ هُمْ ؟ قال :" قُرَّاء القرآن هم أهلُو الله وخاصَّتُه " (١٠)، فقوله :" أهلُو الله " جمعٌ حُذِفَتْ نونُه للإضافة، ويُحتمل أن يكون مفرداً، فيكتب :" أهْلُ الله "، فهو في اللفظِ واحدٌ.
وقرأ(١١) جَعْفَرٌ الص
١ ينظر: السبعة ٢٤٧، والحجة ٣/٢٥١، وحجة القراءات ٢٣٤، وإعراب القراءات ١/١٤٩، والعنوان ٨٨، وشرح شعلة ٣٥٣، وشرح الطيبة ٤/٢٣٥، وإتحاف ١/٥٤٢..
٢ ينظر: الدر المصون ٢/٥٩٩..
٣ ينظر: تفسير الفخر الرازي ١٢/٦٢..
٤ ينظر: الفخر الرازي ١٢/٦٢..
٥ ينظر: الفخر الرازي ١٢/٦٢..
٦ ينظر: الكشاف ١/٦٧٣..
٧ ينظر: الإملاء ١/٢٢٥..
٨ ينظر: الإملاء ١/٢٢٥..
٩ ينظر: الإملاء ١/٢٢٥..
١٠ أخرجه ابن ماجه (٢١٥) وأحمد (٣/١٢٧، ١٢٨، ٢٤٢) والدارمي (٢/٤٣٣) والحاكم (١/٥٥٦) وأبو نعيم في "الحلية" (٣/٦٣) عن أبي سعيد..
١١ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٢٣٠، والبحر المحيط ٤/١٣، والدر المصون ٢/٦٠١..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى