روح المعاني — الألوسي

عن الكتاب
﴿لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ الله باللغو فِى أيمانكم﴾ اللغو في اليمين الساقط الذي لا يتعلق به حكم وهو عندنا أن يحلف على أمر مضى يظنه كذلك فإن علمه على خلافه فاليمين غموس، وروي ذلك عن مجاهد. وعند الشافعي رحمه الله تعالى ما يسبق إليه اللسان من غير نية اليمين وهو المروى عن أبي جعفر وأبي عبد الله وعائشة رضي الله تعالى عنهم، والأدلة على المذهبين مبسوطة في الفروع والأصول وقد تقدم شطر من الكلام على ذلك، و ﴿فِى أيمانكم﴾ إما متعلق باللغو فإنه يقال لغا في يمينه لغواً وإما بمحذوف وقع حالاً منه أي كائناً أو واقعاً في أيمانكم ؛ وجوز أن يكون متعلقاً بيؤاخذكم، وقيل عليه : إنه لا يظهر ربطه بالمؤاخذة إلا أن يجعل في للعلة كما في «إن امرأة دخلت النار في هرة » ﴿ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا * تَنقُضُواْ الايمان﴾ أي بتعقيدكم الأيمان وتوثيقها بالقصد والنية فما مصدرية، وقيل : إنها موصولة والعائد محذوف أي بما عقدتم الأيمان عليه. ورجح الأول بأن الكلام في مقابلة اللغو وبأنه خال عن مؤنة التقدير، وقال بعضهم : إن ذلك التقدير في غير محله لأن شرط حذف العائد المجرور أن يكون مجروراً بمثل ما جر به الموصول لفظاً ومعنى ومتعلقاً وما هنا ليس كذلك فليتدبر ؛ والمعنى : ولكن يؤاخذكم بنكث ما عقدتم أو لكن يؤاخذكم بما عقدتموها إذا حنثتم وحذف ذلك للعلم به، والمراد بالمؤاخذة المؤاخذة في الدنيا وهي الإثم والكفارة فلا إشكال في تقدير الظرف، وتعقيد الأيمان شامل للغموس عند الشافعية وفيه كفارة عندهم وأما عندنا فلا كفارة ولا حنث.
وقرأ حمزة والكسائي وابن عياش عن عاصم ﴿عَقَّدتُّمُ﴾ بالتخفيف، وابن عامر برواية ابن ذكوان ﴿*عاقدتم﴾ والمفاعلة فيها لأصل الفعل وكذا قراءة التشديد لأن القراءات يفسر بعضها بعضاً، وقيل : إن ذلك فيها للمبالغة باعتبار أن العقد باللسان والقلب لا أن ذلك للتكرار اللساني كما توهم. والآية كما أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما نزلت حين نهى القوم عما صنعوا فقالوا يا رسول الله كيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها ؟، وروي عن ابن زيد أنها نزلت في عبد الله بن رواحة كان عنده ضيف فأخرت زوجته عشاءه فحلف لا يأكل من الطعام وحلفت المرأة لا تأكل إن لم يأكل وحلف الضيف لا يأكل إن لم يأكلا فأكل عبد الله بن رواحة وأكلا معه فأخبر النبي ﷺ بذلك فقال عليه الصلاة والسلام له : أحسنت ونزلت.
﴿الايمان فَكَفَّارَتُهُ﴾ الضمير عائد إما على الحنث المفهوم من السياق أو على العقد الذي في ضمن الفعل بتقدير مضاف أي فكفارة نكثه أو على ما الموصولة بذلك التقدير، وأما عوده على الأيمان لأنه مفرد كالأنعام عند سيبويه أو مؤول بمفرد فكما ترى، والمراد بالكفارة المعنى المصدري وهي الفعلة التي من شأنها أن تكفر الخطيئة وتسترها، والمراد بالستر المحو لأن الممحو لا يرى كالمستور وبهذا وجه تأنيثها، وذكر عصام الدين أن فعالاً يستوي فيه المذكر والمؤنث إلا أن ما يستوي فيه ذلك كفعيل إذا حذف موصوفه يؤنث للمؤنث كمررت بقتيلة بني فلان ولا يقال بقتيل للالتباس، وذكر أن التاء يحتمل أن تكون للنقل وأن تكون للمبالغة انتهى.
ويدل على أنها بالمعنى المصدري الإخبار عنها بقوله تعالى :﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مساكين﴾ واستدل الشافعية بظاهر الآية على جواز التكفير بالمال قبل الحنث سواء كان الحنث معصية أم لا، وتقييد ذلك كما فعل الرافعي بما إذا لم يكن معصية غير معول عليه عندهم، ووجه الاستدلال بذلك على ما ذكر أنه سبحانه جعل الكفارة عقب اليمين من غير ذكر الحنث وقال عز شأنه :﴿ذلك كَفَّارَةُ أيمانكم إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ وقيدوا ذلك بالمال ليخرج التكفير بالصوم فإنه لا يكون إلا بعد الحنث عندهم لأنه عند العجز عن غيره والعجز لا يتحقق بدون حنث، وقد قاسوا ذلك أيضاً على تقديم الزكاة على الحول، واستدلوا أيضاً بما أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي / الله تعالى عنه قال :«قال رسول الله ﷺ من حلف على يمين ورأى غيرها خيراً منها فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير » ونحن نقول : إن الآية تضمنت إيجاب الكفارة عند الحنث وهي غير واجبة قبله فثبت أن المراد بما عقدتم الأيمان وحنثتم فيها، وقد اتفقوا على أن معنى قوله سبحانه :﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ على سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] افطر فعدة من أيام أخر فكذا هذا. والحديث الذي استدلوا به لا يصلح للاستدلال لأنه بعد تسليم دلالة الفاء الجزائية على التعقيب من غير تراخ يقال : إن الواقع في حيزها مجموع التكفير والإيتاء ولا دلالة على الترتيب بينهما ألا ترى أن قوله تعالى :﴿ياأيها الذين ءامَنُواْ إِذَا نُودِىَ للصلاة مِن يَوْمِ الجمعة فاسعوا إلى ذِكْرِ﴾ [الجمعة: ٩] لا يقتضي تقديم السعي على ترك البيع بالاتفاق، وأيضاً جاء في رواية «فليأت الذي هو خير ثم ليكفر عن يمينه ». ونقل بعضهم عن الشافعية أنهم يجمعون بين الروايتين بأن إحداهما لبيان الجواز والأخرى لبيان الوجوب، وقال عصام الدين : إن تقديم الكفارة تارة وتأخيرها أخرى يدل على أن التقديم والتأخير سيان اه.
وأنت تعلم أن الشافعية كالحنفية في أنهم يقدرون في الآية ما أشرنا إليه قبل في تفسيرها إلا أن ذلك عندهم قيد للوجوب وإلا فالاستدلال بالآية في غاية الخفاء كما لا يخفى فتدبر.
و ﴿إِطْعَامُ﴾ مصدر مضاف لمفعوله وهو مقدر بحرف وفعل مبني للفاعل وفاعل المصدر يحذف كثيراً، ولا ضرورة تدعو إلى تقدير الفعل مبنياً للمفعول لأنه مع كونه خلاف الأصل في تقديره خلاف ذكره السمين فالتقدير هنا فكفارته أن يطعم الحانث أو الحالف عشرة مساكين ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ أي من أقصده في النوع أو المقدار، وهو عند الشافعية مد لكل مسكين وعندنا نصف صاع من بر أو صاع من شعير.
وأخرج ابن حميد وغيره عن ابن عمر أن الأوسط الخبز والتمر والخبز والزيت والخبز والسمن، والأفضل نحو الخبز واللحم. وعن ابن سيرين قال : كانوا يقولون الأفضل الخبز واللحم والأوسط الخبز والسمن والأخس الخبز والتمر. ومحل الجار والمجرور النصب لأنه صفة مفعول ثان للإطعام لأنه ينصب مفعولين وأولهما هنا ما أضيف إليه، والتقدير طعاماً أو قوتاً كائناً من أوسط، وقيل : إنه صفة مصدر محذوف أي إطعاماً كائناً من ذلك ؛ وجوز أن يكون محله الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي طعامهم من أوسط أو على أنه صفة لإطعام أو على أنه بدل من إطعام.
واعترض هذا بأن أقسام البدل لا تتصور هنا. وأجيب بأنه بدل اشتمال بتقدير موصوف وذلك على مذهب ابن الحاجب وصاحب «اللباب ». ومتابعيهما ظاهر لأنهم يكتفون بملابسة بين البدل والمبدل منه بغير الجزئية والكلية، وأما على مذهب الجمهور فلأنهم يشترطون اشتمال التابع على المتبوع لا كاشتمال الظرف على المظروف بل من حيث كونه دالاً عليه إجمالاً ومتقاضياً له بوجه ما بحيث تبقى النفس عند ذكر الأول متشوقة إلى ذكر الثاني فيجاء بالثاني ملخصاً لما أجمله الأول ومبيناً له، ويعدون من هذا القبيل قولهم : نظرت إلى القمر فلكه كما صرح به ركن الدين في «شرح اللباب ». ولا يخفى أن إطعام عشرة مساكين دال على الطعام إجمالاً ومتقاض له بوجه. واختار بعض المحققين أنه بدل كل من كل بتقدير إطعام من أوسط نحو أعجبني قرى الأضياف قراهم من أحسن ما وجد، وما إما مصدرية وإما موصولة اسمية والعائد محذوف أي من أوسط الذي تطعمونه.
وجوز أبو البقاء تقديره مجروراً بمن أي تطعمون منه، ونظر فيه السمين بأن من شرط العائد المحذوف المجرور بالحرف أن يكون مجروراً بمثل ما جربه الموصول لفظاً ومعنى ومتعلقاً والحرفان هنا وإن اتفقا من وجه إلا أن المتعلق مختلف لأن من الثانية متعلقة بتطعمون والأولى ليست متعلقة بذلك. ثم قال : فإن قلت الموصول غير مجرور بمن وإنما هو مجرور بالإضافة. فالجواب أن المضاف إلى الموصول كالموصول في ذلك اه. وقد قدمنا آنفاً نحو هذا النظر، وأجاب بعضهم عن ذلك بأن الحذف تدريجي ولا يخفى أن فيه تطويلاً للمسافة.
والأهلون جمع أهل على خلاف القياس كأرض وأرضون إذ شرط هذا الجمع أن يكون علماً أو صفة وأهل اسم جامد، قيل : والذي سوغه أنه استعمل كثيراً بمعنى مستحق فأشبه الصفة. وروي عن جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه أنه قرأ ﴿*أهاليكم﴾ بسكون الياء على لغة من يسكنها في الحالات الثلاث كالألف وهو أيضاً جمع أهل على خلاف القياس كليال في جمع ليلة. وقال ابن جني : واحدهما ليلاة وأهلاة وهو محتمل كما قيل لأن يكون مراده أن لهما مفرداً مقدراً هو ما ذكر ولأن يكون مراده أن لهما مفرداً محققاً مسموعاً من العرب هو ذاك، وقيل : إن أهال جمع أهلون وليس بشيء.
﴿أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ عطف كما قال أبو البقاء على إطعام واستظهره غير واحد، واختار الزمخشري أنه عطف على محل ﴿مِنْ أَوْسَطِ﴾ ووجهه فيما نسب إليه بأن ﴿مِنْ أَوْسَطِ﴾ بدل من الإطعام والبدل هو المقصود ولذلك كان المبدل منه في حكم المنحى فكأنه قيل : فكفارته من أوسط ما تطعمون. ووجه صاحب «التقريب » عدوله عن الظاهر بأن الكسوة اسم لنحو الثوب لا مصدراً، فقد قال الراغب : الكساء والكسوة اللباس فلا يليق عطفه على المصدر السابق مع أن كليهما فيما يتعلق بالمساكين، وبأنه يؤدي إلى ترك ذكر كيفية الكسوة وهو كونها أوسط، ثم قال : ويمكن أن يجاب عن الأول بأن الكسوة إما مصدر كما يشعر به كلام الزجاج أو يضمر مصدر كالإلباس، وعن الثاني بأن يقدر أو كسوتهم من أوسط ما تكسون وحذف ذلك لقرينة ذكره في المعطوف عليه أو بأن تترك على إطلاقها إما بإرادة إطلاقها أو بإحالة بيانها على الغير، وأيضاً العطف على محل ﴿مِنْ أَوْسَطِ﴾ لا يفيد هذا المقصود وهو تقدير الأوسط في الكسوة فالإلزام مشترك ويؤدي إلى صحة إقامته مقام المعطوف عليه وهو غير سديد اه.
واعترض بعض المحققين على ما نسب إلى الزمخشري أيضاً بأن العطف على البدل يستدعي كون المعطوف بدلاً أيضاً وإبدال الكسوة من ﴿إِطْعَامُ﴾ لا يكون إلا غلطاً لعدم المناسبة بينهما أصلاً وبدل الغلط لا يقع في الفصيح فضلاً عن أفصح الأفصح. ومنع عدم الوقوع مما لا يلتفت إليه، وجعل غير واحد هذا العطف من باب
: علفتها تبناً وماءاً بارداً *** كأنه قيل إطعام هو أوسط ما تطعمون أو إلباس هو كسوتهم على معنى إطعام هو إطعام الأوسط وإلباس هو إلباس الكسوة وفيه إيهام وتفسير في الموضعين. واعترض بأن العطف على هذا يكون على المبدل منه لا البدل، وأجيب بأن المراد أنه بالنظر إلى ظاهر اللفظ عطف على البدل وهو كما ترى، واعترض الشهاب على دعوى أن الداعي للزمخشري عن العدول إلى الظاهر إلى اختيار العطف على محل ﴿مِنْ أَوْسَطِ﴾ تحصيل التناسب بين نوعي الكفارة المتعلقة بالمساكين بأنه كيف يتأتى ذلك وقد جعل العطف على ﴿مِنْ أَوْسَطِ﴾ على تقدير بدليته وهو على ذلك التقدير صفة إطعام مقدر انتهى.
وقد علمت أن هذا رأي لبعضهم. وبالجملة فيما ذهب إليه الزمخشري دغدغة حتى قال العلم العراقي : إنه غلط والصواب العطف على ﴿إِطْعَامُ﴾، وقال الحلبي : ما ذكره الزمخشري

تفسير هذه الآية من كتب أخرى