التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم بين - سبحانه - كفارة اليمين، وأمر المؤمنين بحفظ إيمانهم فلا يكثروا منها، فقال - تعالى -.
﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ الله باللغو...﴾
أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : لما نزلت ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ الله لَكُمْ﴾ في القوم الذين كانوا حرموا على أنفسهم النساء واللحم : قالوا يا رسول الله. كيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها ؟ فأنزل الله - تعالى - قوله :﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ الله باللغو في أَيْمَانِكُمْ ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأيمان﴾ الآية واللغو من الكلام - كما يقول الراغب : ما لا يعتد به منه، وهو الذي يورد لا عن روية وفكر فيجري مجرى اللغا وهو صوت العصافير ونحوها من الطيور. وقد يسمي كل قبيح لغو. قال - تعالى - ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ اللغو أَعْرَضُواْ عَنْهُ﴾ ولغو اليمين. أن يحلف الحالف على شيء يرى أنه صادق فيه ثم يتبين له خلاف ذلك.
ويرى بعضهم أن لغو اليمين هو الذي يجري على اللسان بدون قصد، كقولك لا والله ويلي والله.
وقد رجح هذا القول ابن كثير فقال ما ملخصه. واللغو في اليمين هو قول الرجل في الكلام من غير قصد : لا والله وبلى والله وهو مذهب الشافعي. وقيل هو في الهزل. وقيل في المعصية : وقيل على غلبة الظن وهو قول أبي حنيفة وأحمد والصحيح أنه اليمين من غير قصد بدليل قوله :﴿ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأيمان﴾.
وقولهك ﴿عَقَّدتُّمُ﴾ من العقد وهو الجميع بين أطراف الشيء لتوثيقه وهو نقيض الحل : وقرأ حمزة والكسائي ﴿عَقَّدتُّمُ﴾ بالتخفيف. وقرأ ابن عامر " عاقدتم ".
ولمراد بعقد الأيمان توكيدها وتوثيقها قصدا ونية.
والمعنى : لا يؤاخذكم الله - أيها المؤمنون - فضلا منه وكرما على اللغو في اليمين وهو ما يجري على ألسنتكم بدون قصد. ولكن يؤاخذكم بالعقوبة في الآخرة أو بوجوب الكفارة بتعيدكم الأيمان وتوثيقها بالقصد والنية، إذا حنثتم فيها، بأن تعمدتم الكذب في إيمانكم.
فالمراد بعدم المؤاخذة في قوله ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ الله باللغو في أَيْمَانِكُمْ﴾ : عدم المعاقبة في الدنيا بالكفارة ولا في الآخرة بالعقوبة.
والمراد بالمؤاخذة في قوله :﴿ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأيمان﴾ : العقوبة الأخروية عند جمهور الفقهاء ويرى الشافعي أن المراد بها الكفارة التي تجب على الحانث.
وقوله ﴿في أَيْمَانِكُمْ﴾ متعلق باللغو. وما في قوله ﴿بِمَا عَقَّدتُّمُ﴾ مصدرية أي : ولكن يؤاخذكم بتعقيدكم الأيمان وتوثيقها. ويحتمل أن تكون موصولة والعائد محذوف. أي ولكن يؤاخذكم بالذي عقدتم الأيمان عليه.
وقوله :﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ بيان لكيفية الكفارة والضمير في قوله : فكفارته يعود على الحنث الدال عليه سياق الكلام وإن لم يرج له ذكر.
أي : فكفارة الحنث. ولا مانع من عودته إلى الحالف إذا حنث في يمينه فيكون المعنى : فكفارة الحالف إذا حنث في يمينه إطعام عشرة مساكين لأن الشخص الحانث في يمينه هو الذي يجب عليه التكفير عن حنثه.
والكفارة من الكفر بمعنى الستر، وهي اسم للفعلة التي من شأنها أن تكفر الخطيئة، أي تسترها وتمحوها، لأن الشيء الممحي يكون كالشيء المستور الذي لا يرى ولا يشاهد.
وكلمة ﴿أَوْسَطِ﴾ يرى بعضهم أنها بمعنى الأمثل والأحسن. لأن لفظ الأوسط كثيراً ما يستعمل بهذا المعنى ومنه قوله - تعالى ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ﴾ أي : قال أحسنهم عقلا وأمثلهم فكرا ونظراً.
ويرى آخرون أن الأوسط هنا بمعنى المتوسط لأن هذا هو الغالب في استعمال هذه الكلمة، أي يطعمهم لا من أفخر أنواع الطعام ولا من اردئه ولكن من الطعام الذي يطعم منه أهله في الغالب.
والمعنى : لقد تفضل الله عليكم - أيها المؤمنون - بأن رفع عنكم العقوبة والكفارة في الأيمان اللغو، ولكنه - سبحانه - يؤاخذكم بتعقيدكم الأيمان وتوثيقها إذا ما حنثتم فيها ومتى حنث أحدكم في يمينه، فمن الواجب عليه لتكفير هذا اليمين ومحو إثمه أن يطعم عشرة مساكين طعاما يكون من متوسط ما يطعم منه أهله في الجودة والمقدار، أو أن يكسو هؤلاء المساكين العشرة كساء مناسبا ساترا للبدن أو أن يحرر رقبة بأن يعتق عبدا من الرق فيجعله حراً.
قال الجمل ما ملخصه : وقوله :﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ﴾ مبتدأ وخبر.
وقوله : إطعام مصدر مضاف لمفعوله، وهو مقدر بحرف وفعل مبني للفاعل أي فكفارته أن يطعم الحانث عشرة، وفاعل المصدر يحذف كثيراً.
وقوله :﴿مِنْ أَوْسَطِ﴾ في محل نصب مفعول ثان لإطعام ؛ ومفعوله الأول عشرة أي : فكفارته أن تطعموا عشرة مساكين إطعاما من أوسط ما تطعمون أهليكم.. وقوله :﴿مَا تُطْعِمُونَ﴾ مفعوله الأول : أهليكم، ومفعوله الثاني : محذوف أي : " تطعمونه إهليكم ".
فأنت ترى أن الله - قد خبر الحانث في يمينه بين أمور ثلاثة يختار إحداها، فإذا لم يستطع إحداها، فقد بين سبحانه له حكما آخر فقال :﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ﴾.
أي : فمن لم يجد ما يكفر حنثه في يمينه من إطعام أو كساء أو تحرير رقبة فعليه حينئذ أن يصوم ثلاثة أيام، تطهيرا لنفسه، وتكفيرا عن ذنبه، وتقوية لإرادته وعزيمته.
واسم الإِشارة في قوله :﴿ذلك كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ يعود إلى المذكور من الإِطعام والكساء وتحرير الرقبة والصوم.
أي : ذلك الذي شرعناه لكم كفارة لأيمانكم إذا حلفتم وحنثتم فيها، وخالفتم طريق الحق الذي أمركم الله تعالى باتباعه.
وقوله :﴿واحفظوا أَيْمَانَكُمْ﴾ أمر من الله تعالى لعباده بأن يصونوا أنفسهم عن الحنث في أيمانهم، وعن الإِكثار منها لغير ضرورة، فإن الإِكثار من الحلف بغير ضرورة يؤدي إلى قلة الحياء من الله تعالى. كما أن الحلف الكاذب يؤدي إلى سخطه سبحانه على الحالف وبغضه له.
وقوله :﴿كذلك يُبَيِّنُ الله لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ تذييل قصد به التذكير بنعم الله حتى يداوم الناس على شكرها وطاعة واهبها عز وجل.
أي : مثل هذا البيان البديع الجامع لوجوه والفلاح، يبين الله لكم آياته المشتملة على الأحكام الميسرة، والتشريعات الحكيمة، والهدايات الجليلة لعلكم بذلك تستمرون على شكر الله وطاعته، وتواظبون على خشيته ومراقبته فتنالون ما وعدكم من فلاح وسعادة.
هذا، ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآية ما يأتي :
١ - أن اليمين اللغو لا مؤاخذة فيها. أي : لا عقوبة عليها في الآخرة ولا كفارة لها في الدنيا لقوله تعالى :﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ الله باللغو في أَيْمَانِكُمْ﴾.
ونعني بها - كما سبق أن أشرنا - أن يقول الرجل من غير قصد الحلف لا والله وبلى والله.
ومع هذا فمن الأفضل للمؤمن ألا يلجأ إلى الحلف إلا إذا كانت هناك ضرورة تدعو لذلك ؛ لأن الإِكثار من الحلف يسقط مهابة الإِنسان، وقد يفضي به إلى الاستهانة بالآداب الحميدة التي شرعها الله.
قال تعالى :﴿وَلاَ تتخذوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُواْ السواء بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ الله وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٢ - أن اليمين التي يحلفها الحالف بالقصد والنية وهو كاذب فيها، يستحق صاحبها العذاب الشديد من الله - تعالى -، وهي التي يسميها الفقهاء باليمين الغموس، أي التي تغمس صاحبها في النار - تعالى - ﴿ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأيمان﴾.
أيِ : بما صممتم عليه منها وقصدتموه وأنتم حانثون فيها.
قال القرطبي ما ملخصه : خرج البخاري عن عبد الله بن عمرو قال : " جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال : يا رسول الله ما الكبائر ؟ قال : " الإِشراك بالله. قال : ثم ماذا ؟ قال : عقوق الوالدين. قال : ثم ماذا ؟ قال : اليمين الغموس " قلت : وما اليمين الغموس ؟ قال : التي يقتطع بها مال أمرئ مسلم وهو كاذب فيها ".
وخرج مسلم عن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ قال : " من اقطتع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة. فقال رجل : وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله ؟ قال ﷺ : وإن كان قضيبا من أراك ".
وقد اختلف في اليمين الغموس فالذي عليه الجمهور أنها يمين مكر وخديعة وكذب فلا تنعقد ولا كفارة فيها. لأن هذا الحالف قد جمع بين الكذب، واستحلال مال الغير، والاستخفاف باليمين بالله. فأهان ما عظمه الله، وعظم ما حقره الله، ولهذا قيل : إنما سميت اليمين الغموس غموسا، لأنها تغمس صاحبها في النار.
وقال الشافعي : " هي يمين منعقدة، لأنها مكتسبة بالقلب، معقودة بخبر، مقرونة باسم الله - تعالى -، وفيها الكفارة.
والصحيح الأول : وهو قول مالك بن أنس ومن تبعه من أهل المدينة، وبه قال الأوزاعي والثوري وأهل العراق وأحمد وإسحاق وأصحاب الحديث وأصحاب الرأي من أهل الكوفة.
٣ - أن ﴿أو﴾ في قوله - تعالى :﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ للتخيير.
أي : أن الحالف إذا حنث في يمينه فهو مخير بين واحد من أمور ثلاثة ليكفر عن يمينه التي حنث فيها. وهذه الثلاثة هي الإِطعام أو الكسوة، أو عتق الرقبة. فإّا لم يجد إحدى هذه الكفارات الثلاث انتقل إلى الصوم.
قال الفخر الرازي : وأعلم أن الآية دالة على أن الواجب في كفارة اليمين أحد الأمور الثلاثة على التخيير، فإن عجز عنها جميعا فالوجب شيء آخر وهو الصوم.
ومعنى الواجب المخير أنه لا يجب عليه الإِتيان بكل واحد من هذه الثلاثة ولا يجوز له تركها جميعا. ومتى أتى بأي واحد شاء من هذه الثلاثة فإنه يخرج عن العهدة. فإذا اجتمعت هذه القيود الثلاثة فذاك هو الواجب المخير.
وللعلماء أقوال متعددة في الإِطعام المطلوب لكفارة اليمين.
قال القرطبي ما ملخصه : قوله - تعالى - :﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ لابد عندنا - أي المالكية - وعند الشافعي من تمليك ما يخرج لهم ودفعه إليهم حتى يتملكوه ويتصرفوا فيه.
وقال أبو حنيفة : لو غداهم وعشاهم جاز. والأوسط هنا منزلة بين منزلتين ونصفا بين طرفين - أي يطعمهم من غالب الطعام الذي يطعم منه أهله لا من أدناه حتى لا يبخس المساكين حقهم ولا من أعلاه حتى لا يتكلف ما يشق عليه -.
والإِطعام عند مالك : مد لكل واحد من المساكين العشرة. وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة : يخرج من البر نصف صاع، ومن التمر والشعير صاعا. أي يخرج ما يجب في صدقه الفطر.
ولا يجوز عندنا دفع الكفارة إلى مسكين واحد وبه قال الشافعي، لأن الله - تعالى - نص على العشرة فلا يجوز العدول عنهم، وأيضاً فإن فيه إحياء جماعة من المسلمين وكفايتهم يوما واحدا، فيتفرغون فيه لعبادة الله ولدعائه، فغفر للمكفر بسبب ذلك.
وقال أبو حنيفة : يجزئه - أي : إذا أطعم واحد عشر مرات أغني عن إطعام العشرة - لأن المقصود من الآية ال

تفسير هذه الآية من كتب أخرى