تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
مسألة : اختلف الناس في تأويل أحرف ذكرت في قوله تعالى :﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان﴾ إلى قوله تعالى ﴿لعلكم تشكرون﴾
لما للناس حاجة إلى معرفة حقيقة ما في كل حرف منها. إنه لم يزل تنازع أهل الفقه في أحكامه مما يعلم أن حق البيان في الخطاب لا يبلغ ما يقطع موضع التنازع فيه ولا بحيث يبلغ حقيقة كل سامع. وإن في شرط المحن بالأسباب التي يمتحن بها لزوم الفكر فيها والبحث عنها [ والسؤال عنها الذين ] خصوا بفهمها بسؤالهم : من ولي الإبانة عنها ومقابلتهم بما سبق لهم العلم بها، في معرفة ذلك بيان ما خفي من معنى الذي قرع سمعه، أو بغير ذلك مما فيه دليل ذلك ؛ إذ لا يجوز المحنة بالذي لا يحتمل الوسع الوصول إليه، ولا في جملة ما به امتحن إيضاح ذلك لما يوجب الأمر بفعل ما هو عنه ممنوع، وذلك بعيد. بل يكون البيان السمعي على قدر البيان العقلي ؛ إن من المعارف ما يكون بالحواس، ومنها ما بها يوصل إليها إما بالاستدلال، فمثله حق السمعي، والله أعلم.
من ذلك قوله تعالى :﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم﴾ [ البقرة : ٢٢٥ والمائدة : ٨٩ ]
إنه عز وجل ذكر يمينا لا يؤاخذ فيها في موضعين من غير أن ذكر أنها : أي يمين هي ؟ ولا بأي شيء، لا يؤاخذ فيها ؟ والحاجة لازمة. إن ذلك في موضع الامتنان منه، جل وعلا، في العفو عن أمر كان له المؤاخذة. وحق على السامع معرفة منة الله تعالى ليشكره عليها.
ثم معلوم أن اليمين لو كانت بالطلاق والعتاق كان صاحب ذلك يؤاخذ بما روي عن النبي ﷺ :«أن ثلاثا جدهن جد، وهزلهن جد : الطلاق والعتاق والنكاح » [ أبو داوود : ٢١٩٤ ]. واللاغي لا يعدو أمرين مع ما كان يلزمان بلا شرط، يصير به الموقع حالفا. وأعظم ما في دفع المؤاخذة في اليمين أن يدفع عنه اليمين، وهما يجبان دونهما، فيقعان من غير أن كان في الآية ذكر التفضيل. ولكن تجب معرفة حقيقة ذلك بالذي بينا من الخير والنظر مع ما يعرف في ذلك خلافا. وهذا يوضح أن العفو في ما كانت الأيمان بالله تعالى.
فعلى ذلك ما نسق على ما لا يؤاخذ من المؤاخذة ؛ وذلك يمنع من احتج بإيجاب الكفارة على الحالف بالقرب من حيث كان ذلك منه يمينا. والله أوجب باليمين كفارة. وإنما ذلك في اليمين لا في اليمين بالقرب.
ثم كانت اليمين بالقرب : لو كانت على مخرج اليمين بالله لم يجب فيها شيء نحو أن تقول بالعتق : لا أفعل كذا أو بالصلاة أو بالصيام، ولو قال : بالله يجب. ثبت أن وجوب ذلك وصيرورته يمينا كان بحق النذور.
وقد أمر الله ورسوله في النذور بالوفاء. فكذلك اليمين بها. ومما يبين ذلك أنه لو قال : إن فعل كذا فعله قتل فلان أو إتلاف ماله إنه لا يلزمه شيء. ثبت أن ما لزم لزم بحق لزوم ذلك في النذور. وحق ذلك الوفاء لا غير مع ما جاء الخبر بالأمر بالحلف بالله والنهي عن الحلف بغيره. والنذور أبدا لا تكون بغيره. ثبت أن وجوب ذلك بحق النذر. فذلك يجب الوفاء به، والله أعلم.
ثم الأصل في ذلك أن الحلف بغير الله يكون على قسمين : قسم ألا يجب فيه شيء وقسم أنه لو وجب لأوجب[ في الأصل وم : لجب ] المسمى نحو الطلاق والعتاق في ما يجب. فلما كان في الحلف بالقرب في الذمة، وهو حلف بغير الله تعالى، يجب أن يكون الواجب في ذلك ما أوجب، والله أعلم.
ثم اختلف في معنى اللغو، فقال القوم : هو الإثم كقوله تعالى :( لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما )[الواقعة: ٢٥] وقوله تعالى :( لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما )[مريم: ٦٢].
ثم اختلف [ في ][ ساقطة من الأصل وم ] من قال بهذا على قولين :
أحدهما : أنه لا يؤاخذ بالإثم في أيمانكم التي لم تعقدوها[ في الأصل وم : تعتدوها ]، لكنها جرت على اللسان. وبمثل ذلك روي عن عائشة رضي الله عنه أنها قالت : هو قول الرجل : لا والله ما كان كذا. وبه قال أبو بكر الكيساني في تفسيره. وأيد ذلك قوله تعالى :( ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم )[البقرة: ٢٢٥]. دل أن الأول بما يجري على اللسان دون ما يقصده قلبه.
والثاني : ألا يؤاخذ بترك المحافظة في ما كان في المحافظة مأثم. دليله صلة ذلك قوله تعالى :( ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم )الآية[البقرة: ٢٢٤] فكأنهم يخرجون عن ترك المحافظة في ما سبقت منهم الإيمان قبل النهي بقوله تعالى :( ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها )[النحل: ٩١] فنزل قوله تعالى :( لا يؤاخذكم الله باللغو في ) بعض أيمانكم إذا كان حفظها مأثما ؛ وذلك نحو ما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال :«من حلف على يمين، فرأى غيرها خيرا منها، فليأت بالذي هو خير وليكفر عن يمينه »[ مسلم : ١٦٥٠ ].
وعلى ذلك قوله تعالى :( ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان ) ولا يحتمل أن يؤاخذ بالعقد، وهو به معظم ربه، ولكن لمحافظة ما ( عقدتم الأيمان ) إذا كانت المحافظة إثما، وفي ما لم يكن فهو في قوله تعالى :( واحفظوا أيمانكم )[ الآية : ٨٩ ] والله أعلم.
وإلى هذا يذهب سعيد بن جبير في تأويل الآية.
وقال قائلون[ هذا وجه ثان في معنى اللغو ] هو الشيء الذي لا حقيقة له نحو اللعب. وعلى ذلك [ قوله تعالى ][ ساقطة من الأصل وم ] :( لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه )[فصلت: ٢٦] أنهم لم يقصدوا تحقيق أمر يظهرونه، ولكن قصدوا التلبيس بما نطق به : ما كان كذا. قيل : لا يسمعون فيها لغوا باطلا بل كل ما يسمع فيها فهو حق وحكمة.
ثم رجع تأويله إلى وجهين :
أحدهما : يجري على اللسان من غير عقد انقلب على ما مر به تفسيره.
والثاني : أن يكون به الحلف بما لا حقيقة له على ظن أن حقيقة ما حلف عليه الحالف كما حلف.
وكذلك روي عن ابن عباس والحسن رضي الله عنهما في تأويل الآية.
ثم لو كانت الآية على التأويل الأول لكانت في وقع المأثم خاصة، وهو التأويل الذي ذكره سعيد بن جبير رضي الله عنه.
وأما الكفارة فهي لازمة على ما ذكر في الخبر المرفوع في ما ذلك، وبما هي واجبة للحنث في اليمين وترك الوفاء من حيث لم يكن استثناء حالا منهما صاحبه. وذلك مبين أن ذلك للحلف في عقد اليمين أو لما يخرج الفعل مخرج الاستحقاق إذا قوبل فعله بعقد. وإن كان المسلم قد عصم عن ذلك الوجه، فأمر بتكفير ذلك، وذلك المعنى موجود في الوجهين. لذلك لزمت الكفارة في الأمرين، والله أعلم.
لو كانت على التأويل الثاني أو على أحد وجهي تأويل لأمكن أن يؤاخذ بالمأثم ولا بالكفارة جميعا.
والذي يبين أن هذا التأويل أنه ذكر المؤاخذة في الآيتين :
أحدهما[ في الأصل وم : أحدهما، والمقصود قوله تعالى :( ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم )[البقرة: ٢٢٥] ] : بكسب القلوب.
[ والثانية : بكسبها ][ في الأصل وم : وكسبها، والمقصود قوله تعالى :( ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان )[المائدة: ٨٩] ] تعمدها. والمؤاخذة به تكون بالمأثم لا بالحقوق والكفارات ؛ إذ لا يؤاخذ بشيء يكسب القلب خاصة كفارة أو حقا يوجب. وإن كان قد يؤاخذ لذلك عند أفعال الجوارح. فأما [ ما ][ ساقطة من الأصل وم ] له خاصة فلا، وقد يكون به الطاعة والمعصية.
وعلى ذلك قوله تعالى :( وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم )[الأحزاب: ٥] وإذا ثبت أن ذلك في المأثم فلا يؤاخذ. ثم لا مأثم في ما ذكر من عقد اليمين في العقد ؛ إذ هو يخرج مخرج التعظيم لله، وقد رويت عقود الأيمان عن الرسل، فثبت أن المؤاخذة بالكفارة. فلا يؤاخذ بها في اللغو أيضا.
وأيد ذلك أن الله تعالى ذكر ما لا يؤاخذ مرتين، وذكر المؤاخذة كذلك. فلو كانت المؤاخذة بواحد لكان الذكر الواحد كافيا. فثبت /١٣٦-أ/ أنه بأمرين مختلفين.
فعلى ذلك أمر العفو، والله أعلم، مع ما أنه قد تبين في آية المعاقدة كيفية المؤاخذة، ولم يبين في كسب القلب أن يكون العفو عما جرى به بيان المؤاخذة أحق منه مما لم يجيء به، فثبت أنه في دفع المؤاخذة بالكفارة.
ولو كان على ما يقوله سعيد [ بن جبير ][ ساقطة من الأصل وم ] لكانت تجب الكفارة بما سلف بيانه. لذلك قلنا : إن هذا حق بالآية، والله أعلم.
ثم إذا ثبت أن اللغو مما لا تجب فيه الكفارة يحتمل أن يكون لم تجب من حيث لم يعص الله به، ويحتمل أن تكون لم تجب لأن يمينه كانت على ما كانت، الحنث به معه أو قبله، فيمنع صحة اليمين. وإن أطلق لها الاسم إن كانت الأسماء مطلقة لما فسد من العقود، وصحت. وإنما تختلف لها الأحكام والمقاصد منها.
فإن كان لما لم يعص الله فيجب أن يكون في كل حنث يؤمر به، لا تجب به الكفارة. فإذا جرت السنة بإيجابها على الأمر بالحنث قد يجب أيضا في ما كان فعل الحنث على حال خطإ أو لوم أو جنون أو فعل غير الحالف في ما الحنث به على تعمد أن يأثم بغيره، إذا قال الله عز وجل :( ولا تزر وازرة وزر أخرى )[ الأنعام : ١٦٤و. . . ] ثبت أنها تجب لا لأنه لم يعص الله، ولكن للوجه الذي ذكرت، والله أعلم.
ثم كان ذلك المعنى قائما في اليمين الذي تعمد عليه الكذب، وهو ما قيل : اليمين الغموس، يجب ألا تلزمه كفارة اليمين إنما يلزمه كفارة الجرأة والمخالفة لله، والله أعلم.
وأيد هذا الأصل وجهان :
أحدهما : استواء الأمرين في اليمين المعقودة على الحادث في ما عصى من الحنث فيها، أو أطاع، أن يستويا في اليمين على الماضي في الوجهين جميعا. فإذا لم تجب الكفارة في أحد الوجهين لم تجب في الآخر، والله أعلم.
والثاني : ما روي عن نبي الرحمة ﷺ في شأن اللعان بعد الفراغ منه :«إن الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب ؟ »[ البخاري : ٤٧٤٧ ] ومعلوم أن صاحبتهما لو كانت تجب فيه الكفارة [ لاحتيج ][ ساقطة من الأصل وم ] إلى البيان عنها أكثر من صاحبتها إلى بيان كذب أحدهما.
ثم لزوم التوبة إذ ذلك يعرفه كل سفيه وحكيم لا سمع، والكفارة لا تعرف إلى بالسمع، ثبت أنها غير واجبة.
وكذا الأخبار التي رويت في الخصمين أنه قضي لأحدهما حتى ذكر فيه الوعيد الشديد حتى أمرهما بالتساهم بينهما وأن يحلل كل واحد منهما الآخر، فلا يحتمل أن يكون فيه كفارة، ولا تبين وكذلك علم في الموضع الذي أمر بالحنث ؛ إذ قد يشتبه على بعض من ليس له رؤية.
وقد قال أبو إسحاق : أجمع المسلمون على ألا تجب فيه الكفارة. ولا تبين وكذلك علم في الموضع الذي أمر بالحنث ؛ إذ قد يشبته على بعض من ليس له رؤية.
وقد قال إسحاق : أجمع المسلمون على ألا تجب فيه الكفارة. فقول من يوجبها ابتداء شرع ونصب وحكم الله تعالى على الخلق، وهو لم يشرك في حكمه أحدا.
ثم الأصل في ذلك أن الأسباب التي ترفع العقود توجب الحرمات إذا تأخرت[ في الأصل وم : تأخر ] العقود وأسباب الحل ؛ فهي على اختلافها متفقة على منع ابتدائها إذا قارنتها. فعلى ذلك أمر سبب الحنث. فلذلك تطلب اليمين والكفارة ؛ وهي كفارة اليمين فلا تجب في ما لا يمين تجب فيها. وليس كذلك كالقول بمس السماء ونحو ذلك لأن اليمين في هذا على ما يكون. فسبب الحنث لم يقترن لها، فصحت. لذلك اختلف الأمران.
وهذه المسألة توضح حال رجلين :[ حال ][ ساقطة من الأصل وم ] الشافعي في قوله : إن الكفارة تجب للحنث، وههنا لا حنث لما لم يصح العقد ليحنث فيه. ويكون الحنث أيضا بعد العقد، ولم يكن النص بالكفارة في اليمين المعقودة[ في الأصل

تفسير هذه الآية من كتب أخرى