تفسير القرآن العظيم — ابن كثير
عن الكتاب
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٩١:ثم قال تعالى :﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾
ذكر الأحاديث الواردة في [ بيان ](١) تحريم الخمر :
قال الإمام أحمد : حدثنا سُرَيج(٢) حدثنا أبو مَعْشَر، عن أبي وَهْب مولى أبي هريرة، عن أبي هريرة قال : حرمت الخمر ثلاث مرات، قدم رسول الله ﷺ المدينة، وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر، فسألوا رسول الله ﷺ عنهما، فأنزل الله :﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ إلى آخر الآية [البقرة: ٢١٩]. فقال الناس : ما حرم علينا، إنما قال :﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ وكانوا يشربون الخمر، حتى كان يوما من الأيام صلى رجل من المهاجرين، أمَّ أصحابه(٣) في المغرب، خلط في قراءته، فأنزل الله [ عز وجل ](٤) آية أغلظ منها :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] وكان الناس يشربون، حتى يأتي أحدهم الصلاة وهو مفيق. ثم أنزلت آية أغلظ من ذلك :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ قالوا : انتهينا ربنا. وقال الناس : يا رسول الله، ناس قتلوا في سبيل الله، [ وناس ](٥) ماتوا على سرفهم(٦) كانوا يشربون الخمر ويأكلون الميسر، وقد جعله الله رجسًا من عمل الشيطان ؟ فأنزل الله تعالى :﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ إلى آخر الآية، وقال النبي ﷺ :" لو حرم عليهم لتركوه كما تركتم ". انفرد به أحمد. (٧)
وقال الإمام أحمد : حدثنا خَلَف بن الوليد، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي مَيْسَرة، عن عمر بن الخطاب [ رضي الله عنه ](٨) أنه قال : لما نزل تحريم الخمر قال : اللهم بَيّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا. فنزلت هذه الآية التي في البقرة :﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ فَدُعي عمر فقرئت عليه، فقال : اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا. فنزلت الآية التي في سورة النساء :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ فكان(٩) منادي رسول الله ﷺ إذا أقام الصلاة نادى : ألا يقربن الصلاة سكران. فدعي عمر فقرئت عليه، فقال : اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا. فنزلت الآية التي في المائدة، فدعي عمر فقرئت عليه فلما بلغ :﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ قال عمر : انتهينا. (١٠)
وهكذا رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي من طرق، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق عَمْرو بن عبد الله السَّبِيعي وعن أبي ميسرة - واسمه عمرو بن شُرَحبيل الهمداني - عن عُمَر، به. وليس له عنه سواه، قال أبو زُرْعَة : ولم يسمع منه. وصحح هذا الحديث علي بن المديني والترمذي. (١١)
وقد ثبت في الصحيحين عن عمر بن الخطاب أنه قال في خطبته على منبر رسول الله ﷺ : أيها الناس، إنه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة : من العنب، والتمر، والعسل، والحِنْطَة، والشعير، والخمر ما خامر العقل. (١٢)
وقال البخاري : حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا محمد بن بِشْر، حدثنا عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، حدثني نافع، عن ابن عمر قال : نزل تحريم الخمر وإن بالمدينة يومئذ لخمسة أشربة ما فيها شراب العنب. (١٣)
حديث آخر : قال أبو داود الطيالسي : حدثنا محمد بن أبي حميد، عن المصري - يعني أبا طعمة قارئ مصر - قال : سمعت ابن عمر يقول : نزلت في الخمر ثلاث آيات، فأول شيء نزل :﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ الآية [البقرة: ٢١٩] فقيل : حرمت الخمر. فقالوا : يا رسول الله، ننتفع بها كما قال الله تعالى. قال : فسكت عنهم ثم نزلت هذه الآية :﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣]. فقيل : حرمت الخمر، فقالوا : يا رسول الله، إنا لا نشربها قرب الصلاة، فسكت عنهم ثم نزلت :(١٤) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ فقال رسول الله ﷺ :" حرمت الخمر ". (١٥)
حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا يعلى، حدثنا محمد بن إسحاق، عن القعقاع بن حكيم ؛ أن عبد الرحمن بن وَعْلَة قال : سألت ابن عباس عن بيع الخمر، فقال : كان لرسول الله ﷺ صديق من ثقيف - أو : من دوس - فلقيه يوم الفتح براوية خمر يهديها إليه، فقال رسول الله ﷺ :" يا فلان، أما علمت أن الله حرمها ؟ " فأقبل الرجل على غلامه فقال : اذهب فبعها. فقال رسول الله ﷺ :" يا فلان، بماذا أمرته ؟ " فقال : أمرته أن يبيعها. قال :" إن الذي حرم شربها حرم بيعها ". فأمر بها فأفرغت في البطحاء.
رواه مسلم من طريق ابن وَهْب، عن مالك، عن زيد بن أسلم. ومن طريق ابن وهب أيضًا، عن سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد كلاهما - عن عبد الرحمن بن وَعْلَة، عن ابن عباس، به. ورواه النسائي، عن قتيبة، عن مالك، به. (١٦)
حديث آخر : قال الحافظ أبو يعلى الموصلي : حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا أبو بكر الحنفي، حدثنا عبد الحميد بن جعفر، عن شَهْر بن حَوْشَب، عن تميم الداري أنه كان يهدي لرسول الله ﷺ راوية(١٧) من خمر، فلما أنزل الله تحريم الخمر جاء بها، فلما رآها رسول الله ﷺ ضحك وقال :" إنها قد حرمت بعدك ". قال : يا رسول الله، فأبيعها وأنتفع بثمنها ؟ فقال رسول الله ﷺ :" لعن الله اليهود، حرم عليهم شُحُوم البقر والغنم، فأذابوه، وباعوه، والله حَرّم الخمر وثمنها ". (١٨)
وقد رواه أيضًا الإمام أحمد فقال : حدثنا رَوْح، حدثنا عبد الحميد بن بَهْرام قال : سمعت شهر بن حوشب قال : حدثني عبد الرحمن بن غَنْم : أن الداري كان يهدي لرسول الله ﷺ كل عام راوية من خمر، فلما كان عام حُرّمت جاء براوية، فلما نظر إليه ضحك فقال(١٩) أشعرت أنها حرمت بعدك ؟ " فقال : يا رسول الله، ألا(٢٠) أبيعها وأنتفع بثمنها ؟ فقال رسول الله ﷺ :" لعن الله اليهود، انطلقوا إلى ما حُرّم عليهم من شحم البقر والغنم فأذابوه، فباعوه به ما يأكلون، وإن الخمر حرام وثمنها حرام، وإن الخمر حرام وثمنها حرام، وإن الخمر حرام وثمنها حرام ". (٢١)
حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا قُتَيْبَةُ بن سعيد، حدثنا ابن لَهِيعَة، عن سليمان بن عبد الرحمن، عن نافع بن كَيسان أن أباه أخبره(٢٢) أنه كان يتجر في الخمر في زمن رسول الله ﷺ، وأنه أقبل من الشام ومعه خمر في الزقاق، يريد بها التجارة، فأتى بها رسول الله ﷺ فقال : يا رسول الله، إني جئتك بشراب طيب(٢٣) فقال رسول الله ﷺ :" يا كيسان، إنها قد حرمت بعدك ". قال : فأبيعها يا رسول الله ؟ فقال رسول الله ﷺ :" إنها قد حرمت وحرم ثمنها ". فانطلق كيسان إلى الزقاق، فأخذ بأرجلها ثم هراقها. (٢٤)
حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا يحيي بن سعيد، عن حميد، عن(٢٥) أنس قال : كنت أسقي أبا عبيدة بن الجراح، وأبي بن كَعْب، وسُهَيْل بن بيضاء، ونفرًا من أصحابه عند أبي طلحة وأنا أسقيهم، حتى كاد الشراب يأخذ منهم، فأتى آت من المسلمين فقال : أما شعرتم أن الخمر قد حرمت ؟ فما قالوا : حتى ننظر ونسأل، فقالوا : يا أنس اكف ما بقي في إنائك، فوالله(٢٦) ما عادوا فيها، وما هي إلا التمر والبسر، وهي خمرهم يومئذ. (٢٧)
أخرجاه في الصحيحين - من غير وجه - عن أنس(٢٨) وفي رواية حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس قال : كنتُ ساقي القوم يوم حُرّمت الخمر في بيت أبي طلحة، وما شرابهم إلا الفَضيخ البسرُ والتمرُ، فإذا مناد ينادي، قال : اخرج فانظر. فإذا مناد ينادي : ألا إن الخمر قد حُرّمت، فَجرت في سِكَكِ المدينة، قال : فقال لي أبو طلحة : اخرج فَأهْرقها. فهرقتها، فقالوا - أو : قال بعضهم : قُتل فلان وفلان وهي في بطونهم. قال : فأنزل الله :﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا﴾ الآية. (٢٩)
وقال ابن جرير : حدثنا محمد بن بَشَّار، حدثني عبد الكبير بن عبد المجيد(٣٠) حدثنا عباد بن راشد، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال : بينما أنا أدير الكأس على أبي طلحة، وأبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وسهيل بن بيضاء، وأبي دُجَانة، حتى مالت رؤوسهم من خَليط بُسْر وتمر. فسمعت مناديًا ينادي : ألا إن الخمر قد حُرّمت ! قال : فما دخل علينا داخل ولا خرج منا خارج، حتى أهرقنا الشراب، وكسرنا القلال، وتوضأ بعضنا واغتسل بعضنا، وأصبنا من طيب أمّ سليم، ثم خرجنا إلى المسجد، فإذا رسول الله ﷺ يقرأ :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ إلى قوله :﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فقال رجل : يا رسول الله، فما منزلة من مات وهو يشربها ؟ فأنزل الله :﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا [ إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ]﴾(٣١) الآية، فقال رجل لقتادة : أنت سَمعتَه من أنس بن مالك ؟ قال : نعم. وقال رجل لأنس بن مالك : أنت سمعته من رسول الله ﷺ ؟ قال : نعم - أو : حدثني من لم يكذب، ما كنا نكذب، ولا ندري ما الكذب. (٣٢)
حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن إسحاق، أخبرني يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن زَحر، عن بكر بن سوادة، عن قيس بن سعد بن عبادة ؛ أن رسول الله ﷺ قال :" إن ربي تبارك وتعالى حرم عَلَيّ الخمر، والكُوبَة، والقنّين. وإياكم والغُبيراء فإنها ثلث خمر العالم ". (٣٣)
حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا يزيد، حدثنا فرج بن فضالة، عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن رافع(٣٤) عن أبيه، عن عبد الله بن عَمْرو قال : قال رسول الله ﷺ :" إن الله حرم على أمتي الخمر والميسر والمزْر، والكُوبة والقِنّين. وزادني صلاة الوتر ". قال يزيد : القنين : البرابط. تفرد به أحمد. (٣٥)
وقال أحمد أيضا : حدثنا أبو عاصم - وهو النبيل - أخبرنا عبد الحميد بن جعفر، حدثنا يزيد بن أبي حبيب، عن عمرو بن الوليد، عن عبد الله بن عمرو ؛ أن رسول الله ﷺ قال :" من قال علي ما لم أقل
ذكر الأحاديث الواردة في [ بيان ](١) تحريم الخمر :
قال الإمام أحمد : حدثنا سُرَيج(٢) حدثنا أبو مَعْشَر، عن أبي وَهْب مولى أبي هريرة، عن أبي هريرة قال : حرمت الخمر ثلاث مرات، قدم رسول الله ﷺ المدينة، وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر، فسألوا رسول الله ﷺ عنهما، فأنزل الله :﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ إلى آخر الآية [البقرة: ٢١٩]. فقال الناس : ما حرم علينا، إنما قال :﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ وكانوا يشربون الخمر، حتى كان يوما من الأيام صلى رجل من المهاجرين، أمَّ أصحابه(٣) في المغرب، خلط في قراءته، فأنزل الله [ عز وجل ](٤) آية أغلظ منها :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] وكان الناس يشربون، حتى يأتي أحدهم الصلاة وهو مفيق. ثم أنزلت آية أغلظ من ذلك :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ قالوا : انتهينا ربنا. وقال الناس : يا رسول الله، ناس قتلوا في سبيل الله، [ وناس ](٥) ماتوا على سرفهم(٦) كانوا يشربون الخمر ويأكلون الميسر، وقد جعله الله رجسًا من عمل الشيطان ؟ فأنزل الله تعالى :﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ إلى آخر الآية، وقال النبي ﷺ :" لو حرم عليهم لتركوه كما تركتم ". انفرد به أحمد. (٧)
وقال الإمام أحمد : حدثنا خَلَف بن الوليد، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي مَيْسَرة، عن عمر بن الخطاب [ رضي الله عنه ](٨) أنه قال : لما نزل تحريم الخمر قال : اللهم بَيّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا. فنزلت هذه الآية التي في البقرة :﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ فَدُعي عمر فقرئت عليه، فقال : اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا. فنزلت الآية التي في سورة النساء :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ فكان(٩) منادي رسول الله ﷺ إذا أقام الصلاة نادى : ألا يقربن الصلاة سكران. فدعي عمر فقرئت عليه، فقال : اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا. فنزلت الآية التي في المائدة، فدعي عمر فقرئت عليه فلما بلغ :﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ قال عمر : انتهينا. (١٠)
وهكذا رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي من طرق، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق عَمْرو بن عبد الله السَّبِيعي وعن أبي ميسرة - واسمه عمرو بن شُرَحبيل الهمداني - عن عُمَر، به. وليس له عنه سواه، قال أبو زُرْعَة : ولم يسمع منه. وصحح هذا الحديث علي بن المديني والترمذي. (١١)
وقد ثبت في الصحيحين عن عمر بن الخطاب أنه قال في خطبته على منبر رسول الله ﷺ : أيها الناس، إنه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة : من العنب، والتمر، والعسل، والحِنْطَة، والشعير، والخمر ما خامر العقل. (١٢)
وقال البخاري : حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا محمد بن بِشْر، حدثنا عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، حدثني نافع، عن ابن عمر قال : نزل تحريم الخمر وإن بالمدينة يومئذ لخمسة أشربة ما فيها شراب العنب. (١٣)
حديث آخر : قال أبو داود الطيالسي : حدثنا محمد بن أبي حميد، عن المصري - يعني أبا طعمة قارئ مصر - قال : سمعت ابن عمر يقول : نزلت في الخمر ثلاث آيات، فأول شيء نزل :﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ الآية [البقرة: ٢١٩] فقيل : حرمت الخمر. فقالوا : يا رسول الله، ننتفع بها كما قال الله تعالى. قال : فسكت عنهم ثم نزلت هذه الآية :﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣]. فقيل : حرمت الخمر، فقالوا : يا رسول الله، إنا لا نشربها قرب الصلاة، فسكت عنهم ثم نزلت :(١٤) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ فقال رسول الله ﷺ :" حرمت الخمر ". (١٥)
حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا يعلى، حدثنا محمد بن إسحاق، عن القعقاع بن حكيم ؛ أن عبد الرحمن بن وَعْلَة قال : سألت ابن عباس عن بيع الخمر، فقال : كان لرسول الله ﷺ صديق من ثقيف - أو : من دوس - فلقيه يوم الفتح براوية خمر يهديها إليه، فقال رسول الله ﷺ :" يا فلان، أما علمت أن الله حرمها ؟ " فأقبل الرجل على غلامه فقال : اذهب فبعها. فقال رسول الله ﷺ :" يا فلان، بماذا أمرته ؟ " فقال : أمرته أن يبيعها. قال :" إن الذي حرم شربها حرم بيعها ". فأمر بها فأفرغت في البطحاء.
رواه مسلم من طريق ابن وَهْب، عن مالك، عن زيد بن أسلم. ومن طريق ابن وهب أيضًا، عن سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد كلاهما - عن عبد الرحمن بن وَعْلَة، عن ابن عباس، به. ورواه النسائي، عن قتيبة، عن مالك، به. (١٦)
حديث آخر : قال الحافظ أبو يعلى الموصلي : حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا أبو بكر الحنفي، حدثنا عبد الحميد بن جعفر، عن شَهْر بن حَوْشَب، عن تميم الداري أنه كان يهدي لرسول الله ﷺ راوية(١٧) من خمر، فلما أنزل الله تحريم الخمر جاء بها، فلما رآها رسول الله ﷺ ضحك وقال :" إنها قد حرمت بعدك ". قال : يا رسول الله، فأبيعها وأنتفع بثمنها ؟ فقال رسول الله ﷺ :" لعن الله اليهود، حرم عليهم شُحُوم البقر والغنم، فأذابوه، وباعوه، والله حَرّم الخمر وثمنها ". (١٨)
وقد رواه أيضًا الإمام أحمد فقال : حدثنا رَوْح، حدثنا عبد الحميد بن بَهْرام قال : سمعت شهر بن حوشب قال : حدثني عبد الرحمن بن غَنْم : أن الداري كان يهدي لرسول الله ﷺ كل عام راوية من خمر، فلما كان عام حُرّمت جاء براوية، فلما نظر إليه ضحك فقال(١٩) أشعرت أنها حرمت بعدك ؟ " فقال : يا رسول الله، ألا(٢٠) أبيعها وأنتفع بثمنها ؟ فقال رسول الله ﷺ :" لعن الله اليهود، انطلقوا إلى ما حُرّم عليهم من شحم البقر والغنم فأذابوه، فباعوه به ما يأكلون، وإن الخمر حرام وثمنها حرام، وإن الخمر حرام وثمنها حرام، وإن الخمر حرام وثمنها حرام ". (٢١)
حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا قُتَيْبَةُ بن سعيد، حدثنا ابن لَهِيعَة، عن سليمان بن عبد الرحمن، عن نافع بن كَيسان أن أباه أخبره(٢٢) أنه كان يتجر في الخمر في زمن رسول الله ﷺ، وأنه أقبل من الشام ومعه خمر في الزقاق، يريد بها التجارة، فأتى بها رسول الله ﷺ فقال : يا رسول الله، إني جئتك بشراب طيب(٢٣) فقال رسول الله ﷺ :" يا كيسان، إنها قد حرمت بعدك ". قال : فأبيعها يا رسول الله ؟ فقال رسول الله ﷺ :" إنها قد حرمت وحرم ثمنها ". فانطلق كيسان إلى الزقاق، فأخذ بأرجلها ثم هراقها. (٢٤)
حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا يحيي بن سعيد، عن حميد، عن(٢٥) أنس قال : كنت أسقي أبا عبيدة بن الجراح، وأبي بن كَعْب، وسُهَيْل بن بيضاء، ونفرًا من أصحابه عند أبي طلحة وأنا أسقيهم، حتى كاد الشراب يأخذ منهم، فأتى آت من المسلمين فقال : أما شعرتم أن الخمر قد حرمت ؟ فما قالوا : حتى ننظر ونسأل، فقالوا : يا أنس اكف ما بقي في إنائك، فوالله(٢٦) ما عادوا فيها، وما هي إلا التمر والبسر، وهي خمرهم يومئذ. (٢٧)
أخرجاه في الصحيحين - من غير وجه - عن أنس(٢٨) وفي رواية حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس قال : كنتُ ساقي القوم يوم حُرّمت الخمر في بيت أبي طلحة، وما شرابهم إلا الفَضيخ البسرُ والتمرُ، فإذا مناد ينادي، قال : اخرج فانظر. فإذا مناد ينادي : ألا إن الخمر قد حُرّمت، فَجرت في سِكَكِ المدينة، قال : فقال لي أبو طلحة : اخرج فَأهْرقها. فهرقتها، فقالوا - أو : قال بعضهم : قُتل فلان وفلان وهي في بطونهم. قال : فأنزل الله :﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا﴾ الآية. (٢٩)
وقال ابن جرير : حدثنا محمد بن بَشَّار، حدثني عبد الكبير بن عبد المجيد(٣٠) حدثنا عباد بن راشد، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال : بينما أنا أدير الكأس على أبي طلحة، وأبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وسهيل بن بيضاء، وأبي دُجَانة، حتى مالت رؤوسهم من خَليط بُسْر وتمر. فسمعت مناديًا ينادي : ألا إن الخمر قد حُرّمت ! قال : فما دخل علينا داخل ولا خرج منا خارج، حتى أهرقنا الشراب، وكسرنا القلال، وتوضأ بعضنا واغتسل بعضنا، وأصبنا من طيب أمّ سليم، ثم خرجنا إلى المسجد، فإذا رسول الله ﷺ يقرأ :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ إلى قوله :﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فقال رجل : يا رسول الله، فما منزلة من مات وهو يشربها ؟ فأنزل الله :﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا [ إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ]﴾(٣١) الآية، فقال رجل لقتادة : أنت سَمعتَه من أنس بن مالك ؟ قال : نعم. وقال رجل لأنس بن مالك : أنت سمعته من رسول الله ﷺ ؟ قال : نعم - أو : حدثني من لم يكذب، ما كنا نكذب، ولا ندري ما الكذب. (٣٢)
حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن إسحاق، أخبرني يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن زَحر، عن بكر بن سوادة، عن قيس بن سعد بن عبادة ؛ أن رسول الله ﷺ قال :" إن ربي تبارك وتعالى حرم عَلَيّ الخمر، والكُوبَة، والقنّين. وإياكم والغُبيراء فإنها ثلث خمر العالم ". (٣٣)
حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا يزيد، حدثنا فرج بن فضالة، عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن رافع(٣٤) عن أبيه، عن عبد الله بن عَمْرو قال : قال رسول الله ﷺ :" إن الله حرم على أمتي الخمر والميسر والمزْر، والكُوبة والقِنّين. وزادني صلاة الوتر ". قال يزيد : القنين : البرابط. تفرد به أحمد. (٣٥)
وقال أحمد أيضا : حدثنا أبو عاصم - وهو النبيل - أخبرنا عبد الحميد بن جعفر، حدثنا يزيد بن أبي حبيب، عن عمرو بن الوليد، عن عبد الله بن عمرو ؛ أن رسول الله ﷺ قال :" من قال علي ما لم أقل
١ زيادة من أ..
٢ في د، ر: "شريج"..
٣ في ر: "الصحابة"..
٤ زيادة من أ..
٥ زيادة من أ..
٦ في ر: "شربهم"، وفي أ: "فرشهم"..
٧ المسند (٢/٣٥١)..
٨ زيادة من أ..
٩ في أ: "حتى كان"..
١٠ في أ: "انتهينا انتهينا"..
١١ المسند (١/٥٣) وسنن أبي داود برقم (٣٦٧٠) وسنن الترمذي برقم (٣٠٤٩) وسنن النسائي (٨/٢٨٦)..
١٢ صحيح البخاري برقم (٤٦١٩) وصحيح مسلم برقم (٣٠٣٢)..
١٣ صحيح البخاري برقم (٤٦١٦)..
١٤ في أ: "فنزلت"..
١٥ مسند الطيالسي برقم (١٩٥٧)..
١٦ المسند (١/٢٣٠) والموطأ (٢/٨٤٦) وصحيح مسلم برقم (١٥٧٩) وسنن النسائي (٧/٣٠٧).
١٧ في أ: "صلى الله عليه وسلم كل عام راوية"..
١٨ وفي إسناده انقطاع. ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٢/٥٧) من طريق زيد بن أخزم، عن أبي بكر الحنفي، عن عبد الحميد بن جعفر، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن تميم الداري به..
١٩ في أ: "وقال"..
٢٠ في أ: "أفلا".
.
٢١ المسند (٤/٢٢٦) وقال الهيثمي في المجمع (٤/٨٨)، "فيه شهر وحديثه حسن وفيه كلام"..
٢٢ في أ: "أن أباه قد أخبره"..
٢٣ في أ: "جيد"..
٢٤ المسند (٤/٣٣٧) وقال الهيثمي في المجمع (٤/٨٨): "فيه نافع بن كيسان وهو مستور"..
٢٥ في ر: "بن"..
٢٦ في أ: "فرأيته"..
٢٧ المسند (٣/١٨١).
٢٨ صحيح البخاري برقم (٤٦٢٠) وصحيح مسلم برقم (١٩٨٠)..
٢٩ هذا لفظ مسلم في صحيحه برقم (١٩٨٠)..
٣٠ في د، ر: "عبد الحميد"..
٣١ زيادة من ر..
٣٢ تفسير الطبري (١٠/٥٧٨) ورواه البزار في مسنده برقم (٢٩٢٢) "كشف الأستار" من طريق عباد بن راشد، عن قتادة، عن أنس بنحوه..
٣٣ المسند (٤/٤٢٢) وقال الهيثمي في المجمع (٥/٥٤): "فيه عبيد الله بن زحر وثقة أبو زرعه والنسائي وضعفه الجمهور"..
٣٤ في ر: "نافع"..
٣٥ المسند (٢/١٦٣) وقال الهيثمي في المجمع (٢/٢٤٠): "فيه إبراهيم بن عبد الرحمن بن رافع وهو مجهول"..
٢ في د، ر: "شريج"..
٣ في ر: "الصحابة"..
٤ زيادة من أ..
٥ زيادة من أ..
٦ في ر: "شربهم"، وفي أ: "فرشهم"..
٧ المسند (٢/٣٥١)..
٨ زيادة من أ..
٩ في أ: "حتى كان"..
١٠ في أ: "انتهينا انتهينا"..
١١ المسند (١/٥٣) وسنن أبي داود برقم (٣٦٧٠) وسنن الترمذي برقم (٣٠٤٩) وسنن النسائي (٨/٢٨٦)..
١٢ صحيح البخاري برقم (٤٦١٩) وصحيح مسلم برقم (٣٠٣٢)..
١٣ صحيح البخاري برقم (٤٦١٦)..
١٤ في أ: "فنزلت"..
١٥ مسند الطيالسي برقم (١٩٥٧)..
١٦ المسند (١/٢٣٠) والموطأ (٢/٨٤٦) وصحيح مسلم برقم (١٥٧٩) وسنن النسائي (٧/٣٠٧).
١٧ في أ: "صلى الله عليه وسلم كل عام راوية"..
١٨ وفي إسناده انقطاع. ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٢/٥٧) من طريق زيد بن أخزم، عن أبي بكر الحنفي، عن عبد الحميد بن جعفر، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن تميم الداري به..
١٩ في أ: "وقال"..
٢٠ في أ: "أفلا".
.
٢١ المسند (٤/٢٢٦) وقال الهيثمي في المجمع (٤/٨٨)، "فيه شهر وحديثه حسن وفيه كلام"..
٢٢ في أ: "أن أباه قد أخبره"..
٢٣ في أ: "جيد"..
٢٤ المسند (٤/٣٣٧) وقال الهيثمي في المجمع (٤/٨٨): "فيه نافع بن كيسان وهو مستور"..
٢٥ في ر: "بن"..
٢٦ في أ: "فرأيته"..
٢٧ المسند (٣/١٨١).
٢٨ صحيح البخاري برقم (٤٦٢٠) وصحيح مسلم برقم (١٩٨٠)..
٢٩ هذا لفظ مسلم في صحيحه برقم (١٩٨٠)..
٣٠ في د، ر: "عبد الحميد"..
٣١ زيادة من ر..
٣٢ تفسير الطبري (١٠/٥٧٨) ورواه البزار في مسنده برقم (٢٩٢٢) "كشف الأستار" من طريق عباد بن راشد، عن قتادة، عن أنس بنحوه..
٣٣ المسند (٤/٤٢٢) وقال الهيثمي في المجمع (٥/٥٤): "فيه عبيد الله بن زحر وثقة أبو زرعه والنسائي وضعفه الجمهور"..
٣٤ في ر: "نافع"..
٣٥ المسند (٢/١٦٣) وقال الهيثمي في المجمع (٢/٢٤٠): "فيه إبراهيم بن عبد الرحمن بن رافع وهو مجهول"..